رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

أعوام فاصلة في مشوار الحياة


عائشة المراغي
6/9/2018 12:01:17 PM

   منذ ٢٨ عاما كنتُ مجرد فكرة فى عقل أبي، أمنية يبوح بها لأمي، ما لبثت سوى شهور قليلة لتتحول إلى حقيقة وأمر واقع. أنظر اليوم لتلك السنوات فأجد أنها كل ما أملك من العمر على وجه هذه الأرض، إلا أنها فى حياة البعض كانت مجرد مرحلة من تاريخهم الطويل، قد تكون مؤثرة، بل وفاصلة أحيانا، لكنها تظل جزءا من العمر، أعوام شاءت الأقدار أن تُبرزها، بعد أن تأهلت مصر لأهم بطولة فى العالم تخص اللعبة الرياضية الأكثر الشعبية فيها، وهى كرة القدم، بعد انقطاع ٢٨ عاما، إلا أن هذا الانقطاع تزامن معه تواصل واستمرارية فى الحياة، نخص منها اليوم حياة بعض مثقفينا، الذين ذهبنا إليهم لنستوضح ما شهدوه على مدار تلك السنوات، ولنعرف أين كانوا عام ١٩٩٠، وأين أصبحوا فى ٢٠١٨.


محمد سلماوى: تُوِّجَت تلك الفترة بعضويتى فى لجنة الدستور

الأعوام القليلة التى سبقت 1990، شهدت أحداثًا مؤثرة فى حياتى، منها أننى استقلت من منصبى كوكيل بوزارة الثقافة للعلاقات الخارجية عام 1989، وعُدت لعملى فى الديسك المركزى بالأهرام، وكان شعورى حينها أن الوزارة أخذت الكثير جدًا من وقت الإبداع، رغم أن الأستاذ نجيب محفوظ حذّرنى من ذلك منذ صدور قرار تعيينى فى الوزارة وقال لى «لكن لا تترك الكتابة»، فتعجبت من المقولة فى ذلك الوقت، وأخبرته أنه لا يوجد ما يمنع من كونى وكيلًا للوزارة وكاتبًا فى الوقت ذاته، فأخبرنى أن الأمر ليس بتلك السهولة، ونصحنى بالحذر لأن الفترة التى قضاها هو كموظف حكومى فى الرقابة على المصنفات الفنية لم يكتب فيها أبدًا. الحقيقة أننى اكتشفت بعد ذلك صحة هذه المقولة وصدق هذا التحذير، لأن المسألة ليست مسألة وقت، وإنما العمل التنفيذى بشكل عام، عندما يؤديه الشخص بكامل المسئولية المطلوبة منه، يكون تفكيره واهتماماته ورؤيته للحياة مبرمجين بشكل مختلف تماما عنه لو كان متفرغًا للكتابة والتأمل والإبداع.
رغم ذلك أعتقد أننى حققت الكثير فى تحديث قطاع العلاقات الثقافية الخارجية، الذى توليت مسئوليته ولم يكن به خط دولى للاتصال بالعالم الخارجى أو شخص يمكنه كتابة خطاب باللغة الإنجليزية، كانوا يكتبون بالعربية ثم يرسلون الخطابات لتُترجَم فى الجامعة الأمريكية، فكنت أضطر أن أكتب الخطابات بنفسى سواء الإنجليزية أو الفرنسية، غيّرت كل ذلك وحدّثت القطاع، وأسّست مهرجان المسرح التجريبى الذى كنت أول أمين عام له، وأشرفت على الموسم الافتتاحى للأوبرا فى بدايتها، ومن خلال علاقاتى الثقافية الخارجية استطعت استجلاب أكبر الفرق الأجنبية، وللإنصاف؛ ماجدة صالح المشرفة على الأوبرا قبل ذلك، عقدت اتفاقات كثيرة مع الفرق الأجنبية، فذلك كان موجودًا لم أصنعه وحدى، لكن بعد ذهابها استخدمت العلاقات الثقافية واتفاقيات التعاون مع الدول الأجنبية لاستكمل الموسم الافتتاحى للأوبرا.
عندما حل عام 1990 كنت قد استقلت، فشعرت بدفعة قوية جدًا لتعويض الفترة التى قضيتها فى الوزارة لمدة عام ونصف دون أن أكتب، وألحت على رواية عن الصراع العربى الإسرائيلى من بدايته عام 1948 حتى اتفاقية كامب ديفيد، فكتبت رواية «الخرز الملون» التى تلخِّص قصة الصراع من خلال قصة حياة بطلتها نسرين حورى، المستوحاة من قصة حياة زميلة عرفتها فى الأهرام وكانت قريبة جدا منى، هى المرحومة جاكلين خورى ابنة رشيد خورى رئيس بلدية حيفا، التى عاشت فى مصر وكانت من أشهر المحررات الصحفيات فى ذلك الوقت، وانتهت حياتها بشكل مأساوى مع توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفيد. كنت دائما أرى أنها تجسد القضية الفلسطينية، بجمالها وطمع الناس فيها، فكتبت تلك الرواية ونُشِرت سنة 1991 فى عدد الجمعة بالأهرام، مسلسلة على خمسة فصول، فى قالب جديد يتضمن خمسة أيام فاصلة فى حياة جاكلين وفى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، وأسميتها بعنوان فرعى «خمسة أيام فى حياة نسرين حورى»، كل فصل يمثل مرحلة مهمة على المستويين الشخصى والقومى، ومن خلال الخمسة أيام استعرضت تاريخ أكثر من نصف قرن من الصراع العربى الإسرائيلى، وذلك استدعى أن ألجأ إلى استخدام أساليب جديدة فى التقديم والتأخير فى السرد، مستخدمًا «الفلاش باك» و «الفلاش فوروورد»، لأن هناك أحداثا كانت ستقع فى المستقبل ولكن موضوعها يتصل بموضوع اليوم الذى أتناوله، لذا تضمنت لعبا بالزمن، ووصفها بعض النقاد بأنها مسرحية فى خمسة فصول.
بعد ذلك وخلال الـ 28 عاما وقعت أحداث كثيرة جدًا، حيث عدت للصحافة وخلال عملى شاركت فى تأسيس «الأهرام ويكلى» باللغة الإنجليزية وكنت أول مدير تحرير له، ثم قمت بتأسيس «الأهرام إبدو» ورأست تحريره لمدة 16 عاما، حتى تركت المنصب عندما وصلت للسن القانونية بقرار رآه البعض غير مسبوق، لأن لا أحد يترك منصبه إلا بعدما ينهى مجلس الشورى عمله، لكنى لم ألتزم بالمجلس، بل التزمت بالقانون، فأرسلت للأهرام لأعلمهم بأننى سأترك موقعى كرئيس تحرير لوصولى إلى السن القانونية.
خلال هذه السنوات أيضًا تعرضت للإقصاء من الأهرام مع وصول الإخوان للحكم فى 2012، وبعدها عُدت مرة أخرى، وسعيد أننى حاليًا كاتب فى الأهرام، بيتى الذى أمضيت فيه أكثر من 45 عاما منذ 1970.
شهدت الأعوام الثمانية والعشرون كذلك عملى النقابى من خلال اتحاد الكُتّاب العرب الذى نجحت فى إعادته إلى مصر لأول مرة بعد سنوات طويلة من المقاطعة بسبب كامب ديفيد وغير ذلك، واتحاد كتاب مصر الذى رأسته لمدة عشر سنوات وكنت فى كل الانتخابات أشرُف بحصولى على أعلى الأصوات بين كل المرشحين، وتركته بعدما أمضيت الفترة التى حددتها لنفسى، رغم أن مدتى القانونية لم تكن انتهت بعد، لكنى أعلنت من البداية أننى لن أجدد ترشيحى سوى لعشر سنوات.
مررت مع الاتحاد بأحداث كثيرة جدًا، أهمها استقالتى أنا ومجلس الإدارة بعد الثورة، التى كنت قريبا منها على المستوى الشخصى، وأعتز أن روايتى «أجنحة الفراشة» تنبأت بقيامها حين صدرت فى نهاية 2010، وهى الرواية التى ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، والرومانية مؤخرًا، كما صدرت أيضا باللغة الأُردية فى الهند. كانت الاستقالة تأكيدًا على احترامنا لتلك الثورة وضرورة منح الحق للناخبين فى الاتحاد أن يعيدوا النظر فى المجلس الموجود، إما بتجديد الثقة أو انتخاب أعضاء آخرين، فنظمنا انتخابات جديدة فى 2012 وحُزت أيضا على أعلى الأصوات وجددوا الثقة فى فعملت حتى عام 2015 عندما قدمت استقالتى للمجلس. كما كان الاتحاد أول نقابة فى مصر تؤيد الثورة يوم 27 يناير، بعد أن اجتمع مجلس الإدارة وتبنى مطالبها، ثم حين قفز الإخوان إلى الحكم كان الاتحاد النقابة الوحيدة التى عقدت جمعية عمومية طارئة لإعلان سحب الثقة من رئيس الجمهورية، وكانت تلك المرة الوحيدة فى تاريخ مصر، التى يسحب فيها أعضاء نقابة الثقة من رئيس جمهورية وهو فى السلطة، فى 21 يونيو، وبعدها بحوالى تسعة أيام قامت الثورة وسحب الشعب المصرى كله الثقة من مرسى.
أما تتويج هذه الفترة كلها فكان عضويتى فى لجنة الدستور وما ساهمت به فى هذه اللجنة  التى كنت المتحدث الرسمى باسمها  من مواد متعلقة بالثقافة؛ فلأول مرة فى تاريخ الدساتير المصرية يكون هناك فصلا مستقلا عن المقومات الثقافية أسوة بالمقومات السياسية والاقتصادية، ومن خلاله نصينا لأول مرة على أن الثقافة حق أصيل للفرد وأن واجب الحكومة أن تكفل وصول الخدمة الثقافية لكل مواطن بصرف النظر عن موقعه الجغرافى أو قدرته المالية، وتحدثنا عن العدالة الثقافية، ولأول مرة  أيضا  وضعنا فى الدستور أنه لا يجوز فرض عقوبة سجن فى أى قضايا متعلقة بالنشر سواء الأدبى والصحفى أو الفنى والسينمائى.
فى بداية 2018 أصدرت الجزء الأول من مذكراتى، الذى تضمن الفترة من ميلادى عام 1945 حتى مقتل السادات عام 1981، ومن خلاله رسمت بانوراما سياسية واجتماعية لمصر فى هذه الفترة من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 مرورا بالعهد الملكى ثم الفترة الناصرية ثم عصر السادات وانتهاء باغتياله، وحاليا فيما تبقى من عام 2018 أعكف على كتابة الجزء الثانى من بعد 1981 وحتى كتابة الدستور.


