رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

الرئيس الكاتب إشكالية المثقف - السُّلْطة - الرقابة


ممدوح فرّاج النابي
1/13/2018 2:52:49 PM

اشتهر الرئيس جمال عبد الناصر (1918- 1970) بأنه ليس رئيسًا وفقط بل صاحب مواهب متعدِّدة، كحبه للسينما وعشقه للتمثيل والتصوير. إلي جانب هذه الهوايات كان لديه ولعٌ شديدٌ بالكتابة وصل إلي درجة العشق. كانت هذه الموهبة نتاج تأثّره بالقراءة؛ فهو كان قارئًا نهمًا ومن الكتب التي قرأها في البدايات روايات الجيب التي كان يصدرها عمر عبد العزيز أمين، وقرأ فيها مدام بوفاري، بالإضافة إلي  »طبائع الاستبداد»‬ و»‬أم القري» لعبدالرحمن الكواكبي، و»‬حماة الإسلام» لمصطفي كامل، كما قرأ كتب أحمد أمين، خاصة كتاباته عن حركات التجديد في الإسلام التي تحوي دراسات جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وكذلك قرأ كتاب »‬وطنيتي» للشيخ علي الغاياتي.

في الأدب قرأ جمال عبدالناصر رواية »‬البؤساء» لفيكتور هوجو و»‬قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز، والأخيرة استشهد بخاتمتها أثناء النقاش الذي دار حول مصير الملك فاروق، وقد انقسموا حوله بعد الثورة هل يحاكمونه أم يخرجونه إلي خارج البلاد، وإزاء احتداد الخلاف حول مصير الملك المعزول، صاح عبد الناصر: »‬إن الدماء ستزيد بالدماء، ويا جماعة افتكروا قصة مدينتين لتشارلز ديكنز». كما قرأ في الموسوعات الفرنسية عن أشهر الشخصيات التاريخية الفرنسية مثل فولتير وجان جاك روسو ونابليون بونابرت ومارا وروبسبيير. ولا ينسي أحد تأثير رواية »‬عودة الروح» لتوفيق الحكيم، والتي كان لها منزلة كبيرة عنده، وبسبب تأثيرها أنزل توفيق الحكيم موقعًا حسنًا في نفسه. وقد ذكر الكاتب الفرنسي جورج فوشيه في كتابه »‬عبد الناصر ورجاله» أنه »‬طلب أن يطلِّعَ علي فهارس الإعارات بالمكتبة، أثناء دراسة عبد الناصر في كلية الضباط، فوجد أن استعارات عبد الناصر للكتب كانت تركِّز علي فكرة الكتب التي تتناول التاريخ والاستراتيجيات والاقتصاد السياسي والجغرافيا السياسية والشخصيات الأبطال، وأن هذه القراءات شكّلت لدي عبد الناصر رؤية معينة للأحداث القائمة في وقتها، لذلك فهو تعبير واضح عن المثقف الذي يعرف كل شيء عن شيء ويعرف شيئًا عن كل شيء». بل إنه أورد قائمة بأهم هذه الكتب في كتابه، ومن أهمها كتاب هـ.س. أرمسترونج الملحق الحربي لبريطانيا في تركيا السابق عن مصطفي كمال المعنون بـ »‬الذئب الأغبر»، وقد صدر ترجمة الكتاب إلي العربية عن سلسلة كتاب الهلال عدد 16 في يوليو 1952.
الرواية الناقصة
كان لفترة التكوين العقلي في فترة البدايات سواء في الثانوية أو في كلية الضباط والتي تميّزت بالقراءات المتعدِّدة، الأثر الكبير في تنمية وترسيخ ملكة الكتابة لديه، والتي بدأت بوادرها في مقالته المبكِّرة في مجلة مدرسة النهضة الثانوية بعنوان »‬فولتير رجل الحرية»، وبقدر ما كانت المقالة تعريفية بشخصية فولتير، ودوره المؤثِّر في أوروبا »‬حيث كانت أوروبا تتوجه إليه بعينيها، إذْ كان يملك نشاطًا غريبًا، ويتلقِّي زوارًا عديدين، ويكتب خطابات لا عداد لها، ويخط بريشته الحِكَم والفلسفة» حسب قوله. وينتهي في المقالة إلي الإشادة بدور فولتير أثناء عمله في بلاط ملك بروسيا فرديريك الثاني الذي مال إلي أمير التفكير في القرن الثامن عشر علي حدِّ وصف عبد الناصر له، وقرَّبه إليه إلي أن حدث الشقاق بينهما، فطرده من بلاطه. ويختم المقالة بتأثيره هو وجان جاك روسو باعتبارهما »‬أقوي الأسلحة وأشدها فتكًا في التمهيد للثورة الكبري التي وقعت سنة 1789».  ثمّ أتبعها في هذه المرحلة بروايته الناقصة رواية »‬في سبيل الحرية». وقد بدأ كتابتها عام 1934، وهو في الـ 16 من عمره، الرواية تتناول أحداث معركة رشيد وتصدِّي أهل رشيد للحملة الإنجليزية بقيادة فريزر، وقد جاء علي غلافها الخارجي ما يلي:
»‬في سبيل الحرية: تكملة القصة التي بدأها الرئيس جمال عبد الناصر وهو طالب بالمدارس الثانوية عن معركة رشيد سنة 1907». في الحقيقة وفقًا لرواية محمد حسنين هيكل ليوسف القعيد في كتاب »‬عبد الناصر والمثقفون» أن الرئيس كتب منها عشر صفحات، وعندما كان هيكل رئيسًا لتحرير مجلة »‬آخر ساعة» في عام 1958 قرَّر عمل مسابقة للأدباء لاستكمال أحداثها بالاشتراك مع وزارة الثقافة، وإن كان عبد الناصر وافق علي مضضٍ. وقد فاز في المركز الأول الكاتبان عبد الرحمن فهمي وعبد الرحيم عجاج، لتخرج في 120 صفحة وتُقرَّر داخل المناهج الدراسية عام 1970. الرواية في أحد تجلياتها تأثُّر كُلِّي برواية »‬قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز، بما في ذلك البطل الذي يشبه لحد بعيد بطل ديكنز الذي كان »‬غامضًا في أحداث الثورة إلا أنه يظهر في مواقف حاسمة، ينقذ بعض الناس، وينقلهم إلي أماكن أخري، هو شخص موجود في رشيد، ويقوم بدور في مواجهة الإنجليز، وينقذ أسري مصريين» كما ذكر هيكل. وإن كان عبد الناصر يشير إلي تأثير رواية »‬عودة الروح» عليه، وهذا ملحوظ في اختيار اسم البطل محسن، وهو نفس اسم بطل رواية الحكيم. فثمة حادثة مشهودة تظهر هذا الميل لتوفيق الحكيم ولروايته. فعندما بدأ الكاتب أحمد رشدي صالح في عام1957سلسلة مقالات علي صفحات الجمهورية يُقارن فيها بين رواية »‬حمار الحكيم» وحمار الكاتب الأسباني خمينيث، وعندما قرأ الرئيس هذه المقارنات غضب بل ثار ثورة عنيفة، ونقل عنه المقربون علي حدّ رواية غالي شكري أنه قال: »‬إنني لا أفهم المقارنات والتحليلات الأدبيّة. ولكني أشعر أن هناك مَن يُريد النيل من توفيق الحكيم. وهو رجل عظيم اعترف أنني تأثَّرت بروايته »‬عودة الروح» تأثرًا عميقًا، لقد حاولت تقليده في كتابة قصة لم أكملها، ولكن المؤكّد أنني استوحيت من روايته »‬ثورة» أحاول استكمالها» (من الأرشيف السري للثقافة المصرية، ص 35).
