رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية:انفتاح النص النقدي


د. محمد الشحات
3/10/2018 4:15:24 PM

بعد إصداره عددًا من الكتب التي تنهض أغلب مقارباتها علي تقديم تصورات إجرائية وتحليلية مهمة قادمة من أرضية الســـرديّات البنيوية، مـثل »الســـرد في مقامــــات الهمــــذاني»‬ و »‬تشكّلات الوعي وجماليات القصة »  و»‬االسرد المكتنز»  و»‬قصيدة النثر العربية: ملامح النوع وحدود التجريب»، ينطلق كتاب الباحث والناقد المصري المعاصر أيمن بكر إلي مقاربة المفاهيم الأساسية للنقد الثقافي مقاربة تجمع بين البعدين النظري والتطبيقي، وذلك من خلال كتابه الأحدث »‬انفتاح النص النقدي : نحو تحليل ثقافي للأدب» » الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (2017). ففي هذا الكتاب، يسعي المؤلف إلي تقديم تصوراته الخاصة عن انفتاح النص النقدي خارج حدود المؤسسة البنيوية التي ظلت مهيمنة علي المشهد النقدي العربي، تحديدا، منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حتي العقد الأول تقريبا من الألفية الجديدة؛إذ يحاول من خلال فصوله المتعددة التي بلغت أحد عشر فصلا -هي أقرب إلي طبيعة المقالات المكثّفة- البدء من مقولة أو فرضية نظرية بعينها، مثل »‬النقد العربي ونظرية الأنواع الأدبية» و»‬النظرية السردية من البنيوية إلي ما بعدها» و»‬السرد المكتنز: مشــروع مصطلح نقدي» و»‬ شذرات السيرة: بحث من منظور التلقّي»، .. وغيرها، ثم تسعيكل مقالة إلي اختبار فرضيتها أو مقولتها الرئيسة تطبيقيا في نص قصصي أو شعري، بهدف موضعة المقولة في سياقها النظري الأرحب، أو رغبة في اختبار مدي قدرتها علي الصمود أو التطور أمام رحابة النصوص العربية وتنوّع طرائقها الأسلوبية.
في هذا الكتاب، سوف يمزج المؤلف بين القراءة النظرية الواعية والحذِرة والممارسة التحليلية الطموح، بهدف مناقشة حدود تلك النقلة المعرفية المفصلية التي مرّ بها النقد الحديث منذ ظهور مصطلح »‬النقد الثقافي» في ستينيات القرن العشرين علي خارطة المشهد العالمي. من جهة أخري، تنهض فصول الكتاب -وهي فصول قائمة بالأساس علي ممارسات تطبيقية، أو تحليلية، لعدد كبير من النصوص السردية العربية، ضمّت نصوصا أدبية لكل من نجيب محفوظ وسعد القرش وإبراهيم برغوثي وسحر الموجي وأحمد أبو خنيجر،.. وغيرهم- علي جَسْر المسافة بين مقولات النقد الأدبي ومقولات النقد الثقافي، في محاولة معرفية مشروعة إلي تأصيل بعض المفاهيم وتعيين بعض الإستراتيجيات التحليلية التي يمكن أن تضيف إلي النظرية السردية بدرجة أو أخري. وهنا، تقريبا، تكمن أحد أهم أسباب جِدّة هذا الكتاب، سواء اتفقنا مع أغلب مقولاته أو اختلفنا مع بعضها أو تحفّظنا علي بعضها الآخر.
في رأيي، تتمثّل أهمية هذا الكتاب في سعيه المهمّ والموضوعي والحِجاجي أيضا في أكثر من موضع في ثنايا الكتاب إلي دمج أسئلة النقد الأدبي في إطار النقد الثقافي، بغرض تركيب -أو اصهرب - المنهجيات التي لا يجب أن تتوقف، أو تتعطّل، فعالياتها عند حدود »‬التنظير» المعنِي بالأساس بجماليات النوع الأدبي المنفصلذفي تصوره البنيوي الترانسند نتالي- عن سياقاته المرجعية بدلالاتها الاجتماعية والسياسية، والقائم بذاته المحايثة في سياق تصوره الانعزالي »‬أو اليوطوبي» في نظرية »‬أو مملكة» الأنواع الأدبية، بل رغبةً في تعدِّي حدود ذلك المنظور الضيق إلي أفق أكثر رحابة يتصل بطبيعة التحليل الثقافي للأدب. إن مثل هذا التركيب المنهجي الذي ينهض عليه هذا الكتاب، سواء اتفقنا معه أو لم نتفق، يعتمد بالدرجة الأولي علي مرجعيات الناقد ذاته، بناء علي الإطار الفلسفي الذي تمتاح منه مقولاته أولا، وبناء علي مرونة إستراتيجياته التحليلية، وقابلية أدواته الإجرائية وجهازه المفاهيمي للتطوير أو التعديل ثانيا؛ وذلك في ضوء طبيعة النصوص والخطابات التي يتعامل معها. وفي هذا السياق، فإننا نؤكد اتفاقنا مع أغلب ما ذهب إليه المؤلف في كون التحليل الثقافي للأدب لا يتناقض، ولا ينبغي له أن يتناقض -كما قد يتراءي لبعض الباحثين أو الدارسين المتوهّمين- مع الانطلاق من أرضية منهجية تنتسب مقولاتها إلي علم النقد الأدبي، شريطة ألا تقف مثل هذه المنهجية الدمجية »‬أو التركيبية» عند حدود هذا النقد النصّي، بل تكمن المغامرة في قدرة هذا الباحث أو ذاك علي تجاوز حدود الجماليات إلي آفاق ثقافية وجتماعية وسياسية متصلة بقضايا سوسيو وثقافية بعينها تؤرّق الإنسان المعاصر؛ من قبيل: قضايا العِرق، والنوع، والطبقة، وخطابات السلطة، ومدوّنات المهمشين، ..وغير ذلك.
وعلي الرغم من أن أغلب فصول هذا الكتاب قد كُتِبَتْ في فترات زمنية متباعدة؛ فإن مؤلفه قد استطاع أن يشتبك بالفعل مع عدد من النصوص السردية العربية المعاصرة، كما استطاع أن يتخذ لنفسه موقفا من عزلة النقد الأدبي الذي تراجع الكثيرون من ممارسيه عن أداء أدوارهم في ساحته، مُتذرِّعين بتلبيتهم دعاوي الحداثة أو مُدّعين مسايرتهم لمبدأ الالتزام بحدود »‬النقد الثقافي» الذي سارعوا إلي اختزاله طوعًا أو كَرْهًا في مجرد قطيعة معرفية زائفة مع جهود كثيرة سابقة ومشرقة، دون أن ينظروا بعين الاعتبار التاريخي إلي طبيعة تراكم العلوم الإنسانية وتقاطع مساراتها.