عز الدين نجيب: الإبداع يغلب الإحباط والحصار

قبل فترة التسعينيات صدرت المجموعة القصصية الثانية لى بعنوان »أغنية الدمية»‬، وقبلها قليلًا صدر كتابى »‬الصامتون.. تجارب فى الثقافة والديمقراطية بالريف المصري»، و»‬فجر التصوير المصرى الحديث» الذى حصلت عنه على جائزة المجلس الأعلى للثقافة فى النقد، أى كان هناك تحقق بشكل ما، وصل فى أوائل التسعينيات إلى تنظيمى لأكبر معرض عن رحلتى إلى سيوة التى قمت بها عام 1988، وكان بمثابة علامة فارقة فى مسار حياتي، توالت بعده المعارض، فأقمت فى التسعينيات حوالى 8 معارض فنية جديدة، لكننى توقفت عن النشر فى الأدب.
خلال تلك الفترة كنت أقود حركة تطوير أتيليه القاهرة للفنانين والكُتّاب التى انتهت عام 1995 بانتخابى كرئيس لمجلس الإدارة، وبالتزامن مع ذلك إنشاء الجمعية المصرية لأصدقاء المتاحف ثم تولى رئاسة الجمعية الأهلية للفنون الجميلة. هذا يوضح أنه بالرغم من الركود السياسى إلا أنه كان هناك حماس لدى المثقفين للمشاركة فى عمل مشترك ومواجهة الظروف، نتج عنه زخم قوى فى الحياة الثقافية، فالرؤية فى التسعينيات كانت أكثر وضوحا والإنجاز يتم بدون ارتباك أو اضطراب، سواء على المستوى الرسمى أو مستوى الإبداع أو حتى على مستوى الجماهير.
الجديد فى هذه الفترة  أيضا  بدءا من عام 1992، هو تكليفى بمسئولية مدير عام مراكز الحرف التقليدية، حيث بدأ تكثيف الاهتمام على المستوى الرسمى بإحياء تراث الحرف اليدوية التقليدية لستة مراكز فنية موزعة فى القاهرة، مركزها الرئيسى فى وكالة الغوري، هذا بالطبع غيّر مسارى بعض الشيء، لأنها كانت مرحلة تأسيس شيء من العدم لم يكن موجودا، وكان لابد من تركيز الاهتمام، فقّل إلى حد ما نشاطى فى الكتابة والرسم، وإن لم يتوقف، حيث صدر لى بعض الكتب وأقمت عدة معارض.
الاهتمام بالحرف التقليدية لم يكن يكفى أن يتم فقط من خلال الوظيفة التابعة لوزارة الثقافة، وإنما كان لابد أن تكون اليد الأخرى من خلال عمل أهلي، ومن هنا تم تأسيس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة، وانتُخِبت رئيسًا لها، واستمر ذلك طوال هذه السنين إلى 2017.
فى الألفية الثالثة جاءت فترة انحسار وجزر، فمن ناحية زادت القبضة الأمنية، ومن جانب آخر حالة إحساس باللا جدوى منبعثة من الداخل، وأصبح المثقفون يميلون إلى العزلة وعدم الإيمان بالعمل العام كما كان الوضع قبل ذلك. هذا الوضع تفجر بعد 25 يناير وعاد الحماس مرة أخري، لكن سرعان ما هبط إثر اختطاف الثورة من الإخوان وهذا أعادنا لنقطة الصفر وحالة من الإحباط الشديد، ثم توالت الأحداث، لكن إنتاجى لم يتوقف خلال هذه السنوات، ففى 2011 توليت رئاسة سلسلة آفاق الفن التشكيلى من الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصدر فيها من خلالى حوالى عشرة أجزاء، كما صدرت الطبعة الثانية من كتابى »‬الصامتون» عن هيئة قصور الثقافة، وصدر عن هيئة الكتاب »‬الثقافة والثورة» وكتاب عن الفنان عبد الهادى الوشاحي، ثم منذ عامين كتاب عن الفنان جميل شفيق، وآخر كتاب نشرته فى نقد الفنون التشكيلية عن الهيئة العامة للكتاب بعنوان »‬تحولات الفن عند مفصل القرنين».
شهدت هذه الفترة كذلك أول تفكير فى كتابة الرواية، وبعض الاهتمام بالعودة إلى كتابة القصة القصيرة، فبدأت من المخطط الأول للرواية وكتبتها بالفعل 2016 وانتهيت من المجموعة القصصية الرابعة بعنوان »‬نقطة صغيرة قرب السماء» فى نهاية نفس العام، وفى 2017 صدر الكتابان.
كل تلك كانت مبادرات نابعة من الذات لمقاومة ومواجهة الظروف، آخرها عندما تعطلت سلسلة آفاق الفن التشكيلى فى هيئة قصور الثقافة، أسست سلسلة جديدة من هيئة الكتاب بعنوان »‬ذاكرة الفن»، وبعد نجاحها وتطورها على مدى عدة سنوات رأت الهيئة أن توسع من دائرة اهتمامها من الفن التشكيلى فقط إلى أن تضم السينما والمسرح وبعض الفنون التى يدخل الفن التشكيلى عنصرا فيها.
الخلاصة أن العامل الذاتى بالنسبة لى شخصيا أقوى من العامل الموضوعي، بمعنى أن طاقة التغيير والدافع للإبداع هو الذى يتغلب أكثر من غيره على عوامل الإحباط والتضييق والحصار.

