رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

ثمانون عاماً علي «مستقبل الثقافة في مصر»

بناء الثقافة .. بناء الدولة


حلمي النمنم
6/16/2018 12:26:35 PM

في 31 يوليو القادم، يكون قد مر علي صدور الطبعة الأولي لكتاب » مستقبل الثقافة في مصر »‬ للدكتور طه حسين، ثمانون عاما، فقد وقع العميد علي المقدمة بتاريخ 31 يوليو 1938.. والسؤال لماذا أقدم طه حسين علي تأليف هذا الكتاب وما هي الأجواء التي أحاطت به علي كافة المستويات لاسيما السياسية، وما القضايا الأساسية التي طرحها، فيما يتعلق بالتعليم والثقافة وحرية الإبداع والدولة الديمقراطية.
ويضاف لما سبق هل ما جاء في الكتاب لازال صالحا للمناقشة .. والأهم هل استفادت مصر علي مدي السنوات الثمانون مما طرح أم لازال علينا أن نعيد قراءته مرة أخري بتمعن وتعمق.. هذا ما فعله الكاتب الصحفي حلمي النمنم، الذي أهدانا هذه القراءة، التي من المنتظر أن تتضمنها الطبعة الجديدة لهذا الكتاب، الذي يصدر في مشروع النشر بهيئة قصور الثقافة.
النمنم في الصفحات القادمة يقدم إطلالة وافية تربط هذا الكتاب بما جري في مصر علي مدي ثمانية عقود، وجاءت بعنوان »‬ بناء الثقافة.. بناء الدولة » .



ثمانون عاما، تمر هذه السنة، علي صدور كتاب د. طه حسين، “مستقبل الثقافة في مصر”، حيث صدر عن دار المعارف في سنة 1938، واستقبل كعادة كتب د. طه بتقدير من زملائه وأصدقائه، لكنه استقبل بحالة من العداء الجهول من حسن البنا، مرشد عام جماعة الإخوان، الذي راح يهاجم الكتاب وصاحبه، وتبعه في ذلك، اعضاء جماعته والمتعاطفون معها، لم يكن هجوم البنا، نقدياً ولا علمياً، بل كان اتهاما للمؤلف بأن لديه موقفاً من “الإسلام”، حيث ذهب إلي أن د.طه يضيع الشباب ويقول لهم أن يأخذوا من أوروبا ويتعلموا منها، وكان الأجدي به أن يقول لهم خذوا من “الإسلام”، ولم يشأ د. طه أن يرد علي هذه المهاترات أو يدخل فيها، فقد خبر مثلها، من قبل، سنة 1914 حين أعد رسالته للدكتوراة بالجامعة المصرية، وكانت أول رسالة دكتوراة تناقشها الجامعة وتمنحها في تاريخها، كان “المعري” متهما من المحافظين والسلفيين بالكفر والإلحاد، وشعروا بالقلق أن تصدر رسالة علمية عنه، واتهموا من أعدها، ثم خبرهم مرة ثانية سنة 1926، حين أصدر كتابه “ في الشعر الجاهلي”، تلك المرة تدخل ضده شيخ الأزهر بنفسه ونواب البرلمان من الوفديين، وهم الأغلبية، باعتبار أن الكتاب صدر عن الجامعة المصرية، وهي مؤسسة حكومية.. ثم خاض بعد ذلك معركة أيام اسماعيل صدقي وبناء عليها فصل من عمادة كلية الآداب، لذا نراه في حالة مستقبل الثقافة، يتجاهل الحملة والتحامل عليه، ويبدو أنه تجاهل الكتاب نفسه، لذا نجد أن كل كتبه أعيد طباعتها في حياته مراراً وتكراراً، بينما هذا الكتاب لم تجر طباعته مرة ثانية داخل مصر، رغم أنه نفد من الأسواق سريعاً. ولم يطبع إلا في الثمانينيات من القرن الماضي، حين كان د. أحمد فتحي سرور وزيراً للتربية والتعليم، بمقدمة له، ثم توالت طباعته، حتي وجدنا سنة 2013 وفي شهر اكتوبر ، تصدر طبعتان منه في اسبوع واحد، الأولي عن المجلس الأعلي للثقافة بتقديم د. جابر عصفور، والثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بتقديم د. أحمد زكريا الشلق .
لا يعني ذلك أن د. طه كان يتجنب خوض المعارك، ذلك أنه قضي حياته مقاتلا ومدافعاً عن افكاره وآرائه، لكنه بالتأكيد، شأن كل من هو مثله، لن يكون سعيداً بأن يخوض في مهاترات وترهات.
ورغم تباعد السنوات فإن من يقرأ الكتاب، اليوم، يشعر أن كثيرا من الأفكار التي وردت به تتماشي مع واقعنا ومع اللحظة التي نعيشها، رغم الفارق بين الظرف الذي قدم فيه د. طه هذا الكتاب، والظرف أو اللحظة التي نمر بها؛ وإن كان التباعد ليس كبيراً بين جوهر اللحظتين.
كتب د.طه مستقبل الثقافة علي خلفية توقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، جري توقيعها في إحدي غرف قصر الزعفرانة، مقر جامعة عين شمس حاليا، وقعها عن مصر رئيس الوزراء مصطفي النحاس باشا، وأطلق المصريون عليها “معاهدة الشرق والاستقلال”، والتي قضت أن تخرج القوات البريطانية من مصر وتتركز حول قناة السويس لحمايتها والدفاع عنها، وأنه حين يكون لمصر جيش قوي قادر علي الدفاع عن القناة فإن هذه القوات سوف تخرج نهائياً من مصر.
وفي العام التالي مباشرة وقعت مصر علي اتفاقية مونرو، وبمقتضاها يتم إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر، وكان توقيع تلك الأخيرة سبباً في أن بعض الأجانب فكروا وقرروا أنهم سوف يغادرون مصر، وحدث ذلك بالفعل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
سادت حالة من التفاؤل والبهجة بين المصريين، خاصة المتعلمين منهم، أننا بصدد مرحلة جديدة وكان السؤال الملح من الشباب.. وماذا بعد.. ماذا علينا أن نقوم به وننجزه بعد الاستقلال ونيل الحرية.
وكان أن دعي د. طه إلي لقاء في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مع طلابها وعدد من الشباب المصريين، وطرحت عليه تلك الأسئلة، وراح يجيب عليها، يومها قرر أن يعد هذا الكتاب، فقد وجد أن إجاباته وحديثه إليهم، لم يكن كافياً.. “واستقر في نفسه أن واجبنا في ذات الثقافة والتعليم بعد الاستقلال أعظم خطر وأشد تعقيداً مما تحدثت به إليهم”.
