رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

أول عربية تفوز بالجونكور: ليلي سليماني‮.. ‬روائية المناطق المظلمة


أسماء مصطفي كمال
11/12/2016 12:10:52 PM

أحدث فوز المغربية الفرنسية ليلي سليماني ضجة واسعة في الأوساط الثقافية الفرنسية والعربية،‮ ‬حيث استطاعت اقتناص جائزة الجونكور بعملها الثاني،‮ ‬وهي ابنة الخامسة والثلاثين عاما،‮ ‬وتعتبر ثالث عربية تحصل علي الجائزة بعد الطاهر بن جلون وأمين معلوف،‮ ‬وأول امرأة من أصل عربي،‮ ‬وخامس سيدة خلال عشرين عاما،‮ ‬كما أن روايتها قد أثارت اهتماما واسعا حيث استطاعت ببساطة الولوج إلي مشكلات المجتمع الفرنسي،‮ ‬وصراعه الطبقي في العصر الحديث،‮ ‬وكذلك تقديم صورة من قريب لحياة ومشكلات الأسر في عصر الحداثة‮. ‬وفيما‮ ‬يلي نقدم مقتطفا مما كتبته الصحف الفرنسية عن فوزها بالجائزة،‮ ‬وأحد المقالات التي تناولت روايتها مستبقة حصولها علي الجائزة‮.‬
في جريدة‮ (‬لاكسبريس‮) ‬كتبت‮ (‬أجنس فرنس بريس‮) ‬بتاريخ الثاني من نوفمبر‮ ‬2016‮ ‬وعقب الإعلان عن حصول ليلي سليماني علي الجائزة‮:‬
‮"‬الرقيقة ليلي سليماني روائية المناطق المظلمة‮"‬
بروايتين فقط استطاعت المغربية ليلي سليماني‮ ‬35‮ ‬سنة فرض نفسها كصوت أدبي جديد لا‮ ‬يتردد في استكشاف واقتحام مناطق مظلمة،‮ ‬حيث شبق لحظة جنون لمربية محترمة وجيدة في كل شيء‮. ‬
بوجه شاب محاط بالشعر المموج،‮ ‬توجت الصحفية السابقة بجائزة جونكور،‮ ‬أهم جائزة أدبية فرنسية،‮ ‬عن روايتها‮ (‬الأغنية الهادئة‮) ‬المنشورة لدي‮ "‬جاليمار‮" ‬وهي المرأة الخامسة التي نالت الجائزة خلال عشرين عاما،‮ ‬وهي أصغر الفائزين‮. ‬
ولدت ليلي سليماني عام‮ ‬1981‮ ‬في الرباط لأسرة تفضل اللغة الفرنسية،‮ ‬وتعمل أمها طبيبة،‮ ‬وكان والدها مصرفيا،‮ ‬توفي قبل عشر سنوات‮. ‬جاءت إلي فرنسا للدراسة في سن السابعة عشرة،‮ ‬حيث درست فصلا تمهيديا أدبيا،‮ ‬قبل أن تدرس العلوم السياسية في باريس‮. ‬ومن ثم اتجهت المرأة الشابة إلي الصحافة،‮ ‬وعملت لمجلة‮ (‬جون أفريك‮)‬،‮ ‬مع التشكيك في استمرار مسيرتها التي انتهت بالفعل بتقديم استقالتها والالتحاق بورش الكتابة الإبداعية التي نظمت في‮ "‬سان دي سانت‮" ‬مقر دار نشر‮ "‬جاليمار‮" ‬مع‮ (‬جان ماري لاكلافنتاين‮) ‬كمؤسس ومسئول‮.‬
كتبت سابقا مسودة أولي‮ (‬في حديقة الغول‮) ‬رواية عن الشهوة،‮ ‬والتي استلهمتها بعد وقت قصير،‮ ‬من ولادة ابنها،‮ ‬وهي تتابع حادثة‮ "‬دومنيك ستروس كان‮" ‬علي شاشات التليفزيون‮. ‬وقد دهشت كيف أمكنه وضع حياته علي المحك،‮ ‬ولكنها وجدت أن دراسة هذا الإدمان للجنس من ناحية المرأة مثير أكثر للاهتمام،‮ "‬فلطالما رغبت في الحديث عن الحياة الجنسية للمرأة‮" ‬توضح سليماني لجريدة‮ "‬لاليبراسيون‮".‬
