رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

د.مصطفي الرزاز:لو توقفت عن الفن.. أموت


مني عبد الكريم
2/10/2018 1:01:51 PM

كانت المرة الأولي التي ألتقي به داخل المرسم.. كنت قد تحدثت إليه أكثر من مرة عبر الهاتف والتقيت به فى حوارات ممتدة على هامش معارض متنوعة كان آخرها »ذاكرة زجزاجية« الذى استضافه جاليرى بيكاسو منذ فترة غير بعيدة، وفى كل مرة لم يكن يبخل بالوقت لكننى لم أكن أكتفي.. كنت أشعر أننى أمام مجلد موسوعى ضخم متعدد الأجزاء علىَّ أن أقرأه بتأن وأن أتأمل محتواه الإبداعى سطراً بعد آخر و لوحة بعد لوحة وتمثالاً تلو  آخر.

كانت هذه المرة مختلفة لأننى كنت أراه للمرة الأولى داخل وطنه الذى ينتمى إليه قبل كل الأوطان.. الفن.. بين أدواته وألوانه.. مرتديا البالطو الأبيض الذى لم يتسخ ببقايا الألوان بل أصبح بتلك الألوان التى اعتلته شاهداً آخر على ما يحدث بين أروقة جدران المرسم من محاورات..كان الرزاز منهمكا فيما يفعل بروح شاب فى العشرين..  يسيطر فى عالمه المدهش على الخامات والأدوات فتمنحه مزيدا من التدفق.
لم أصدق ما قاله عن ذلك السحر الذى يسكنه بالفن إلا حينما رأيته بعينى..حين تراجعت سنوات عمره التى تجاوزت السبعين بأربع سنوات تقريبا..ليسترد شبابه بالكامل.. هذه المرة كنت أحاور الشاب العشرينى الذى لا يكبر ولا يفتر حماسه.
أخبرنى الرزاز أنه يتنفس الفن، إن قلبه نابض لأنه لم يتوقف عن العمل، وأضاف: حين أتوقف عن الفن فتأكدى أننى ميت لا محالة.. قال إنه عاش ست حيوات على الأقل فليس بإمكان شخص واحد أن يمر بكل تلك التجارب الفنية والمعرفية.. وأن يتوفر له ثراء الانتاج الفنى والفكرى إلا إذا كانت لديه القدرة على أن يعيش أكثر من مرة.. أن يمارس كل لون من ألوان الفنون التى تنوعت بين التصوير والنحت والجرافيك كفنان غزير الانتاج فى كل فرع.. يقرأ بنهم ويمارس الكتابة كمن يمتهنهما وحدهما بخلاف عمله بالتدريس ومشواره الأكاديمى والوظيفى الذى تولى فيه عدة مناصب ترك فى كل منها بصمة.
سحبت كرسيَّا وجلست بجواره وهو يرسم.. وبطريقة الفلاش باك طلبت منه أن يحكى لى عن ارهصات الطفولة الأولى وعن علاقته بالرزاز طفلا، ضحك وقال : كنت طفلا مشاغبا للغاية فى طفولتى المبكرة حكت لى أمى أننى لم أكن أتوقف عن الصراخ لدرجة أنها طلبت من خالى أن يلقى بى فى النهر، فداعبها خالى قائلا : ولِمَ أفعل ذلك، عليك أنت أن تلقيه فى النهر قالت له: قلبى لا يطاوعنى.. فضحك.. كانت امرأة رحيمة جدا على عكس والدى الذى كان  رجلا صارما للغاية.
للبدايات دائما أثر لا يمحى
مصطفى هو الطفل السادس بين ثمانية إخوة؛ أربع فتيات وأربعة ذكور، ولد بإحدى قرى ميت غمر وانتقل هو وأسرته إلى القاهرة وهو طفل صغير حيث عين والده بدار الكتب والمحفوظات، وظلت علاقته بالقرية زيارات متقطعة لبيت الجد.
ولم يكن الرزاز هو الوحيد ذا الموهبة الفنية بالأسرة، حيث بدأ أخوه أحمد حياته ممثلا ولاعبا لكرة القدم بالأهلى وحين جاءته فرصة التعيين بالإذاعة كان عليه أن يتخلى عن أحلامه فى التمثيل واحتراف كرة القدم، أما حسن فهو خريج فنون تطبيقية ومخرج بالتليفزيون وقدم العديد من الأفلام التسجيلية، وصادق خريج فنون تطبيقية ولديه شركة دعاية وإعلان.. وعلى الرغم من أن اسم الرزاز يرتبط فنيا الآن كأكثر ما يرتبط بمصطفى الرزاز إلا أنه كان يتم التعامل معه فى الأسرة باعتباره أكثرهم فشلا، فلم يكن والده يصدق أنه سينجح فى حياته العملية مطلقا.
وعن ذكرياته الأولى يحكى الرزاز: جاء والدى إلى القاهرة ليتسلم وظيفة بدار الكتب، وعندما انتقلنا إلى القاهرة لم يكن لديه امكانية لتأجير بيت جديد، فذهبنا للسكن بأحد بيوت العائلة التاريخية، وللعلم كانت أصول العائلة ممتدة للمماليك وكان الرزاز جد جدى أحد أمراء مدينة القاهرة خلال فترة الحكم العثمانى،  وكان هناك ثلاثة بيوت تخص العائلة: واحد خلف مسجد الإمام الرفاعى تم ترميمه الآن وأصبح مقصدا سياحيا، والثانى بالسيدة زينب، والثالث الذى أقمنا به كان بيت الحلمية.
كان بيت الحلمية هو أول تلك الروافد التى نهل منها الرزاز مفرداته، أولا نظرا لروعة البيت نفسه.. الأرضيات الرخامية والسلالم والشبابيك والطراز المعمارى للبيت، كما كان البيت بانوراما جميلة للحياة اليومية، فقد كان البائعون يمرون واحدا تلو الآخر من تحت البيت، يقول الرزاز:  كنت أستمع لموسيقى نداءاتهم، شاهدت السقا وبائع الذرة والبطاطا وغيرهم.