يضاف إلي ما سبق أن “ وزارة المعارف” أوفدته لتمثيلها في مؤتمر عقد في بارس حول التعاون الفكري، وفي الوقت نفسه أرسلته الجامعة إلي باريس مندوباً عنها في مؤتمر عن التعليم العالي، وكان الواجب الوظيفي يلزمه أن يعد تقريراً إلي الوزارة عن مشاركته وتقريرآً آخر يرفعه إلي الجامعة عن مؤتمر التعليم العالي، وقد وجد بدلا منه كتابة تقريرين يتم حفظهما في ملفات الوزارة والجامعة أن يعد هذا الكتاب، وأصدره بالفعل.
لم تكن سنة 1936 بالنسبة لمن عايشوها سنة توقيع المعاهدة ونيل الاستقلال فقط، لكنها كانت سنة استعادة دستور 1923، الذي كان ألغاه اسماعيل صدقي باشا، حين تولي رئاسة الحكومة سنة 193٥، وكانت انتفاضة سنة 1935، لهدف استعادة الدستور، وتحقيق الاستقلال عن بريطانيا، بعد تصريح وزير الخارجية البريطانية “ صموئيل هور“ المستفز للمصريين، بأنه لا تفاوض معهم وبالفعل عاد، وكان شرط الحكومة البريطانية سنة ١٩35، أن يكون التفاوض في ظل حكومة دستورية، من هنا أطاح الملك باسماعيل صدقي، وعاد الدستور، وجرت انتخابات برلمانية، وجاء الوفد ليشكل الحكومة؛ وكان طه حسين من أشد الناس معاناة وضيرا من حكومة صدقي باشا، واجراءاتها، فقد فصل من العمادة ومن الجامعة كلها، وقدم العقاد للمحاكمة وسجن تسعة أشهر؛ وعند طه حسين يتساوي في الأهمية “رد الدستور” ونيل الاستقلال؛ الأول يعني عودة الحرية والثاني عودة الكرامة.
وهكذا عودة الدستور ونيل الاستقلال وإلغاء الامتيازات الأجنبية، دفعة واحدة، معا، أحلام وطنية كبري، تتحقق، وحقوق ينالها المصريون.
وبينما شغل كثيرون بسب ولعن ما كان والفرح بما هو قائم وتحقق بالفعل، كان طه حسين لديه سؤال أبعد ألا وهو .. وماذا بعد؟
ويفاجيء د. طه قراءه بأن نيل الحرية والحصول علي الاستقلال، ليس نهاية كل شيء ولا الغاية التي يجب أن يستهدفها المصريون وتسعي إليها مصر، هما وسيلة إلي غايات أخري، فكم من بلاد وشعوب كانت تعيش حرة مستقلة، ومع ذلك فلا الحرية ولا الاستقلال منعهما من أن “تعتدي عليها شعوب أخري؛ تتمتع بالحرية والاستقلال، ولكنها لا تكتفي بهما ولا تراهما غايتها القصوي، وإنما تضيف إليهما شيئاً آخر أو أشياء أخري”.
الأشياء الأخري، التي يتحدث عنها، هي ثلاثة: الحضارة والقوة والثروة، وهي كلها ترتبط بأمرين اثنين، الثقافة والعلم، وهما عنده مترادفان، ويقول “لولا أن مصر قصرت طائفة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها” الحضارة عنده تقوم علي الثقافة والعلم والقوة  تنشأ من الثقافة والعلم والثروة تنتج من الثقافة والعلم.
الهدف النهائي عنده أن تتحقق السعادة للإنسان “إن الله قد خلقنا جميعا لنستوفي حظنا من هذه الحياة سعداء بها، ما وجدنا إلي السعادة سبيلا، أشقياء بأثقالا ما عجزنا عن دفع هذا الشقاوة” وبمعني آخر، أن يتساوي الناس ولا يكون هناك تفاوت بينهم (1) “.. خلق الناس جميعاً ليكونوا سواء في الحقوق والواجبات واستقبال هذه الحياة وما أتيح لنا فيها من خير وما كتب علينا فيها من مكروه..”.
والذي يحول دون تحقيق تلك المساواة المنشودة والتي تؤدي إلي السعادة أن الناس يطغي بعضهم ويبغي بعضهم علي بعض، ويطالب بتوقف ذلك الطغيان وإزالة ذلك البغي، وما النظم التي نضعها إلا لهدم الطغيان.
والقاعدة في ذلك، تربوية ونفسية وعقلية أيضا وهي “أن نمحو من أنفسنا أن في الأرض شعوبا قد خلقت لتسودنا، ويجب أن نمحو من أنفسنا أن في الأرض شعوباً قد خلقت لنسودها. ويجب أن نقر في أنفسنا أن نظام المساواة في الحقوق والواجبات، هذا الذي نريد أن نقره في حياتنا الداخلية، هو بعينه النظام الذي يجب أن نقره في حياتنا الخارجية وفيما بيننا وبين أوروبا من الصلات”.
وتحقيق ذلك، يجب أن يتجاوز حدود الكلام المرسل، ويتجه إلي الفعل، وهو واضح ومحدد، علينا أن نقوم به وهو “ أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها”.
وهو يلاحظ أننا في كثير من جوانب حياتنا العملية نحذو حذو الأوروبيين، في الملبس وفي طريقة تناول الطعام وغير ذلك، .. “ولكننا ننكر ذلك في ألفاظنا وعقائدنا ودخائل نفوسنا فنتورط في نفاق بغيض لا استطيع أن أسيغه ولا أن اسكن إليه..” ويضيف قائلا “إن كنا صادقين فيما نعلن ونسر من بغض الحياة الأوروبية فما يمنعنا أن نعدل عنها عدولا ونصد عنها صدودا ونطرحها إطراحا؟ وإن كنا صادقين فيما نقوم عليه كل يوم (...) من تقليد الأوروبيين ومجاراتهم فما يمنعنا أن نلائم بين اقوالنا واعمالنا”.
> > >
ويجب أن نتوقف هنا، أمام عدة نقاط، ذلك أن د. طه يتحدث عما نسميه “الحضارة الغربية” لذا نجده يضيف في الحديث بعد ذلك امريكا إلي أوروبا.
