رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الصمت وليد الطلاق النَّفسيِّ


د. سميّة عزَّام
6/8/2019 11:45:01 AM

استهلّ الكاتب الرّوسي ليو تولستوي روايته "آنا كارنينا" بهذا المقطع: "تتشابه الأسر السّعيدة في سعادتها، أمّا الشّقيّة، فتشقي كلٌّ منها علي نحو خاصّ". ويتابع: "كلّ شيء انقلب رأسًا علي عقب في بيت أوبلونسكي". أهي مصادفة انكشاف الخطأ قلبت الأمور في هذا البيت، أم أنّ ثمّة ما يطّرد من أسباب للوصول إلي مثل هذه النتيجة؟!

ما الروايات إلّا استلهام للواقع، وإعادة تشكيله في قالب فنّيّ؛ إذ ترينا البؤس والشقاء بجمال. أليست الحياة التي تعاني جديرة بأن تروي؟ والمأساة التي نسردها تسبّب ألمًا أقلّ، بتقاسمه مع قرّاء يتّسع لهم الزّمان ولا تحدّهم الأمكنة؟! فأن تكون سعيدًا، مسعي مقدّس؛ والسعادة غاية الغايات.
دعكم من التحليق في التخييل السردي، ولنهبط إلي الواقع، إلي قاعه، معرضين عمّا يَزبُد ويضلّل. إنّما القضايا الحميمة تحتاج أحيانًا إلي قلم وجدانيّ يخيط كلوم النفس بالكلمات، وإلي ضمّ أثلام الجراح لا إلي تعريتها بتعريضها إلي رياح لغة علميّة صارمة، تبحث في معاجم علوم الاجتماع والنفس والفلسفة.
بالعودة إلي روحيّة الزّواج، فيراد به سعادة البشر وحفظ النوع. وفي المسيحيّة تأكيد أنّ الله محبّة، وأنّه خلق الإنسان عن حبّ، ودعاه إلي الحبّ. ولدي خلق الله الرّجل والمرأة دعاهما في الزّواج إلي شركة حياة وحبّ حميمة بينهما، (لذلك ليسا هما بعد اثنين بل جسدًا واحدًا) (متّي 19: 6). كما يبدو مفهوم "السّكن والسّكينة" أساسًا في الإسلام (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة) (الرّوم: 21).
غير أنّ السكينة تنقلب أحيانًا قلقًا واضطرابًا، فتنحلّ أواصر الشراكة في البيت شيئًا فشيئًا ليحلّ التّمزّق بين الزّوجين ويسود الصمت. إنّما من الصعب تتبع بداية الخيط لتحديد مكمن الخطأ الأول، وبداية سلسلة الانتكاسات التي ولّدت الأزمة. ومن غير المجدي تحميل أي طرف مسؤولية ما آلت إليه الأمور بالكامل، ومن غير المفيد تراشق التهم بين الطرفين. بنظرة موضوعيّة وواقعيّة، كلاهما محقّ، وكلاهما قد أخطأ في مكان ما؛ ذلك بمعني الرؤية العادلة والمنصفة إلي حياة مشتركة لم تقم علي الإنصاف لكليهما. .وكم تسعف اللغة العربية ومشتقاتها في توصيف مثل هذه الحالة؛  فقبل حدوث الانفصال النهائيّ، ثمة مرحلة من التّنائي. أمّا حقيقة التباعد فهي أعمق من تفاصيل يمكن شرحها. لم يعد ثمة من شيء سوي انغلاق الفهم. "ما هكذا تكون الحياة!" يعلنها الثنائي، أو يضمرانها صرخة.  ينبغي أن نعي أنّ الأرواح تتآلف، وبائتلافها تتواءم الأجساد.
يكاد لا يستبعد موضوع من الموضوعات الوجوديّة والانهمام الإنسانيّ في الأغاني الوجدانيّة. وينبغي لها أن تحكي وجع الإنسان الفرد. من الأغاني المتماهية مع موضوع الطلاق النفسي، أغنية "لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا" لفيروز. وهي شديدة الدلالة وعميقة الأثر في نفس مستمعها؛ ذلك حين ينشد المغنّي لحن حياته، لا مجرّد كلمات مكتوبة يؤدّيها، وحين يغدو المغنّي والشاعر والكلمة واللحن كلًّا واحدًا متجلّيًا في أغنية ينسرب منها سرّ الحكاية، حكاية إنسان وواقعه المأزوم.