تدور أحداث الرواية حول البطل »‬محسن» الذي يكشف خيانة الأتراك ومساعدتهم للإنجليز في احتلال مصر، فيتعاون مع أهل المقاومة من أجل تحذيرهم من غدر الأجانب، ويصبح من عناصر المقاومة وبمساعدة عائلته وأهل قريته يتصدون للأعداء ويردونهم خائبين في جميع الجولات. في التمهيد يشير المؤلف إلي هذا الدور الوطني لأهل رشيد قائلاً: »‬ونزلت الجيوش الإنجليزية إلي المدينة (أي الإسكندرية) تزهو بالنصر، وسارت حتي وصلت إلي رشيد، وكانت إذْ ذاك بلدة تشعر بقوميتها، فهبت كرجل واحد، ولم تنتظر أمر الحاكم بل دبّرت أمرها بنفسها، فقسّمت رجالها قسمين: قسمًا ذهب إلي الحماد يستدرج الإنجليز إلي المدينة، وقسمًا بقي في الدور لا يشعر به أحد. وعندما اقتحم فلول الأعداء المدينة صُبّ عليهم الموت من تلك النوافذ المغلقة» ثم يبدأ الفصل الأوّل باستهلال يستعرض فيه الراوي أحوال المدينة التي وصلها الإنجليز بقيادة فريزر في الشمال، في حين كان الجنوب بقيادة البطل مراد باشا، ورجاله المخلصين يحاولون أن يستفزوا العدو إلي القتال المباشر، وإن كانت محاولاتهم قد ذهبت سُديً، ويستمر السَّرد في استعراض أجواء التحضيرات والتجهيزات التي يقوم بها كلّ فريق للقتال، وإن كان يركّز السّرد علي إظهار الروح المعنوية للجنود المصرية وإصرارهم علي التقدُّم، ومفاجآت الأبطال المصريين في تكبيد العدو خسائر فادحة وهو ما كان له أثره في الصراع بين القادة الإنجليز ووقوعهم في فخ المصريين، وهو ما يعكس شجاعة المصريين، واستبسالهم في المقاومة. ثم يبدأ السرد في إظهار البطل المقنَّع الذي كان يتأهَّبُ »‬للاختباء كما ظهر». هكذا تسير أحداث الرواية إلي نهايتها في مثل هذه الأجواء التي تظهر شجاعة المصريين وصمودهم أثناء المقاومة. بالطبع كان لعبد الرحيم عجّاج الدور المهمّ في صياغتها أدبيًا وحبكتها سرديًّا. لكن هذا لا ينفي أدبية النص الأوّل، خاصة أن ملامح هذه الأدبية ظاهرة في كتابات أخري أظهرت تمكُّن عبد الناصر من الكتابة بأسلوب أدبي رصين، سواء ما صاغه من بيانات في بدايات الثورة، أو في المقالات القليلة التي عبّر فيها عن فلسفة الثورة، أو حتي تلك التي كان يتطلع فيها لرؤية مستقبلية للعالم العربي في عام 2000، وقد نشر في مجلة الهلال (يناير 1959) مقالة بعنوان »‬الطريق إلي المستقبل» في العدد الخاص عن العالم العربي سنة 2000، تحدَّث فيها عن الدور الذي قام به هذا الجيل، الذي تحمّل عبء ثورتين إحداهما سياسية والأخري اجتماعية، مشيرًا إلي أنَّ الأبناء حاولوا القيام بهذا الدور إلا أنّهم فشلوا، ومع محاولاتهم كانوا قد مهَّدُوا الطريق لكي ننتصر نحن كما ذكر عبد الناصر. ثم يذكر التضحيات التي بذلوها وما يجب علي هذا الجيل أن يقدمه فيقول »‬إن نجاح هذا الجيل قد فتح الطريق إلي المستقبل، وحتي نفتح الطريق إلي المستقبل لابد أن نكون من أنفسنا الجسر الذي يربط بين الماضي البغيض وبين المستقبل المشرق، الذي نتصور فيه المجتمع العربي الذي نتمناه، والذي نعمل من أجله» ويصف هذا المجتمع الذي يأمله بأنه »‬الذي تتخلص فيه أوطاننا العربية من الاستبداد السياسي، ومن الظلم الاجتماعي» (الهلال: ص 7).
دفتر اليوميات
ومن الأعمال التي أخذت طابعًا سرديًّا اليوميات التي سجّلها أثناء حرب فلسطين 1948، وقد نشرها هيكل في مجلة »‬آخر ساعة» مارس وأبريل 1955، وقد نشرت بعنوان »‬يوميات الرئيس جمال عبد الناصر عن حرب فلسطين 1948». بدأ جمال عبد الناصر تدوين يومياته يوم 3 يونيو 1948 وانتهي تدوينه لها يوم 30 ديسمبر 1948. وقد توقف عبد الناصر عن الكتابة وهو في منتصف جملة كان يكتبها بسبب تجدّد الهجمات الإسرائيلية علي موقع كتيبته. كانت هذه المخطوطات محفوظة عند الكاتب محمد حسنين هيكل، وقد أفرج عنها هيكل بعد 55 عامًا وعلي غلافها بقعة من دم عبد الناصر، ثمّ سلَّمها إلي الكاتب عبد الله السناوي لينشرها. تتكوّن اليوميات من 79 صفحة، وقد قسّمها عبد الله السناوي إلي أربعة نصوص: النص الأول »‬عندما تكلّم الرئيس» ويحتوي علي يوميات جمال عبد الناصر في حرب فلسطين التي صاغها الأستاذ هيكل ونشرها في مجلة آخر ساعة عام 1955. والنص الثاني والذي يحتوي علي »‬اليوميات الشخصية لجمال عبد الناصر» والتي تنشر كاملة لأوّل مرة. والنص الثالث الذي يحتوي علي »‬اليوميات الرسمية لجمال عبد الناصر» والتي تنشر أيضا كاملة لأول مرة. والنص الرابع الذي يحتوي علي المخطوطات وهي صورة طبق الأصل من دفتري يوميات الرئيس جمال عبد الناصر الرسمية والشخصية بخط يده. وأنهي الكاتب عبد الله السناوي المقدمة التي كتبها لليوميات بوصف جمال »‬كأنه شهاب انطلق من فلسطين إلي القاهرة، قبل أن يهبط إلي مثواه، ونهبط بعده إلي المأساة». وقد اختار السناوي اسم »‬كيف ولدت الثورة في قلب رجل؟» عنوانًا لدفتر اليوميات الشخصية لجمال عبد الناصر.