ولم تكن تلك الطفولة المبكرة تخلو من حوادث خطيرة يتذكرها الآن على سبيل الفكاهة، فذات مرة كان يركب وراء أخيه على الدراجة فسقط من  على العجلة فى حفرة عميقة وتغطى وجهه بالدم  أما الحادث الثانى الذى ارتبط بالفن فيحكيه الرزاز قائلا: كنت دائم الاطلاع على المجلات والجرائد المعنية بالفن، وكنت أشاهد صورا للنحاتين العظماء وذات مرة قررت أن أقوم بعمل نحتى، وعند عودتى من المدرسة حملت حجرا كبيرا وأخذته إلى غرفة الجناينى لأنحت عصفورة ثم أخذت إحدى أدوات البستانى لاستخدمها فى النحت  وبينما أدق عليها بقوة سقطت اليد الخشبية وانغرس النصل المعدنى فى كفى، كان الجرح عميقا وغائرا ولكن كل ما شغلنى  وقتها ألا يراه والدى حتى لا يضربنى علقة، وجريت إلى الحمام أحاول وقف نزيف الدم وحين سمعت أختى الكبيرة الضجة بالحمام، حاولت الاطمئنان علىَّ ففتحت لها الباب ووجدت الأرضية مغطاة بالدم ويدى تنزف بعمق فكبستها بقوة ولفتها بقطعة قماش، بعد عدة أيام كان لدى امتحان، فلم أستطع أن أمسك بالقلم لشدة تورم يدى وعندما رآها المدرس نهرنى وأخبرنى أن علىَّ أن أذهب فورا للمستوصف وإلا عرضت يدى للبتر، وهناك أجرى الطبيب جراحة بيدى ووضع فتيلاً ولم يكن معى نقود سوى ثلاثة قروش فأخذوها منى وطلبوا أن أحضر الباقى عندما أعود مرة أخرى..وذهبت للمنزل أشعر بدوخة كبيرة وعندما رآنى  والدى سألنى عما حدث، كنت شديد الخوف منه ولكننى حكيت فتساءل عن سبب اخفائى الأمر عنه  وعندما أخبرته أن ذلك لشدة خوفى منه، فإذا بى أفاجأ أن هذا الرجل الصارم تسقط دموعه أمامى، ولم أنس أبدا هذا الموقف.
الحكايات عن فترة طفولة الرزاز متدفقة وكثير منها يرتبط بالفن يستعيد الرزاز ذكرياته عن تلك الفترة قائلا:  قرأت أن مايكل أنجلو كان يذهب للمقابر ويأخذ الجثث ويرسم العضلات ليدرس التشريح وعندما كنت فى طريق العودة وجدت كلبا ميتا فغطيته بورق جرائد وأخذته معى إلى البيت لأرسمه،  وكان لى غرفة وحدى لها باب على الشارع، وعندما شموا تلك الرائحة الفظيعة واكتشفوا ما فعلت  أخذت علقة محترمة.
يضيف الرزاز : أما فى المدرسة فقد اكتشف المدرسون موهبتى المبكرة واهتموا بى، أذكر أن مدرس الفلسفة طلب منى أن أقوم بعمل تمثال لأرسطو، كنت أتم هذه المهام ببراعة فنلت حب ورعاية المدرسين، لذا لم أكن أهتم بالدروس لأن الجميع كانوا يساعدونى فى اجتياز الامتحانات.
الغريب أن مسار الرزاز كاد أن يتحول للتمثيل لولا الصدفة حيث يحكى الرزاز : ذات مرة زار المدرسة الفنان حمدى غيث لاختيار المواهب وتدريبها، وطلب ممن يجد فى نفسه موهبة التمثيل والغناء أن يتقدم، وبالفعل تم اختيارى، وبينما أستعد لأول بروفة لمحنى مدرس الجغرافيا وكان يعرفنى فقال لى: اذهب فورا إلى الفصل الآن، لو لم يفعل فربما ساقتنى الأقدار أن أكون ممثلا.
ويضيف الرزاز: كانت المدارس الحكومية آنذاك تهتم اهتماما فائقا بالفنون فكانوا يستضيفون الفنانين أذكر أنهم استضافوا ذات مرة الفنان حسن حشمت  كفنان زائر للعمل مع الأطفال الموهوبين. وكأن الفن قد رسم مسارى منذ البداية فبينما كنت فى الإعدادية شاركت فى عمل جدارية ضخمة من الخزف، قدمت من خلالها مشهد  شجرة يجلس أسفلها أب وأم وطفل ممسكين بكتاب، وكان هناك عصفور ينظر إليهم، وبها لوح مكتوب عليه «العلم نور»، وحين مر الناظر ووجدنى مندمجا  فى اللوحة قال لمدرس الرسم الأستاذ عدلى يس هذا الطفل موهوب لو لم يؤهله مجموعه لدخول مدرسة ثانوية سنقبله عندنا.
ويستطرد الرزاز: بالفعل لم أحصل على مجموع وذهبت للتقديم هناك ولأن الموظفين بالمدرسة لم يكونوا على دراية بوعد الناظر، قوبل طلبى بالرفض، ووقتها أخبرنى والدى أن الحل الوحيد كى التحق بمدرسة ثانوى هو أن أنتقل لمدرسة بالقرية، وبالفعل قدم أوراقى بمدرسة بإحدى القرى قريبة من قريتنا وأحضر لى دراجة لأذهب للمدرسة كل يوم ومكثت لدى أقاربنا، كانت فترة عصيبة بالنسبة لى، لذا كنت فى الفسحة أحمل الأوراق وأذهب إلى أحد الكبارى القريبة من المدرسة الذى يمر فوق ترعة وأجلس لأرسم مقلدا كبار الفنانين فى رسم المنظر الطبيعى، وذات مرة فكرت أن أكتب جواباً إلى ناظر مدرسة محمد فريد الإعدادية الثانوية صاحب الوعد، وأخبرته بما كان منه ومن الموظفين بالمدرسة وبالفعل أرسلت الخطاب ونسيت أمره، وبعد عشرة أيام فوجئت بناظر المدرسة بالقرية يستدعينى ويبلغنى أنهم قبلونى بالمدرسة القاهرية  وأن علىَّ أن أغادر. طرت من السعادة ولملمت أشيائى وبينما أنا فى محطة القطر فوجئت بوجود أستاذ عدلى مدرس الرسم الذى أرسله الناظر ليبحث عنى..حين عدت للمنزل لم يصدق والدى حكايتى وظن أنها حكاية من نسج خيالى، حتى صباح اليوم التالى الذى أخذ فيه إجازة وهو أمر نادر - ليأتى معى إلى المدرسة ولم يصدق عينيه ولا أذنيه حين شاهد الحفاوة التى قابلنى بها الناظر.