الواضح من الفصول الأولي للكتاب أن د. طه يؤمن بأن هناك حضارة واحدة، ولكن لها دورات متعددة، فالحضارة كانت في مصر القديمة وعدد من بلدان الشرق الأدني، وتأثر اليونانيين بالمصريين القدماء وتعلموا منهم، وتأثروا أيضا بالكلدانيين، ثم انتقلت من اليونان إلي الرومان ، التي عادت مرة ثانية إلي مصر، في الإسكندرية علي شاطيء المتوسط وأصبحت الإسكندرية مركزاً للحضارة وللعلم عدة قرون، ولما جاء الإسلام تأثر بهذه الحضارة، ثم احتكت أوروبا بالحضارة الإسلامية، ولولا أن الغزو العثماني أخر مصر وقطع صلاتها بأوروبا، لبقيت مصر صنوا للأوروبيين في حضارتهم، إذن الحضارة التي يريد لنا أن نحذو حذوها، لنا ميراث طويل وعميق فيها، ومن ثم لا مبرر لدينا أن نحجم عن الأخذ بهذه الحضارة، ويتوقف أمام نموذج اليابان، وهي من الشرق الأقصي، وبعيدة جغرافيا وحضاريا عن أوروبا، لكن تأثرت بها وأقامت نهضتها بالأخذ عن أوروبا، فما بالنا نحن ولدينا هذا الميراث الحضاري الطويل، والمركز الطيب لمصر في اعمال فلاسفة وشعراء اليونان القدامي وفلاسفتهم العظام، مثل أفلاطون.
ولم يكن يريدنا، كما تصور منتقدوه، أن نكون تابعين لأوروبا، هو الذي سعد بالاستقلال عن بريطانيا، وناضل في سبيل ذلك من أيام ثورة 1919، يمكن الرجوع إلي الجزء الثالث من كتابه “الأيام”، ولكنه يريد لنا أن لا نشعر بالنقص والعجز أمام الأوروبيين، بل نكون انداداً لهم، هو يريد لنا “ألا نلقي الأوروبي فنشعر بأن بيننا وبينه من القرون ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا..”.
والحقيقة أنه يريد لمصر وللمصريين، أن تكون كما كان أجدادنا، “أن تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم” ويكرر ذلك ويؤكده.. “أنا من أجل هذا مؤمن بأن مصر الجديدة لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا، ولن تقوم إلا علي مصر القديمة الخالدة”.
هو إذن لا يريد لنا، كما فهم البعض، أن نقيم قطيعة مع موقعنا الجغرافي وتاريخنا، وأن نذوب في أوروبا تماما، يقول أيضا.. “لا نريد ولا نستطيع أن نقطع ما بيننا وبين ماضينا وحاضرنا من صلة، وبمقدار ما نقيم حياتنا المستقبلة علي حياتنا الماضية والحاضرة نجنب أنفسنا كثيرا من الأخطار التي تنشأ عن الشطط وسوء التقدير والاستسلام للأوهام، والاسترسال مع الأحلام”.
ويقوده ذلك إلي إثارة مسألة هوية مصر، هل نحن من الشرق أم من الغرب..؟ وهو يميز بين الشرق الأقصي ويضم الهند والصين وبلاد فارس وهذا ليس منا ولسنا منه، وهناك الشرق الأدني ويضم مصر وفلسطين وسوريا، أو بلاد الشام، ثم بلاد شمال إفريقيا أي المغرب العربي، المناطق المحيطة بالبحر المتوسط، ويضم إليها اليونان وبلاد شمال المتوسط، هذه عنده وحدة واحدة، كما يضم إليها منطقة الجزيرة العربية بكاملها، أي المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وكذلك العراق.
ويسخر كثير من ثنائية الشرق والغرب بمعناها المتداول والمسطح، مثل القول إن الغرب مادي والشرق روحاني، تجربة اليابان وأخذها بالعلوم الحديثة وتفوقها فيها، يؤكد ما يذهب إليه، ولو عاش طه حسين إلي أيامنا وشهد تفوق الهند في صناعة البرمجيات والالكترونيات، وكذلك تجربة الصين في التنمية والتصنيع، ومعها أيضاً ما يطلق عليه دول النمور الآسيوية، وجميعها تقع جغرافيا، في منطقة الشرق الأقصي، بالتأكيد هذه النماذج كلها تثبت صحة ما ذهب إليه،
سخريته العميقة من تلك الثنائية، تتجه إلي القائلين بها في بلاد الغرب أو في عالمنا العربي، وفي مصر تحديداً، وكان يتساءل، هناك في اوروبا مسيحيون ويهود ومسلمون، وهذه الديانات الثلاث ظهرت في بلادنا، ومنطقتنا، ومع ذلك كيف تصبح هذه الديانات مادية في أوروبا وروحانية عندنا وبيننا..؟!
وهو يطمئن الخائفين منا، علي هويتنا أن تضيع من جراء الاتصال بأوروبا والأخذ بمناهج وأساليب النهوض لدينا، هنا يسعفه التاريخ ودروسه، أوروبا أخذت المسيحية من بلادنا ومنطقتنا، السيد المسيح كان في فلسطين، وظهرت ديانته بين أهلها، حواريوه جميعاً كانوا من المنطقة، ومع ذلك لم تصبح أوروبا شرقية ولم تفقد هويتها بمجرد اعتناق المسيحية، وغزا الرومان مصر وفرضوا نظمهم وقوانينهم علي المصريين، ولم تصبح مصر رومانية، بل ظلت مصرية وبقي أهلها علي مصريتهم، وأكثر من ذلك فإن الرومان تأثروا بالمصريين وأخذوا عنهم، الاسكندر الأكبر نموذجاً.
ولما ظهر الإسلام، استقبله المصريون أحسن استقبال، وجعلوه دينهم، وأخذوا العربية وصارت لغتهم، ومع ذلك لم تفقد مصر شخصيتها الوطنية، بل وجدنا مصر تستقل عن الدولة المركزية، دولة الخلافة، وتقيم دولتها الوطنية في عهد الدولة الطولونية، وتصبح أول دولة وطنية في ظل الإسلام.
ورغم ثنائية الشرق والغرب، وموقفه الواضح منها، فإنه كان ينظر إلي المستقبل، ويري أننا ندخل عصر الإتصال، فالبرق ينقل الأخبار من أي مكان إلي انحاء الأرض بسرعة بالغة، وهو ما يطلق عليه - الآن - أن العالم بات قرية واحدة، وأن الطيران قرب المسافات ومن ثم فإن هذه الثنائية، لم يعد لها نفس الحدة، وهو يري أنها لا تنطبق علينا، وكذلك مقولة الشاعر “ردياد كيبلنح” .. “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”، هذه المقولات لديه بلا مستقبل، وأتصور أن ذلك كان مؤكداً لحظة وفاته سنة 1973؛ حيث باتت العزلة والإنغلاق من المستحيل، لمن يريد أن يحيا في هذا العصر، ولا يكون خارجه.
