رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

..ولكرة القدم متاحف.. من أحفاد والاس إلي حذاء صلاح


المتحف الايطالي

المتحف الايطالي

جمال المراغي
6/9/2018 11:19:16 AM

اقتصت كرة القدم لنفسها، وجذبت مليارات الجماهير إليها، وأصبحت صاحبة الشعبية الأولي والجارفة، ولم تعبأ بمن يحتقرونها ويعتبرونها لعبة العامة والدهماء، وهي كذلك، ولكنها رغم أنف النبلاء والوجهاء سعت نحو إرساء مبادئ المساواة بين كل من يمارسونها وتفرض شروطها علي الجميع، وفي تاريخ اللعبة وتطورها ما يشهد بذلك، ولتأخر أو غياب الاحتفاء بها دلالة.

اعتاد الكثيرون أن يرددوا أن إنجلترا هي مهد كرة القدم، وحتي الموسوعات والمؤرخات سارت في ذلك الدرب واستشهدت بقصص ملفقة نوعا ما عن اللعبة التي بدأت في السجون ثم انتشرت، مما يقلل من شأن هذه اللعبة التي سحرت العيون والأفئدة، وبعيدا عن نشأتها الأولي إن كانت صينية أو إغريقية أو سبقهما إليها المصريون القدماء، فإن لنشأتها الحديثة قصة أخري.
ففي التاريخ البشري الذي لا يمكن طمسه؛ استخدم الأسكتلنديون الكرة التي تركل بالقدم منذ منتصف القرن الثالث عشر لمقاومة الإنجليز والمطالبة بحرية بلادهم، وبلغ ضجيج هذه الكرة آذان قاطني القصور من الأمراء والنبلاء لهذا صدر أكثر من مرسوم يمنع استخدامها، وكان أشدها وأشهرها عام 1424 عندما رسم الصبية وجه بطلهم السابق اويليام والاسب عليها، وفرضت عقوبات صارمة علي من يستخدمها ما بين الغرامة الكبيرة والجلد والسجن، فأصبحت هذه الكرة الصغيرة رمزا للحرية وانتقلت فيما بعد إلي مختلف المستعمرات الإنجليزية ثم الفرنسية وغيرها.
وكاد المسرحي الإنجليزي »جون داي»‬ (1574- 1638) أن يسجن ومنعت مسرحيته عام 1600 عندما استخدم فيها الكرة التي تركل بالقدم، وتكرر الأمر مع مواطنه الشاعر امايكل درايتنب (1563- 1631) وصف مشهدا مشابها في إحدي قصائده عام 1613، وحث الأسكتلنديون أبناءهم علي ممارسة كرة القدم، وسجل بعض الفنانين في لوحاتهم تلاميذ المدارس في أسكتلندا وهم يمارسونها خلال منتصف القرن السابع عشر.
استهوت هذه اللعبة التي لا يحبذها السادة في إنجلترا بعض المثقفين وكبار التجار ووردت لديهم فكرة تنظيم ممارستها وأطلقوا عليها »‬فوتبول» أو »‬كرة قدم»، وبالرغم من اعتبار أن اتحاد كرة القدم الإنجليزي الذي تأسس عام 1863 هو الأقدم ولكن الدولة لم تعترف به حتي عام 1903 وقبل انضمامه للاتحاد الدولي بنحو عامين فقط.
بينما هناك اتحادات تأسست من قبل دولها أو اعترفت بها مباشرة وتعتبر الأقدم فعليا منها الاتحاد الألماني عام 1900، والإيطالي 1898، والاتحادين السويسري والبلجيكي عام 1895، والهولندي والدنماركي عام 1889، واتحاد إيرلندا الشمالية عام 1880 والويلزي عام 1876 ولكن أقدمها الاتحاد الأسكتلندي عام 1873، وجاء الاعتراف بالاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بعد ضغوط وعلي مضض، لهذا لم تنل كرة القدم الاحتفاء كأهم لعبة رياضية والأكثر شعبية، وإقامة المتاحف تعد واحدة من مظاهر الإهمال الواضحة.
فرغم أن فكرة إقامة المتاحف الرياضية التي تختص بلعبة وتؤرخ لها قديمة، ويعود تاريخها لعام 1818 عند تأسيس متحفا للعبة الكريكيت ويمكن قراءة الأمر ومغزاه من اسم المتحف »‬اللوردات»؛ رغم هذا ظلت كرة القدم بشعبيتها المتزايدة بعيدة عن بؤرة الضوء فهي في نظر النبلاء والوجهاء لعبة العامة والدهماء وليست كالتنس والبيسبول والهوكي والجولف وغيرها مما يستحق أن يقام لها متحفا.