من الثانوية للكلية.. اللوحة بجنيه  
التحق مصطفى الرزاز بكلية التربية الفنية، حيث تنوعت ممارساته فى الكلية بين النحت والخزف والرسم، ورغم أن الكلية كانت تحتاج لكثير من المصاريف الخاصة بالألوان والخامات، إلا أن الرزاز كان قد أعلن استقلاليته المادية منذ أن كان طالبا فى الثانوى حيث عرض عليه أحد مدرسى الرسم أن يرسم لوحات مقابل جنيه للوحة، وبالفعل كان ذلك مصدر الدخل المبكر للفنان مصطفى الرزاز خلال فترة دراسته، ويحكى الرزاز واقعة غريبة حيث عرض عليه مدرس الرسم أن يحتكر شغله لمدة عشرين سنة مقابل عشرين جنيها فى الشهر، حيث يقول: وقتها كان مبلغاً ضخماً لطالب فى سنى ولكننى رفضت ولم يغرنى المال.
كان لفترة الكلية كبير الأثر فى حياة الفنان مصطفى الرزاز ربما كان واحداً من أهم الأحداث التى يتذكرها الرزاز هو فوزه بجائزة صالون القاهرة والتى يعتبرها الفنان أهم جائزة بحياته أولا لأنه كان بعد طالبا بالكلية، ونظرا لأن صالون القاهرة كان أهم معرض فى مصر آنذاك، وكان يشارك به عمالقة الفن من أمثال راغب عياد ومحمود سعيد. وغير ذلك.
سعد الخادم ورحلة النوبة ورسومات السحر
عندما التقيت بالفنان مصطفى الرزاز فى معرض «ذاكرة زجزاجية» كان حديثه عن رحلة النوبة لا يزال طازجا  نابضا بالحياة، رغم  أنه مر عليها أكثر من خمسين عاما.
كانت تلك الرحلة واحدة من أهم المحطات فى حياة الرزاز، والتى ترتبط بفترة دراسته بالكلية  حيث كان بعد طالبا بالفرقة الثانية بالكلية، ووقتها كان هناك رحلة سنوية يتم تنظيمها لأسوان وطلب منه زملاؤه التحدث إلى الدكتور سعد الخادم أستاذهم آنذاك حول إمكانية زيارة النوبة، وحين فعل طلب منه د.سعد أن يرجع لإدارة الكلية لمعرفة التفاصيل، وقتها أخبروه أن تلك الرحلة تتكلف 2000 جنيه وقد كان مبلغا فلكيا فى ذلك الوقت، فما كان من د.سعد الخادم أن اتصل بالأديب يحيى حقى وطلب منه أن يرافقهم فى الرحلة على أن يتقاسما معا مصاريف الرحلة للطلاب وقد وافق حقى وبالفعل ذهبوا للنوبة لأول مرة.
يعود الرزاز بالذاكرة إلى تلك الفترة قائلا: سافرنا جميعا إلى النوبة.. وأجروا لنا مركباً فاخراً اسمها الدكة كنا نتوقف عند كل قرية، ومع صفارة المركب نعود سريعا، لذا كان لدى منهج حتى أتمكن من مشاهدة القرية كلها، كنت أجرى بأقصى سرعة حتى نهاية القرية وأعود مرة أخرى بالعكس، وعلى الغداء فى طريقنا من قرية لأخرى، كان سعد الخادم يحكى عن تاريخ النوبة وتراثها.
ويضيف: فى العام التالى حين سافرت مع زملائى تركتهم يغادرون أسوان وقررت البقاء وحدى لأستكمل حكايتى مع النوبة التى أسرتنى، كانت هناك مركب تزور النوبة مرة واحدة فى الأسبوع تسمى «البوستة» كانت تحضر لهم الرسائل وكل ما تحتاجه تلك القرى من بضائع، قفزت فى المركب متجها إلى قرية كنوز ولم يكن معى نقود ولم أكن أعرف أحدا، وهناك استضافنى أهل القرية واعتبرونى كابنهم الأمر الذى تكرر فى العام التالى بقرية ثانية.
يقول الرزاز: عشرات الصور والرسومات التى أنجزتها آنذاك، وظلت تجربة النوبة حية فى ذاكرتى لم تمت، أتذكر جملة قالتها لى إحدى نساء النوبة ولا أنساها حين عرفوا بموضوع التهجير بسبب السد، قالت لى أين  سنترك أمواتنا الذين دفناهم تحت الأرض، هل نتركهم يغرقون ونرحل؟!..
لم تكن رحلات النوبة التى تكررت فى الستينات مجرد أمر عابر فى حياة الرزاز لقد احتفظ بتلك الفترة حية فى ذاكرته وتحولت لمصدر خصب ومنبع للإلهام يتجدد من آن لآخر مرة بمفرداته ومرة ليحتل دور البطولة فحين عاود الرزاز رسم النوبة خلال العام الماضى وقدمها فى 2017 قال لى. رسمت هناك كثيرا والتقطت صورا فوتوغرافية ضاعت، لم يتبق إلا القليل إلا أنها كانت كافية لتشعل خيالى، كنت أتذكر المشهد بالكامل كما لو كان أمامى، لقد وهبنى الله نعمة أن أرى شريط الفن الذى مر بحياتى أمام عينى، إلا أن النوبة كانت أكثرها تأثيرا فى وجدانى.. وكان الرزاز قد أخبرنى فى لقاء سابق : من الطقوس الأثيرة عندى أن أقلب من آن لآخر آلاف الرسوم التى أنجزتها فى أماكن متفاوتة ومتباعدة فى أرجاء العالم حيث أستعيد شعورا بالحنين النوستالجى، وتتجدد فى خاطرى مواقف وذكريات عزيزة  وملهمة لأعمالى اللاحقة.