ما معني الشراكة حين تجلّل الغربة، أو الاغتراب النفسي، العلاقة بين الشريكين؟ "قصتنا الغريبة شلّعها الهوا... صرت عنك غريبة.. انساني يا حبيبي" تتابع الكلمات تدفّقها منشدةً النسيان والصمت.
قيل إنّ البلاغة في الصمت، لكنّ الصمت بين الزوجين يبلغ الأسي، ويفصح عن التفكّك لا الجمال.
ثمة من يطرح سؤالًا لا يخلو من التسرّع، ما الذي حدث بعد مرحلة من حياة مشتركة عاشها الشريكان، متقبّلين طباع بعضهما ومزاجهما ومتعايشين، كلّ منهما، مع هِنات الآخر؟ السؤال ينفي مبدأ الصيرورة المرافق للسيرورة الزمنيّة، أي نظريّة السيلان الهيرقليطيّة. كما أنّه يقرّ بطبيعة ثابة للإنسان، مخالفًا ماهيّته بأنّه كيان دائم التوثّب في هويّته. والسؤال هذا يستبعد أيضًا قانون التحوّل الأبدي القائل بأنّ التراكم الكمّي يؤدّي إلي تحوّل نوعي.
ربما لو بحث الشريكان في عمق الأزمة التي أدّت إلي انفصالهما، لوجدا أسبابًا تبتعد ممّا هو ظاهر لهما، ويفطنا إلي ما يغوص تحت سطح التمظهر من مشكلات تراكمت، بإقصاء الأسباب الحسّيّة والمادّيّة التي اعتدنا أن نسمعها، عادةً، من شريكين قررّا الانفصال، أو تذرّع كلّ منهما بها لتعليل انفصاله عن شريكه للمجتمع، والتي قد تكون حقيقيّة، أو مواربة، لتفادي التلصّص علي قدسيّة علاقة كانت بينهما.
ينبغي إعادة صوغ السؤال في سلسلة تساؤلات: ماذا عن الخلفيّة الثقافيّة لكليهما، والتي تشكّل فلسفة حياة ورؤية إلي معالجة شئونهما الصغيرة؟ وماذا عن التباينات النفسيّة والاجتماعيّة التي تؤسس وتبني الشخصيّة وفق مبدأ "التراكم والتحوّل"، وماذا عن تجاور الأصل والمهمّش في وعي كلّ منهما علي حدة؟ كلّما حفرا للبحث عن سبب الأزمة، سيعثران علي أخري، إلي أن يصيبهما الإعياء والعجز.
الإجابات ليست عصيّة، لكن، ليس بالإمكان الإحاطة بالظروف جميعها، والوصول إلي حقيقة مطلقة، وإجابة قارّة. لا ينفع البحث عن الماضي وفي خباياه، وفي إلقاء التهم جزافّا، في حالة انفصال الشريكين. إنما من الرّفعة عدم وصم الزوج بالمعايب، أو الزوجة بالسوء. ألا يمكننا التسامي علي الجراح، والإقرار بعدم التوافق ليس إلّا، من غير إضافات، أو هذر وتطويل. هي البلاغة في الإيجاز والجمال فيها، علي الرغم من انبنائها علي خراب وألم.
صمت يسبق صمتًا، وإن كانت بلاغة الصمت الأول ـ العاطفي والنفسي  تدلّ علي نضج الأزمة للوصول إلي الخواتيم المؤلمة، فبلاغة الصمت الثاني ما بعد الانفصال، خير توصيف لها أنّها ما يجعل النفس البشريّة أكثر تشفّفًا. هي النبل متجسّدًا في أبهي بلاغة.
"اجتمع المدعوّون في المنزل الرّيفي..." أوحي هذا المطلع لقصة من قصص بوشكين كان يقرؤها تولستوي لابنه سيرج، بكيفيّة كتابة روايته "آنا كارنينا"، فعبّر قائلًا: "ما أجمل هذا، وما أبسطه! هكذا ينبغي أن تكون بداية القصّة".
في البدء كان الاجتماع، وفي الاجتماع سعادة؛ ماذا عن النهاية يا تولستوي؟! لقد رسمت نهايات شخصيّاتك المأساويّة، بفرط حبّات العقد وانحلال العائلة، مختتما بالصمت المطبق للشخصيّة الرئيسة "آنا"؛ صمت يضجّ بعشرات الأسئلة حول مفهوم العائلة السعيدة.
قد تكون يومًا قصّتكِ، أو قصّتي، فلنحكها برفعة ونبل، وليكن العبور آمنًا وسلسًا إلي مرحلة جديدة، وبأقلّ قدر من عنف وخسائر معنويّة تضعنا في دائرة الشعور بالانقلاب.