رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي (53 ) مثقفون وعسكر


محمود الورداني [email protected]
4/14/2018 2:56:23 PM

  أوردتُ من قبل وقائع معركة مجلة الكاتب مع وزير الثقافة يوسف السباعي، والتي انتهت بإجبار هيئة تحرير المجلة علي الاستقالة، أو يخضعوا لرقابة مخبر فرضه الوزير علي هيئة التحرير ليراقب  مايكتب ويمنع ويحذف ماشاء له، وهي في حقيقة الأمر مجرد مثال علي التدخل الفظ لإعادة ترتيب البلاد لمرحلة جديدة ، مالبثت أن بدأت ملامحها في التشكل بزيارة السادات المشئومة للقدس في نوفمبر 1977.
  الوزير نفسه ، وعندما تولي رئاسة مؤسسة الأهرام  بعد انتفاضة 1977، قام بإغلاق مجلة الطليعة اليسارية التي كانت تصدر عن الأهرام وحولها لمجلة »الشباب وعلوم المستقبل»‬، ولاعلاقة بالطبع بين هذه وتلك، وكل مافي الأمر أن الطليعة تجاوزت، بعد الانتفاضة، كل ماهو مسموح به من تجاوز واستجابت للحركة الاجتماعية والسياسية في الشارع وعبّرت عنها.
  المعركة التالية هي معركة اتحاد الكتاب التي هُزم فيها المثقفون المطالبون باتحاد كتاب وطني ديمقراطي، وكانت النتيجة هي هذا الاتحاد الشائه الماثل أمامكم، والذي مازلنا نعاني من عدم فاعليته ومن موته السريري منذ مايقرب من أربعين عاما.
  أود أولا أن أشير إلي أن مصدري في الكتابة عن المعركة هو ماعاصرته بنفسي ومع زملائي وأساتذتي من الكتاب، لكن الذاكرة خائنة كما هو معروف، لذلك فإن كتاب الراحل الكبير صلاح عيسي »‬مثقفون وعسكر» لم يكن إنعاشا للذاكرة فقط، بل أيضا صحح الكثير من الوقائع والتفاصيل.
  أود ثانيا أن أفتح قوسا للتغني بمآثر وأفضال صلاح عيسي علي الثقافة والصحافة والعمل السياسي والفكري، ليس علي المستوي المصري بل العربي أيضا، وأستطيع ببساطة أن أتجاهل بعض مواقفه في  السنوات الأخيرة من حياته، وأستبقي لنفسي جدارياته الشاهقة مثل ريا وسكينة، أو البرنسيسة والأفندي، أو شخصيات لها العجب، أو القوي الاجتماعية في الثورة العرابية، أو شاعر تكدير الأمن العام وغيرها وغيرها.   ومن بين هذه الجداريات مجلده »‬مثقفون وعسكر» الذي يعد سجلا نادرا ولم يتكرر، ربما باستثناء بعض ماكتبه الراحل الكبير غالي شكري، والميزة الأساسية أن مايضمه المجلد من دراسات ومقالات ومراجعات طرقت الحديد وهو ساخن، أي أثناء وقوع الحدث أو حسبما كتب صلاح علي غلاف الكتاب في طبعته الأولي الصادرة عن مكتبة مدبولي عام 1986 »‬ مراجعات وتجارب وشهادات عن حالة المثقفين في ظل حكم عبد الناصر والسادات»، وعبرصفحاته التي اقتربت من 800 صفحة من القطع الكبير سجلّ وقائع زماننا علي نحو لم يتكرر حقا، وبدأه بمرثية بالغة الشجن لمصرع يحيي الطاهر عبد الله المفاجئ والمأساوي عام 1981 ، وجعلها مفتتحا لكتابه لأن سيرة يحيي »‬أقرب إلي سيرة موجزة لجيلنا» علي حد تعبير صلاح في مقدمته.
  علي أي حال امتدت مراجعة صلاح لمعركة اتحاد الكتاب لما يزيد علي سبعين صفحة من مجلده سالف الذكر. ومنها نعرف أن المعركة بدأت مبكرة جدا أثناء مؤتمر الأدباء الشبان، نعم هذا هو اسمه، الذي عقد في الزقازيق عام 1969 لاحتواء غضب وتمرد ولغط الكتاب الشباب آنذاك، وخصوصا بعد الهزيمة الفادحة عام 1967، ومن المفارقات أن المؤتمر عُقد تحت رعاية شعراوي جمعة وزير الداخلية(!!) و صاحب المنصب المرموق في الأمانة العليا لما كان يسمي الاتحاد الاشتراكي العربي.
  وعلي الرغم من أن الغرض الأساسي من عقد المؤتمر هو مجرد التنفيس عن الغضب واحتوائه، والسيطرة علي هؤلاء النفر من أصحاب الأصوات العالية، إلا أن توصيات المؤتمر كسرت الحواجز وجمحت وخرجت عن السيطرة، وأصدرت توصيات تطالب مثلا بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين وذكرت اسم كل من أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسي، وطالبت بحرية إصدار الصحف والمجلات، وكذلك السماح بتكوين اتحاد للكتاب..
  سأستكمل الأسبوع القادم إذا امتد الأجل..