رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

بدعم من مركز الأبحاث الأمريكي في القاهرة

ماجدة هارون تطبع «قبلة الحياة» علي آثار مصر اليهودية


محمد نعيم
2/24/2018 11:19:47 AM

30 ألف كتاب في مكتبة ومتحف متواضع بمعبد عدلي.. ترميم 12 معبداً يهودياً في مختلف أرجاء القاهرة.. قاعات لعزف الموسيقي العالمية في دور العبادة اليهودية.. ترميم مقابر اليهود في حي البساتين. من مصر القديمة، وهليوبوليس، والمعادي، إلي »وسط البلد»‬ والعباسية، وشارع الجيش، ومناطق أخري تذخر بالآثار اليهودية المصرية، أطلقت رئيس الطائفة اليهودية في القاهرة ماجدة هارون مبادرة لمنحها قبلة الحياة، بدعم من مركز الأبحاث الأمريكي في القاهرة Aک»‬E.
لا تهدف المبادرة إلي إعادة تأهيل المعابد اليهودية للصلاة فقط، وإنما تتجه رؤية الحكومة المصرية، إلي تحويلها لتراث مصري عالمي، مثلما فعلت مع معبد »‬بن عزرا» بمنطقة الفسطاط، الذي بات يحتل خارطة برامج مصر السياحية في مختلف دول العالم، فحينما يرنو السائح إلي سقف قاعة الصلاة في المعبد، يكتشف موقع كنز »‬الجنيزة اليهودية» في القاهرة.
ووفق تقرير نشره الصحفي الاسرائيلي »‬عراقي الأصل» جاكي حوجي بصحيفة »‬معاريف»، تعتزم الحكومة المصرية تحويل 12 معبداً بعد ترميمها إلي مراكز ثقافية، تُلقي فيها المحاضرات، وتجري فيها الفعاليات الأدبية والثقافية، فضلاً عن استغلالها في إحياء الأمسيات الموسيقية، وأنشطة أخري.

وتحت عنوان »‬خمسة يهود، و12 معبداً»، نقل التقرير العبري عن مستشار المشروع، الخبير والأكاديمي الإسرائيلي يورام ميتال، أن المبادرة تعيد الحياة إلي التراث المصري اليهودي، وتضفي أهمية بالغة علي ثروات دفينة، يمكن استغلالها في إنعاش حركة السياحة المصرية في مختلف دول العالم. واعتبر ميتال هذا الحراك انعكاساً مباشراً لما وصفه بـ»‬الربيع العربي»، ليس فقط في مصر، وإنما في مختلف الأقطار العربية، التي هيمنت عليها في السابق بيئة التهميش، وسيطر عليها نظام الحزب السياسي الأوحد.
وأضاف الأكاديمي الإسرائيلي:  »‬المبادرة الجديدة انطلقت من أسفل إلي أعلي نحو هدف جدير بالاهتمام، فلاقت قبولاً واستحساناً لدي متخذي القرار في مصر. لا تعتبر المبادرة تطبيعاً، أو مغازلة للاسرائيليين، لكنها جاءت نتاجاً لحوار ذاتي ومجتمعي بين المصريين وأنفسهم، فإذا كان لليهود المصريين علي مر العصور دوراً في المكون الوطني، فالأمانة التاريخية، تقتضي إبرازه، وليس محوه».
معبد »‬مئير عينيم» (العيون الساطعة)، الذي أقامه اليهودي المصري مئير بيتون، لا يزال محفوفاً بالشجيرات الخضراء اليانعة، التي احتفظت بكامل جماله المعماري حتي الآن.. صمَّم البناءون الجدران الخارجية لطابقيه  بالحجارة ذات اللونين البني والأصفر، ونقشوا اسمه علي البوابة الرئيسية بحروف لامعة. قاعة الصلاة في المعبد صغيرة، تعتليها قاعة ضيقة للسيدات. في الأيام الأولي لإنشائه أطلق عليه المصريون اسم »‬معبد بوتيك». عند بنائه عام 1934، كان أول معبد يهودي تقام فيه الصلوات بحي المعادي الراقي. خلال السنوات الأخيرة، أُغلق المعبد وبات مهجوراً.