هذا عن الحضارة، كما أشار إليها، فماذا عن القوة وعن الثروة؟!
> > >
القوة عنده، في هذا السياق، هي القوة العسكرية، القوة الحربية، أي الجيش المصري، من المهم أن نسعي لتكوين “ الجيش القوي العزيز” بتعبيره، وقد يندهش كثيرون أن يبدي د. طه حسين، هذا الاهتمام بالجيش، وسوف تجد ذلك لدي عدد من رموز تلك الفترة، مثل لطفي السيد ود. حسين فوزي وغيرهما، ذلك أنه أثناء التفاوض بين مصر وبريطانيا، لتوقيع معاهدة 1936، شعر المصريون بغصة وطنية لوجود 80 ألف جندي وضابط بريطاني يتركزون حول منطقة القناة، فضلا عن أن الجيش المصري، كان يخضع لنوع من الإشراف البريطاني، وكانت حجة الإنجليز في ذلك، أن مصر وتحديداً قناة السويس مهددة في أي وقت بالاعتداء والاحتلال، كانت النازية آنذاك في صعود وكذلك الفاشية، وكانت أحلام هتلر وطموحاته، فضلا عن أفكاره معلنة للجميع، وبإزاء ذلك التهديد، فلا يوجد لدي مصر جيش قوي، يمكنه أن يحميها ويدافع عن القناة، ولابد لبريطانيا أن تحمي القناة باعتبارها ممرا ملاحيا عالميا، ولذا وافق المفاوض المصري، ورغم الغصة والغضاضة، فقد سعد الكل بالإنجاز الذي تحقق، وهو إنسحاب الجيش البريطاني من العاصمة، القاهرة، وسائر المدن المصرية. وهكذا يصبح لمعني وجود الجيش لدي أبناء هذا الجيل، أهمية قصوي ، إنه رمز السيادة وبه نكون في مأمن من التهديد وننال الاستقلال، ولا تعيرنا بريطانيا بالضعف والعجز عن حماية القناة.
وهكذا نجد د. طه حسين يفرد عدة صفحات للحديث عن ضرورة وأهمية وجود “الجيش المصري العزيز” ولن نسمع منه كلاما عسكرياً متخصصاً، فلم يكن ذلك مجاله ولكن نسمع منه كلاماً وطنياً بامتياز، يقول “نحن في حاجة إلي قوة الدفاع الوطني، فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بحاجتنا هذه إيمان الذين يجدون ولا يهزلون، وإذاً فقوة الدفاع الوطني عندنا يجب أن تكافيء قوة ما نتعرض له من هجوم”.
في تلك الفترة لم تكن اسرائيل ظهرت إلي الوجود، ومن ثم لم يكن هناك تهديد من جانبها ولكن كانت هناك تهديدات أخري من جيوش كبري، ربما كان أبرزها الجيش البريطاني نفسه الذي غزا مصر واحتلها سنة 1882، زمن عرابي ، وكان المصريون يناضلون من أجل الاستقلال، وإذا كان التهديد علي هذا المستوي، فإن جيشنا يجب أن يكون بنفس القوة والاستعداد، يضيف هو إلي ما سبق قوله .. “ أن جيشنا يجب أن ينظم تنظيماً أوروبياً وأن شبابنا يجب أن يعدوا لهذا الجيش كما يعد الشباب الأوروبيون لجيوش أوروبا، وأن ضباط هذا الجيش يجب أن يأخذوا من الثقافة بنفس الخطوط التي يأخذ بها ضباط الجيوش الأوروبية وأن عدة هذا الجيش يجب أن تكافيء عدة الجيوش التي يمكن أن تغير علينا”، وهذه الأخيرة أي تسليح الجيش تقوده وتقودنا إلي ضرورة التصنيع الحربي والعسكري، أو الإنتاج الحربي بتعبيرنا الآن، بمستوي من الكفاءة لا يقل عن نظيراتها في الدول الأخري. “ومعني ذلك أننا مضطرون، إلي أن نهييء فريقا من أبنائنا لصنع ما يمكن صنعه من هذه العدة عندنا (...) وأن يكون الفنيون من أبنائنا في شئون الحرب علي اختلافها كالفنيين من أبناء الأمم التي يمكن أن تغير علينا في يوم من الأيام”.
ويستعرض آراء بعض الكتاب، الذين يتعاملون مع الحرب بعقلية الكر والفر، ويحصرون أدواتها في الخيل والسيف والرمح والدرع، هذه الأدوات بالتأكيد لم تعد تصلح لعصرنا وزماننا ولا يليق التحدث بها، ومن يفعل ذلك سوف يجد سخرية شديدة، وخلاصة القول عنده في مسألة القوة والدفاع الوطني.. “نريد أن نضارع الأمم الأوربية في قوتها الحربية لنرد عن أنفسنا غارة الغير ولنقول لأصدقائنا الانجليز بعد أعوام: انصرفوا مشكورين، فقد أصبحنا قادرين علي حماية القناة”.
هذا الوعي، وذلك الفهم، لأهمية وجود جيش وطني ودور هذا الجيش، يمكن أن يكون أحد الأسباب التي جعلت د. طه حسين كان في مقدمة المرحبين بدور الجيش وما قام به ليلة 23 يوليو 1952، فقد كان وقتها خارج مصر، وأرسل مقالا، نشر في الأهرام، صباح 26 يوليو 1952، أي قبل أن يغادر الملك فاروق مصر، وقبل أن يتنازل عن العرش، بل وقبل أن يطلب منه ذلك.
من المهم أن نتوقف عند حديث د. طه المبكر عن أهمية الجيش ودوره، وضرورة أن يكون جيشاً حديثاً وقوياً، يضارع الجيوش الأوروبية، لأنه عقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل سنة 1979، راح البعض في الخارج، في الولايات المتحدة وفي إسرائيل ثم في قطر وفي مصر، راحوا يتساءلون عن أهمية احتفاظ مصر بجيش قوي، وأنه جيش بلا مهمة، وبعد ثورة 25 يناير طرح البعض في مصر نفس الأسئلة. رغم أنه لولا الجيش ما تنازل مبارك عن السلطة ولما سقط مشروع التوريث، ولولا هذا الجيش لجري علينا ما جري علي أشقائنا في سوريا وليبيا ومن قبل في العراق..
