رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

تأسيس منهج القراءة التلفيقية في «أم هاشم»


ياسر عبد الحافظ
12/16/2017 1:40:36 PM

أصبح من المستقر أن »قنديل أم هاشم»‬ واحد من أهم الأعمال التي تعالج قضية الصراع بين الشرق والغرب، العلم والتقاليد، الجديد والقديم، إلي آخره من متضادات ظلت همًا للثقافة العربية تقريبا منذ قرنين من الزمان قبل أن يسقط الاهتمام بها بفعل ملل اللا جدوي. غالبا بالطبع ساهم حقي في ذلك، منذ بداية النص يكرس الراوي لصورة سلبية عن “القديم”: “أما أغلب الشعب فيبتسم لسذاجة القرويين” عن زوار مسجد السيدة، أو السخرية من متعلمي الأزهر علي لسان صبية الميدان: “شد العمة شد، تحت العمة قرد..” في مقابل ما يضفيه من مهابة علي التعليم الأميري (الذي يعني الخطوة الأولي للانتقال للجديد) والذي يستفيد من السمات التي يمتاز بها البطل إسماعيل ليضيف وينمي شخصيته: “أعانته تربيته الدينية وأصله القروي فسرعان ما امتاز بالأدب وتوقير معلميه”.

البطل الوحيد الفاعل في القصة من بدايتها إلي نهايتها.. إسماعيل، أسرته الموجودة فقط للتضحية لأجله: الأب والأم وابنة العم، بينما لا حضور لأخويه إلا في جملة عابرة نعرف منهما مقدار ما تلقياه من علم مقارنة به،  “فما كاد يري ابنه الأكبر يتم دراسته في الكتاب حتي جذبه إلي تجارته ليستعين به، وأما ابنه الثاني فقد دخل الأزهر، واضطرب فيه سنوات وأخفق، ثم عاد لبلدتنا ليكون مأذونها”. لن يكون هناك بعد ذلك سوي إسماعيل وحيرته وقلقه، ليس هناك سواه هو ومصر، ما تريده منه وما يرغبه لها، هي التي تسكن قلبه بعد نهاية قصته مع ماري الأوروبية.
يمر إسماعيل بمراحل ثلاثة الأولي يحياها في ميدان السيدة كالمنوم لا يستيقظ إلا مع فترة المراهقة منجذبا تجاه العاهرات اللاتي يبحثن عن التوبة والتطهر عند المقام يتسرب إلينا أنهن كن سببًا أن يكون في ذيل الناجحين بالبكالوريا ليفشل في دخول مدرسة الطب، ويصبح الحل سفره لأوروبا رغم الصعوبات المادية التي سيعانيها أبوه، تستغرق المرحلة الثانية تلك سبع سنوات بعدها يدخل المرحلة الثالثة مؤديًا دوره الذي رسمه حقي.. شخصا مختلفا تماما عمن ذهب.
 في القراءة الوحيدة تقريبا المفروضة علي العمل فإن الصراع الأساسي عند إسماعيل يبدأ بمجرد عودته، يسارع في العمل علي إنقاذ مجتمعه من التخلف والجهل، ابنة عمه تمثل الوسيلة التي ستمكنه من تنفيذ المشروع، طبيب العيون الذي شهد له أساتذته في الغرب بالنبوغ والموهبة يعالج عيني فاطمة النبوية التي تواصل أمه وبحسب ثقافة ذلك الزمان- تقطير زيت القنديل فيهما أملا في الشفاء، يمنع هذا ويمارس علاجها وفقا لما تعلم، ويصل به الغضب يوما من الجهل السائد إلي تحطيم قنديل أم هاشم ويكاد يفقد حياته تحت ضربات رواد مسجد السيدة جزاء فعلته.
