رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

الدورة الــ 58 لصالون القاهرة:إحياء فن الرسم


للفنانة : رباب نمر

للفنانة : رباب نمر

4/21/2018 2:32:53 PM

يقول سيلفادور دالي إن فن الرسم يجسد أمانة الفن .. فليس ثمة مجالاً للخداع.. فهو إما جيد وإما غير ذلك.. وقد خرج صالون القاهرة الذي تنظمه جمعية محبي الفنون الجميلة في دورته الثامنة والخمسين،التي جاءت بالتعاون مع قطاع الفنون التشكيلية بدورة نوعية لإحياء فن الرسم العريق.. حيث يذكر د.أحمد نوار رئيس جمعية محبي الفنون الجميلة ورئيس اللجنة العليا للصالون أن الدورة 58 للصالون تحمل فكرة إحياء »فن الرسم»‬ الذي يعد الركيزة الأولي لأي فنان تشكيلي، كونه أساسا لبناء الأفكار وتحويلها إلي إبداع فني مرئي علي حيز الواقع، وبدونه تهتز حركة البناء التشكيلي.. وهو يمثل مرجعية أصيلة تمكن الفنان من صياغة ومعالجة مفرداته وعناصره بيسر، وتعمق عنده حس الانصهار في إحداث حالة من التكامل والتجانس بعيدا عن التوتر الذي يحدث لكثير من الفنانين الذين يفتقدون القدرة علي هذا الأساس المتين.
وربما لهذا السبب يعتبر فن الرسم فنا كاشفا وضع الكثير من الفنانين في تحد العودة للأصول ولهذا لم يكتف أعضاء اللجنة العليا بترشيح الرسامين أو من تقوم تجربتهم بالأساس علي فن الرسم من أمثال الفنانين فاطمة عبد الرحمن، وأسماء الدسوقي ونهي ناجي وغيرهم بل امتد ليشمل عددا كبيرا من الفنانين الذين عرفوا فقط من خلال التصوير بل وأيضا النحاتين، وهو ما قال عنه د.نوار: فن الرسم يأتي في المقام الأول عند المعماريين والنحاتين والمصورين وعلماء الفلك والطب.. وغيرهم في مجالات الإبداع الإنساني، وتأتي هذه الدورة هادفة إلي استدعاء أفكار جديدة لدي جموع الفنانين المتنوع انتاجهم الفني، كما أن الفكرة أيضا تهدف إلي اكتشاف اللامرئي في أعمال النحاتين والمصورين وغيرهم وكأنها ترتكز علي الوصول للجوهر البنائي لرؤاهم الفنية.. وهذا في حد ذاته قيمة فنية مضافة إلي نتاج الحركة الفنية المعاصرة في مصر.. كما يأتي هدف لا يقل أهمية وهو إتاحة عرض لافت للفنانين الشباب للتأمل والتعرف علي نتاج فني مختلف.. ولتدارك أهمية فن الرسم عند الفنان بشكل عام حتي يستطيع بناء رؤيته الفنية علي أصول تمكنه من تطوير ذاته والعمل علي تأصيل مرجعياته الفنية.
خصص الصالون هذه المرة لمهارات الرسم بمشاركة ما يقرب من مائة فنان من بين حوالي 180 تم ترشيحهم إضافة إلي تكريم عشرة أسماء، الأمر الذي قال عنه د.خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية : خصص العرض لمهارات الرسم في عرض نوعي من شأنه رصد حوار فنيا بين أجيال واتجاهات وتقنيات متنوعة بداية من الرواد المكرمين بهذه الدورة أمثال: سيف وانلي، تحية حليم، نحميا سعد، حسن سليمان، أحمد عثمان، سعيد العدوي، جميل شفيق، السيد القماش، مروراً بالأجيال المعاصرة ووصولاً لجيل الشباب الواعدين بهذا المجال.
ومما لا شك فيه أن صالون القاهرة يعتبر واحدا من أهم الفاعليات التشكيلية التي شهدتها الساحة مؤخرا من حيث عدد المشاركين والمنتج الفني بل وحالة التفاعل الفني والنقدي التي أثارها كي يعيد إلي فن الرسم مكانته التي ربما تراجعت بسبب عدم وجود معارض خاصة للرسم وابتعاد الكثير من الفنانين عن تقديم عروض تشكيلية للرسم مقارنة بالتصوير ليظل الرسم ربما عند مرحلتي الاسكتش أو المرحلة السابقة للعرض.
وقد وضع القائمون علي صالون القاهرة محددات واضحة فيما يتعلق بالخامات المستخدمة وبالمساحة المخصصة لكل فنان وطرق التنفيذ حيث نصت الشروط والمعايير المنظمة للصالون، أن تكون الأعمال المقدمة للعرض تم انتاجها بين 2016 و2018، وهو الشرط الذي استثني منه الفنان سيد سعد الدين وأن تكون الخامات المستخدمة الأقلام الرصاص بأنواعها والفحم والأحبار »‬الأسود- البني»، وأقلام الفلوماستر بأنواعها، والألوان المائية الأحادية »‬المونوكروم»، كما اشترطت المعايير أن تكون الأعمال بالرسم المباشر علي السطح و لا تقبل الأعمال المنفذة بالتقنيات المساعدة كالطباعة الرقمية أو الطباعة اليدوية أو الكولاج.