ولم تكن قرى النوبة وحدها هى العامل الذى ترك انطباعا قويا فى زيارة أسوان، فهناك شاهد الرزاز بدايات بناء السد العالى، ويحكى عن ذلك قائلا : أثناء بداية رحلة النوبة قبل ركوب المركب مررنا بساحة ضخمة كانوا يخططون الأرض هناك بالبودرة، وبعد ثمانية أيام، أثناء عودتنا، كان الحلم بدأ يتحول لواقع، كانت هناك أوناش ضخمة وآلات عملاقة، كانت تلك التجربة مناقضة تماما لصفاء النوبة وبكريتها  كانت الآلات العملاقة أشبه بكائنات أسطورية سحرية بهديرها، بالنسبة لى كان هذا التناقض بين العالمين ملهما للغاية.
عقب عودته من النوبة كان الرزاز متشبعا بسحر المكان وبما شاهده من جمال إضافة إلى تأثره ببناء السد العالى، وإن كان هناك مؤثر آخر أضافه الرزاز للمؤثرات التى استلهم منها أعماله الفنية وكان واحداً من المفردات الهامة التى أضافها الرزاز لتلك الفترة تمثل فى رسمه لفراغات الكتابة والأشكال الإسلامية أى أنه يرسم تلك المساحات الفارغة بين الكتابات والأشكال كما لو كان يعكس العلاقة بين الكتلة والفراغ، وهو الأمر الذى يكشف النقاب عن الرؤية المغايرة للواقع التى تميز الرزاز.
يقول الرزاز: أثناء دراستى كنت أحصل على كتب عن الكتابات الكوفية، ولكننى لم أكن أرسم الكتابة بل كنت أرسم الفراغات فيما بينها، وقد وقع تحت يدى كتابان لشواهد القبور مكتوب عليهما بالخط الكوفى، وقد أدركت أن الفن الإسلامى يهتم بالفراغات كما يهتم بالشكل، وقد فعلت ذلك الأمر أيضا مع شبابيك القلل، حيث  تقوم الزخرفة فى شبابيك القلل على التباين بين الثقوب، فتكون هناك أشكال غريبة جدا لم يشاهدها أحد من قبل ومع ذلك لها طابع إسلامى، بدأت تحويل تلك الأشكال لقطع فنية مرة لمنحوتات خزفية، أو أحولها لموتيفات إنسانية وحيوانية خاصة بى، وهنا أصبحت مصدراً ثرياً لتوليف الأشياء.
الرزاز يفتح عوالم السحر والفلك المحفوظة بدولاب دار الكتب
كان الحظ حليف الرزاز حتى يمر بتجارب ثرية فتحت أبوابها لتتلقى هذا الفتى المغرم بالمعرفة، حيث يحكى الرزاز: فى عام 1962، عرف الأستاذ سعد الخادم أن والدى مسئول عن قسم المخطوطات بدار الكتب فطلب منى أن أستأذن والدى للاطلاع على بعض كتب  السحر والفلك التى كانت محفوظة بدولاب مغلق.
كانت المرة الأولى التى أدخل فيها قسم المخطوطات، وكانت هناك فتارين ضخمة تضم كتباً إيرانية بها رسومات مذهبة تذهب بالعقل، ولأننى كنت أشاهدها لأول مرة كنت أقف متسمرا أمامها مدهوشا بجمالها  ولكن الاستاذ سعد كان يشدنى وراءه، عندما وصلنا لفاترينة كتب السحر التى كان يبحث عنها، وجدته شغوفا  بها وبتلك الرسومات البسيطة التوضيحية، فلم أفهم وقتها كيف ينبهر بتلك الرسومات البسيطة مقارنة بتلك الروائع  الأخرى، ولأنه لم يكن هناك تصوير وقتها، فقد طلب منى أن آتى وأنقل الرسومات جميعها، لذا كنت أذهب للدار يوميا وأطالع كتابا تلو آخر وأعيد رسومات كتب السحر والفلك، ولم أكتم دهشتى طويلا فسألته ما الذى يعجبه بتلك الرسومات البسيطة فعلمنى درسا لم أنسه حتى لليوم، حيث أخبرنى أن ما اكتمل لا يمكن البناء عليه، فتلك الرسومات البديعة وصلت أعلى المهارات، من الممكن للمرء أن يستمتع بها كما هى لأن الإضافة إليها قد تفسدها ومن ثم  أصبحت طريقاً مسدوداً، أما الرسومات البسيطة فهى منبع ثرى يمكن أن تنهل منه وأن تخرج منها الجديد الذى يخصك، وقد وعيت هذا الدرس جيدا فى تلك السن المبكرة.
تمارا خبيرة الترميم الروسية
وفى دار الكتب واتتنى فرصة ذهبية أخرى، حيث احتاجت دار الكتب خبراء من الخارج لترميم بعض المخطوطات، فى البداية طلبوا من الفرنسيين فردوا أنهم سيرسلون طاقماً كامل مع معمل وسوف يقومون بترميم مخطوط ونصف فى السنة، وكان هذا مستحيلاً حيث تضم المكتبة ثلاثة أرباع مليون مخطوط، لكن الروس أرسلوا خبيرة واحدة فقط تدعى تمارا، وقد طلبت منضدة طويلة وطلبت موظفين من الهيئة كى تدربهم على أن يكونوا هم طاقم العمل، وبالفعل صنعت فريق عمل ونظمت ما يشبه خط إنتاج لكل واحد منهم دور محدد يقوم به .. منهم من يقوم بفك الغلاف، ومنهم من يقوم بترقيم الصفحات بعد فكها بقلم مخصوص يسهل محوه وهكذا حتى تعيد ترميم المخطوط والانتهاء منه.. وكنت أجلس بجوارهم أشاهدهم يعملون، وكان هناك فائدة أخرى حيث نصحنى أستاذى سعد الخادم أن أقرأ المخطوطات كى أستخرج معلومات عن الحرف وأصنع ما يشبه القاموس الخاص بى عن كل حرفة كالنجارة والنقاشة والخشب.