محمد سليمان: الأحلام العظمى انهارت

كل الأحداث الكبرى فى حياتي، أسريًا وأدبيًا، تمت فى هذه الحقبة الزمنية، حيث بدأ النشر الحقيقى لأعمالى فى نهاية عام 1990 بصدور ديوانى »‬سليمان الملك» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، والذى يعتبر الديوان الأول لي، حيث لم يتاح لى النشر قبل ذلك، ففى مصر كانت مشكلة النشر تواجه جيل السبعينيات بشكل عام. وفى نفس الوقت اُختِرت عام 1992 عضوًا فى لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وفُزت بجائزة كفافيس عام 1995، وسافرت إلى الولايات المتحدة للمشاركة فى المؤتمر الدولى للكتابة فى نفس العام، وإلى هولندا ثم إلى المغرب، وصدرت لى مسرحيتان شعريتان فى الهيئة العامة للكتاب، بالإضافة إلى الدواوين.
بعد فوزى بجائزة كفافيس تُرجمت لى أعمال كثيرة ونُشرت لى مختارات فى أمريكا 1996، ونُشِر ديوانى »‬سليمان الملك» باللغتين الإنجليزية والعربية ترجمة د.فريال غازول، الأستاذة بالجامعة الأمريكية، ومع تراكم النشر صار هناك أيضًا تراكم نقدي، فتناول دواوينى مجموعة كبيرة من النقاد كان فى مقدمتهم نقاد من الجيل القديم مثل د.عز الدين إسماعيل ثم د.صلاح فضل ود.جابر عصفور ود.محمد عبد المطلب ود.غالى شكري، والجيل الأوسط د.شاكر عبد الحميد ود.مجدى توفيق وغيرهما، إلى الأجيال الشابة التى نعوّل عليها وعلى قدراتها النقدية، وحتى الشعراء كتبوا عن دواوينى وتجربتى مثل الأبنودى وأحمد عبد المعطى حجازى وفاروق شوشة وغيرهم.
فى سنة 2012 نُشِر ديوانى الثانى عشر »‬كالرسل أتوا». وفى عامى 2015 و2016 صدرت الأعمال الكاملة متضمنة 12 ديوانًا فى ثلاثة أجزاء، كل جزء يضم أربعة دواوين.
على الصعيد الشخصي؛ تخّرج أولادى من الجامعة وحصلوا جميعهم على درجة الماجستير، فابنى حصل عليها من لندن ويعمل الآن فى وحدة الاقتصاد بمركز الدراسات فى الأهرام، والابنة الكبرى حصلت على الماجستير فى الإعلام وتعمل فى ألمانيا، أما الصغرى فحصلت على الماجستير فى الطب وهى معيدة بجامعة عين شمس قسم مخ وأعصاب.
على مدار تلك السنوات؛ توّلد إحساس بأن كل الأحلام التى عشتها أنا وجيلى حينما كنت طالب فى الستينيات ثم فى السبعينيات انهارت، فلم نتخيل يوما أن المنطقة العربية يمكن أن تصل لما وصلت إليه، أن نرى هذا الدمار والخراب والاقتتال العبثي، وتخريب المنطقة على يد أبنائها وعلى يد الغرباء فى نفس الوقت، ما نراه الآن لم نره حتى فى الكوابيس، فأنا من جيل عاش فى المرحلة الناصرية التى كان الحلم العربى مهيمنًا عليها، لدرجة أن أول مظاهرة شاركت فيها كانت فى منتصف الستينيات وأنا قادم من قريتى ضد الحبيب بورقيبة رئيس تونس فى ذلك الوقت عندما تحدث عن صلح مع إسرائيل وإنهاء حالة الحرب، فخرجنا وكنت على رأس المظاهرة، ولم أكن قد بلغت العشرين من عمرى بعد.
كل تلك الأحلام توارت وانهارت، نحن نعيش الآن فى قفص محاط بالنار من كل الجهات، الأحلام العظمى والكبرى كلها انتهت. ففى مقابل تطور حياتى وتحقيق جزء من أحلامي، انهار الحلم العام وتراجع، حتى أصبحنا نعيش مرحلة صعبة للغاية فى المنطقة العربية كلها ولا نعلم متى ستنتهى أو كيف، خاصة أنها منطقة ضعيفة اقتصاديا، باستثناء البترول فى بعض دول الخليج.