ثروات أحفورية

خلال الآونة الأخيرة، بحسب الصحيفة العبرية، تطوع عدد من المصريين بالعمل الجماعي لترميم المعبد. نظَّفوا فناءه من أكوام القمامة التي تكدست داخله، وأصلحوا منظومة الكهرباء، واستبدلوا شبكة المياه بأخري. لسنوات طوال، بحسب »‬معاريف»، ظلت كنوز مصر اليهودية ثروات أحفورية، هجرها المصريون تحسباً لادعاء اليهود وربما الاسرائيليين لأحقيتهم فيها. الآن.. أعطت الحكومة المصرية ضوءاً أخضر، حينما تفهمت ما كان جلياً منذ زمن، وهو أن ترميم وافتتاح تلك الثروات، تعكس أهمية كبيرة علي الجمهور. المصريون المتطوعون جنَّدوا لدعم نشاطهم منحة من مركز الأبحاث الأمريكي في القاهرة Aک»‬E، واستأجرت مقاولين من الباطن، لاستكمال مشوارها في ترميم معبد »‬مئير عينيم».                      
بعد الانتهاء من العمل، ولم يكن ذلك منذ فترة طويلة، ابتعدت المجموعة بضعة كيلومترات عن حي المعادي، واتجهت نحو حي هليوبوليس الراقي بمصر الجديدة إلي الجوار من ميناء القاهرة الجوي. هناك لا يزال منتصباً معبد يهودي، يعود تاريخ بنائه إلي عام 1928، ويحمل اسم المبادر إلي تشييده »‬فيتالي مدغر»، وهو تاجر عقارات يهودي مصري. من المقرر في غضون عدة أسابيع أن تنتهي مجموعة المصريين ذاتها من تنظيف المعبد وإعادة تأهيله لاستقبال الزائرين، لكن المجموعة لن تقف هناك، فأمامهم عشرة معابد يهودية أخري في مختلف أرجاء القاهرة. وفيها ستجري عمليات ترميم »‬توابيت العهد»، ومقاعد القاعات، ووفقاً للحاجة، شبكات الكهرباء والمياه. فكانت تقيم في القاهرة ذات يوم طائفة يهودية كبيرة نسبياً، وصل تعدادها إلي 80 ألف نسمة، وعاشت في مختلف المحافظات والمدن المصرية، وتنوعت حينئذ مذاهبهم ما بين الأشكنازيم، والشرقيين، والقرائين، وكان لكل فصيل معبده الخاص.

مصنع الترميم

وتقود مصنع ترميم المعابد رئيسة الطائفة اليهودية في القاهرة ماجدة هارون، ولن يتوقف هذا المصنع عند إحياء المعابد وإعادة افتتاحها أمام الجماهير، وإنما سيطول ترميم مقابر اليهود القديمة في حي البساتين، وجمع كافة الكتب والمخطوطات اليهودية من مختلف زواياها المهجورة، إذ يصل عددها إلي 30 ألف كتاب، من المقرر أن تصبح جزءاً من مكتبة ومتحف متواضع لتراث يهود مصر، أغلب الظن أنه سيكون في معبد »‬شعار هشاميم» »‬بوابة السماء» بشارع عدلي في وسط القاهرة.
وتبلغ هارون من العمر 65 عاماً، وهي أصغر من تبقي علي قيد الحياة من نساء الطائفة اليهودية في القاهرة. هارون ابنة اليهودي المصري الماركسي المحامي شحاتة هارون، ومثل والدها الذي تفاخر دائماً بمصريته، تري هارون أنها مصرية، وأن اليهود المصريين جزء لا ينفصم عن المجتمع المصري. وقالت هارون للحكومة المصرية، بحسب الصحيفة العبرية: »‬قريباً سينتهي وجود اليهود علي أرض النيل. اندثار ثرواتهم تحت التراب  سيصبح خسارة فادحة». بعد حصولها علي التصريحات اللازمة، توحَّدت هارون مع رجل الأعمال سامي إبراهيم، وهو ابن ألبير آريا، اليهودي الماركسي المصري الذي اعتنق الإسلام، وضمَّا إليهما عدداً من المصريين، فضلاً عن البروفيسور يورام ميتال من جامعة بن جوريون، الذي ألف منذ 23 عاماً كتاباً مهماً تحت عنوان »‬مواقع يهودية في مصر»، كما خصص جانباً كبيراً من أبحاثه حول حياة اليهود المصريين.
مقاعد الأعياد

ويري ميتال أن المعابد المصرية علي وضعها الحالي، تعد دليلاً علي الحياة اليومية للطائفة اليهودية، ومنها علي سبيل المثال أنهم كانوا يحجزون مقاعد بأسمائهم في المعابد خلال الأعياد، لاسيما المعبد الذي لا يزال قائماً في شارع الجيش بالقاهرة؛ فحتي الآن تبدو أسماء عائلات يهودية مثل شلوسبرج، وفايس، وواينشتاين منقوشة علي مقاعد المعبد الذي كان مخصصاً في حينه لليهود الأشكناز، بالإضافة إلي نقش قصة تدشين المعبد ذاته بلغة »‬الييدش» (لغة بين العبرية والألمانية) علي ألواح رخامية.
وفي حديثه عن المجموعة التي تقوم بترميم الآثار اليهودية المصرية، أكد ميتال أنهم يعتبرون أنفسهم مواطنين مصريين. كانوا في معظمهم يهوداً، لكنهم لا ينتمون إلي التيارات المتشددة دينياً. لم يخفوا في يوم من الأيام يهوديتهم، ويدلل علي ذلك الرسائل البريدية التي تعود إلي تلك الفترة، وتبدو عليها نقوش معبد »‬شعار هشمايم» »‬بوابة السماء» بشارع عدلي، والذي يعتبر حالياً مزاراً سياحياً مصرياً. وكذلك الحال بالنسبة لمعبد الحاخامين  الشهيرين موشي بن ميمون ونتمان، فكان بعض المسلمين المصريين يتوافدون علي المعبد علي مر العصور لتلقي العلاج علي أيدي الحاخام بن ميمون الذي كان إلي جانب مكانته الدينية اليهودية طبيباً. ماجدة هارون لا تنسي أنها هي الأخري تلقت في صباها العلاج في هذا المعبد، إثر تعرضها لوعكة صحية. وفيما يخص ما تبقي من أبناء الطائفة اليهودية في القاهرة، نقلت معاريف عن ميتال قوله: »‬لم يتبق إلا 5 يهود فقط، و12 معبداً».