موقع مصر، علي ملتقي ثلاث قارات، وجود قناة السويس بها، وامتلاكها تراثا وميراثاً إنسانياً وحضارياً ضخماً ، يجعلها مطمع كثير من القوي الدولية، فضلا عن القوي الإقليمية، وهذا يؤكد صحة نظرية د. طه حسين من ضرورة وجود جيش وطني قوي، فرنسا حاولت احتلالنا سنة 1798 وبريطانيا غزتنا سنة 1805 وانتصرنا عليها، ثم أمكن لها احتلالنا سنة 1882، وهاجمتنا اسرائيل وبريطانيا وفرنسا سنة 1956، وحاولت ألمانيا غزونا من الصحراء الغربية سنة 1942، حملة روميل، هذا في التاريخ الحديث، أما في التاريخ القديم، فقد غزانا الفرس “إيران” وغزانا العثمانيون “الأتراك” وفعلها الاسكندر الأكبر ، وحاول “ هولاكو أن يغزونا، وغزانا “الصليبيون”، أوروبا مجتمعة، وأتيح لهم امتلاك دمياط بعض الوقت... هل تلك المطامع اختفت وهل تغير موقع مصر أو صار بلا أهمية.؟! كلا.. موقع مصر يزداد أهمية لدي القوي الإقليمية والدولية، شهية “الاحتلال الناعم” مفتوحة لدي كثير من الدول، ولذا فنحن بحاجة، طوال الوقت إلي أن يكون لدينا جيش قوي، يمتلك أحدث الأسلحة ويقوم علي أحدث الأنظمة العسكرية وأن نمتلك القدرة علي تصنيع الأسلحة التي يحتاجها جيشنا.
ويذهب د. طه إلي أن ما يقترحه ويطالب به بخصوص بناء “الجيش القوي العزيز”، لن يكون موضع خلاف بين المصريين، بل هو عنده من الأمور المتفق عليها “هذه أشياء لا يجادل فيها مصري”، المشكلة عنده في الإمكانيات المادية “لعل حكومتنا تجد شيئا غير قليل من الألم، لأن ظروف الحياة المادية لا تمكنها من أن تحقق آمال المصريين، من هذه الناحية، علي النحو السريع الذي تريده”.
كانت ظروف مصر الاقتصادية - آنذاك - صعبة للغاية، دعك من “التوستالجيا” لدي البعض التي تصور لأصحابها أن مصر كانت أغني اقتصادياً ومالياً من بريطانيا العظمي!!
وطوال حياته، لم يتغير ولم يهتز إيمانه بضرورة أن يكون لدي مصر الجيش القوي، لذا حين وقعت هزيمة 5 يونيه 1967، ذهب كثيرون في تحليل أسباب النكسة إلي أنها بسبب التخلف الحضاري والاجتماعي، وقال البعض إنها بسبب غياب الديمقراطية، وكأن اسرائيل كانت قمة الديمقراطية، بينما وقف طه حسين وحده ليعلن أنها القوة العسكرية، ولابد من تقوية الجيش، كان ذلك في حوار أجرته معه مجلة الإذاعة والتليفزيون، وقام باجرائه الناقد والصحفي سامح كريم.
بعد القوة العسكرية تأتي القوة الاقتصادية أو ما يسميه هو “الثروة” .. يقول “نحن في حاجة إلي استقلال اقتصادي ما يشك في ذلك شاك ولا يجادل في ذلك مجادل”.. ويضيف “نحن لا نريد الاستقلال الاقتصادي لنتمتع بمشاهدته والنظر إليه. وإنما نريده لنحمي به ثروتنا وأقواتنا، كما نريد الجيش لنحمي به أرض الوطن.. ثم يقول “هذا الاستقلال الاقتصادي يجب أن يكون استقلالا اقتصادياً من الطراز الأوروبي”. ويطالب بأن “نهييء شبابنا للجهاد الاقتصادي علي نفس النحو الذي يهييء الأوروبيون والأمريكيون عليه شبابهم لهذا الجهاد..” ويحدد ذلك التهيؤ بأن “ننشيء المدارس والمعاهد التي تهييء لهذا الجهاد”.
سوف يلاحظ القاريء أن طه حسين لا يطيل الحديث في المسألة الاقتصادية، ليس لعدم أهميتها، ولكن لأن الحديث حولها كان ممتدا في مصر، منذ أيام ثورة 1919 وجهاد طلعت حرب وتأسيس بنك مصر، والأفكار حول تمصير الاقتصاد، وزيادة الثروة، وتنمية ما لدي مصر من ثروات طبيعية؛ ولكنه هنا يضع الاستقلال الاقتصادي وزيادة الثروة باعتبارهما أحد اركان الدولة والاستقلال.
ويضيف إلي ما سبق “الاستقلال العلمي والفني والأدبي”؛ وهو الذي يؤدي بنا إلي الاستقلال “العقلي والنفسي”، ذلك الاستقلال الذي يتيح لنا أن نتحدث مع الأوروبيين فنفهم عنهم ويفهمونا عنا، فلا نشعر بدونية ولا ضعف، وذلك الاستقلال يتحقق بالتعليم الحديث، أو التعليم الأوروبي، ومن أراد الاستقلال اتخذ وسائله وارتضاها، والوسائل هنا أن نكون ونأخذ بمناهج الأوروبيين.
كل ما سبق من آراء وافكار، يمكن أن نعتبرها مقدمة ضرورية أو تمهيد لازم للخوض في موضوع الكتاب، وهذا يعني أن الثقافة، كما يعنيها، ليست في فضاء منعزل، ولا هي شأن يخص القائمين بها فقط، لكنها ثقافة موجهة إلي مجتمع بعينه، هو المجتمع المصري ومطلوب أن تؤثر في المجتمعات المحيطة بنا، وهي كذلك تصــدر في وجود ورعاية دولة، هي الدولة المصرية، ولـــــذا أراد أن يحدد لنا - ابتداء - طبيعة الدولة التي يتحدث عنها، ودورها.. حدودها ومسئولياتها فالثقافة لا تعني جماعة محددة من المصريين، حتي لو كانوا القائمين بها، ولكنها تعني كل المصريين والمصريات، والدولة يجب أن تكون موجها ومسانداً، والثقافة علي هذا النحو جانب من جوانب قوة الدولة، مثلها مثل القوة الحربية (العسكرية) والقوة الاقتصادية والمالية، الثقافة هنا، قوة المعرفة والعلم .. الأدب والفن، وجميع هذه القوي يجب أن تتساند وتتضامن لتحقيق هدف نهائي هو تحقيق “الحرية الداخلية” وقوامها النظام الديمقراطي، ونيل “الحرية الخارجية” وأساسها “الاستقلال الصحيح والقوة التي تحوط هذا الاستقلال”.