د.أبو الفضل بدران: الناس أنفاس الديار

بون  لينيه اشتراسه (12/6/1990)
فى البيت المخصص لطلاب الماجستير والدكتوراه ببون ويقع فى شارع لينيه ويطل على أجمل حديقة فى بون وهى حديقة »‬هوف كارتن» التى تطل من الناحية الأخرى على نهر الراين، ومن الناحية الثالثة المبانى العتيقة بجامعة بون حيث أدرس الدكتوراه آنذاك، وأما الناحية الرابعة فكانت لمبان حكومية حديثة. فى هذا المبنى ذى الطراز المعمارى الفريد نزلت قبل عامين، كان معظم الطلبة والطالبات من ولايات ألمانية خارج ولاية شمال الراين حيث تتبع مدينة بون، وبينما أهمُّ بالخروج من المبنى صباحا بادرتنى زميلتى ريجينا على السلم: صباح الفراعنة، قلت صباح الخير، ثم قالت: سننزل جميعا إلى مسرح المبنى مساء لنشاهد مباراة مصر مع هولندا اليوم.. لا تقلق سأشجع مصر حتى لو لم تنتصر.. حظها سيى أنها وقعت مع هولندا، لم أشأ أن أدخل فى حوار معها لأن الوقت صباحا لا يسمح بالتباطؤ والتلكؤ، شكرتها وانصرفت للجامعة ولكن طوال الوقت أفكر كيف ستكون المباراة مساء؟
يقع المسرح الصغير فى الطابق الثانى بالمبنى ويسع لمائة فرد بينما نحن فى المبنى ذى الأدوار الأربعة لا نتجاوز الخمسين، لكن ذهبت قبل الموعد فوجئت أن القاعة مملوءة تماما ونادى على مارتن وهو شاب من ميونيخ يدرس الطب بجامعة بون وأحضر لى كرسيا لأشاهد المباراة وقال فى لكنة بافارية:
كُن رياضيا وتقبّل النتائج بروح رياضية، ابتسمت وبدأت زميلتنا الإيطالية إيميليا ألفينو تشرح لنا ملعب رينزو باربيرا، باليرمو بإيطاليا، وتحولت بقدرة قادر من دارسة للألمانية بجامعة بون إلى معلقة رياضية متعصبة لبلدها إيطاليا ولا يخلو تعليقها من فكاهة، تقول: ها هى أمى فى الملعب، إنها تشجع فى الشوط الأول مصر من أجل بدران وفى الشوط الثانى تشجع هولندا من أجل الشيكولاته البيضاء، لكن المباراة بدأت، وبدأ الصمود المصرى أمام الأقدام الهولندية، كان الصمت مخيما على الجميع والأنوار خافتة، وفجأة تحولت القاعة إلى مشجعين لفريق الفراعنة، بدأت أتمتم بأدعية فى سِرَّي، لم يقطعها سوى انتهاء الشوط الأول والنتيجة تعادل (صفر/صفر) وتحلق الجمع وكانت ريجينا أول من شجّع المصريين وقالت: لم أتخيل أن مصر تصمد شوطا كاملا أمام هولندا.. يا إلهي.. هل منحهم رمسيس أقدامه؟ وبدا العجب والدهشة على الجميع، وأجمعوا أن أداء المنتخب المصرى أفضل من المنتخب الهولندي، لقد نسوا هولندا التى تبعد حدودها عدة كيلومترات عن بون، صرتُ أكثر ثقة فى فريقنا، وأكثر فخرًا به،  بدأ الشوط الثانى وفى الدقيقة 14 أدخل الهولنديون هدفا فى الشباك الفرعونية، وعمّ الصمت، لم يقطعه سوى اشتيفان الهولندى فرحًا، وسرعان ما ردت عليه إيميليا: هل أنت موجود هنا؟ ظننت أنك اختبأت وراء الهرم المصرى وهربت، وعاد الصمت حتى الدقيقة 38 التى أدخل فيها مجدى عبد الغنى هدف التعادل لتصيح القاعة وكأننا فى مقهى بالعتبة أو قنا، كانت الحناجر تهتف مصر..مصر، وراحت مارينا الفرنسية تزغرد فى أذنى زغرودة ذكرتنى بزغرودة فرح صعيدي.. يا إلهى كم كانت ذكريات جميلة.
ماذا فعلت يابدران؟
سؤال مدهش، منذ 1990 حتى 2018، كيف أختزل هذه السنوات فى سطور، كيف لى أن أحكى مالا يُحكي، أن أسافر عبر سنى حياتي، هل يُعين الدّلاء فى السقاية من جُبّ الذاكرة؟ هل أمتح ما تبقى أو أقرأ سطور خيال مضى مثل طيف يمر سريعا نحو أفقه السرمدي؟
سأمنحكم بقية ما تبقَّي
فقلبى لا يدقُّ الآن دقّا
كأنّ القلب حين تركتموه
سرى بالليل نحو »‬رؤي» ودقَّ
محطات كثيرة، يقف فيها قطار العمر، ومحطات يتجاوزها، ربما كان سفرى إلى ألمانيا محطة من القوافى الفارقة فى لغة قصيدي، أنجزتُ من الكتب والأبحاث... وغير ذلك من مشاريع مؤجلة.
أنقذت كتب الملوك التى وجدتها ملقاة فى بدروم مظلم تعبث فيها الفئران والقوارض ولها حكاية طريفة سأحكيها لكم.
كُتب أسرة محمد على باشا بقنا
كُتبٌ مهداةٌ فى نسختها الأولى بتجليد مذهّب مُدهش إلى الملوك والسلاطين والأمراء، لم تجد من يرعاها ، فعند قيام ثورة 23 يوليو 1952 بمصر كانت هناك مكتبة لأسرة محمد على باشا (1815-1953) ورثها الملك فاروق (تولى الحكم 1936) بقصر القبة بالقاهرة فتخلص منها القادة الجدد  للأسف  بتوزيعها على المدارس بالمحافظات المختلفة، فوزعت مقتنياتها على أماكن غير مهيأة للوثائق والكتب والمخطوطات؛ فصارت نهبا لمن يود، وقد كان من نصيب محافظة قنا 400 ألبوم صور للأسرة المالكة، وبعض المخطوطات وبعض الوثائق الخاصة بالأسرة ورحلاتها فى أوروبا وغيرها، وحوالى 7538 كتابا من نفائس الكتب باللغات الألمانية والفرنسية والإنجليزية والتركية والفارسية، و3433  كتاباً باللغة العربية؛ وبها مخطوط واحد فقط بعنوان (القاموس المحيط: للفيروز أبادي) إضافة إلى حوالى 300 نوتة موسيقية للحفلات التى كانت تقام فى البلاط الملكي. كما أنها تحوى بعض الأوامر الملكية ، وكتبا أهداها مؤلفوها إلى الملوك بتوقيعاتهم وأختامهم مما تعد وثائق تاريخية لا تعوض. لقد كانت وسائل نقل المكتبة هى سيارات اللورى غير المجهزة لنقل الكتب والذخائر مما عرضها للتلف والضياع. كما أن مستقبلى هذه الكتب آنذاك لم يكونوا بالوعى الكافى مما جعلهم يرمون الكتب فى بدرومات المدارس مما ألحق بها التمزيق والتلف والسرقة، كما أتلفت »‬الأرَضة» بعض الوثائق؛ ومن هنا فإن إنقاذ هذه المكتبة يعد ذا أهمية لحفظ التراث الإنساني. وعندما توليتُ عمادة كلية الآداب (2006-2011) قمتُ بتخصيص قاعة كبيرة لجمع الكتب والنوت الموسيقية والمخطوطات والبدء مع فريق عمل مخلص فى التصنيف والفهرسة، إلا أن الإمكانات المالية وانتهاء عمادتى 2011 حالا دون إتمام العمل.