ومن ضمن تلك المخطوطات كان هناك مجموعة كبيرة من مخطوطات الشريعة التى تحتوى فصلين مهمين جدا، الفصل الأول عن  المحتسب، وقد كان دور المحتسب مراقبة الأسواق ومعاينة الخامات، وكان عنده مبادئ حسن الصنعة، فكان يمر بالأسواق لمعاينة شغل الحرفيين ويعطى درجة  لكل منهم، فيمنع من ينزل عن مستوى معين من ممارسة المهنة، أما من كان لديه عيوب ينصحه بتعديلها، أما المتقن الجيد فكان يوعز لشيخ الصنعة بترقيته، كان هذا الفصل به تفصيلات عن كل شىء له علاقة بالحرفة، وكنت أدون المعلومات الخاصة بالأدوات والخامات وطريقة التنفيذ بالمواصفات القياسية.
أما الفصل الثانى فكان يعرف بعرش الرحمن، وفيه يصف كل مؤلف من وجهة نظره الكرسى الذى يجلس عليه الرحمن اعتماداً على الآية «وسع كرسيه السموات والأرض» وصف أبدع كل منهم فى تخيله، فكانت مصدرا ملهما للغاية.
القارئ النهم والفنان المتدفق
لاشك أن القراءة كانت ولا تزال واحدة من أهم الروافد التى شكلت شخصية الرزاز وانعكست فى فنه، وهو ما يؤكد عليه قائلا: فى إعدادى كنت أتابع كل المجلات التى تكتب عن الفن، وقد قرأت أمهات الكتب فى سن مبكرة ومنها كتاب الأغانى للأصفهانى، ومقدمة ابن خلدون، وغيرها، ولا أنسى فضل ابن عم جدى الذى كان  مدير دار الكتب وهو الذى توسط لوالدى كى يعمل هناك،  حيث أهدانى مجموعة كبيرة من الكتب منها  ترجمة الشكسبيريات لحبيب جاماتى، فقرأت معظم مؤلفات شكسبير وقد فتحوا أمامى عالماً خيالياً مدهشاً، هذا بخلاف ملحمتى الإلياذة والأوديسا وملحمة المهابهارتا والراماينا وكتب الأساطير الإغريقية، أما فى مرحلة الثانوى فقد قرأت أمهات الكتب الكلاسيكية العربية، واستمر شغفى بقراءة المجلات الثقافية التى تصدر وقتها ومنها الرسالة والفكر المعاصر التى كنت أقرؤها من الجلدة للجلدة.
الأسطورة وسفراء ممالك الكائنات الحية
كل تلك المفردات كانت تدخل واحدة تلو أخرى فى عوالم الرزاز الفنية فتترك بصمتها عليه، وبخلاف مفردات الفن الشعبى والإسلامى كان للأسطورة حضور كبير فى منتجه الفنى. يقول الرزاز :منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما وقع فى يدى كتاب «عجائب المخلوقات للقزويني»، الذى وضع من خلاله تصورات خيالية عن تزاوج الكائنات المختلفة ببعضها مثل الأسد والسلحفاة وغير ذلك، فأصبحت مادة خصبة جدا بالنسبة لى.
أما الأمر الأكثر أهمية والذى بلور فلسفة مهمة فى إنتاج الرزاز الفنى كان تجربته فى السفر لأمريكا هو وزوجته الفنانة سرية صدقى للانتهاء من رسالة الدكتوراه، حيث كان الفنان مصطفى الرزاز اختار موضوع الفن الشعبى، أما الفنانة سرية فقد اختارت الفن الإسلامى.
يقول الرزاز: عندما تزوجت أنا وسرية أصبحنا كيانا واحدا فى كل شىء حتى فى الأبحاث، عندما كان أحدنا يقوم ببحث كان الآخر يساعده بكل جوارحه، لذا قرأت كل ورقة فى البحوث التى تقوم بها والعكس صحيح، وأثناء إعدادها رسالة الدكتواره كنا بحاجة لقراءة كل كتب التصوف والفلسفة الإسلامية. ومن بين الكتب المهمة كتاب «رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء» وهو عبارة عن مجموعة من 52 رسالة تأليف خمس من كبار الفلاسفة المتصوفين، وقد تنوعت موضوعات الرسائل بين الرياضيات، والموسيقى، والفلك، والعلوم الطبيعية إلى الأخلاق، وكان ما يجمع بين تلك الرسائل هو هدفها أن العلم هو تدريب للروح، وإعداد لها فى حياتها الأخيرة التى تنتهى لها بخروجها من الجسد الفانى. يضيف الرزاز : قرأتها كلها بعناية شديدة، وكان الفلاسفة يضعون من آن لآخر حكمة بليغة، ووجدت أحد الفلاسفة يتحدث حول أن الخالق عز وجل أراد للمسلم أن يُمثل كافة الكائنات أثناء الصلاة، بمعنى عندما يقف ويرفع يديه ليقول الله أكبر هو يشرع أجنحته فهو هنا طائر أو ملاك، وعندما يقف فهو فى هيئة الإنسان التى فطره الله عليها، وعندما ينحنى يشبه الحيوان لأن رأسه تكون أفقية، وعندما يسجد يصبح نباتاً لأن جذوره تكون فى الأرض، أعجبتنى تلك الفكرة جدا لشدة عمقها واختصارها.. ومن هنا قررت أن أستدعى سفيراً من كل مملكة حية فى أعمالى فاخترت المرأة ممثلة عن الإنسان، والحصان سفيراً من جنس الحيوان، والعصفورة سفيرة من مملكة الطير، والنبتة.