يتناول عبد الناصر في هذه اليوميات خيانات القادة العرب التي كانت بداية الهزيمة والهوان، فيتحدث عن لقاء الملك عبد الله الأول بالعدو الصهيوني فيقول عبد الناصر عن هذه الحادثة: »‬ادَّعي أنّه ذاهبٌ إلي الحدود لزيارة قبر أبي عبيدة بن الجراح، وهو قريب من جسر الجامع... وانسل مِن هناك إلي مائدة غداء أعدها له اليهود. وحضر قاضي قضاته محمد الشنقيطي هذا اللقاء حيث تمَّت الصفقة... ولعل روح البطل العظيم أبي عبيدة، كانت تلعن الخائن وما صنع في هذه الفترة، وفي كل فترة تلت» ثم يصف الجيوش السبعة ومناطق عمل هذه الجيوش، وقوام الجيش المصري الذي استهدفته المؤامراة. كما يكتب عن صدمته البالغة لمقتل البطل أحمد عبد العزيز برصاصة خاطئة، في 23 أغسطس 1948، فقد أطلقت عليه رصاصات خاطئة من القوات المصرية لاعتقادهم أنه من الجانب الإسرائيلي. ويصف مشاعره هكذا: »‬لقد تألمت جدّا فإن أحمد عبد العزيز كان يحب أبناءه، وكان في عز مجده الذي لم يجاز عليه، ولم يره الشعب، ولم يستقبله، مات أحمد عبد العزيز وكله آمال في الحياة، لقد تألمت جدًّا لهذه الآمال التي انهارت. تظهر شخصية عبد الناصر الثورية بصورة جلية في هذه اليوميات، حيث يبدو ساخطًا وناقمًا علي الأوضاع التي يُعاني منها الجيش المصري في الحرب. ولا يكتفي بالإدانة وإنما يوجّه اتهاماته للقيادة العسكرية التي يصف قرارتها »‬بالتخبط والجهل» بل إنه يتهمها »‬بأنها سبب كل المصائب وأنه لا توجد قيادة للجيش المصري في فلسطين من الأساس فهي قيادة عاجزة لا تملك خطة ولا احتياطياً، همها الوحيد هو الهرب والنجاة بعيدًا عن المعركة وإطلاق تصريحات وبيانات كاذبة عن انتصارات وهمية لم تحدث».
التزم عبد الناصر  في سرد هذه اليوميات  وبالأحري مشاهداته لما جري من أحداث ومؤامرات وخيانات وعجز، ببنية قريبة من كتابة التقارير، وهي كتابة لصيقة الصلة بعمله كضابط في الجيش، إلا أنه أضفي علي هذه التقارير القصيرة لمحة أدبيّة، كما بدت لغته محايدة بعض الشيء وإن غلبت عليها عاطفته في بعض المقاطع علي نحو ما رأيناه وهو يصف مقتل البطل أحمد عبد العزيز. وكذلك في حالة قلقه علي أسرته الصغيرة؛ زوجته تحية وطفلتيه (هدي، مني) فهو دومًا مشغول البال بأحوالهن وبمستقبلهن دائم السؤال عنهن والاتصال بهن كلما سنحت له الفرصة، بل إنه فور إصابته برصاصة فوق قلبه فكّر فيهن علي الفور. وأيضًا ظاهرة في انفعاله وغضبه عندما بدأت الطائرات الإسرائيلية في 28 أكتوبر 1948، تمطر القوات المصرية المحاصرة بالفالوجا بالمنشورات التي تطالبها بالاستسلام يكتب الضابط جمال عبد الناصر وهو منفعل: »‬كلام فارغ قابله الجميع بالسخرية، فبالرغم من أننا محاصرون من يوم 16، وبالرغم من طلبنا تعيينات وذخيرة بواسطة الطيران، وبالرغم من أن طلباتنا لم تجب، ولم يلتفت إليها، فسنقاوم إلي آخر رجل». فعلي الرغم ما يبديه هذا المقطع من غضب فإنه في ذات الوقت يُظهر قوة عزيمته وصموده وتحديه أيضًا، وهي الصفات التي لازمته في مسيرته العملية فيما بعد، وكانت روحها ظاهرة في خطاب التنحي في 9 يونيه 1967 بعد النكسة. فمرارة كلماته كانت ممزوجة بالتحدي وتحمل العقبات، فالهزيمة لا تعني الاستسلام بل المقاومة.
يصف محمد صبيح هذه المذكرات في مجلة »‬آخر ساعة» بأنها أصدق وأدق معلومات عن الحرب، فكتب تحت عنوان »‬الحقائق كاملة»: »‬وحتي نُقدِّم الحقائق كاملة عن هذه الحرب، فإنا لم نجد أصدق ولا أدق عن من الوصف التفصيلي الذي كتبه الرئيس جمال عبد الناصر، عن يوميات فلسطين بوصفه أحد المحاربين فيها. وقد دوّن معلوماته، وملاحظاته وخلجات نفسه، بأسلوب من الصراحة، يوضّح الكثير من أسرار تلك الأيام الفاجعة. ويظهر بوضوح واضح، ما صنع الإنجليز بقيادة الجيش المصري، في فترة ثلث قرن أشرفوا فيها عليه، وكيف عجزت هذه الرءوس عن إدارة المعركة، بحيث كانت امتدادًا لنفس العجز السياسي الذي أديرت به المعركة، سواء من جانب الملوك والرؤساء، أو من جانب الحكومات، أو من جانب الجامعة العربية التي لم تكن إلا ظلاً لحالة الحكم العربي كله ... وكيف يستقيم الظل والعود أعوج.» أما عبد الناصر في مقدمته لها فيقول: »‬لست أريد أن أرفع معنويات الجيش بعد حوادث غزة الأخيرة ... أريد أن أقول الحقيقة التي عشتها». لا يكتفي عبد الناصر برصد ما مرّ عليه من أحداث خلال هذه اليوميات، وإنما يعمد إلي التحليل والاستنتاج، وهو ما يؤدي به إلي آراء سياسية خطيرة، فمثلاً يقول: »‬لم يكن معقولاً أن تكون هذه حربًا. لا قوات تحتشد، لا استعدادات في الأسلحة والذخائر، لا خطط، لا استكشافات ولا معلومات! ومع ذلك فهم في ميدان قتال! إذن هي حرب سياسية! هي إذن حرب ولا حرب . تقدّم بلا نصر، ورجوع بلا هزيمة. هي حرب سياسية فقط!!» ومن ثم ينتهي إلي خلاصة رأيه »‬ولم يكن اللوم في رأيي موجهًا إلي هؤلاء الشبان، إنما كان المسئول عنه نقص المعلومات عن العدو نقصًا قاتلاً مدمرًا!» .