إننى آمل من الجميع مد يد العون لترميم هذه الوثائق والصور وإنشاء متحف يليق بهذه الكنوز التراثية التى تحكى تاريخ مصر، كما أن الصور تساعد الباحثين على معرفة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والأزياء والعمران والمعابد فى القرن الماضي، وقد أوضح الدكتور عباس منصور رئيس جامعة جنوب الوادى أنه على استعداد لوضع إمكانات الجامعة والتعاون مع الهيئات العلمية الأخرى لتطوير المكتبة وعرض مقتنياتها إلكترونيا للباحثين والقراء.
وقد عرضتُ أمر هذه المكتبة على وزيرى الثقافة السابق واللاحق  اللذيْن حدثا الدكتور شريف شاهين رئيس دار الكتب والوثائق فأرسل لجنة وقفت على حال المكتبة وكتبت تقريرا أوضحت فيه أهمية المكتبة وما تحويه من جواهر وحاجتها الملحة للترميم والتصنيف، ونحن فى انتظار هذا وذاك، وكلى ثقة فى الدكتور شريف شاهين لإنقاذ هذه المكتبة.
 إننا فى حاجة إلى ترميم هذه المخطوطات والكتب النادرة والألبومات ترميما علميا لإنقاذ هذه الذخائر وتصنيف الكتب وفهرستها وتصوير الألبومات التاريخية وإتاحتها عبر موقع إلكترونى حتى يفيد منها الباحثون فى العالم، وإتاحة المكتبة المصورة للطلاب للمساعدة على تطوير طرق التدريس بالجامعات، و نشر كُتيب تعريفى بالمكتبة يحتوى صورا من ألبوماتها وتعريف الباحثين بالنفائس الموجودة بها وتبادل الخبرات بين الجانبين الأجنبى والمصرى فى مجال الترميم والتحقيق والبحث العلمى والنشر....إلخ، وفتح قنوات جديدة من التبادل المعرفى بين الباحثين المصريين وغيرهم ونشر المعرفة والتنوير فى صعيد مصر وبخاصة بين طلاب جامعة جنوب الوادى (أكثر من ثلاثين ألف طالب وطالبة) وكتابة بحوث علمية فى التاريخ والمعارف والفن والموسيقى والأدب، وتحويل الألبومات المصورة على ميكروفيلم أو المصورة على أقراص مدمجة أو على ميكروفيتش؛ ولقد قام فريق من قسم ترميم الآثار بكلية الآثار بقنا يقوده الدكتور عبده الدربى والدكتور عصام حشمت بفحص مقتنيات المكتبة فوجدوا أن 112 ألبوم صور  و2170 كتابا فى حاجة ماسة إلى الترميم العاجل لما أصابهم من تلف نتيجة الفطريات والسيول التى غمرت قنا مرتين فأصابت بعض هذه المقتنيات، لذا أهيب بمن لديه حب التراث والانتماء لهذا البلد الطيب أن يساعد كلية الآداب بقنا فى ترميم هذه الكنوز وإتاحتها للقراء والباحثين، وأن نتركها فى الصعيد، أقول هذا لأن بعض المسئولين قد يفكرون فى نقلها للقاهرة أو الإسكندرية كما فعلوا فى نقل مقبرة توت عنخ آمون للتكدس فى متحف القاهرة، لكنى أرى أن الصعيد فى حاجة ملحة إلى مكتبات ومتاحف حتى ينتشر التنوير ويقرأ الشباب تاريخ بلدهم وتراثهم المشرق، ومن الممكن جمع أجزاء هذه المكتبة المتناثرة إلكترونيا من خلال مكتبة الإسكندرية مثلا لتكون ذخائر يفيد منها الناس، قبل أن يضيع ما تبقى منها. اللهم إنى بلغت، اللهم فاشهد.
أجنادى هم طلابي
أجنادى هم طلابى الذين أفخر بهم، يتحملون نوبات جنونى وشطحات قلبى وجذبات قصيدي، ربما لا يعرف الطالب كم يؤثّر فى أستاذه، كم يترك فيه بصمة لا تقل عن بصمات الأستاذ فى تلاميذه، إنه الشيخ والمريدون، تعلمت كثيرا من أساتذتي؛ الأستاذ فتحى النجار والأستاذ كمال حجازى والأستاذ السيد أحمد مصطفى الجندى والسيد أحمد الحفنى وغيرهم من سنى الدراسة فى المدارس، وتعلمت من دكاترة أجلاء مثل د.أبو الفتوح عبد الحميد وسعيد الباجورى والسيد على حسن وعبد الحميد رسلان ومحمد مصطفى هدارة والطاهر مكى واشتيفان فيلد Stefan wild و أنّمارى شيمل Annemarie Schimmel التى سأحكى لكم قصتها :
المستشرقة أنَّمارى شيمل Annemarie Schimmel التى وُلدت فى السابع من إبريل 1922 بمدينة إرفورت الألمانية، وقد قرأت فى طفولتها إحدى القصص العربية جعلتها تقرر أن تكون حياتها كلها هبة للغة العربية وللتراث الاسلامى كله. وقد درست فى الخامسة عشرة من عمرها اللغة العربية وصارت منذ ذلك الحين من عشاقها، وفى التاسعة عشرة من عمرها حصلت على درجة الدكتوراه فى الدراسات العربية والإسلامية من جامعة برلين، وفى 1946 حصلت على درجة الأستاذية من جامعة ماربورج ولكنها لم تعين أستاذة فى الجامعة فى ذلك الوقت، حيث كان الأساتذة لا يتخيلون أن أستاذة أنثى تحتل منصب الأستاذية، ولذا فقد عُينت أستاذة بجامعة أنقرة بتركيا وأخذت تلقى محاضراتها هناك باللغة التركية التى تجيدها مع إجادتها لعديد من اللغات كالعربية والفارسية والأُردية ومعظم اللغات الهندية والأوروبية، وفى 1951 تحصل أنيمارى شيمل على درجة الدكتوراه مرة أخرى فى تاريخ الأديان، وفى 1961 تُعين بكلية الآداب بجامعة بون، وقضت فترة تدريس فى جامعة هارفارد وكامبردج وجامعات تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان، وقد اعتادت أنّمارى شيمل أن تكون ضمن الوفد الرسمى عند زيارة رؤساء ألمانيا للدول الإسلامية. وعندما فازت فى الرابع من مايو 1995 بجائزة السلام السنوية التى تُمنَح لأحد كبار المفكرين والأدباء الألمان كل عام قبيل معرض الكتاب الدولى فى فرانكفورت حيث يُحتفى بالمكرّم، وقبيل تسليمها الجائزة سُئلت فى حوار تليفزيونى عن رأيها فى سلمان رشدى فتحدثت كناقدة عن أعماله التى وصفتها بالسطحية ومنافقة الغرب وأنه قد جرح مشاعر المسلمين بكتابه »‬آيات شيطانية»، وكيف أن روايته آذت مشاعر المسلمين وشعرت هى شخصيا بالإيذاء من كلماته النابية. ولم تكد تنهى حوارها  التليفزيونى حتى قامت قيامة أنصار سلمان رشدى فى العالم ضدها؛ ولكنها لم تأبه بذلك، وظلت تردد »‬فى 80 كتابا بذلتُ جهدى فى نقل صورة الإسلام للقاريء الأوروبى وأنا أرى أن ذلك نشاط سياسى وأننى أمضيت حياتى نحو إيجاد تفاهم غربى للحضارة الشرقية»، ولقد عبر سلمان رشدى من مخبئه المجهول عن خيبة أمله لفوزها بهذه الجائزة وتصريحها ضده؛ وقد عقب البروفيسور اشتيفان فيلد العميد بكلية الآداب بجامعة بون على هذه الجائزة »‬إن السيدة شيمل تستحق الجائزة، حيث قامت بتفهيم الغرب حضارة الإسلام، وبسط التصوف للمتلقى الأوروبي، وأنها تحظى بتقدير كبير فى البلدان الإسلامية، إن لاسمها وقع السحر فى تركيا وباكستان وإيران، لقد أنفقت حياتها فى خدمة الإسلام، حيث سميت أهم شوارع باكستان وإستانبول وطهران باسمها، وقد زارت مصر واليمن وبغداد والهند». وقد كرمتها مصر وبعض البلدان العربية.