المربية شخصية الرواية
خرجت من مدام بوفاي علي حد تعبير والدتها،‮ ‬ولاقي الكتاب النجاح،‮ ‬حتي في المغرب،‮ ‬تقول الكاتبة‮: "‬نجح للغاية لأن البطلة كانت فرنسية،‮ ‬ولو كانت مغربية لأصبحت كارثة‮"‬،‮ ‬لقد اعتمدت الرواية علي قصة حقيقية،‮ ‬وقعت في نيويورك عام‮ ‬2012‮ ‬حيث قامت مربية بقتل الأطفال الذين كانت تقوم برعايتهم‮. ‬الرواية مهداة إلي ابنها إيميل،‮ ‬وتبدأ بجمل لا هوادة فيها‮: (‬الرضيع قد مات،‮ ‬احتاج لبضع ثوان فقط‮. ‬أكد الطبيب أنه لم‮ ‬يتألم‮" ‬بأسلوبها المباشر والدقيق ليلي سليماني‮ (‬حامل حاليا بطفلها الثاني‮)‬،‮ ‬تروي هذه القصة الرهيبة بطريقة باردة‮. ‬وتقدم أيضا تحليلا حول العلاقة الطبقية بين العائلة الباريسية المعاصرة والمكللة بالنوايا الحسنة،‮ ‬والمربية‮ "‬لويز‮" ‬الحريصة والدؤوب في عملها والتي كانت في المقابل بائسة في أعماقها ومظلمة للغاية‮. ‬
‮"‬الموضوع ولد لأنني في الحقيقة أنا أيضا كان لي مربيات في طفولتي،‮ ‬كنت جد حساسة لمكانتهن في المنزل،‮ ‬حيث هن أمهات،‮ ‬ومربيات في نفس الوقت‮" ‬قالت سليماني وهي ذاهبة لاستلام جائزتها‮. ‬
‮"‬كنت متأثرة بوضعهن الصعب،‮ ‬اكتشفت أنه كان‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكن شخصيات روائية‮" ‬أوضحت برفقة والدتها،‮ ‬التي وصلت من المغرب‮. "‬جاءها حدس الساعة الرابعة والنصف صباحا‮" ‬قالت مازحة‮. ‬
وكانت الكاتبة قد حصلت سابقا علي جائزة‮ (‬مامونية‮) ‬عام‮ ‬2015‮ ‬عن كتابها‮ (‬في حديقة الغول‮) ‬المنشورة لدي‮ (‬جاليمار‮)‬،‮ ‬وهي أول امرأة تحصل علي هذه الجائزة المخصصة للكتاب المغاربة الذين‮ ‬يكتبون بالفرنسية‮.‬
أما مجلة‮ (‬تلكل‮) ‬فقد جاء فيها بقلم جيل كريتوا بتاريخ الثامن من سبتمبر الماضي
‮(‬الأغنية الهادئة‮)‬،‮ ‬الكتاب الذي من الممكن أن‮ ‬يجلب جائزة الجونكور لليلي سليماني
الرواية الثانية لليلي سليماني‮ "‬الأغنية الهادئة‮" ‬المرشحة لجائزة جونكور‮ ‬2016‮ (‬حصلت عليها بالفعل بعد نشر المقال‮) ‬تعرض هذا العمل الاجتماعي الرائع والمأساوي،‮ ‬والذي‮ ‬يعد بمثابة نظرة متفحصة للعلاقات الاجتماعية والعائلية في زمن الحداثة‮.‬