يروي عبد الناصر بالأنا وفقًا لتواجده في بؤرة الحدث هكذا:  »‬بدأت أيام شهر مايو سنة 1948، ونحن ما نزال في القاهرة، وأعصابنا تحيا في فلسطين. وأخيرًا تقرّر أن تدخل مصر المعركة رسميًا، وصدرت الأوامر بأن ألتحق بالكتيبة السادسة، ويلتحق عبد الحكيم عامر بالكتيبة التاسعة، وزكريا محيي الدين بالكتيبة الأولي، وكان الجيش المصري مكونًا من تسع كتائب.....» .
يتخذ الكتاب وفقًا لعنوانه الخارجي بنية اليوميات علي مستوي الشكل والمضمون، حيث يلتقط تفاصيل الأيام التي قضاها هنا مع الجنود ويسرد ويسجّل ما شاهده وعاناه هو والجنود، ويسجل بالتواريخ الأحداث المهمة، ومع همينة التسجيل في كثير من المواضع، إلا أنّ الانسياب السّردي كان لافتًا ومدهشًا، علي الرغم من الاستطرادات التي كان غرضها التحليل للوصول إلي الاستنتاجات. يصف عبد الناصر أحاسيسه ومخاوفه من هذه الحرب، بعدما تبيّن طابعها السياسيّ، حتي إنه كان يصرخ : »‬ماذا نفعل هنا؟» ومع مضي الأيام كانت مخاوفه تزاد حسب وصفه. ويخبرنا أنّ في هذه الفترة التي وصفها أحد الجنود بأنهم »‬يقضون فترة مناورة» بدأت اختياراته في ضمّ بعض الضباط إلي تنظيم »‬الضباط الأحرار» الذي بدأت نواته تظهر في هذه الحرب. وقد اعتمد في اختياراته علي عاملين: الأوّل، هو منح الضبّاط الثقة في شخصه، حتي إنه لا يريد أن يُشتِّت أذهانهم وخططهم، والشيء الثاني، بأن يقوِّي ثقتهم به إلي أبعد الحدود. هكذا يأخذنا السَّارد الأنا في وصف مجريات الأمور في هذه الأجواء. والخطط التي كان يحضر التشاور في أمرها في مجلس قيادة الأركان وحالات التأهُّب والاستعداد للمعركة ... وحالات السأم سواء علي مستواه الشخصي أو علي مستوي الجنود. هكذا يأخذنا عبد الناصر وهو يسرد وقائع المعركة الخاسرة، أوجه الفساد التي استشرت في القيادة، ومن ثم كأن هذه اليوميات مبرارته للقيام بالثورة. أهمية هذه اليوميات في أنها تقدم رؤية عبد الناصر عن قرب عن طبيعة الصراع العربي  الإسرائيلي.
إلي جانب هذه الأعمال هناك كتاب »‬فلسفة الثورة» الذي ذكر عبد الناصر في مقدمته »‬إن هذه الخواطر عن فلسفة الثورة، ليست محاولة لتأليف كتاب، ولا هي محاولة لشرح أهداف ثورة يوليو وحوادثها، ...إنما هي شيء آخر تمامًا ... إنها أشبه بأنها ما تكون بدورية استكشاف. إنها محاولة لاستكشاف نفوسنا، لكي نعرف من نحن، وما هو دورنا في تاريخ مصر المتصل الحلقات». إلي أن يصل إلي الهدف الحقيقي، فالكتاب »‬مجرد دورية استكشاف في الميدان الذي نحارب فيه، معركتنا الكبري من أجل تحرير الوطن من كل الأغلال». إضافة إلي مقالة بعنوان »‬أنور السادات» وهي منشورة في مجلة الهلال عدد 11 الصادر بتاريخ 1 نوفمبر عام 1970. في الأصل هذه المقالة هي مقدّمة كتبها عبد الناصر لكتاب »‬صفحات مجهولة» الذي كتبه أنور السادات عن ثورة 23 يوليو في نوفمبر 1954. وبدأ عبد الناصر مقالته بالثناء علي السادات مُعدِّدًا الكثير من الصفات الخُلُقيّة وأيضًا العسكريّة، علاوة علي دوره الوطني. هكذا: »‬إن شخصية أنور السادات، لجديرة بالإعجاب، خليقة بالإطراء، فعبقريته العسكرية الممتازة، وشجاعته، ورباطة جأشه، وإخلاصه وتفانيه في خدمه المـُثل العُليا، إلي جانب قوة إرداته، وتنزهه عن الغرض، ورقة عواطفه، وميله الغريزي للعدالة والانصاف كل هذه الصفات جعلته أهلاً للقيام بدور هام في التمهيد لثورة 23 يوليو 1952، والسير بها قُدمًا في سبيل النجاح ...» ثمّ بعد ذلك يتناول الكتاب الذي ألَّفه السادات، ويتحدَّث عن عمل الضباط الأحرار، والأسباب التي حركتهم إلي الثورة فكما يقول : »‬كان النظام الملكي الرجعي المنوط بأسرة أجنبية، حائلاً دون تقديم البلاد فكان أول لزام علي الثورة أن تهدمه تمامًا وتقضي عليه، لتفسح الطريق أمام نهضة البلاد ...» (مجلة الهلال، ص 140)
هذا مذهبي
شارك جمال عبد الناصر مع قامات أدبية وفلسفية، في عرض مذهبه الحياتي، في كتاب أشرف عليه الدكتور طه حسين، وقد  صدر  ضمن سلسلة »‬كتاب الهلال» عام ١٩٥٥. جاء الكتاب بأقلام نخبة من الشرق والغرب عرضت فيه التجارب الحياتية. والمشاركون هم قامات أدبية وسياسية وتاريخية تُقارب الخمسين شخصية، مثل ويليام ديورانت، الزعيم جمال عبد الناصر، والأديب ميخائيل نعيمة، والدكتورة سهير القلماوي، وأحمد الزيات، وطه حسين ومارون عبود، وأحمد لطفي السيد، ومحمود تيمور، ورئيس وزراء لبنان سامي الصلح وغيرهم. طرح الدكتور طه حسين في الكتاب سؤالاً عن المذهب، هكذا: »‬ما مذهبك في الحياة!». وبناء علي هذا السؤال جاءت الإجابات. الكتاب انقسم إلي ثلاثة أقسام: الأول لرجال العصر الحديث، وتصدرته مقالة عبد الناصر بعنوان: »‬ثلاث حقائق أومن بها» وقد شغلت الصفحات من (15 إلي 19) ثمّ القسم الثاني لرجال التاريخ، كابن سينا وكنفوشيوس وعبد الرحمن بن معاوية وشكسبير وابن خلدون وإبراهام لنكولن وآخرين. وفي هذا القسم قد تقمص بعض الكتاب هذه الشخصيات التاريخية وكتبوا نيابة عنها علي نحو ما فعل طه حسين حيث تقمص شخصيتي المعري وابن خلدون. أما القسم الثالث فجاء بلا عنوان، ومن أشهر من كتبوا فيه نورمان كوزينز وريموند سوينج ومارجريت تشير سميث ... وغيرهم. بدأ عبد الناصر مقالته هكذا: »‬لست أزعم أنني أعرف نفسي، فتلك منزلة في المعرفة لا يبلغها بشر، فإن الناس ليعرف بعضهم من حقائق بعض، أكثر مما يعرفون من حقائق أنفسهم، وذلك بعض فضل الله علينا وعلي الناس. فلو أن إنسانًا عرف نفسه العرفان الحق، لطاش وضل، أو لقعد به اليأس عن كل محاولة، ومن أجل كل ذلك أخفي الله عنا بعض حقائق نفوسنا ...» .