وقد قال عنها رئيس الجمهورية الألمانية الاتحادية السابق رومان هيرتسوج فى خطابه فى حفل تكريمها: »‬إنه لولا أَنَّمارى شيمل لما عرف الألمان الكثير عن الإسلام، ولما أدركوا أن الصورة النمطية التى تروج عنه لا تستند إلى شيء من تعاليم هذا الدين» ودعا رئيس الجمهورية إلى قراءة كتب شيمل جيدا لإدراك تعاطفها الحقيقى مع قيم الإسلام النبيلة وحضارته العظيمة، وأنها كانت دائما ساعية إلى التفاهم بين الثقافات، وهى الرسالة التى يجب أن ينهض بها المثقفون فى كل العالم، ومضى قائلا »‬لقد فتحت لى قلوب المسلمين فى كل زياراتى للبلدان الإسلامية».
وظلت تدرّس بكلية الآداب بجامعة بون، وتلقى محاضراتها عن التصوف الإسلامى الذى اتخذته منهجا وحياة وعشقا وسلوكا. ويعد مولانا جلال الدين الرومى أحب الشخصيات الصوفية إلى قلبها وقد ترجمت بعض أشعاره فى كتاب بعنوان »‬رومي؛ أنا الريح وأنت النار» وقدمت فى كتابها حدائق المعرفة ترجمة لأربعين وليا من أولياء المتصوفة، بينما يعد كتابها »‬أبعاد التصوف الإسلامي.. قصة التصوف» الذى قاربت صفحاته من الألف أهم مرجع فى دراسة تاريخ التصوف الإسلامى فى كل بلدانه مع تعدد لغاته، حيث قدمت فيه التراث الصوفى الأدبى فى ترجمة أدبية رفيعة المستوى ونقد أدبى للنصوص وتعريف بأصحابها وبعصورها المختلفة، كما قامت بترجمة أشعار الحلاج. ومن كتبها (فيه ما فيه)، و(شهيد العشق الإلهي)  و(إشراقة الشمس)، و(رسالة الشرق)، و(عالم الإسلام)، و(إسلام أوروبا)، ومن أهم أعمالها كتابها عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اقتبست عنوانه من الشهادة: »‬... وأن محمداً رسول الله»، وقد ترجمت فى صدر هذا الكتاب رباعية باللغة الأُردية كتبها شاعر هندوسي، يقول فيها: »‬قد أكون كافراً أو مؤمناً ولكن هذا شيء علمه عند الله وحده، أود أن أنذر نفسى كعبد مخلص، لسيد المدينة العظيم، محمد رسول الله» وعندما هوجمت لاحتفائها الزائد بالإسلام ورسوله أجابت »‬إننى أحبه».. كما أصدرت ديوانين شعريين من أشعارها وهما »‬أغنية الناي» و»‬مرآة قمر شرقي» وأتساءل متى نترجم هذه الأعمال الرائدة إلى لغتنا العربية؟
وقد أوقَفت أموالها منحا دراسية للمستشرقات الأوربيات اللواتى يبحثن فى علوم الإسلام والتصوف. وقد حصلت على عدة جوائز عالمية.
فى السابع والعشرين من يناير 2003 توفيت أنمارى شيمل عن عمر يناهز الثمانين وعندما بلغنى خبر وفاتها تذكرتُ عندما دعتنى لبيتها فى شارع لينيه ببون حينما كنتُ أستاذا زائرا بجامعة بون فوجدته واحة شرقية بكتبه ومخطوطاته ولوحاته وسجاده وأوانيه ورحت أسألها وهى تقدم لى الشاى والتمر: كيف تتحملين هذا الهجوم الإعلامى ضدك؟، ابتسمت عيناها وقالت »‬إننى لا أهتم بذلك الهجوم لأنهم يكتبون عن حقد والحاقد لا يرى الحقيقة، وأنا أكتب عن حب والعاشق يرى الحقيقة والجمال، إننى عاشقة لهذا العالم الإسلامى وسأظل هكذا حتى وفاتي». ما أحوج الشرق والغرب إلى سماحة أمثال أنمارى شيمل.
رحلاتى كتب مفتوحة
تعلمت من رحلاتى فأنا كما قال الشاعر :
مـا آب مــن سـفـر إلا وأزعـجـهُ
رأى إلـى سـفـر بالـعـزم يُزمـعـه
كأنمـا هـو فــى حــل ومرتـحـل
مـوكــلٌ بـفـضـاء الله يـذرعــه
حققتُ كتاب العروض لأننى اكتشفته صدفة.. وأصدرت كتبى ودواوينى الشعرية منها: »‬النوارس تحكى غربتها» 1991، »‬دور الشعراء فى تطور النقد الأدبى حتى القرن الثانى الهجري» 1992، »‬قضايا النقد والبلاغة فى تراث أبى العلاء المعري» 1992، »‬رؤى عروضية، محاولة نحو تبسيط العروض» 1994، »‬العروض لعلى بن عيسى الربعى النحوي» (تحقيق وتقديم) 2000، »‬النصوص الأدبية» (مع آخرين) 2000، »‬ديوان بدران» الجزء الأول »‬معلقة الخروج ساليدا» 2001، »‬أدبيات الكرامة الصوفية، دراسة فى الشكل والمضمون» 2001، »‬العرب والألمان» (مشترك) 2004، »‬موت النص؛ جدلية التحقيق والتخييل فى النص الشعرى فى ضوء النقد الأدبى القديم والشعراء النقدة» 2004، »‬تحليل النصوص الأدبية» (مع آخرين) 2005، »‬قنا عبر العصور» 2009، »‬النقد الأدبى البيئي» 2010، »‬الخضر فى التراث العالمي» 2012، »‬أدبيات الكرامة الصوفية» 2013، وديوانى »‬ساليدا معلقة الخروج» 2015، »‬لا تلتفت إلى الوراء» 2016.
بجانب خمسين بحثا.. فى يومياتى بالأخبار متْح الذاكرة وألَقها وأرقها، فى عملى بجامعات ألمانيا وجامعة الإمارات العربية اكتسبت أصدقاء أعتز بهم، وتركت أصدقاء من الطلاب وأخوات من الطالبات أراهم فى مناصب مرموقة أفرح بهم كثيرا.
ربما نسيت هذه المناصب الإدارية التى توليتها بدءا من رئاسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب بقنا بجامعة جنوب الوادى ومرورا بوكيل الكلية وعميدها ونائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، تعلمتُ الصبر، وأكسبتنى عداوات كنتُ فى غِنى عنها، لكنى متمسك بأصدقائى وبيتى الصغير، فالناس أنفاس الديار، وهؤلاء الذين عاصرتهم كتبتُ لهم ذات مساء (أحبائى أودعكم):
أحبائى .. أودعكمْ
وأعلمُ أننى نبتٌ تغذتْ منه طينتكمْ ..
أودعكم لأن سماءنا بخلتْ بماء  المُزن كى تُروى حدائقكمْ ..
وأن الأرض قد ضنّت بطينتها عن الإنسان منبتكمْ
وأن فضاءنا رحبٌ ، ولكنْ ضاق يا صَحبى بشاعركمْ !
أودعكم ..
وقلبى فى دحى الليل
يكسّر سوره الصدرى ،
يسرقُ من دمى كُلى ..
يضخ دمى فينبت فى مزارعكمْ !
ويفنى الجسم أنساماً تقبلكمْ ..
أودعكمْ ..
ولكنى إذا مت  ستأتى الروح من قبري
ترفرف فى زهوركمُ ..
وظِلى ..آه لو يمتدُّ، يسجدُ فوق أرضكمُ
أحبكمُ ..
وأقسمُ أنه ما مر يومٌ دون ذكركمُ
وإن أبصرتُ مرآتى رأيتكمُ !
أنا قد عشتُ من أجلى ..
وأجْلى عاشَ - يا صحبى - لأجْلكمُ !!