ورغم احتفاظ اللجنة العليا والقوميسير بأحقية استبعاد الأعمال المخالفة للشروط والمعايير الفنية من العرض بما في ذلك ما يخالف مواصفات التأطير لم يكن هناك أي شروط فيما يتعلق بشكل المنتج الفني حيث خرجت بعض الأعمال أقرب للتصوير مثيرة للالتباس حيث أجاد البعض توظيف الخامات المتاحة لتغطية مساحات لونية كبيرة ليتراجع دور الخط في مقابل اللون وهو الأقرب لفكرة التصوير. إذا يبدو مصطلح فن الرسم الذي اختاره القائمون علي صالون القاهرة في دورته الثامنة والخمسين رغم كل تلك المحددات التي وضعوها مصطلحا عنيدا بعض الشيء فليس ثمة تعريفا جامعا مانعا لفن الرسم.. إضافة إلي أن التداخل القوي بين ألوان الفنون جعل من الصعب الجزم بفصل الرسم عن التصوير.
وربما تتمثل قوة صالون القاهرة في دورته الأخيرة في تلك الحالة من الجدل الفني المحمود التي أثارها واستفزاز الكثير من الفنانين لتقديم ما هو جديد، فبعض الفنانين قرروا الخروج خارج حيز مشروعهم الفني المعروف للمتلقي ليخوضوا تحديا من نوع مختلف له علاقة بمحاورة السطح الأبيض والخامة منتظرين بشغف ما ستسفر عنه نتيجة تلك التجربة كما ذكر الفنان عماد عبد الوهاب،   أو كما هو الحال مع عدد من النحاتين الذين لم يتمكن الجمهور من مشاهدة أعمالهم في فن الرسم من قبل كالفنان عبد العزيز صعب، وعصام درويش، والفنان حازم المستكاوي، وخالد زكي وغيرهم.. في حين ذهب بعض الفنانين إلي استكمال مشروعهم الفني الذي يميزهم ولكن بتوظيف خامات وتقنيات الرسم مثل الفنان عمر الفيومي، والفنان سمير فؤاد والفنان عادل ثروت حيث قدم اسكتشات معرض موال أخضر الذي استضافته مؤخرا قاعة بيكاسو ضمن المجموعة التي قدمها وغيرهم.
وإضافة إلي ترك حرية التعبير من حيث اختيار الطريقة التي يتم بها توظيف الخامات وكذلك الموضوع، كان أحد مصادر قوة العرض متمثلة في الاستخدام المبتكر للمساحة المتاحة لكل فنان، حيث خصصت مساحة 2 متر مربع لكل منهم يوظفها حسبما يشاء، مع إمكانية تنفيذ العمل علي الحائط مباشرة، وهو الأمر الذي قامت به دعاء عبد الواحد حيث قامت بتجربة منفردة في الرسم علي أحد الجدران داخل قصر الفنون..
وفي حين اكتفي بعض الفنانين بتقديم عمل واحد مثل الفنان أحمد نوار والفنان عمر الفيومي والفنان أشرف رضا والفنان كلاي قاسم ذهب آخرون إلي عملين كما هو الحال مع الفنان أشرف رسلان والفنان نذير الطنبولي والفنان محمد خضر أو أربعة أعمال أو أكثر كما فعلت الفنانة سوزي شكري ود.صلاح المليجي الذي قدم مايقرب من عشرين عملاً، وإيهاب لطفي الذي قدم ما يقرب من 20 قطعة اختار منها القوميسير 12 للعرض والتي تأتي استكمالا لتجربته في الاحتفاء بالنوبة  بعد عشرة معارض شخصية متتالية عن الجنوب.
كما خرج بعض الفنانين عن المألوف من حيث طريقة العرض حيث عرضت الفنانة نهي ناجي عملها علي الأرض والذي يتماشي تماما مع موضوع العمل »‬انتبه لموضع قدمك» وربما كان هذا هو العمل الوحيد الذي تم عرضه بتلك الطريقة والذي لفت الانتباه حال الدخول إلي قصر الفنون.. واختار الفنان حنفي محمود أن يرسم علي سطح تم تحضيره خصيصا من أوراق كراسات أبنائه، والفنان نذير الطنبولي قدم عمليه بطريقة المعلقات، كما قدم مصطفي البنا عمله علي مجسم وهو أيضا ما أتاحته الشروط حيث يحق للفنانين المشاركين تنفيذ رؤيتهم علي مجسمات ورقية أو كارتون في سياق المعايير والشروط والخامات، ورغم عدم وجود ما يمنع الأعمال الجماعية حسبما نصت الشروط بحد أقصي أربعة فنانين للعمل الواحد للأعمال المسطحة أو للحوائط، لم يتضمن الصالون أي عمل جماعي.
وعلي عكس الشائع استهل العرض بعمل للنحات عصام درويش، حيث يأتي هذا الصالون كما ذكر القوميسير بهدف الوصول للنتائج المرجوة من هذا الحدث الفني المتمثلة في الوقوف بصدق ووضوح أمام تجربة التشكيليين من نحاتين ورسامين ومصورين وحفارين الخاصة بفن الرسم.