في المقال يظهر عبد الناصر فيلسوفًا يغوص داخل نفسه فيقول: »‬كم مرة خلوت إلي نفسي أفكّر في شأن من الشئون، ويذهب بي الفكر مذاهبه من قريب ومن بعيد، حتي انتهي من التفكير إلي رأي، ثم ينتهي الرأي إلي إرادة وخطة، ولكني انتظر برهة لأسأل نفسي: »‬لماذا أردت هذا؟ ما هي أسبابه ودوافعه؟ فلا يلبث الجواب أن يأتيني بغير ما كنتُ أظن، أو بعكس ما كنت أظن، ذلك لأننا نعرف علي وجه اليقين ما نريد لكننا لا نعرف في كل وقت أسباب هذه الإرادة؛ لأن أسبابها الحقيقية وراء النفس، ووراء الزمن، ووراء المادة، بل قد تكون أسبابها الحقيقية ضاربة في جذور الزمن إلي آماد سحيقة في القدم، قبل أن نولد، أو يكون لنا وجود مادي علي هذه الأرض. إن بعض إرادتنا هي مواريث أجيال عريقة في القدم، تحدرت من أصلاب آبائنا جيلاً بعد جيل حتي انتهت إلينا، فاتحدت منها في نفوسنا عناصر من الماضي البعيد، بعناصر من الحاضر الماثل، وتفاعل بعضها مع بعض تفاعل المادة في المعمل الكيميائي، فكان من تفاعلها إرادة، بعض أسبابها في أيدينا وفي محيط إدراكنا الواقع، وبعضها من البعيد البعيد وراء الزمان والمكان والمادة والحاضر الملموس. تلك هي الحقيقة الأولي التي آمنت بها، وثمّة حقيقة أخري جعلتها دستور حياتي هي أن أُفرِّق بين الإرادة الإيجابية والإرادة الحالمة».
الرئيس والمثقفون
الجانب الثاني من المقالة يتناول علاقة الرئيس عبد الناصر بالمثقفين، وهل الجانب الأوّل (أي الكاتب) في تعاملاته مع كتاب وأدباء وفناني عصره. أم طغت الإدارة (وبمعني أدق السلطة) عليه في تعاملاته؟ في الحقيقة إن علاقة عبد الناصر بالثقافة لا يُنكرها أحد. وقد تناولتها كتابات كثيرة أظهرت حالة الشدّ والجذب بين الطرفين. لكن - هنا - سأتوقف عند كيف انتصر الرئيس صاحب السلطة أو الديكتاتور كما وصفته الأدبيات التي أرخت لهذه الفترة الخصبة من تاريخ مصر، للرئيس الكاتب في كثير من المواقف. الشيء الجدير بالذكر أن فترة عبد الناصر علي الرغم مما شهدته من رقابة غير محدودة علي الإبداع بكافة أشكاله وصنوفه، إلا أنّها أنتجت كتابات مميزة. وكأنّ الصفة التي وَسَمَ بها الدكتور جلال أمين عبد الناصر في مقاله بجريدة الأهرام بتاريخ  2 أكتوبر 2017، بأنه »‬سعيد الحظ» حَرِي به إلي جانب الكاريزما التي اشتهر بها. فعبد الناصر كما يري جلال أمين: »‬كان رئيسًا في عصر متميّز بدوره، عصر نهرو وسوكارنو وبن بلا ونيكروما» حيث اتسمت هذه الفترة بما يمكن تسميته »‬بقوة الالتزام الخلقي» بتعبير جلال أمين نفسه »‬أي بقوة الشعور بأن علي الفرد مسئولية اجتماعية إلي جانب العمل لمصلحته الشخصية والعائلية. لا يمكن الزعم بأن هذا الشعور قد انتهي بانتهاء الستينيات، ولكني أزعم أنه منذ سبعينيات القرن العشرين اشتدّ الاهتمام بالصعود والترقي الفردي، في صورة زيادة دخل الفرد والارتفاع بمستوي معيشته، علي حساب الانشغال بالصالح العام».
حالة الترحيب الأولي للثورة من قبل المثقفين تحوَّلت بعد فترة إلي انتقاد حادّ لانحرافات الثورة، وعدولها عن النهج الذي سارت فيه مذ رفعت المبادئ الستة الأساسية والشعارات التي تحوي معاني العدالة الاجتماعية، ورفع الظلم، لكنها أخفقت في تحقيقها. ومن ثمّ وجّه إليها الكُتَّاب والمبدعون سهام النقد بالمباشرة تارة أو بالرمز تارة أخري، وكذلك بالتحقير تارة ثالثة كما في قصيدة صلاح عبد الصبور »‬عودة ذي الأنف الكئيب». فمثلا الكاتب توفيق الحكيم الذي تميّزت علاقته بعبد الناصر بعلاقة خاصة فقد كان بالنسبة له أشبه بالحاضن أو الراعي، والمدافع عنه. انتقدّ عبد الناصر في بعض كتاباته، حتي أنّ عبد الناصر أهداه كتاب فلسفة الثورة : »‬إلي باعث الأدب الأستاذ توفيق الحكيم، مطالبًا بعودة الروح مرة أخري بعد الثورة». وبالمثل نجيب محفوظ الذي عاش خمس سنوات أسماها »‬فترة اليأس الأدبي» وقد امتدت من 1952 إلي 1957، وعندما عاد لم يهادنها علي نحو ما فعل توفيق الحكيم الذي انحاز لها  قبل أن ينتقدها - انحيازًا سافرًا، متخليًا عن زملائه في حوادث مشهورة جدًّا، خاصة ما هو متعلّق بقائمة الاعتقالات التي أعدتها الأجهزة الأمنية في عام 1959، واحتوت أسماء مجموعة من أساتذة الجامعات وكبار الأدباء، وأراد عبد الناصر أنْ يُطلع توفيق الحكيم علي هذه القائمة، وبالفعل تمّ الاتصال به من قبل رئاسة الجمهورية، وذهب بعد أن دبّر الأمر وأعد لها هيكل. لكن قبل أن يأتي اتصال الرئاسة كان هناك اتصال سابق من محفوظ وطالبه بأن يتدخل فما كان منه إلا أن قال: »‬يا نجيب دول بيقبضوا عليهم لأسباب مالهاش علاقة بالفكر والأدب ... دول لهم صفتين، صفة المثقف وصفة السياسي، إحنا ندافع عن المثقفين، لكن الناس اللي عايزه السلطة مالنا ومالهم» (ص 40، غالي شكري). وكانت حيرة عبد الناصر لحد الاندهاش مِن تصرف الحكيم الذي لم يتحدث في هذا الموضوع. وعلي الرغم من الصورة التي سادت عن هذه الفترة إلا أنه تبقي لعبد الناصر مواقفه المشهورة في انحيازه للإبداع، وهو الأمر الذي دفع مارينا ستاغ  الباحثة السويدية في كتابها عن »‬حدود حرية التعبير» لأن تقول إن الاعتقالات التي تمت في عهد عبد الناصر كانت لدوافع سياسية ولانتماءات الكتاب إلي اليسار وليس بسبب الكتابة  الأدبية إلا في حالات نادرة.