يفشل مشروع إسماعيل مع تدهور حالة ابنة عمه، يقع فريسة لليأس والإحباط، يفكر في العودة لأوروبا بحثا عن المنصب الذي رفضه، قبل أن يهتدي لأن يزاوج بين العلم والإيمان، بين معرفته وبين معتقدات ناسه وأهله وحبهم للسيدة زينب وإيمانهم بقدرة زيت قنديلها علي المعجزات، يأخذ بعضا من زيت القنديل ويوهم ابنة عمه أنه يستخدمه لعلاجها به بينما هو مستمر باتباع الأساليب العلمية وبعد جهد يتحقق لها الشفاء.
في القراءة السائدة للقنديل قام إسماعيل بالاصلاح بين ما يبدو متناقضًا.. العلم والخرافة. حُلت المشكلة، وجدنا الطريق! لكن هل هذا صحيح فعلا؟
هناك أسئلة عدة يثيرها العمل لا تجيب عنها تلك القراءة المجتمعية التبشيرية، منذ البداية هناك شئ ما سلبي للغاية في شخصية إسماعيل، أنانية مبثوثة في الثنايا، يظن أنه أعلي، يري الأشياء من خلال عين زجاجية، أسرته لا شغل لها سواه، أمه وأبوه وابنة عمه (مصر) المستسلمة بالكامل لا تفعل سوي النظر إليه بانبهار الجاهل، تري الكتب التي يقرؤها طلاسم، أما الجيران فينتظرون نجاحه العام تلو الآخر كفرصة للفرح وتلقي الهبات.
عندما يذهب إلي أوروبا بتلك الشخصية وبلا قناعات تقريبا لا نفاجأ بهذا الانسحاق أمام ماري (الحضارة الأوروبية المادية) تسقيه الحب ورؤيتها للعالم ليعود بهذا الفهم إلي بلده، لكن التغيير لا يطال الداخل، لم يلحظ خلال السنوات التي قضاها مدي العوز الذي وقعت فيه أسرته لتتحمل تكاليف تعليمه، والخطابات التي يمن بها عليهم تنقطع في بعض الأحيان، حتي عند عودته ينسي أن يحمل إليهم شيئا من هناك، وفي كلمة دالة يقول: “ماذا في أوروبا كلها يصلح لأبي وأمي؟”.
إسماعيل الذي يعود محبا لمصر ضجرا من المصريين وجهلهم وخرافاتهم، يعي أن عليه واجبا لابد أن يؤديه لأهله: أبيه وأمه ومجتمعه، يري نفسه وقد افتتح عيادة واشتري لأبيه أرضا، يتوهم أنه سيكون خطيبا وكاتبا يشرح للجمهور آراءه ومعتقداته.. كل شيء كان ومازال يدور حول إسماعيل.. المثقف والمتعلم الوحيد في ميدان السيدة زينب.
مصر التي تنتظر إسماعيل، أو ابنة عمه فاطمة النبوية بما تحمله من إيمان راسخ بالقنديل لم يكتمل شفاؤها إلا بخدعة أن طبيبها (وزوجها فيما بعد) يداويها بزيت القنديل، لم يفهمها أو يشرح لها، مازالت تسير علي ضوء الخرافات والمعتقدات القديمة، بينما هو وحده يملك العلم ويعالج به، فأين هي تلك المصالحة المفروضة بين العلم والمعتقدات المجتمعية التي افترضتها القراءة السائدة!