البداية تشير إلي المؤامرة،‮ ‬تداهمنا مباشرة بأن الرضيع مات،‮ ‬ومن الصفحات الأولي تقوم ليلي سليماني بقتل ثلاثة من الأبرياء وتنحيهم،‮ ‬لكنها لا تترك لك المجال إلا لتظل متوترا خلال القراءة التي تمتد لمائتي صفحة من الأغنية الهادئة،‮ ‬حيث تبدو‮ "‬ميريام‮" ‬كبطلة عادية،‮ ‬أيامها مرتكزة قبل كل شيء حول طفليها،‮ "‬ميلا‮" ‬و"آدم‮"‬،‮ ‬وهي طبعا لم تكن راضية عن روتين حياتها،‮ ‬وكانت أحيانا تقوم بسرقة أشياء تافهة من المتاجر،‮ ‬وتتشارك حياتها مع‮ "‬بول‮" ‬الذي‮ ‬يعمل في مجال الموسيقي،‮ ‬وقد كانت‮ ‬غيورة حين أخبرته بأنها تريد العودة لمزاولة مهنتها الأصلية في مجال القانون،‮ ‬مبررة ذلك بأنها تريد أن تعاود حياتها النشطة،‮ ‬ومن ثم قام الزوجان الباريسيان الشابان والعصريان بتعيين المربية‮ "‬لويز‮"‬،‮ ‬والتي وصفتها ميريام بأنها‮ "‬خرافية،‮ ‬ومميزاتها كانت بلا حدود‮"‬،‮ ‬لويز دخلت في حياة الأسرة بسرعة،‮ ‬وكان شغلها الشاغل هم الأطفال المدللين والقطط المدللة أيضا،‮ ‬وحضورها كان‮ ‬يزداد قوة مع الوقت كلما دأبت علي العمل،‮ ‬وبالتوازي استمرت حياة الزوجين تتكتشف علي مهل للقارئ،‮ ‬لكن لويز ظلت تحتفظ ببعض الغموض،‮ ‬في لعبة بين النور والظلام،‮ ‬والتي لها علاقة بالوضع الاجتماعي لكل منهم،‮ ‬لويز تعمل في المطبخ،‮ ‬وكانت حريصة في عملها‮ ‬،‮ ‬وبول وميريام كانا‮ ‬يتألقان أثناء وجبات الطعام،‮ ‬واستراحا أخيرا من المهام اليومية،‮ ‬كانا‮ ‬يعيشان في حلم كطفليهما‮.‬
تحقيق اجتماعي
بعد كل هذا‮ ‬ينتهي كل شيء إلي مأساة،‮ ‬من الحلم إلي الكابوس،‮ ‬سليماني كانت تضع ديكورها باحترافية،‮ ‬ولم تكن تضع ضربات فرشاة كبيرة لتوضح الأدوار الرئيسية،‮ ‬عدا الأرق والأخطاء وبعض الأفكار العابرة‮.. ‬كل هذا كان كافيا لصنع صورة شاملة للوضع الذي‮ ‬يعتبر شائعا واعتياديا،‮ "‬الوقائع المبلغ‮ ‬عنها هنا مثل الكثير من المستندات في الملف‮"‬،‮ ‬تحقيق اجتماعي ونفسي بين عيون الآخرين ومشاعرهم العميقة‮. ‬سليماني تشرح خلال الصفحات العلاقة الحتمية والصعبة بين لويز والزوجين،‮ ‬تلك العلاقة التي تقوم علي تنظيف البيت الذي‮ ‬يحتاج جهدا،‮ ‬وتتحدد أيضا بالشخوص وخلفياتهم،‮ ‬حيث بول قد رباه أبواه علي كراهية التسلط،‮ ‬وعلي الاحترام الذي ربما‮ ‬يكون زائدا للأشخاص مهما كانوا بسطاء،‮ ‬أما ميريام فكانت تبذل قصاري جهدها كي لا تجرح لويز،‮ ‬وقد هنأها بول علي حسها الراقي في التعامل معها،‮ ‬ولكن لا شيء مثالي في هذه الحياة،‮ ‬حيث هناك معركة طبقية تلعب،‮ ‬وتربية‮ ‬الأطفال كانت مسرح تلك المعركة‮. ‬وقد دخل بول الصبور في نوبة عصبية سوداء عندما فوجئ أن ابنته قد وضعت مكياجاً‮ ‬كراقصة ملاه مبتذلة،‮ ‬وكانت أظافرها ممتلئة بالطلاء الوردي بطريقة سوقية،‮ ‬والذي وضعته لها بكل حنان وتواطؤ مربيتها‮.‬
في اتجاه المأساة