إبراهيم عبد المجيد: الكتابة مصدر طموحى وراحتى النفسية

فى عام 1990 كنت قد انتهيت من روايتى »‬البلدة الأخري» التى نُشِرت فى نهاية العام وأوائل 1991، وأحدثت نقلة كبيرة جدًا فى الدراسات الأدبية والنقدية حينها، فلم يخلُ أسبوع تقريبا من مقال عنها فى إحدى المجلات العربية، لمدة ثلاث أو أربع سنوات تالية، وفى عام 1994 تمت ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وكانت تلك الترجمة الأولى لي، فأحدث نقلة كبيرة لي، خاصة بعدما حصلت عام 1996 على جائزة نجيب محفوظ عن نفس الرواية، كنت أول من يفوز بها، ولم يكن هناك تقديم فى ذلك الحين، بل يختارون شخصان، أحدهما متوفى والآخر حي، ففزت بها مع المرحومة د.لطيفة الزيات، وبعدما ترجمت الرواية للإنجليزية، ثم للألمانية ولغات أخري.
فى نفس العام 1996 كتبت »‬لا أحد ينام فى الإسكندرية»، وبعد ذلك فى عام 2000 كتبت رواية »‬طيور العنبر»، واستمرت الحياة هكذا، ترجمات وكتابات نقدية ودراسات أدبية حول أعمالى فى دول أجنبية، وسافرت للعديد من الدول.
على مدار تلك السنوات، أحاول دائما التجديد فى الشكل الأدبى لكتابتي، وهذا ما جعلنى ألجأ للفانتازيا منذ وقت مبكر عام 1982، لكنه زاد فى »‬طيور العنبر» و»بيت الياسمين» ثم »‬قطط العام الفائت» التى صدرت منذ عامين، فالتجريب يكون ابن الموضوع والمكان والزمان وليس مجرد الرغبة فى ذلك. أما رؤيتى الفلسفية والفكرية؛ كما هى لا تتغير، قائمة على فكرة الاغتراب الإنسانى فى الوجود، بينما السياسية تختلف بعض الشيء، حيث أرى أن المثقف لابد أن يكون له دورا إيجابيا فى الحياة بقدر الإمكان، لذا شاركت فى ثورة يناير، وقبلها فى انتفاضات 1977، هذا الجانب يظهر فى مقالاتي، أما الروايات فتتضمن جانبا روحيا بشكل أكبر، نابعة من دراستى للفلسفة وتأثرى بأعمال عالمية لأدباء مثل كافكا ودوستويفسكى وغيرهما. وإن وضعت عنوانا لحياتى منذ التسعينيات حتى الآن سيكون »‬الطموح والأمل والراحة النفسية بسبب الكتابة».