يضيف الرزاز:  أكثر من عشرين سنة لم أرسم غيرها، لكنها تخرج بتنويعات مختلفة وهذا هو التحدى الأكبر، ففى كل مرة أرسم الحصان لابد أن يخرج مختلفاً لا يشبه الآخر.. كان التحدى إلى أى مدى أستطيع أن أرسم الأربعة عناصر بطرق مختلفة.. كذلك تتحول اللوحة إلى مسرح يدخل الأبطال إليه ويخرجون منه حسب أدوار البطولة، أحيانا يكون أحد هذه الكائنات بطل صولوا وأحيانا يدخلون معا، بل ويمتزجون كأن يكون الطائر مزروعاً داخل المرأة، أو تتفرع الشجرة من شعرها، أو تكون عين الجواد والعصفورة واحدة.. كذلك فإن تداخل الكائنات مع بعضها فتح آفاقاً لتنويعات لا متناهية.
وإمعانا فى تحدى نفسه أو ربما وثوقا فى قدراته الإبداعية أقام الرزاز معرضه «طيف الفرس»  فى 2016 الذى اتخذ الفرس فيه بطولة مطلقة، وقد كتب معلقا على المعرض آنذاك: فى هذا المعرض ترمح الخيول وتصهل وتتآلف وتتباهى وتتجلى فى نبل وخيلاء.. كان ذلك ربما نتيجة تصويرى للخيل طوال 50 عاما ثم اعتكافى على دراسة مخطوطات فرسنامة  من بين كنوز قسم المخطوطات بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة حيث اطلعت على سلالات وأنواع وأشكال الخيول فى فترة ازدهار الحضارة الإسلامية وقرأت عن صفات كل نوع ولون وشكل من أشكال تلك الخيول».
 ابن الشهيد الفلسطينى
أكثر من مائة وعشرين معرضاً قدمها الرزاز فى مسيرته الإبداعية بدأها عام 1966 حول موضوع النوبة والسد العالى، ثم توالت معارضه السنوية بمختلف الموضوعات التى تحمل بصمته وقد اكتسب الرزاز من مفرداته المتنوعة التى انعكست على معالجته لأعماله الفنية ثراء بالغا. ورغم ارتباط الرزاز بالأسطورة والشخصيات التراثية والفنون الشعبية ورموزها، إلا أن الرزاز لم يكن أبدا منفصلا عن الأحداث السياسية التى خرجت من عباءته الفنية فى عدة تجارب، كانت أبرزها  «المقاومة الفلسطينة» التى أقام لها ما يقرب من أربعة معارض. ويعلق الرزاز على ذلك قائلا : أنا مراهق وطنية ففى عمرى الذى تخطى السبعين لو سمعت فى الراديو أن هناك ما يستدعى خروجى لحماية الوطن، حتى لو كان الثمن حياتى  فلن أتردد.. أما بالنسبة لفلسطين فقد شغلتنى القضية منذ وقت بعيد، ففى الستينات أقمت معرضا عن المقاومة الفلسطينية واشتراه بالكامل رجل سويدى الجنسية، بعدها أقمت معرض «الناس والديار» وكانت البيوت تبدو كصناديق وسط صحراء كبيرة، يخرج منها الناس مطرودين وظلالهم ممتدة تخرج من البيت إلى ما لا نهاية وتعمدت أن تكون الملامح فى هذا المعرض ملامح عامة..  ويسترجع الرزاز تفاصيل تلك الفترة قائلا : أتذكر أحد المواقف الطريفة التى حدثت فى واحد من المعارض حيث رسمت امرأة ترتدى طرحة تحضن ابنها بقوة وهو ممسك بندقية كبيرة.. فخرجت إحدى الصحف وقد وضعت عنوانا للصورة «ابن الشهيد الفلسطينى.. مصطفى الرزاز».. وقد اختلط الأمر على بعض الناس وظنوا أن أصولى فلسطينية وأن والدى شهيد.
ولم تكن تلك التجربة الوحيدة التى عكست تأثر الرزاز بالأحداث السياسية ففى عام 2013 قدم الرزاز معرض «عودة العصفور الأخضر.. وجوه من التحرير»  والذى عبر من خلاله عن  شباب ثورة 25 يناير  مستخدما العصفور الأخضر كرمز للأمل.. وفى حوار للرزاز نشرته جريدة صحيفة روزاليوسف الإليكترونية ذكر الرزاز: فى معرضى الفردى الأول مارس 1966 عرضت لوحة بعنوان «أسطورة العصفور الأخضر»، وقد كتب عن هذه اللوحة الفنان حسين بيكار مقالا بعنوان «فنان أسطورة يعيش بين الأساطير»، وكان لهذا المقال تأثير جوهرى فى توجيه مسيرتى الفنية وارتباطها بالبعد الأسطورى. مضيفا: أثناء مشاركتى لسنوات فى حرب الاستنزاف، كنت أرسم وأنا على الجبهة الجنود ومركبات العسكرية، وفجأة وجدت نفسى أرسم عصفوراً أخضر عملاقا يهيمن على الأفق الصحراوى، وبعدما رسمته اجتاح الجنود المصريون خط بارليف، بدأت أشعر أن وجود هذا الطائر يعنى استشراف حدث عظيم، ولاحظت تكرار هذا المعنى، رسمت هذا العصفور أربع مرات عام 1966- 1997، ثم قبل الثورة 2010ثم عدت ورسمته اليوم 2013 وهذا يجعلنى أشعر بأن عودته بين لوحاتى مؤشر ورسالة لحدوث شىء مهم، فأنا أعتبر العصفور تميمة الأمل الأسطورية.»
