رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

نافذةٌ و بحرٌ وسفينةٌ


رشيد سكري
3/10/2018 3:24:17 PM

1
تبدو فيكِ الوجنتان كحجرِ الزُّمردِ، أو كشجرةِ النور في جنة البَهاء.
داليا..
إنها بداية التيهِ نحو سِدرةِ المنتهي ..في بلدٍ يرمي شراراته كالأسياخ، حيث يترنح الجوي بين الجوانح.
داليا ..
نافذة أمامي . وبحرٌ.  وسفينةٌ . تمخُر عُبابا وضيئا، كشلالِ صَيِّبٍ آتٍ من السماء . أزرق في أزرق . تترك السفينة خلفها خطا أبيضَ كحبلٍ مفتولٍ، يربطني بصواعدِك وهوابطِك . في تلك الهضاب الواجمة البعيدة، حيث أنا و أنت نقتات من فتات أطعمة النور . نرمي بها إلي الغرانيق، وهي متجمعة ومتعلقة حولنا، تعلمنا كيف نسير علي أرضٍ يبابٍ.
ها أنا، الآن، بعيدٌ عنكِ.. داليا.
تأخذني السفينة وترميني علي شط مجهول، أقلب وجهي علي رمل غريب.. أستيقظ من  وجلٍ و خوفٍ، أتحسَّسُ جسدي المهيض، المتعب، أتحسَّسُ يديك الناعمتين .داليا .
نجري خلف الأكمات في حبورٍ طفوليّ صافٍ كالحليب . نعبث بأوراق الزيزفون والدُّلب، نرمي بها في غدير مياه رقراقةٍ .. خريرُها لازال في أذني ضوؤه . علي صفحاته العذبة كنتِ تلملمين شعركِ السابغ المجنون والمُهْرق علي كتفي، أحملك وأحلامَك نحو ظلالٍ من الروح.
في مَيْعَة شبابنا، تأخذين تفاحةً من حلم وتقضمينها، تاركةً التفاحةَ لي .. التفاحةُ لي.  وتقولين بصوتِك الرخمِ الفيْنانِ : إنني لن أخرج من ظلال هذه الجنة. لن أشبع من ظلال عريشِكَ الممتدِ عبر ربوع هذا الوطن الجريح.
ها أنا، الآن، بعيدٌ عنكِ يا داليا . كنا نقطف الرُّمان الأحمرَ، بعدما أخرج فلول أزهاره. وكانت أصوات كلابٍ مبحوحةٍ تزعجنا وتقض مضاجعنا، وهي تتقلب في ظلام وعَتْمة دامِسة . أقولُ لكِ :
خذي حفنةً من نورٍ، بها تتوضئين  . البلاد بخير . والوطن رؤوف بعباده.
2
داليا .. يا داليا..
يَا نهايةُ النهايات . يَا بدايةُ البدايات.
أعلمني يقيني، أنكِ تسكنين خلف الشباك؛ وتنتظرين الآتي من الأيام السبعة. تترقبين المارة، والنور الغابشُ ينزل ثقيلا مثل غيمةٍ دكناءَ. أعرف أنه كلما تقلب نفرٌ في دروب  الوطن الضيقة، تهرعين إلي الخصاصات والثُّلَمِ، تتحسسين وتكرعين الخيبات تلو الخيبات المريرة.
هذا الآتي ... صبيٌّ حافي القدمين، يرقص من الفقر، عارٍ من حلمٍ سكن صبايا باقي الأوطان.
هذا الآتي .. عجوزٌ تقلبتْ به السنونُ، يحمل وجع الزمن الأعجف. سقمُه طاوٍ ثلاثا عاصب البطن جوعان، يئن أنينا كهديل الحمام .
هذا الآتي .. ظلال كلب الجيران الأجرب فري جلده، يُهملج قوائمه في الغسق والظلماء؛ فيظهر ظله، علي الحيطان البالية الوطيئة، مترنما كعازف الأكورديون.  
يا سويداء قلبي .. إنني شبعتُ موتا، أنتظرُكَ دوما عندما يعود كلُّ مساءٍ إلي بِطاحِهِ . أنا خلف الشبَّاك الصدئ، أترقب طيفكَ المشبّع نورُه. أتحسَّسُ الغديرَ، أتحسَّسُ الشوارعَ  والطرقات، أتحسس كل الأماكن، التي نحتها بالقول؛ يذيبني فيكَ كلامُك كقطعة سكرٍ في فنجان قهوة.
يا وطنا، لِمَ هجرك الحبيبُ؟
يا أوطانا، لِمَ تهجرك الأحبةُ؟
يا بحرُ، لِمَ تهجرك النوارسُ؟
في القلب غُصَّةٌ، حفرٌ لا تكف عن الامتلاء.
متي يأتي اليقين؟ نطوِّح بهبلنا كل الأماكن، والحيطان والأفاريز... وليعلم الجميع أني أتنفسُك عشقا، فكل التمائم المعلقة علي صدر الأرضِ .. لا تكفيني.
عدْ إلي ... يعودُ إليالوطنُ.