طارق الطاهر:عملت مدربًا لمدة مباراة لم تُستكمَل

يمثل لى عام 1990 عامًا استثنائيًا فى حياتي، إذ تخرجت فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وقبل إعلان النتيجة كنت أحلم بأمور انقلبت فيما بعد رأسا على عقب، لتتبخر أحلامي، ولم يبق لى سوى واقع مُحبِط، وأننى على بعد خطوات من أن أكون مدرسًا للغة العربية، حيث كانت الدولة مازالت ملتزمة بتعيين الخريجين، لاسيما من أقسام اللغات فى كليات الآداب، وكان هذا هو آخر عام فى هذا الالتزام، لكننى قررت التمرد على هذا الواقع، الذى لا يناسب طموحاتي، واستطعت أن التحق بمؤسسة أخبار اليوم، وأحصل على أول كارنيه تدريب فى 25 نوفمبر 1990، لأبدأ الخطوات الأولى فى مشوارى الصحفي، مستبدلا الإحباط بالرغبة فى إثبات الذات.
من هنا كان عام 1990 مرحلة جديدة فى حياتي، لدى حلم ضائع بأن أعمل فى الجامعة أو استكمل دراساتى العليا، ومغامرة فى أن أقتحم مجالا ليس من المجالات المعتادة لعائلتي، التى كانت تميل دائمًا نحو دراسة القانون.
وعندما انطلقت بطولة كأس العالم فى 8 يونيو من تسعينيات القرن الماضي، كنت كالمُغيَّب (فتأثير نتيجة الليسانس مازال قائما)، وكانت »‬الفُرجة» وسيلتى للترفيه عن النفس، خاصة أننى من هواة كرة القدم، ولى فيها باع طويل، على الأقل فى الفترة التى سبقت الجامعة، فلحسن حظى كنا مجموعة كبيرة من الأطفال الذين تربوا مع بعضهم البعض فى »‬عمارة عابدين»، وكنا - لاسيما فى فترة إجازة الصيف - نكوّن فريقًا متجانسًا، لديه جميع خطوط اللعب من حارس مرمى ومدافعين وخط وسط وهجوم واحتياطيين، ونلعب فى فناء مدرسة فى نفس الشارع الذى نسكن فيه »‬شارع الشيخ مصطفى عبد الرازق»، إلى أن حدث ما يعكر الصفو، بمجيء فريق آخر أراد إخراجنا من فناء هذه المدرسة، ونشبت معركة حامية، تدخل فيها العقلاء لينتهى الأمر باتفاق لتحديد من منا زعيم المنطقة وله اليد العليا فى اللعب داخل هذا الفناء وقتما يريد، فاتفقنا على مباراة حاسمة بعد ثلاثة أيام، وسيكون ملعبها ليس فناء المدرسة، بل الشارع نفسه، وتحديدا أمام قصر عابدين، ليشهد عليها من يريد المشاهدة من ساكنى الشارع.
فى هذه الأيام الثلاثة كنا نجتمع على سلالم العمارة لوضع الخطة والتشكيل، وكنت لاعبًا أساسيًا فى هذا الفريق، لكن فجأة ضاع حلمى فى لعب المباراة، عندما وقعت على سلالم العمارة، وحدث تمزق فى وجه القدم اليمني، وبالتالى أصبحت خارج الحسابات، لأتحول إلى مجرد صوت يقول رأيه، وبإحساس التعاطف معى وجدت »‬أصدقاء العمارة» يسمعون الكلام، فبدأت أوسِّع من دائرة حديثي، لأضع التشكيل وهم صامتون، بل ومؤيدون، وفى صباح يوم المباراة اجتمعت بهم وقلت لهم على الخطة التى تعتمد على الدفاع، فالفريق الآخر يمتلك أكثر من لاعب مهاري، ولكى أتأكد من سيطرتى على الفريق، استبدلت لاعبًا بآخر، حدث ذلك وهم يتقبلون الأمر بصدر رحب، فقررت فى النهاية وقبل المباراة أن أتحدث مع الفريق الآخر بصفتى مدربا لفريقي، وما أن بدأت المباراة حتى اعترضت بشكل قوى على الحكم، فى محاولة منى للسيطرة على الملعب، كما سيطرت على فريقي، وبينما تسير المباراة بشكل تعادلي، إذا بأحد أعضاء الفريق المنافس يوجه الكرة بقوة لتسقط داخل قصر عابدين، وتحديدًا فى المكان المخصص الآن للمتحف، لتنتهى المباراة بهذه النهاية المأساوية للفريق الآخر، المريحة لنا، فهو كان شبه مسيطر على المباراة، ولا أحد فى هذه اللحظة يستطيع الاقتراب من القصر، لنفقد الكرة وأفقد معها منصبى مدربًا للفريق، الذى بدأ ينتبه إلى ما حدث فى الأيام الماضية، وعُدنا إلى »‬عمارة عابدين» سعداء بما انتهت إليه المباراة، وقد قرروا ألا أتولى هذا المنصب مرة أخري.
علاقتى بكرة القدم انتهت بمجرد أن التحقت بمؤسسة أخبار اليوم، والغريب أنها لم تنته على مستوى اللعب فقط، بل – أيضا – على مستوى المشاهدة، فلمدة عشر سنوات متصلة لم أشاهد سوى عدد قليل من المباريات، وتفرغت تمامًا لعملى الصحفى داخل »‬أخبار الأدب» التى أصبحت تجربة حياة بالنسبة لى وليس عملاً فقط، فكل الظروف دفعتنى إلى أن عمل بجد وأسافر إلى الأقاليم والتقى بمبدعيها، فـ »‬أخبار الأدب» أصبحت لى هى »‬الحياة» بكل تفاصيلها.
عندما أتذكر مشوارى ما بين 1990 و2018.. أكتشف أنه يسير بطريقة كرة القدم.. لا فوز طوال الوقت ولا هزائم متكررة.. هو خليط بين الفوز والخسارة والخيال والواقع.. فبدون خيال لا يمكن أن تحرز أهدافًا أو أن تصبح رئيسًا للتحرير.

عبده جبير:كانت عزلتى متعمَّدة

قبل عام 1990 تردد اسمى بكثرة فى المؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام، حتى فوجئت بمجلة »‬المجلة» السعودية التى تصدر فى لندن تنشر تحقيقا وعلى غلاف قسمها الثقافى تضع عنوان »‬هؤلاء.. هل صنعهم الإعلام؟»، وتحت هذا العنوان المريب ثلاث صور؛ واحدة على اليمين للكاتب الكبير الراحل جمال الغيطاني، وأخرى على اليسار للكاتب الكبير يوسف القعيد، وصورتى فى المنتصف. بمجرد أن وقعت عيناى على الصور والعنوان أحسستُ وكأن زلزالا مر من تحتي، مندهشا من وضعى بين كاتبين كانت لهما طرقهما الخاصة فى التواجد بشكل مستمر فى الحياة الثقافية، وأنا الذى كنت دائما أحرص على أن أكون فى وضع خاص بعيدا عن هذه الدائرة، وكان هذا يترجَم على أننى كنت شبه مستبعد من الإعلام الرسمي، إلى حد أنه حين قام الشاعر الكبير فاروق شوشة بعمل حوار معى وبإلحاح من الناقد الكبير سامى خشبة ثارت ثائرة الكُتّاب الرسميين، لدرجة أن أحدهم كتب أربعة أعمدة متتالية فى إحدى الصحف القومية يهاجم فيها شوشة بسبب استضافتي، إذًا أنا كنت خارج دائرة الإعلام الرسمي، فكيف أوضع تحت هذا العنوان، وأستطيع أن أقول بلا خجل أننى بكيت بكاء حارا وأحسست بأننى فى حالة ضياع.
حتى أوقف هذه الحملة التى بدا أنها متعمَّدة ضد الكُتّاب المصريين، وأنحى بجانبى عنها؛ قررت ما يشبه العزلة الطوعية، فبعد نشر هذا التحقيق رفضت العشرات من المقابلات الصحفية، وأحيانا كنت ألجأ إلى طلب الأسئلة من الزميل الذى يريد إجراء الحوار معى وأخذ الأسئلة وأركنها ولا أجيب عليها، وتعمدت أن أبقى فى الفيوم أكبر فترة ممكنة، إلى أن جاءت رحلتى إلى الكويت، وكان هذا الحدث تقريبًا هو الدافع الأساسى لسفري، حيث كنت قبلها قد رفضت العمل فى الخليج فى عدة محاولات جرت معي. وبعدما عدت؛ على الفور حملت كتبى وأوراقى وذهبت إلى الفيوم.
أذكر ذلك لأول مرة، لأفسر ما وصفه بعض النقاد باختفاء الأضواء من حولي، وهو غير صحيح، فأنا كنت أقصد هذه العزلة، حتى إذا عدت كنت أعود وحدى وعلى مسئوليتى الشخصية وبإنتاجى الأدبى وليس من خلال الإعلام، كانت فترة حرجة جدا فى حياتى استمرت سنوات طويلة، ربما حتى وقت قريب. هذا لا يعنى أننى لم أكن أكتب، بل كنت أكتب بشكل يومى وأعمل على تنفيذ مشروعى الأدبى فى عدة أعمال ظهر منها رواية »‬عطلة رضوان»، مجموعة »‬رجل العواطف يمشى على الحافة»، كتب »‬الشيخ إمام»، و »‬نجيب محفوظ»، و»‬شهادات معلقة فى رقبة المؤلف» وعدة مجلدات أخرى حتى وقتنا الحالي، ومن حسن الحظ أنه كان هناك من الباحثين، خاصة فى المغرب وفى جامعات الجنوب المصري؛ من انتبه لهذه العزلة المتعمدة وشرفنى بعدد من دراسات الماجستير والدكتوراه التى عنيت بالنسبة لى أنني كنت موجودا بطريقة أفضل من السابق.