رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

مركب الدِكة.. وكناسة الدكان


في حفل الزواج

في حفل الزواج

د. مصطفي الرزاز
12/16/2017 2:30:20 PM

في العام 1962 تعرفت علي الكاتب العظيم يحيي حقيمن خلال صداقة أستاذي الأثير سعد الخادم رائد دراسات الفنون الشعبية في مصر والعالم العربي والفنان القدير والمعلم صاحب الرسالة.
كان يحيي حقي ملء السمع ككاتب فريد من نوعه، وكنت قد قرأت عددا من مؤلفاته ومقالاته بإعجاب شديد بما فيها من عمق وبساطة في ذات الوقت، وكان رئيساً لتحرير مجلة المجلة العريقة آنذاك، والتي كانت بمثابة ديوان للثقافة والمسرح والفن والتراث، وكانت المجلة بالنسبة لي حتمية الشراء والقراءة المدققة للإحاطة بالحركة الفنية والثقافية كما كانت المجلة إلي جانب مجلة الفكر المعاصر بمثابة نافذة للتعرف علي عيون الأدب والفلسفة والمسرح والسينما المعاصرة في العالم.

كان يكتب عن الفن الحديث فيها الشاعر عبدالرحمن صدقي، والناقد الأستاذ بدر الدين أبو غازي، وكامل التلمساني، ورمسيس يونان، والأستاذ سعد الخادم، وكان الدكتور محمد مصطفي يكتب دراسات مهمة عن جماليات الفنون الإسلامية، وكان غيره يكتب عن الفن المصري القديم.
كان الأدب الجم والتواضع النبيل من ملامح يحيي حقي حين يضع ذقنه علي يد عصاه في حالة شرود وتأمل.
وكان إعجابي الخصوصي به أنه كان وطنياً مصرياً رغم كونه تركياً في الأصل، وذكرني في ذلك بالعظيم إبراهيم باشا الذي قال لضباطه المصريين في قلعة عَكَا، وهم في الطريق إلي معركة كبيرة مع الحلفاء في بحيرة الموزة لنجدة السلطان العثماني عندما سألوه: كيف يا مولانا والدم التركي يجري في دمك تكون حريصاً علي مصر إلي هذا الحد.. حيث قال لهم: نعم إن دمي الذي توارثته تركيً، ولكن شمس مصر جعلتني مصرياً مثلكم جميعاً، ومستعد للموت من أجل مصر.
لم يكن يحيي حقي وطنياً فقط، بل كان قاهرياً بمعني الكلمة متشبعا بأجواء الحسين  والسيدة زينب وتحت الربع والعتبة الخضراء وغيرها، فكان شعبياً وابن بلد عظيم ومتواضعا عارفا وحالما في الآن نفسه، وكان حكاءً رائعاً.
أولاً: حقي ورحلة النوبة
ومع بداية دراسة السنة الثانية بالمعهد العالي للتربية الفنية، حيث كنت طالباً كان مقرراً أن طلاب الفرقة الأخيرة يزورون الأقصر وأسوان في إجازة نصف السنة كجزء من لائحة الدراسة لأن أساتذة يصطحبونهم ويكلفونهم بمهام دراسية وفنية وكتابية بعد أن يطوفوا بهم في معالم التراث المصري القديم- وادي الملوك والملكات- مقابر النبلاء، هابو والرمسيوم في البر الغربي، مع قرية الجرنة القديمة والجديدة التي بناها المعماري حسن فتحي، ثم معبدي الأقصر والكرنك، وفي مكان الإقامة كانت المحاضرات والمناقشات والرسم يتم تداولها ومناقشتها، وكان أساتذتنا > ونحن من حولهم نرسم المشاهد البيئية للنيل، كثبان الرمال تسكن فيها معالم من بقايا هذا التراث مثل تمثالي ممنون الذي كان يواجه مكان الإقامة تماماً.