موقف عبد الناصر التي تدخل فيها من أجل المبدعين وكتاباتهم كثيرة لا تبدأ بموقفه المتشدّد ضدّ إسماعيل القباني وزير المعارف آنذاك، عندما قاد حملة التطهير في المؤسسات عام 1953، وكان اسم الحكيم علي رأس القائمة، عبد الناصر لم يحتمل هذا وعندما رفض القباني التنازل والانصياع لرغبة الرئيس قدّم استقالته، فقبلها الرئيس وضحّي برجل وصفه بأنه »‬وزير جيد» وأبقي الحكيم علي رأس دار الكتب، علي الرغم من أن هناك أسبابًا وجيهة قدَّمها القباني لإقالته، بل ووصف الحكيم بأنه »‬كسول ولا يذهب إلي عمله كالموظفين». انتصر جمال عبد الناصر، لتوفيق الحكيم، علي الرغم من تهديد الوزير بالاستقالة، إلا أن عبد الناصر الذي حاول أن يثني القباني عن إصراره خاصة بعد أن وضع المسألة في خانة ضيقة هي »‬الكرامة»، وبالفعل خرج إسماعيل القباني من الوزارة  في يناير 1954 وحلّ بدلاً منه عباس عمّار. هنا كان انتصار عبد الناصر للأديب الذي في داخله، فوفقًا لما ذكر هيكل، أن عبد الناصر غضب وقال: »‬من غير المعقول ولا المتصوّر أن نأتي نحن، ونخرج واحدًا مثل توفيق الحكيم» (يوسف القعيد، عبد الناصر والمثقفون والثقافة، ص 305) وظلت عبارة الرئيس شاهدة علي دفاعه عن الحكيم الأديب »‬فخرج وزير كي لا يخرج أديب في التطهير». بل وزاد عبد الناصر من كرمه علي الحكيم بأن منحه أعلي وسام حتي إن كبير الأمناء وقتها »‬علي باشا رشيد»، اعترض لأن وشاح النيل يُعطي لرؤساء الدول، بالإضافة إلا أن درجة الحكيم المالية المثبت عليها لا تسمح له إلا بوسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي. حكايات الحكيم مع عبد الناصر لا تنتهي، ففي ذات يوم اتصل أنور السادات بهيكل ليخبره أن الحكيم كتب كتابًا يهاجم عبد الناصر. وبعد أن اتصل هيكل بالحكيم أنكر الواقعة، فاتصل هيكل بالسادات ليخبره بأن تحريات المباحث مخطئة، فما كان من السادات إلي أن أرسل بالفصلين إلي هيكل، فغضب غضبًا شديدًا، وعندها استدعي الحكيم إلي مكتبه، أخبره الحكيم أن هذا كتاب تجريبي، وكان قد عرضه علي بعض الأصدقاء الخصوصين. ومن مواقف الحكيم المرتدة كتاب »‬عودة الوعي» 1972 وهو الكتاب الذي أغضب زوجة الحكيم كثيرًا وبالمثل هيكل. بل كان هذا الكتاب كما وصفه محمد شعير في مقالة بعنوان »‬معركة عودة الوعي» بأنه: »‬الرصاصة الأشد تأثيرًا التي أطلقت علي عبد الناصر  وثورة يوليو، كان الحكيم صاحبها». لكن عندما نشر الحكيم روايته »‬بنك القلق» التي كان فيها انتقاد واضح للأجهزة الأمنية والرقابية. غضب عبد الحكيم عامر، فما أن نُشرت حلقة منها في الأهرام، حتي اتصل علي الفور عبد الحكيم عامر بالرئيس وأخبره بأن في العمل كلامًا غير معقول، وإن كان السبب وراء تحريض عبد الحكيم هو صلاح نصر، فعندما أخذ هيكل الحلقة الأولي المنشورة في الأهرام قرأ عبد الناصر ما بين يديه ثم قال متسائلاً: »‬إذا كان توفيق الحكيم قد نشر يوميات نائب في الأرياف وقت الملكية، ألا يستطيع نشر بنك القلق في وقت الجمهورية؟» (القعيد، 336). كل هذه المواقف تؤكّد أن عبد الناصر كان ينتصر للإبداع، فلم يُصادر في عهده عمل بحجة حرية التعبير، حتي عمل »‬تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم صادرته الرقابة عام 1966بحجة الإسفاف وتخطي القيم والأخلاق. والقصة رواها صنع الله في مقدمة الرواية التي عنونها بـ»‬علي سبيل التقديم» وذكر ما فعله رجال عبد القادر حاتم معه، وسخريتهم من بطله المرخي. الأغرب أن جوّ المصادرة الذي سيطر، انعكس علي الكُتَّاب والنقاد أيضًاـ فيحيي حقي الذي احتفي بالرواية عندما قدمها له صنع الله في مكتبه، ما لبث أن غيّر موقفه، وكتب مقالاً عنيفًا عنها في جريدة المساء، ووصف المؤلف بأنه »‬انزلق بحماقة و انحطاط في الذوق»، وبالمثل فعل أحمد حمروش الذي كان يرأس تحرير مجلة »‬روز اليوسف» وقد رحب بالرواية، وكتب تعليقًا عنها تحت عنوان »‬لغة العصر» وما إن أخبره صنع الله بنبأ المصادرة حتي علي الفور  أمسك سماعة التليفون واتصل بقريبه الأستاذ حمدي حافظ في مصلحة الاستعلامات، فاستمع إليه برهة، ودون أن يعيد السماعة إلي مكانها اتصل بمطبعة المجلة وطلب شطب مقاله عن الرواية (مقدمة تلك الرائحة، ص 12).  فالحقيقة أن عبد الناصر  ما إن كان يعلم بمصادرة عمل حتي كان يتدخل وأكبر دليل ما حدث مع فيلم »‬شيء من الخوف»عن رواية ثروت أباظة. فما حدث أنه بعد نزول أفيشات الفيلم رفضت الرقابة عرضه لأسباب سياسية بعد تقرير وصف حُكم عبد الناصر بالعصابة وأن ناصر هو عتريس، ولما علم الرئيس جمال عبدالناصر طلب مشاهدته وبعد أن شاهده مرتين مع أنور السادات أمر بعرضه. وفقًا لرواية الكاتب يوسف القعيد في حوار بالبرنامج الإذاعي صراحة. وما ذكره القعيد هو جزءٌ من شهادة الأديب نجيب محفوظ الذي كان وقتها رئيسًا للمؤسسة المصرية العامة للسينما، فوجّه الشكوي إلي مستشاره السياسي عبدالمجيد أبوزيد، الذي بدوره استدعي المؤلف ثروت أباظة. وفي اللقاء، وجه »‬عبدالمجيد» حديثه إلي »‬أباظة» قائلًا: »‬إنت عامل رواية ضد عبدالناصر؟» ليجيب الأخير بالنفي، ثم يوضح: »‬أنا أقصد بعتريس الاستعمار وأعوان الاستعمار». وبعد استماع »‬عبدالمجيد» للإجابة أخرج قلمًا وورقة وطلب من »‬أباظة» أن يكتب ما قاله فيها بخط يده، وهو ما تم حينها، حسب رواية »‬القعيد». تكررت مثل هذه التدخلات برفع الحظر في أكثر من موقف منها كما ذكر فتحي رضوان في مذكراته »‬72 شهرًا مع عبد الناصر» عن فيلم »‬أريد أن أعيش» الذي مثلته »‬سوزان هيوارد» وتناقلت الصحف أنها صهيونية، وقد عبرت عن ميولها في صورة تصريحات، وبالمشاركة في نشاط جمعية الجباية اليهودية التي تمول إسرائيل، وتجمع لها التبرعات من يهود الولايات المتحدة، وارتفعت الأصوات المنادية بعرض الفيلم، وبالفعل منع الفيلم لمدة طويلة. ثم في إحدي المرات وفقًا لرواية رضوان، سأله: »‬متي تفرج عن الفيلم؟ فسألته: وهل هو فيلم جيدـ هل رأيته سيادتك؟ فقال بحماس: طبعًا ... فيلم جيد، لا تسمع كلام هؤلاء الأغبياء» وبالفعل بعد تحريات أجراها فتحي رضوان أثبت أن التهمة الملحقة بالممثلة، لا دليل لها.( راجع، فتحي رضوان: 72 شهرا مع عبد الناصر، ص 149) .