لكن الأسكتلنديون الذين اعتبروا هذه اللعبة جزء من تراثهم الوطني والثقافي، أسسوا أول متحف لكرة القدم عام 1892، ورغم أنه لم يزد علي كونه غرفتين بسيطتين إلا أنه كان أول من فتح أبوابه للجمهور، ليس للمشاهدة فقط، بل وللمشاركة أيضا، وبعد سنوات طويلة تم تجديد المتحف ليتناسب مع قيمته التاريخية وأعيد افتتاحه مرة أخري عام 1999، ليظل حتي بتاريخ ولادته الجديد الأقدم، والذي يضم آلاف من القطع تجسد تراث الكرة في أسكتلندا منذ كانت فكرة والكثير من الأسرار التي لم تتسع لها كتب التاريخ، وللمتحف 14 معرضا خارجيا، وهناك عدة برامج ليقضي الزائر يوما كاملا ممتعا به والحصول علي هدايا تاريخية مجانية.
وبعيدا عن الأندية الكبري التي أدركت أهمية أن يكون لديها متحفا يضم أهم مقتنياتها ويمكن أن تستفيد منه ماديا وإعلاميا واجتماعيا مثل أندية برشلونة ومانشستر يونايتد وريال مدريد وموناكو ويوفنتوس وساوباولو وغيرها، وحتي في وطننا العربي كأندية الهلال السعودي والوصل الإماراتي، وجزء أساسي في مشروع استاد النادي الأهلي الجديد؛ فإن فكرة تأسيس متاحف لكرة القدم تأخرت كثيرا، مع الأخذ في الاعتبار أن متاحف الأندية لا تختص بكرة القدم وحدها.
بعد ما يزيد علي مائة عام؛ ومع الإعلان عن تجديد المتحف الأسكتلندي وجد الاتحاد الإنجليزي نفسه في موقف حرج، مما دفعه للسعي نحو تأسيس االمتحف الوطني لكرة القدمب وبعد ست سنوات من اليأس، وبمجهود فردي تأسس المتحف بمدينة برستون وافتتح عام 2001، وكان متواضعا للغاية وانتقده الكثيرين، مما دفع الجهات المعنية لتأسيس آخر جديد بمدينة مانشستر تم افتتاحه عام 2012، ويضم ما يزيد علي 140 ألف قطعة من تاريخ كرة القدم الإنجليزية ما بين أحذية وكرات، وبرامج ولوحات ويقدم المتحف للجمهور مئات الأنشطة المتنوعة سنويا.
من أوروبا إلي آسيا؛ لم تكن كرة القدم تستهوي اليابانيين وكانوا يميلون بطبيعتهم لألعاب النزال والتي اخترعوا بعضها ولو بقواعد حديثة، ولكن كرة القدم بدأت تجذبهم مع تحقيق منتخب بلدهم لبطولة آسيا عام 1992 والذي تكرر بعد ذلك أعوام 2000، 2004 و2011، وعقب تنظيمهم لكأس العالم 2002 بالمشاركة مع كوريا داعبتهم فكرة تأسيس متحفا، ودفعتهم المكاسب المادية وغيرها، افتتح عام 2003.
وإلي أوروبا مجددا؛ عاد فريق إيه سي ميلان من أسكتلندا بعد لقاء فريقها سيلتيك عام 2004 وزيارة متحفها وانبهارهم به وبأهميته وقيمته، ونقل مدير عام نادي ميلان شعوره ورؤيته للاتحاد الإيطالي الذي شكل وفدا قام بزيارة المتحف الأسكتلندي، وبعد عملية تأسيس خلال ست مراحل طويلة نوعا ما؛ فتح أبوابه للجمهور عام 2011.
أدرك الاتحاد الألماني حاجتهم لتأسيس متحفا، وخططت لذلك عبر عدة مسابقات معمارية وتقنية وظلت تطور فيها لأكثر من عشرين عاما، ولكن رغبتها في الاعتماد علي موارده فقط ساهم في تأخره، إلي أن استضافت ألمانيا كأس العالم عام 2006، وتدبرت أمورها، واستغلت جزء من أرباح البطولة لتأسيس متحفا بمدينة دورتموند أمام محطة القطار مباشرة، والذي تم افتتاحه عام 2015، من أهم مستحدثاته بانوراما صوتية وبصرية لتاريخ كرة القدم الألمانية وأنديتها.
وفي نقلة نوعية تمثل اعترافا من النبلاء والوجهاء بكرة القدم رغما عنهم، وتكريما من المتحف البريطاني للمصري أو كما يطلقون عليه »‬الملك المصري» محمد صلاح لما حققه خلال موسم مضي؛ تم إلحاق حذاؤه بالآثار القيمة في قسم المصريات، وهو ما أثار جدلا واسعا، فوجد البعص أن مثل هذه المقتنيات مكانها المتاحف الرياضية، بينما اتفق الغالبية علي أن كرة القدم نالت بعضا من حقوقها الضائعة بفضل تفوق صلاح المصري وتميزه.