أما فى عام 2014 فقد قدم الرزاز معرضه «عنترة وحلم اليقظة» الذى لم يبتعد فيه عن قراءة المشهد السياسى حيث يقول الرزاز : ظلت مكانة عنترة مرموقة كمثل أعلى فى وجدان الشعب العربى وتحولت سيرته إلى أسطورة بطولية لمناصرة الضعفاء والمقهورين، أولئك الذين يستمعون إلى رواة سيرته كتعويض نفسى عما يعانونه من تهميش وحرمان. ويضيف الرزاز : اقتحم عنتره لوحاتى منذ بواكير ستينيات القرن الماضى تعبيرا عن نهضة الروح العربية بعد ثورة 1952، كرمز للثورة المقرونة بالمساواة والنبل والعدالة فى معادلة القوة والسلام.وظل عنترة يدخل لوحاتى ومنحوتاتى ويخرج منها. فهو صاحب حق دائم فى ضميرى وفى أعمالى الفنية كرمز أثير للقيم التى أجلها كثيرا.
الصيادون وسحر البر الغربى
ظل الرزاز لسنوات عدة مفتوناً بالأسطورة وبالرموز الشعبية، ولكن كثيراً من تلك الحوادث التى قد تمر بكثير منا دون أن نتوقف عندها تشكل حدثا مهما فى مخيلة الرزاز الإبداعية، فربما كان موضوع «الصيد فى النيل» من الموضوعات الجديدة التى طرحها الرزاز فى معارضه مؤخرا.. والتى جاءت نتيجة حادث عارض.. يقول الرزاز: منذ ست سنوات تقريبا كنت فى زيارة لمعبد فيلة حيث كانت ابنتى تعد رسالة ماجستيرعن تيجان الأعمدة فى هذا المعبد الذى يعد بمثابة متحف لتيجان الأعمدة.  وحتى أتمكن من التقاط صور جيدة تسلقت على سلم كبير، وبينما أنا فوق السلم لمحت من أحد الشبابيك مشهداً عجيباً لصياد يرقص فوق مركبه وجلبابه الأبيض متطاير من الهواء.. كان يرقص بانسجام شديد وهو منتشٍ وكأنه منفصل عن العالم، صورته مئات الصور وقتها شعرت أن حياة الصيادين أكبر من مجرد  السعى للقمة العيش.
يضيف الرزاز: ترك هذا الحادث أثرا كبيرا فى نفسى وبدأت أراقب الصيادين وحياتهم بل وسافرت إلى رشيد  وقضيت يوماً كاملاً معهم داخل المياه، كذلك أنا فى العادة أقضى الليل أعمل ومع خيوط الصباح الأولى أخرج إلى الشرفة المطلة على النيل لأتأمل الطبيعة، وكنت ألمح من على بعد مراكب صيد فانتبهت لتلك المراكب واستخدمت عدسة زووم لأتعرف على شكل الحياة عن قرب واكتشفت أنهم كلهم سيدات يعيشون فى المركب، وذات يوم عرفت أن السيدة التى تجلب لنا السمك إلى البيت هى واحدة من الصيادات، وعرفت منها أن المركب مكان معيشتهم أيضا، فلا يخرجون من المياه تقريبا، وأنهم يأكلون داخل المركب، كانت تلك الحوادث ملهمى لمعرض «الصيد فى النيل».
كناسة الدكان مما تبقى فى المرسم
لكل معرض من معارض الرزاز العديدة فلسفة وحكاية ممتعة، فمنذ عدة سنوات واحتفالا ببلوغه السبعين أٌقام الرزاز معرضه «كناسة الدكان» فى 2012،  وهو نفس اسم كتاب شهير للأديب يحيى حقى، وعندما سألته عن اختياره للاسم أخبرنى : كان الشاعر العظيم أحمد رامى يعمل مع والدى بقسم المخطوطات، وذات يوم حكى لى قصة بائع كتب  كان يحرص على تجميع الأوراق التى تساقطت من المخطوطات القديمة فى دكانه، وظل يقرؤها فى أوقات فراغه، فأعجبه تنوعها وجمعها فى مجلد سماه «كناسة الدكان»، وبعدها نشر الأديب يحيى حقى كتابه لأنه يضم مقالات مختلفة.. وقد استلهم الرزاز  فكرة «كناسة الدكان»، حيث قدم مختارات من الأعمال المتروكة فى مرسمه دون أن تكتمل، وتعكس مراحل متفاوتة من مسيرته الإبداعية وقد قدمها  مع مجموعة جديدة من الأعمال.
جماعة المحور
كان قد فات ما يقرب من ثلاث ساعات ولم أكن قد حصلت بعد على كثير من إجابات الأسئلة التى جئت بها إلى محراب هذا الفنان الفذ، ولكن واحدة من المحطات المهمة التى أردت أن أتعرف على ملامحها تمثلت فى تأسيسه مع عدد من الفنانين لجماعة المحور لفنون ما بعد الحداثة وأثر هذه التجربة عليه.
وقد جاء فى وصفها فى سيرته الذاتية : أنها أسست لدخول فنون ما بعد الحداثة فى الفن المصرى المعاصر، إذ قدمت هذه الجماعة التجارب الطليعية فى العمل الفنى المركب، واستخدام الضوء والتراكيب (الاسمبلاجية)، فى مضمار الحركة الفنية التشكيلية المصرية والعربية، الأمر الذى فتح آفاق التجديد أمام شباب الحركة الفنية والتى مهدت لتأسيس صالون الشباب السنوى عام 1989، وتوجت بفوز ثلاثة من الفنانين الشبان الذين رشحتهم لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة برئاسته للمشاركة فى بينالى فينيسيا الدولى عام 1995، وحازوا على جائزة الأسد الذهبى للقديس ماركوس، كأحسن جناح فى العالم فى تلك الدورة، ولأول مرة فى تاريخ الفن من خارج العالم الغربى.
لم تكن تلك التجربة تنفصل عن الواقع السياسى والاجتماعى لتلك الفترة والتى يقول عنها الرزاز : كل جماعة جاءت بفكرة  لتغيير أمر ما أو التركيز على فكرة وزرعها فى الحركة الفنية،  وقد كانت جماعة المحور آخر  جماعة تم تأسيسها فى فترة ما بعد انفتاح السبعينات،  والتى اتسمت بتراجع دور المثقفين ونكوص فى الحركة الثقافية والوطنية.. وقد شعر الفنانون الكبار باغتراب وحدثت حالة تبديل  بأصناف رديئة.