قيود حرية التعبير
نجيب محفوظ لم يلتق بعبد الناصر إلا في مناسبات خاصّة منها تسلُّمه جائزة الدولة عام 1957، لكن كان لعبد الناصر موقفه المنتصر لروايته »‬أولاد حارتنا». كانت »‬أولاد حارتنا» أول رواية يكتبها محفوظ بعد سنوات اليأس التي عاني منها بعد قيام الثورة، وقد بدأ في كتابتها عام 1957 وانتهي منها في أبريل سنة 1958 فالرواية التي بدأ محمد حسنين هيكل نشرها مسلسلة في جريدة الأهرام يوميًا علي خلاف ما هو معروف، حتي لا يعطي لأحد فرصة منعها، وصلت الرواية لهيكل عن طريق علي حمدي الجمال مدير تحرير الأهرام في ذلك الوقت، وبالفعل بدأت الأهرام تنشرها يوميًا طيلة أسبوع كامل ابتداءً من عدد 21 سبتمبر 1959 حتي عدد 25 ديسمبر من العام نفسه، إلي أن بدأت الضغوط وهنا طلب هيكل من نجيب محفوظ أن يُمارس دور الرقيب بنفسه كما قال ليوسف القعيد »‬حتي يفوِّت علي أي جهة خاصة الأزهر الشريف أن يكون لديها ردّ فعل علي نشرها» لكن مع الحلقة السابعة عشرة، بدأت شكاوي وبلاغات عديدة ضد الرواية وتطلب تحرك الأزهر لوقف النشر، فسأل عبد الناصر هيكل عن الحكاية. وعندما عرف الموضوع قال له: »‬هذه رواية كتبها نجيب محفوظ ولا بد من نشرها، حتي آخر كلمة» ويروي نجيب محفوظ ذكري ما حدث لرجاء النقاش في كتاب »‬صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» »‬أنه بعد انتهاء نشر أولاد حارتنا في الأهرام، قابلني الدكتور حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس عبد الناصر، وكان رجلاً غاية في اللطف، وقد سبق لنا العمل معًا وقال فيما ملخصه »‬أنه من الأفضل نشر هذه الرواية في كتاب خارج مصر».
تقول مارينا ستاغ في كتابها »‬حدود حرية التعبير» إن أحد أهم القرارات التي اتخذها الضباط الأحرار بعد توليهم السلطة، هو الإفراج عن السجناء، وقد تمّ إخلاء المعتقلات تقريبًا، وإن كان هناك عدد قليل ما زال في السجن لصدور أحكام ضدهم، مثل الكاتب أحمد رشدي صالح. لكن العجيب كما تلاحظ مارينا في إحصاءاتها أنه سرعان ما تمّ استئناف عمليات الاعتقال كنوعٍ من محاولة العسكر تثبيت دعائم حكمهم، وقد أوردت في هذه القائمة حوالي 15 اسمًا من عام 1952 إلي 1956، مثل أسماء إبراهيم عبد الحليم وإحسان عبد القدوس وإسماعيل الحبروك وصلاح حافظ وشريف حتاتة ويوسف إدريس وعبد الرحمن الخميسي وفكري الخولي. ومحمد خليل قاسم، وجمال ربيع ومحمد صدقي، وآخرين الغريب أن الكاتبة تقول إنّ مِن بين هذه القائمة ثلاثة كتّابٍ لم يكن قد بدءوا الكتابة حتي الستينيات وهم شريف حتاتة وفكري الخولي ومحمد خليل قاسم. وهو ما يعني أن حملة الاعتقالات لم تكن بهدف الكتابة وإنما كانت بسبب الانتماء إلي تنظيمات يسارية مِن التي أجبرها النظام إلي العمل السري، باستثناء عبد الرحمن الشرقاوي الذي سُجن لمدة عامين في السجن الحربي بسبب رواية »‬الأرض» التي نشرت مسلسلة في جريدة المصري، ثم صدرت بعدها بعام 1954 في كتاب. ثم ما بين عام 1959  1964 بدأت حملة واسعة ضد اليسار، وفقًا لما رصدت ستاغ فَأُلقي القبض علي280 كاتبًا، ودوهمت 10دور نشر وصودرت ممتلكاتها. وتصاعدت حدة الاعتقالات حتي وصلت عام 1960 إلي ما يقرب من 6000 شخص.