ولأني كنت مجتهداً كطالب، كنت أحظي بفرصة منذ السنة الأولي لمصاحبة الرحلة كبديل لمن لا يستطيع من طلاب السنة الأخيرة، وفي هذا العام 1962 دعاني عدد من زملائي أن أسأل الأستاذ سعد الخادم لعلاقتي الوثيقة به لكوني أعمل معه كمساعد بحث لكتبه التي كان يعدها بالتتابع، أن أسأله أننا نريد أن نزور النوبة قبل أن يغمرها السد العالي، وكان الدكتور ثروت عكاشة قد قام بدور ريادي بأن وفر مثل تلك الرحلة إلي عدد من الفنانين المهمين آنذاك لرسم وتصوير البيئة والناس والمعمار الخصوصي للنوبة.
وعندما سألت أستاذي الخادم عن إمكانية ذلك، قال لي: اسأل شئون الطلبة بالمعهد وشوف ماذا يتطلب الأمر، وذهبت وبعد يومين قالوا لي الأمر يحتاج ألفي جنيه تكاليف إضافية للرحلة، وكنا حوالي ثلاثين طالباً وخمسة أعضاء هيئة تدريس، فلم أعد إلي أستاذي لضخامة المبلغ المطلوب آنذاك، ولكن بادرني - عملت إيه (يا واد) في موضوع رحلة النوبة، لا صرفت نظر يا أستاذي، المبلغ المطلوب ضخم جداً (كنت أتقاضي من أبي جنيهاً واحداً في الشهر كمصروف يومي)، فقال اجلس، وطلب الأستاذ يحيي حقي بالتليفون: يا يحيي، الولاد في الكلية عايزين يروحوا النوبة، (جميل طب وأنا مالي؟) عايزني أعمل إيه؟ فقال سعد الخادم المطلوب ألفي جنيه، أنا أدفع ألف وأنت تدفع ألف ونبقي أنا وعفت- (عفت ناجي الفنانة الكبيرة وشقيقة الفنان الرائد محمد ناجي)- وأنت والمدام، ماهي باحثة اجتماعية وهذا جزء من اهتمامها.
وكأن يحيي حقي وجد الحل، فقال موافق بدون تردد، وسأرسل لك غداً الألف جنيه، وسنكون علي موعد مع الرحلة.
وبعد إتمام زيارة رحلة الأقصر ثم أسوان ذهبنا إلي منطقة الجنادل لنجد مركب (الدَكة) الفاخرة بطاقمها النوبي الرائع، جم الأدب، حسن المظهر، ودخلنا ومعنا الأستاذان وزوجتاهما مع الأستاذ عبدالغني الشال، والأستاذ عبدالرازق سليمان، والأستاذ الشاب آنذاك عبدالمعبود شحاتة- رحمهم الله جميعاً- وتم توزيعنا علي الحجرات، كان لكل منا حجرة خاصة فاخرة بخدمة فندقية رائعة.. أظن أن الرحلة قضت أربعة أو خمسة أيام مشحونة بالحيوية والنشاط، عند كل نجع تقف المركب ونتدفق إلي النجع لنطالع عمارته وعلاقته بناسه.. نصور ونرسم، ثم تدعونا الصافرة إلي العودة إلي المركب لنواصل متابعة قرية قرية ونجع نجع.. وعندما تكون المسافة طويلة بين نجع وآخر، يكون مناسباً أن نتناول الغداء في مطعم المركب مع أساتذتنا حيث يفيض الخادم وحقي بمعارفهما عن النوبة التاريخ والحاضر، الثقافة والعادات والتقاليد، وكانت عفت ناجي تتحدث بلغة عربية كالمستشرقين، ولكن بحماس وطني مدهش عن رؤيتها كفنانة للناس والمعمار والبيئة في النوبة، أما زوجة يحيي حقي فكان عطاؤها مدهشا، إذ كانت دؤوبة علي زيارة السيدات في بيوتهن.. كانت النوبة في هذا الوقت كلها سيدات ومسنون وأطفال.. أما الشباب والرجال فكانوا ينتشرون في أرجاء مصر ومناطق من أوروبا للعمل، يحضرون الاجازة مع الأهل في فترة الصيف فقط، فكانت حرم يحيي حقي تنقل لنا مشاعر سيدات النوبة المفعمة بالوعي الوطني والحس الإنساني الصافي.