ومع بداية الثمانينات كان هناك مجموعة فنانين منهم أحمد نوار وفرغلى عبد الحفيظ  وعبد الرحمن النشار كنا نلتقى فى المرسم كثيرا لمناقشة مختلف القضايا الفنية، ولكن الأمر الذى جمع الفنانين الأربعة ذلك الوقت لتأسيس الجماعة هو تحريك الركود الذى أصاب الحركة التشكيلية.وقد أقيم المعرض الاول لجماعة المحور عام 1982 بقاعة السلام والذى شيد مكانه الآن مركز الجزيرة للفنون.. وفى هذا المعرض فتحنا العنان للرؤى الفنية وأعطينا مساحات كبيرة للأعمال المركبة.. أما  معرض المانسترلى الذى أقيم بعدها 1982  فكان معرضاً مهماً ومؤثراً لإعادة ضخ دماء التجديد، كذلك،  شاركنا بجدارية ضخمة  بمهرجان أصيلة بالمغرب.. أما المعرض الرابع لجماعة المحور فاقيم فى قاعة المؤتمرات بمدينة نصر على شكل جدارية طولها ما يقرب من مائة متر وعرضها ستة أمتار كان ذلك فى عام 1995.
ويضيف الرزاز مع الأسف كشأن كثير من الأشياء فى مصر تبدأ كل الأمور بقوة قبل أن تخفت فليس لدينا رؤية مستقبلية لاستمرار المشاريع، وقد كان للجمعيات الفنية والأدبية دور مهم ولكنها ذبلت واختفت.
كوب من الشاى وبعض الطقوس الإبداعية
لوهلة توقفت وسألت الرزاز عن الطقوس الإبداعية التى يحرص عليها، شأنه فى ذلك شأن كثير من المبدعين، أخبرنى الرزاز : عندما أرسم أريد أن أكون فى فراغ تام كى أحلق، وأنا أنزعج بشدة من الضوضاء  حتى عندما أطرق فى النحت أستخدم سماعة ضخمة لأسد أذنى، والحقيقة أن متطلبى الوحيد هو أن تكون كل الأدوات والخامات متوافرة من حولى لأنه إذا نقصت خامة أو لون أثناء العمل أتوقف على الفور، وإذا كان هناك لون غير متوافر أشعر بعدم الراحة، كما أن تعدد الخامات والأدوات يمكنى من فتح آفاق عدة فقد استعير من النحت أداة أستخدمها فى التصوير وهذا يعطينى فرصة كبيرة كى أقدم أعمالاً غير تقليدية انجازات لاتنضب، ويضيف الرزاز من الممكن أن أعمل 15 ساعة متصلة وعندما أندمج أنفصل عن العالم ولكن أكثر ما قد يثير حنقى ألا أجد خامة إذا ما احتجتها، لذا أحرص على تأمين مرسمى تماما كالجندى الذى يستعد للمعركة..
سبع وعشرون صفحة من الانجازات هى سيرة الفنان الذاتية، ووراء كل سطر حكاية كبيرة والتحرير تكشف عن رافد من روافد الابداع التى نهل منها أو تؤكد حضورها فى منتج فنى تنوع بين الكتابة وليس هذا حسب حيث إن تجارب عدة فى الجرافيك والنحت الخزفى وكذلك التصوير الجدارى حيث قدم الرزاز عدداً مهما من اللوحات الجدارية بالزجاج الملون المعشق والموزاييك المبتكر، كما أقام أعمالاً نحتية مجسمة يتراوح ارتفاعها بين ثمانية أمتار وأربعة عشر متراً من الحديد الصلب والخلطات الإيبوكسية فى شوارع وميادين القاهرة والجيزة وشرم الشيخ... إضافة إلى النحت بالبرونز فمنذ عام 1997 بدأت تجربة الرزاز فى النحت بخامة البرونز التى تطورت عاماً بعد عام، إلى أن تبلورت ملامحها عام 2009 حيث أصبحت إحدى علاماته الفنية  المتميزة.
كما أشرف الرزاز على العديد من المشاريع المهمة، وابتكر وأدار بكفاءة بيناليات منها كتاب الفنان، خيال الكتاب، الجرافيك صغيرالحجم، وسمبوزيوم النحت فى الخامات الطبيعية، وورش العمل الدولية والمحلية حتى الآن.
وبخلاف كل هذا  فوجئت أيضا باقتراب الفنان الرزاز من الفن السابع وفنون المسرح  حيث أعد الرزاز الرؤى البصرية لمسرحية «الحلم يدخل القرية» إخراج سعد أردش 1985 مسرح السلام، ومسرحية «عطوة أبو مطوة» لألفريد فرج وسعد أردش 1993 والتى عرضت بمسرح الأزبكية. وحصل على جائزة قسم السينما جامعة نيويورك 1978 عن الفيلم المتحرك unit cinema بالتعاون مع د. سرية صدقى وتم ميزل. وأعد دراسة فى نفس الجامعة لمعمل الميديا عن فقرة «سلالم الأدويسة» من فيلم المدرعة «بتوميكين» للمخرج الروسى «سيرجى إيزنشتاين».  هذا بخلاف مؤلفاته والمناصب المتنوعة التى تقلدها.
كل محور من كل تلك المحاور يحتاج لحوار مستقل ولكن الوقت لم يكف وسأكتفى بأن أختتم كتابتى هذه المرة بما قاله الرزاز عن نفسه : كأنى عشت ست حيوات ففى كل وقت أشتغل فناناً مصوراً وجرافيتيَّاً ونحاتاً كأننى فنان متفرغ، كما أعمل  بالكتابة، كما لو كانت القراءة والكتابة هما كل ما أفعل  ، كل مسار من تلك المسارات فتح طاقات إبداعية لا يمكن أن تفتح فى الظروف العادية.
ومع الرزاز لا يمكن أن تختتم حوارك بنقطة وكأنك انتهيت.. لابد أن تكون النهاية عبارة : وللحديث بقية.