سليماني وضعت شخصياتها في ظروف تتحدي رغبتهم ونيتهم الطيبة في أن‮ ‬يعيشوا باحترام هانئين،‮ ‬وبين الرغبة في الهيمنة والحب والاختلاط والسيطرة في تداخل،‮ ‬وتدريجيا بدأ الحلم‮ ‬يختفي ويصير الوضع مظلما أكثر،‮ ‬وسيطرت عليهم من جديد مشاعر المرارة كما كانت في الصفحات الأولي‮ "‬الصمت وسوء الفهم‮ ‬يضيعان كل شيء‮" ‬مشاعر الخجل والعار تؤرق الأفكار الحميمة،‮ ‬حيث الرغبة الملحة لبول في الاستغناء عن لويز،‮ ‬والندم الذي جعل ميريام تتساءل كيف استطاعت أن تسلم أولادها،‮ ‬وهكذا وداخل حتمية العلاقات الاجتماعية‮ ‬يخلق وعي كل فرد وعواطفه وهواجسه،‮ ‬سليماني وضعت آلية معقدة تذهب بنا إلي مأساة لا مفر منها،‮ ‬والقارئ‮ ‬يدرك ذلك بالفعل‮. ‬المؤامرة هي في التفاصيل التي تؤدي لها‮. ‬
غير حاضر ليتوسل
سليماني تتمسك بالحقائق،‮ ‬وبطريقتها الانفعالية والمرتبة تغير بانتظام الأسلوب ما بين المباشر وغير المباشر‮. ‬وإن كانت تسمح لنفسها ببعض القفزات داخل الأفكار الداخلية لأبطالها،‮ ‬وغالبا هي تفضل وصف أفعالهم التي هي في الأساس‮ ‬غير مهمة لكنها تفعل ذلك بدقة وبالتفاصيل،‮ ‬وبشكل مبتكر وفعال،‮ ‬ونشعر أن سنوات عملها في الصحافة واهتمامها بالسينما‮ ‬يساعدانها علي ذلك‮. ‬وهناك أيضا إشارات وومضات شعرية مظلمة كما هو واضح جيدا علي‮ ‬غلاف الكتاب الخلفي،‮ ‬ولكن دائما بطريقة رصينة،‮ ‬وقد كانت تفضل الحقائق العلمية البسيطة‮. ‬هذا الأسلوب‮ ‬يقترب من أسلوب رواية في حديقة الغول،‮ ‬روايتها الأولي التي صدرت في أغسطس‮ ‬2014‮ ‬والتي حققت نجاحا،‮ ‬وطبعت مرتين خلال أسبوعين من صدورها،‮ ‬والروايتان بينهما تشابه في نقاط أخري،‮ ‬شكل من أشكال الحتمية كان موجودا من قبل في حديقة الغول عندما كانت البطلة‮ "‬أديل‮" ‬مأخوذة كليا بالإدمان والهوس‮. ‬الوصف الذي‮ ‬يعتبر دقيقا ويعالج الوضع الاجتماعي والطبقي أيضا،‮ ‬ولكن بين الروايتن‮ ‬يتبين أن رؤية سليماني للمجتمع صارت أوضح وعبرت عن نفسها أفضل،‮ ‬وبأسلوب أجرأ في رواية الأغنية الهادئة‮. ‬غياب الرتوش والوضوح‮: ‬قراءة الأغنية الهادئة تؤخذ من الحلق وتشعرك بالدوار،‮ ‬سليماني لا تشغل بالها بالجماليات،‮ ‬ولا تبحث عن الإبهار،‮ ‬ولا عن الطمأنينة،‮ ‬روايتها هي من دون تنازلات،‮ ‬وهذا لون من المظهر العاري لنوع من الحداثة عبر نافذة الزوجين اللذين‮ ‬ينتميان للطبقة المتوسطة‮.‬
في النهاية لا أمل ولا اطمئنان،‮ ‬هي معرفة الإنسان فقط،‮ ‬سليماني حاولت أن تكذب بطلتها لويز التي كانت تؤكد أن الأطفال مثلهم مثل الكبار حيث لا شيء‮ ‬يحتاج إلي فهم أو‮ ‬شرح‮. ‬