وفي إحدي الأمسيات بعد العشاء قالت لنا وهي متأثرة جداً: قالت لي السيدات احنا ناس وطنيين والسد العالي هايجيب خير كثير لمصر، وأدينا هانستلم بيوت بدلاً من التي ستغمرها المياه، واحنا ما عندناش إلا مشكلة واحدة: (هانعمل إيه في الميتين بتوعنا)؟ كان هذا تصريحاً أحدث ما يشبه العاهة المستديمة في قلبي حتي الآن، إذا واصلوا: (هانسيبهم يغرقوا تحت الميه، ولاّ هناخدهم معانا)؟
لذلك فإن تعبيري عن النوبة التي شحنتني بدفعات قوية من الإلهام والخيال والعاطفة كانت تتسم بالطابع الدرامي الذي انساب تلقائياً بفعل هذه العبارة التراجيدية القاسية والبريئة.
ثانياً: حقي وكناسة الدكان
في نفس العام 1962 عَلم أستاذي الخادم أن والدي يعمل مديراً لقسم المخطوطات بدار الكتب المصرية بباب الخلق، وسألني إن كان يمكن يصرح له بمطالعة كتب الفلك والتنجيم والسحر المودعة في خزانة مغلقة بالقسم؟
ولما سألت الوالد لم يمانع، فأخذني الأستاذ إلي هناك، وتم فتح الخزانة وظل ينظر بشغف كبير في تلك المصنفات التراثية ذات الرسوم الجافية من المهارة أو الإبداع فيما كنت أري كدارس مبتدئ للفن، خاصة وأنا أنظر لأول مرة إلي (فتارين) مودع بها روائع التصوير الفارسي والتركي والعراقي والمصري الملونة والمذهبة، والتي تحمل خبرات ومهارات الأستاذية في الرسم والكتابة والتذهيب والزخرفة والترقيم والتجليد في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية.
ولكن شغف أستاذي بتلك الرسوم البدائية كان شديداً، وبالنسبة لي كان محيراً وغير مبرر.. إلي أن باغته بعد زيارات يومية ولأسبوع كامل لتلك الخزانة: أستاذي ما هو المغزي في اهتمامك المدهش بتلك المصنفات، وعدم اكتراثك بتلك الروائع؟
قال لي ما معناه الروائع مكتملة ومن ثم صارت مغلقة لأن رسالتها قد وصلت، تذكر القرآن الكريم، وتذكر الهرم الأكبر، هذه ذري لا يصل إليها أي إنسان، لأنها كاملة، مانعة، لا يمكن لأديب أو شاعر أو معماري أن يجتهد عليها ليجدد أو أن يضيف عليها بعداً خصوصياً له دون أن يتلف كيانها الفريد الجامع المانع المنتهي.
ولكن تلك الرسوم التي نراها بدائية عبارة عن خميرة يمكن أن تنتج منها وعلي منوالها تجليات متجددة ومتطورة، فهي مصدر خام للإلهام وإثارة الخيال وإضافة الرؤية المتجددة عليها، كما أنها تنطوي علي مشاعر ميتافيزيقية كافية من ناحيتها بتعميق الرؤية البصرية إلي ما وراءها فيما يتعلق بالمضمون الغامض وبنكهة الزمن القديم الذي كتبت ورسمت فيه.