لا نري أي مواجهة أخري بين إسماعيل وما يؤمن به قومه وأهله، يبدو أنه تعلم الدرس بعد “العلقة” الساخنة التي نالها في مسجد السيدة إثر تحطيمه للقنديل، لن يواجه هؤلاء المساكين بعدها أبدا، الحل أسهل وأبسط بكثير: الكذب والتلفيق، غير أنه يحبهم ويقبلهم علي حالهم، هم ومصر والحبيبة، سيكون عليه إذًا أن يسايرهم فيما يؤمنون به، يفتتح عياة في السيدة يستقبل الفقراء، بقرش واحد، تصبح له شعبية بين الفلاحين يأتونه بهدايا من قراهم، “كم من عملية شاقة نجحت علي يديه، بوسائل لو رآها طبيب في أوروبا لشهق عجبا. استمسك من علمه بروحه وأساسه وترك المبالغات في الآلات والوسائل اعتمد علي الله، ثم علي علمه ويديه، فبارك الله في علمه ويديه” والسؤال الذي لا بد أن تسأله هنا: هل أوهم مرضاه أنه يستخدم زيت القنديل كما أوهم ابنة عمه؟
الحقيقة أن السير وراء قراءة الرواية علي اعتبار أنها معالج للصراع بين العلم والتقاليد أو غير ذلك من المتضادات في هذا الشأن لن يكون لها من أثر إلا القناعة بأننا أمام هزيمة كاملة للمثقف، الذي كان أنانيًا من البداية، في تلك المعركة، الاستسلام لقواعد المجتمع والعيش فيه مثلما انتهي إسماعيل “أكولا نهما، كثير الضحك والمزاح، محبا للنساء” هذا إذا أحسنا النية ولم نقل إنه مثقف مخادع غير قادر علي المواجهة استغل جهل قومه. ومصيبة تلك القراءة أيضًا أنها لو سرنا معها للنهاية فإن مصر في تلك الحالة مجرد جاهلة أمية لا تفقه شيئًا عرضة طوال الوقت لأن يخدعها مثقفون (حتي وإن افترضنا حسن النوايا) لا قدرة لهم علي المواجهة، فهل يمكن أن يكون هذا ما قصده المؤلف!
في أحد اللقاءات يقول حقي عن “قنديل أم هاشم”: “كتبت هذه القصة وهي كأنها خرجت من قلبي زي الرصاصة الحقيقة مفيهاش افتعال من حيث الشعور وأيا كانت نتائج القصة فما يهمني فيها تجربة أدبية وهي أني وصفت ميدان السيدة زينب في ثلاث لوحات الشاب بطل القصة اسمه إسماعيل قبل ما يسافر أوروبا كانت عينه عين حيادية تري بالبصر لا بالبصيرة فوصف الميدان في هذه المرحلة جاء بأسلوب حيادي لا علو أو انخفاض فيه حاجة ممهدة سهلة، لما رجع من أوروبا وفي قلبه الثورة العنيفة علي الحال التي رآها تغير الأسلوب إلي عنف وجمل قصيرة وكلام كالشرر متقد، وبعدها حصل الصلح بين وبين قومه وبين ملته وبين دينه وبين أهله تجد الأسلوب أصبح شاعريا ومنغما”.
“أيا كانت نتائج القصة” هكذا يقول حقي، فهل خجل أن يصرح بخطأ ما تم التوصل إليه؟ ربما، غير أن المؤكد ولحسن الحظ فإن الأدب والحياة نفسها ليسا حكرًا علي قراءة واحدة وتفسير واحد “ليس كل ما في الوجود أنا وأنت، هناك جمال وأسرار ومتعة وبهاء. السعيد من أحسها، فعليك بها عليك..”. هكذا يقول حقي في السطور الأخيرة للقنديل وكأنها ينبهنا إلي ألا نكون مثل بطله إسماعيل في مرحلتيه الأولي والثانية يري بالبصر فقط.
غالبا كان حقي يعاني من تلك القراءات المتفاصحة التي لا تري سوي بالعين لهذا قال في “أنشودة للبساطة”: “ويبقي للكاتب عذابات أخري، قد يعدها الناس صغيرة، ولكنها عنده شديدة، حين يجد الكلام الذي حرص علي أن يجعله سهلاً واضحاً مفهوماً يتحقق وجوده وانفصاله عن اللغو والمتشابه، عن الغموض، ومن ثم الضياع، قد خاب مصيره عند قارئه.. ليست المصيبة أنه لم يفهمه، بل إنه سلكه مع غيره من الكلام الملقي علي عواهنه. عذابه أن التلميح ينفذ دائماً من خروق الغربال، كأنما حتم، كأنما المطلوب ألا يبقي به إلا الزلط الغليظ، ولونان فحسب، أسود وأبيض... أما الرمادي فيعامل معاملة التراب”.