> > >
يقع الكتاب في ستين فصلاً أو ستين حديثاً أملاها د. طه، تشكل جميعاً حوالي أربعمائة صفحة، بعضها تجاوز 17 صفحة، وبعضها تجاوز بالكاد - صفحة واحدة، وطوال هذه الصفحات، لن نجد تعريفاً ولا محاولة تعريف مفهوم ومعني الثقافة الذي يقصده، لكن الكتاب يربط ربطا تاما بين الثقافة والتعليم، ولعله لو اتخذ له عنوان “مستقبل التعليم في مصر” لما خرج عن مضمون الكتاب وهدفه؛ ولعله اختار العنوان الحالي، حتي لا يقع الكتاب في نطاق الفئوية، أي كتاب عن فئة المتعلمين والمعلمين وحول قطاع التعليم، ذلك أن الثقافة معناها ومفهومها أشمل وأعم، ويخاطب بها الجميع، المتعلم وغير المتعلم، وطبقاً للكتاب فإن مجموع المتعلمين في البلاد، سواء من لازالوا في المدارس والجامعات أو خارجها، هم حوالي ٢٠% من السكان، ومن ثم لو جعل الكتاب مستقبل التعليم” لاستبعد تلقائيا 80% من المصريين، أي الأغلبية الساحقة، وحرص طوال الكتاب أن يوجه حديثه إلي المصريين جميعاً.
وخيرا فعل، فلو أنه توقف عند تعريف “الثقافة” وتحديد معني إصطلاحي لها، لطال به الأمر، وربما خرج عن هدف الكتاب، الذي أراد له أن يكون خطة عمل وخطوة تنفيذية بأكثر من كونه يناقش قضايا نظرية أو فكرية محضة، هو هنا، يريد للبلاد وللشعب المصري وللدولة المصرية، النهوض والقوة ومن ثم اللحاق بالحضارة الحديثة، وأن يكون للاستقلال المنشود معني وهدف.
سوف نجد أن 12 فصلا الأولي من الكتاب، هي عن مصر عموما، تاريخها واستقلالها ومعني الدولة وأركانها، وبعدها مباشرة تدخل في فصول حول قضايا التعليم، وعددها 39 فصلا، تناول فيها التعليم المدرسي ثم الجامعي، وتوقف كذلك عند ثنائية التعليم المدني والتعليم الديني، الإسلامي منه والمسيحي، وعالج كذلك مسألة التعليم الأجنبي والتعلم الوطني.. في هذه الأمور لم يترك تفصيلة من تفاصيل العملية التعليمية إلا وقد عالجها؛ ولم يكن ذلك غريبا عليه، فقد كان طوال حياته معلما بالجامعة ولما تركها عمل بوزارة المعارف العمومية.
بعد هذه الفصول المطولة والممتعة، يتبقي 9 فصول، خصصها لما نطلق عليه - اليوم - قضايا الثقافة، أي الأدب والفن (السينما والمسرح) والإعلام (صحافة وراديو)، إذ لم يكن التليفزيون قد عرف بعد بيننا، وسوف نلاحظ أن هذه القضايا لا تبتعد لديه عن العملية التعليمية والنظام التعليمي.
> > >
كان التعليم في مصر مجانيا، بل كان أكثر من ذلك، إذ كان من يلتحق بالتعليم يستحق ما كان يعرف بالجراية، أي مواد غذائية تكفيه، وكانت تلك الجراية تأتي من التبرعات والأوقاف التي يوقفها الخيرون علي المدارس ومعاهد العلم، ولم تكن الدولة تتكلف شيئا من ميزانيتها للتعليم، كان الوقف يكفيه، مرتبات الشيوخ والمعلمين وتجديد المدارس إذا لزم الأمر والجرايات للتلاميذ، ولما أدخل محمد علي التعليم الحديث إلي مصر، ظل كذلك مجانيا، بل كانت بعض المدارس تتسلم الطلاب “داخليا”، أي لا يعودون إلي بيوتهم يوميا، كان لهم مبيت بالمدارس، وكان ذلك بالمجان، حتي وقع الاحتلال البريطاني إلي مصر، فارتبكت أمور كثيرة في الحياة والثقافة، بل والعقل المصري كذلك. وكان من جراء ذلك أن التعليم لم يعد مجانيا، إلا في الأزهر الشريف؛ وحاول البريطانيون أن يحلوا اللغة الإنجليزية مكان العربية في التعليم، وتصدي لهم المصريون، فاكتفوا بأن تكون اللغة الانجليزية مساوية للعربية في التعليم، من المرحلة الأولي، الابتدائية، وبعد ثورة 1919 تواصل النضال المصري، وتمكن نجيب الهلالي باشا أن يجعل التعليم الأولي أو في المرحلة الابتدائية مجانيا، وفتح ذلك أبواب الأمل أمام كثير من المصريين لدخول التعليم، ومع د. طه حسين وهو وزير للمعارف في سنة 1950، صار التعليم قبل الجامعي، كله بالمجان وفي عام 1958، اتخذ جمال عبدالناصر قراراً بجعل التعليم العالي كله بالمجان أيضا.
يريد طه حسين للدولة أن تتولي هي الإشراف بالكامل علي العملية التعليمية، هي التي تضع المناهج وتراقب تنفيذها والالتزام بها، ودافعه إلي ذلك عدة أمور، أهمها أن المصريين بين أمرين، أغلبية لم تتعلم ويجب علي “الديمقراطية” أن تقوم بتعليمها، وأقلية متعلمة، وتلك الأقلية خضعت لنظم مختلفة، في التعليم، تعليم رسمي “أميري” وتعليم أهلي وتعليم أجنبي، مدارس إنجليزية وأخري فرنسية، في تلك الفترة، وهناك التعليم المدني وآخر ديني وثالث بين بين مثل “دار العلوم”، وبرأيه أن هذا التنافر بين أنواع ونظم التعليم في مصر، كان يمكن أن تمزق الوطن والمجتمع، لولا أن مدخل الوحدة الوطنية أقوي وأعمق. ولكن هذا التباين التعليمي يحتاج إلي أن تتدخل الدولة لتؤسس نظاما ومناهج يتم الالتزام بها، لتكوين المواطن والإنسان المصري، في عهد الاستقلال والحرية.
هذا المواطن، الذي نريده، يجب أن يدرس منذ مراحل التعليم الأولي، عدة مواد ابتداء من اللغة العربية، باعتبارها لغتنا الوطنية والقومية، ذلك أن هناك مدارس أجنبية لم تكن تهتم بتدريس هذه اللغة، ومن ثم نكون بإزاء خريج أو متعلم لا يعرف لغة بلاده ومن يتابع تعليمنا الآن، سوف يجد تلك الظاهرة مستشرية مع انتشار المدارس والتعليم الأجنبي، هناك خريجون الآن، لا يستطيع أن يكتب أحدهم كلمة واحدة بالعربية، وصلت أن بعضهم يكتب الكلمات العربية بالحروف الأجنبية، في زمان طه حسين كانت المدارس الأجنبية ما بين فرنسية وانجليزية، الآن أضيف إليها الألمانية والروسية والصينية واليابانية وغيرها وغيرها.