يبدو أن الأجهزة الإيديولوجية بتعبير ألتوسير عملت وبدون قصد للإساءة للرئيس، علي نحو ما حدث مع الناقد علي شلش. فعلي شلش تم القبض عليه في مارس 1967 بتهمة عبثية كما يقول شعبان يوسف في كتابه »‬المنسيون ينهضون» ليقضي عامين وثلاثة أشهر معتقلاً. إذْ وجهت إليه الحكومة تهمة التخابر مع دولة أجنبية، والحادثة مروية في كتاب الباحثة السويدية مارينا ستاج حيث تقول إنّ »‬سبب إلقاء القبض عليه، قبل عشرة أيام كان المؤلف حضر محاضرة لجان بول سارتر في جامعة القاهرة، وعند البوابة الخارجية. كان قد التقي مصادفة بشاعر عربي كان يعرفه بصحبة صديق قديم قدّمه إليه. وبالمثل ما تعرضت له رواية »‬الأسري يقيمون المتاريس» للروائي فؤاد حجازي، يؤكّد دور هذه الأجهزة في التنكيل بالمثقفين والكتاب. فالرواية تعرضت للمصادرة بفعل الرقابة وهذه المرة كانت الرقابة العسكرية التي اعترضت علي نشر الرواية، واستمر الحجر علي العمل حتي طبع في عام 1976. بعد أن صدر قانون إلغاء الرقابة علي الكتب، لكن القانون لم يُفعّل، وفي مايو 1978 صودرت الرواية، وتم القبض علي فؤاد حجازي، لإصداره كتابًا دون إذن  ومع أنه قدم أثناء التحقيق ما يفيد إلغاء الرقابة إلا أنه اُسْتُبْقِيَ رهن المحاكمة التي تمت بعد أسبوع وأسقطت عنه تهمة طبع كتاب بدون إذن، أصبحت التهمة الاستهانة بأمر الدولة، وحكم عليه بغرامة 30 جنيهًا . وقد ذكر فؤاد حجازي أن المخابرات امتنعت عن الموافقة عن نشر الرواية لأنها »‬كانت تنشر جو الهزيمة» (فؤاد حجازي: مقدمة المؤلف للطبعة الأولي من رواية سجناء كل العصور،ص 14- 16 بتصرف)
 يتكرَّر فعل المصادرة مع الكُتب والمجلات علي نحو ما حدث عندما نشر الشاعر صلاح عبد الصبور في مجلة الآداب البيروتية التي كان يصدرها سهيل إدريس، قصيدته »‬عودة ذي الوجه الكئيب» والتي بدأ أبياتها هكذا »‬هل عاد ذو الوجه الكئيب، ذو النظرة البكماء والأنف المقوّس والندوب». وقد كانت القصيدة تعبيرًا عن موقف عبد الصبور من أحداث مارس 1954، التي كانت بمثابة انحراف الثورة عن الديمقراطية التي بشرت بها. بعدها تمّ مصادرة مجلة الآداب، ومنع دخولها مصر، لكن صاحب المجلة جاء إلي مصر ليعرف سبب منع مجلته، علي نحو ما روي سليمان فياض في كتابه »‬كتاب النميمة» ويستمر فياض في الرواية قائلاً: »‬وما إن وصل مصر كان طلبه الرئيسي، هو مقابلة عبد الناصر، ومع استنكار أصدقائه من الكتاب الذين كانوا وقتها صغارًا، استطاع أن يلتقي عبد الناصر، وتمّ تحديد الموعد، وذهب في الوقت المحدّد، واستقبله عبد الناصر في غرفة صغيرة، يصفها سهيل بأنها: »‬كانت بها أجهزة استماع لكل إذاعات العالم، وعلي كوميدينو بجانب سريره، كان صف بأكمله من مجلة الآداب» رحّب الرئيس بضيفه ثمّ عاتبه، وأثناء العتاب قدم له عددًا يحوي القصيدة التي نشرها لصلاح عبد الصبور. ثم توجه إليه في وصلة العتاب:
أتنشر عني هذا؟ !
فردّ عليه سهيل:
- »‬سيادة الرئيس أنت تعرف الشعراء، ولم أفهم أن الشاعر يقصدك أنت، ولا أظن أنه يقصدك أنت.»
فابتسمّ عبد الناصر، ولم يقل شيئًا. ويصف إدريس الموقف، بأن »‬عينيه كانت تقول غير ذلك، أي أنها كانت توجه لي لومًا بأنني كنت أعرف، ثم وعد بأنه سيرفع الحظر عن دخول مجلة الآداب إلي مصر». وهو ما كان بعدها. الغريب في الأمر أن عبد الصبور لم يحدث له شيء، وإن كان عدّل عن هذه القصيدة في قصيدة الحُلم والأغنية (مرثية لعبد الناصر) والتي بدأها: »‬لا لم يمت». وفي منتصفها يقول: (إذْ كنت فرحتنا الكبيرة / حين تمسك في يديك الحلم / تنثر منه فوق أسرّة الأطفال المستضعفين...)
من البديهي أن نقول إنّ عصر عبد الناصر علي الرغم مما اكتنفه من قيود ومصادرات علي أعمال مهمّة، مارستها الرقابة الرسمية كما في حالات؛ »‬تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، و»‬الأسري يقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي و»‬الشمس في برج المخاض» لمحمد روميش، و»‬في الصيف السابع والستين» لإبراهيم عبد المجيد، وغير الرسميّة أيضًا كما في نماذج »‬البيضاء» ليوسف إدريس و»‬العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح» للويس عوض، و»‬تلك الأيام» و»‬حكاية تو» لفتحي غانم وغيرها من الأعمال، إلا أنّ الأدب كان في أَوْجه في هذه الفترة، وهو نفس ما ذهب إليه بهاء طاهر في إحدي شهاداته حيث قال: »‬بالتأكيد كان هناك رقابة علي الكتابات السياسية، ولكن ليس علي الكتابة الأدبية، وإلّا كيف يمكن أن تُفسِّري (يقصد مارينا ستاغ أثناء حوارها معه) لماذا كان الأدب في أوجه أيام عبد الناصر». اللافت أن الرقابة الرسميّة وغير الرسمية، كانتا نتاجًا لفزاعة الخوف والترهيب التي أطلقتها الأجهزة الإيديولوجية (لاحظ ما فعله عبد الحكيم عامر مع رواية »‬ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، واعتراض الاتحاد الاشتراكي علي فيلم »‬الكرنك» لنجيب محفوظ أيضًا، وإن كان عبد الناصر انتصر للحالتيْن)، وهذا التشدّد المـُـفرط الذي مارسته الرَّقَابة، كان له أثره السّلبي علي وَسْمِ العصر كله، بأنّه ضدّ حرية التعبير، وفي صورة أخري بعصر الاستبداد. وَوُصِفَ الرئيس نفسه بالديكتاتور. وإن كان الكاتب الصحفي صلاح عيسي يُرجع أسباب اتهامه بالديكتاتورية في كتابه »‬مثقفون وعسكر» قائلاً: »‬إن حجم زعامة عبد الناصر التي كانت تحديًا لكل النظام الاستعماري الاستغلالي ... ومن هُنا كان محتاجًا إلي قوة مركزية كبيرة، تمكِّنه من الصدام مع النظام الإمبريالي، والاستغلال الطبقي».  لكن الحقيقة التي لا يحب إنكارها أن كثيرًا من هذه الأعمال التي تعرضت لرفض الرقابة أو تدخلاتها وجدت لها منافذ كثيرة في بيروت وسوريا. فما زالت الطباعات الأولي لروايات أولاد حارتنا والزيني بركات، والبيضاء، تحمل طبعات بيروت ودمشق.