رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

بعد التحية والسلام

الشارع اللي ورانا


إيهاب الحضري [email protected]
4/14/2018 2:54:31 PM

رغم أن الأحداث لا تزال في بدايتها، إلا أن ما تابعته حتي الآن استطاع أن يثير إعجابي. تجذبني تلك الحالة التي أصابت المشاهدين بمزيج من الدهشة والفضول والترقب، وحوّلت الكثيرين إلي مؤلفين مُحتملين، يسعي كل منهم لتفسير الأحداث وافتراض سيناريوهات مستقبلية، وهي حالة تنتاب المشاهد المصري والعربي عادة، إلا أنها زادت حضورا في مسلسل »الشارع اللي ورانا»‬ ، نظرا لأحداثه الغامضة، التي تستعصي بواطنها علي الكشف حتي الآن!
بدأتُ المتابعة من منطلق بعيد عن اهتمامي بالدراما التليفزيونية، فقد اجتذبني اسم المؤلف، الذي دخل عالم الفن من بوابة النقد الأدبي، وهي تجربة تستحق الاهتمام، لهذا أصبح تركيزي منصبا بشكل أساسي علي رصد مهارته في تحقيق المعادلة الصعبة، التي تتمثل في تقديم عمل عميق، دون أن يفقد قدرته علي اجتذاب مشاهد ينظر إلي الثقافة عادة بوصفها لغزا كونيا يصعب حله! لكن ألغاز حاتم حافظ لم تكن مصحوبة بقوة طرد، بل تملك حتي الآن قدرة هائلة علي الجذب، ربما لأنها تتحدي مشاهدين يحاولون إثبات مقدرتهم علي كشف المستور!
بالتأكيد لا أسعي إلي تقديم قراءة نقدية لعمل لا يزال في بداياته، لكني أرغب في الاحتفاء بما شاهدته من لوحات فنية، تتداخل لتربط الأزمنة ببعضها، ليس من خلال أسلوب الفلاش باك فقط، بل عبر دمج ماضي الشخصيات، الذي يبدو منتميا لأزمنة تاريخية لا يمكن أن تجتمع معا، لكنها تتوحد في ذلك القصر الغامض، وتعطي كل مُشاهد حرية تأويل ما يراه، فقد يتعامل بعضهم مع الأحداث علي مستوي الإثارة البسيط، وقد يعمد آخرون إلي تفسيرات نفسية، تجعل من ذلك القصر مرحلة لا وعي تدور في خيالات أصحابها، لتظل تلك التفسيرات- التي تقف علي حواف الحيرة- مناطق اقتناص للمشاهدين.
غير أن ما يجعلني أقف متخوفا هو مدي قدرة العمل علي استمرار جذبه للمتابعين، خاصة مع عبارة »‬ الموسم الأول» التي تتصدر »‬ تتر »  المسلسل، فالغموض قد يجتذب الكثيرين لبعض الوقت، لكنه إذا زاد عن حده قد يدفعهم إلي الذهاب بلا رجعة. الأمر الآخر يتمثل في النهايات، ففتح كل هذه الخيوط معا يحتاج إلي قدرة هائلة علي حسمها في الحلقات الأخيرة بأسلوب منطقي، وهو أمر أهدر مضمون عشرات الحلقات في مسلسلات أخري، بخواتيم جعلت المشاهد يشعر أنه وقع ضحية خدعة، لمؤلفين لم يحترموا ذكاءه، فاجتذبوه لساعات طويلة ثم عجزوا عن إتمام ما بدأوه بنهايات ما أنزل الله بها من سلطان!
كل هذا سيجعلني أتابع حتي النهاية، لا تحت سيطرة تشويق الأحداث فقط، بل رغبة في متابعة فيضان خيالات المؤلف، وتحديد مدي قدرته علي التحكم فيها ، لأن نجاحه سيرد لي الثقة في قدرة المثقف علي التماس مع جمهور انصرف عن الثقافة منذ سنوات، ورغم أنه لا تربطني صلة شخصية بالكاتب الذي كان أحد الكتاب المميزين في »‬أخبار الأدب» ، إلا أنني سأحتفظ بتفاؤلي حتي يتأكد، أو يثبت عكسه، المهم أن ينجح سياق الأحداث في الحفاظ علي المشاهدين، وهو رهان صعب، قد لا تنجح جرعة الغموض وحدها في حسمه!