غير اللغة العربية، يجب دراسة التاريخ المصري، من أقدم العصور، حتي أحدثها، دون تجاهل لفترة أو حقبة، فلابد للمتعلم وللمثقف، أن يعرف ويدرس تاريخ بلاده ويعي جيداً تاريخ وطنه، وعنده أن الطفل في المرحلة الأولي يمكن أن يتلقي دروسا عامة في التاريخ، وكلما صعد في المستوي التعليمي يدرس مزيدا من التفاصيل، التاريخ والوعي به مهم في بناء الشخصية الوطنية.
ولا يكتمل الوعي بالتاريخ، دون دراسة الجغرافيا، ومن ثم وجب للتلميذ أن يدرس جيدا جغرافية بلاده، ويلم بحدودها إلماماً علمياً دقيقاً.
وهناك أخيرا، الدين، ويقصد هنا، الدين الإسلامي، فهو أحد مقومات الشخصية والوطنية المصرية، ومن ثم وجب أن يدرسه الطالب في المدارس، دراسة متعمقة، منذ المرحلة الأولي، هذه المواد الأساسية، يجب أن تلتزم بهـــا جميع المدارس، بما فيها المدارس الأجنبية، وأن تلزمها وزارة المعارف - التربية والتعليم - بها.
ولا يجد غضاضة في أن تتم مطالبة المدارس الأجنبية في مصر، أن تقوم بتدريس الدين الإسلامي لطلابها، صحيح أن هذه المدارس تقوم، بعضها، بتدريس الدين المسيحي، ويجب أن يتم التأكد أن تدريسه ليس بغرض التبشير، حتي بين الأقباط المصريين، بل بالغرض العلمي والمعرفي، ومطالبة تلك المدارس بتدريس الإسلام، سوف يكون صعبا عليها، ولكن يجب أن يعلموا أن إقرار الدولة بعمل هذه المدارس علي أرضها، كان صعبا علي السيادة الوطنية، وأننا سمحنا لهم وهم أجانب بالعمل والتواجد علي أرضنا وفي بلادنا، لكن عليهم كذلك أن يدركوا أن الدين الإسلامي أحد مقومات الشخصية الوطنية في بلادنا، ومن ثم وجب أن نلزمهم بتدريسه.
كان واضحا في ذلك كله، يقول “أنا أعلم أن كثيراً من المدارس الأجنبية ستجد شيئا غير قليل من المشقة في قبول هذا النحو من التفكير والإذعان لهذا النحو من المنطق، ولكنه مع ذلك التفكير المستقيم والمنطقي الذي لا مندوحة عن الإذعان له؛ إن كنا نريد إن نأخذ الأمور بالجد والعزم، وأن نوحد العقلية المصرية لنكون الوحدة الوطنية علي النحو الحديث”.. ويقول أيضا “جملة الأمر أن الدولة يجب أن تشرف علي المدارس الأجنبية في هذه الحدود، تتكفل لأبنائها الذين يدخلون هذه المدارس ما تكفله لأبنائها الذين يدخلون المدارس الوطنية من التعليم الصحيح للغة القومية والتاريخ القومي والجغرافية القومية والدين القومي، مادامت الدولة لم تذهب مذهب الذين يؤثرون التعليم المدني الخاص”.
وينبه إلي أنه لا يريد بذلك أن يكون التعليم بمختلف مدارسه، صورة نمطية متشابهة، مكررة من بعضها، تقدم للمجتمع، شخصية جامدة، مقولبة، هو مع تنوع التعليم، في التنوع، والتعدد خصوبة وثراء، لكنه يتحدث عن الحدود الدنيا أو المشتركات العظمي، التي يجب أن تكون في مدارسنا جميعها، يقول “.. لا أريد أن تكون المدارس كلها في مصر متشابهة متوافقة، تصب في قالب واحد، وتصوغ الشباب صيغة واحدة. وإنما أحب أن يكون بينها شيء من التنوع والاختلاف، في المناهج والبرامج والنظام، ولكن بشرط أن تتفق كلها في مقدار من المناهج والبرامج، هو الذي يكفل تكوين الشخصية الوطنية في نفس التلميذ، ويركب في طبعه الاستعداد لتثبيت الديمقراطية وحماية الاستفلال”.
> > >
وهذا يضعنا أمام سؤال كبير، حول التعليم الديني في مصر، تحديداً التعليم الأزهري، ذلك أن ما يتردد بين كثيرين أن د. طه كان معاديا للأزهر وللتعليم الأزهري، يقول بذلك كثير من رجال الأزهر إلي يومنا هذا، ويؤمنون به، ويلقنونه للأجيال الجديدة من طلاب الأزهر ومن غيرهم.. فهل كان ذلك صحيحاً..؟
كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” ينبئنا بعكس ذلك تماما، كان الرجل محبا للأزهر وحفيا به وبتعليمه، وكان حريصا عليه.. وإذا كان ذهب في كتابه إلي أن الدين مقوم أساسي من مقومات الشخصية الوطنية، فلابد إذن أن يكون حريصا علي الأزهر، ولم يكن حرصه هذا من باب المجاملة ولا ذر الرماد في العيون، أو تجنبا للقيل والقال، بل كان صادقاً، فيما يقول ومقتنعا به، يكتب “.. كانت مصر ملجأ للتعليم الديني الإسلامي حين انحسر ظله عن كثير من الأقطار الإسلامية، وكانت مصر معقلا للإسلام حين عجز عن حمايته كثير من بلاد المسلمين.. “ثم يضيف” هذا مجد تليد لمصر لا ينبغي أن تفرط فيه أو تقصر في ذاته. بل ينبغي أن تحوطه وتنميه، وأن تصبح كما كانت في العهود القديمة موطن الهدي، ومشرق النور للبلاد الإسلامية كافة”.
هو يريد للتعليم الأزهري، خاصة في المعاهد الأولية والثانوية، أي التعليم قبل الجامعي، أن يخضع لاشراف الدولة، وزارة المعارف العمومية، وأن يلائم ذلك التعليم حاجتنا الوطنية، أي لا يقدم التعليم الديني فقط، بل لابد معه من دراسة التاريخ والجغرافيا، كي يكون متناغما مع التوجه العام وهو “تكوين الوحدة العربية من جهة، وإلي تثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال من جهة”.