كان هذا درساً بليغاً لي كطالب ثم فنان ثم أستاذ أعلم الفن، وعندئذ طلب مني الأستاذ أن اصطحب دفتر رسم صغيرا وقلم رابيدو (تحبير) أسود رفيع 2٪ من المليمتر أقرب إلي سمك شعر الرأس ينساب بدون توقف أو تقطع، وأن ارسم جميع الرسوم في تلك المخطوطات وأنقل الكتابات المصاحبة.
استمتعت كثيراً بتلك المهمة وصرت أخرج كل يوم من المعهد بالروضة إلي الدار بباب الخلق، وابقي هناك لساعات متأخرة أؤدي تكليف الأستاذ سعد، وأحياناً قليلة كنت أري والدي في مكتبه، كان المكتب المجاور له لمساعده الأول، وكان الشاعر المعروف (أحمد رامي) الذي كان شخصية مختلفة عن الموظفين- متحررا ومنفتحا- واسع الثقافة، خفيف الظل، ولكني لم أكن أعرفه وكنت أتجنبه قليلاً، وكان من وقت لآخر يسألني أسئلة وفوازير ثقافية وأجيبه فيجيبني أو يصحح الإجابة.
ومرة قال لي (رامي) قصة أثرت في كثيراً مفادها أن (وراقا) تاجر مخطوطات كان يرتب المخطوطات في رفوف، وكانت بعض الورقات تتساقط من آن لآخر، فكان يضعها في رف خاص إلي أن يتسني له وضعها في مكانها من كل مخطوط.. ولكن مع مرور الوقت تجمعت تلك الورقات من مخطوطات مختلفة كتبت في علوم ومعارف متفاوتة وأوقات متباينة، ولم يعد من الممكن إعادتها إلي مجلداتها الأصلية لأسباب مختلفة.
فجمعها الوراق في مجلد قائم بذاته كما هي وسماها (كناسة الدكان) بهرتني الفكرة وتخيلت كم المعارف المتقطعة وربما المفيدة جداً في تلك الوريقات نتاج الكناسة.
وفي منتصف الستينيات أعد يحيي حقي كتاباً يضم مقالات كتبها في ظروف وعن موضوعات مختلفة بعضها لم يكتب له أن ينشر بعد، وسمي الكتاب (كناسة الدكان).
وبعد خمسين عاماً بالتمام والكمال وفي العام 2014 كنت أفكر في فكرة جديدة لمعرض عام 2015، فراودتني فكرة ملخصها أني في خضم إعداد كل معرض أعمل في عدد أكبر من اللوحات عما يمكن اختياره للعرض وأنا أعمل في اللوحات في نفس الوقت بالتبادل لتأخذ راقات من التعامل الفني والتقني عبر شهوراً طويلة.
وقبل المعرض بشهر أو ما شابه أقوم بمراجعة ما أعمل به واتخذ قرار ماذا سأنهيه للمعرض، وماذا سأرجئه لما بعد، أو ألغيه تماماً، فتجمع في مكان مخصوص بالمرسم عشرات اللوحات تحمل أفكاراً مختلفة وكل مجموعة تحمل أسلوب زمان إنتاجها ولكنها غير مكتملة بنسب متفاوتة.
فسمعت رنين عبارة (كناسة الدكان)، وشرعت في تجميع مختارات من المركونات عن معارض عشر سنوات سابقة، وأسرعت في استكمالها جميعاً لتعرض في أبريل 2015 تحت عنوان »كناسة الدكان»‬.
رحم الله المصري العظيم الإنسان الراقي المتواضع الذي احتشدت المشاعر المصرية الدافئة في وجدانه وصاحب العطاء الكريم في تشجيع شباب الفنانين والشغوف بالتراث المصري والنوبي وبقضايا البلد وأحلامها العظيم يحيي حقي.

> أساتذة فنانون كبار مثل: يوسف سيد، أبوخليل لطفي، محمد البسيوني، وعبدالغني الشال، وحمدي خميس.