ولا يعتبر ذلك تدخلا في الأزهر ولا انتقاصا منه، كما أنه ليس اعتداء علي حرية الأزهر، فمادام الأزهر أراد أن يخوض التعليم، قبل الجامعي، فعليه أن يلتزم بالتوجه الوطني العام، أما حين يصل الأمر إلي جامعة الأزهر وكلياتها ، فلها الحق والحرية في اختيار مناهجها وعلومها الفقهية والشرعية.
ويناقش قضية أخري، وهي أن شيوخ الأزهر قد لا يتقبلون الوطنية والقومية بمعناها الحديث، ويذكر أنه استمع في الراديو إلي الشيخ الأكبر يتحدث إلي المسلمين في إحدي المناسبات الدينية ويقول لهم إن “محور القومية يجب أن يكون القبلة المطهرة”، وعنده أن هذا القول صحيح تماما، حين يتحدث شيوخ من شيوخ المسلمين إلي المسلمين، ولكن شباب الأزهر، والجيل الجديد، يجب أن يتعلموا منذ الصغر أن “هناك محور آخر للقومية ولا يناقض المحور الذي ذكره الشيخ الأكبر وهو محور الوطنية التي تحصرها الحدود الجغرافية الضيقة لأرض الوطن”.
ويستطرد في مناقشة هذه الفكرة، والحق إننا بحاجة إلي أن نعيد التذكير بها، ليس بخصوص الأزهرالشريف، فشيخ الأزهر الآن، من أشد المدافعين عن الدولة الوطنية، ولكن بخصوص أولئك الذين طلعوا علينا من مجاهل التاريخ، ينكرون علينا وطنيتنا ويرفضون الاعتراف بالجغرافيا الطبيعية لكل وطن ولا تاريخه، ويريدون لنا أن ننكر ذلك كله ونعود إلي ما يسمي دولة الخلافة، فإن لم تكن لنذهب إلي دولة الطوائف ومجتمع الملل والنحل.
وخلاصة القول، لدي طه حسين، فيما يتعلق بالأزهر ، يوجزه في العبارة التالية “ وأعوذ بالله أن أريد الانتقاص من حقوق الأزهر، وإني أريد أن نلائم بين هذه الحقوق وبين النظام الديمقراطي الصحيح، وألا يكون الأزهر دولة في داخل الدولة، وسلطانا خاصا يستطيع أن يطاول السلطان العام وبنائه”.
وفي بحثه عن التعليم الديني، لا يتوقف عند الأزهر والتعليم الإسلامي فقط، بل يمتد كذلك إلي التعليم الديني القبطي، وينطلق هنا من أن “ الكنيسة القبطية مجد مصري قديم، ومقوم من مقومات الوطن المصري، فلابد من أن يكون مجدها الحديث ملائماً لمجدها القديم..”ويلاحظ، عن حق، أن الكنيسة القبطية يمتد نفوذها ونطاق عملها إلي خارج مصر، فهي “مصدر الثقافة الدينية لأوطان أخري غير مصر، فيجب أن تصدر لهذه الأوطان ثقافة دينية تلائم حاجتها الحديثة أيضا..”؛ وبناء علي ذلك كله فإن “الدولة المصرية والكنيسة القبطية يجب أن تتعاونا علي إصلاح التعليم الديني المسيحي وتنظيم المعاهد التي تخرج القسيسين والرهبان”.
وهناك مهمة أخري، يجب أن تنجزها الدولة والكنيسة معاً وهي “الملاءمة بين هذه المعاهد الدينية الخالصة ومعاهد التعليم المدني بحيث تفتح لطلاب المعاهد الدينية المسيحية أبواب الحياة المدنية إن أرادوا أن ينهضوا بأعبائها كما طلبنا ذلك بالقياس إلي الأزهر والأزهريين”.
ويؤسس مطالبته باصلاح التعليم القبطي وتثقيف رجال الدين الأقباط، علي أن الأقباط “مصريون يؤدون الواجبات الوطنية كاملة كما يؤديها المسلمون، ويتمتعون بالحقوق الوطنية كاملة كما يتمتع بها المسلمون”، وهم أيضا لهم علي الدولة نفس الحقوق التي تقدم وينالها المسلمون، والأهم من ذلك أن الدستور المصري - دستور 1923 -  الذي نؤمن به جميعا، قرر أن المصريين سواء في الحقوق والواجبات ولم يفرق في هذه المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، وهذا الأمـــر الـــذي يراه واقعا فعليا (٢)، ويؤكده الدستور بغرض أن يشترك المصريون جميعا في مقومات الوحدة الوطنية ولذا “لابد من أن تنفرد طوائفهم الدينية بما لابد من أن تنفرد به من التعليم الديني الخاص”.
وكأن طه حسين هنا، كان يري ما هو قادم علي المجتمع المصري من احتدام طائفي، عانيناه منذ سنوات السبعينيات، ولذا راح يركز ويلح علي مدي التعامل والترابط بين المسلمين والأقباط، سوف نلاحظ أنه لم يستعمل التعبير، الذي ابتذل لعقود عن “عنصري الأمة”، فهو لم يكن يري ذلك، ولم يكن يتخوف من التعليم الديني، الإسلامي والقبطي، ويعلن بوضوح “هو لا يمس الوحدة الوطنية ولا يعرضها لخطر ما، ولعله يعين علي تقويتها وتذكية جذوتها”.
الاختلاف بين المسلمين والأقباط، لا يهدد الوحدة الوطنية ولا يمسها، بل هو تعميق لها وإغناء ، أنه “أشبه بهذا الاختلاف الذي يكون بين الأنغام الموسيقية فهو لا يفسد وحدة اللحن، وإنما يقويها ويذكيها، ويمنحها بهجة وجمالاً”.
ولم يشأ أن يدخل في تفاصيل التعليم القبطي، بل تركه للدولة تستشير فيه المدنيين ورجال الدين من الأقباط، لتصل به إلي المستوي اللائق.
ولم يتردد في أن يعاتب المثقفين الأقباط، في أمر تحدث فيه مع بعضهم كثيرا، وهو ترجمة الكتاب المقدس إلي اللغة العربية والصلوات التي تقام باللغة العربية في الكنائس أو في بعض الدور واحيانا في بعض الفنادق، فقد لاحظ أن لغة القسس العربية ، لا تكون صحيحة النطق في حالات كثيرة، أو بتعبيره هو “لغة عربية محطمة اقل ما توصف به أنها لا تلائم كرامة الدين لها مهما يكن ولا تلائم ما ينبغي للمصريين من الثقافة اللغوية” ويذكر أنه ألح وصارح بعض كبار الأقباط في وجوب العناية بالترجمة الصحيحة النقية لكتبهم المقدسة إلي اللغة العربية وفي تعويد القسيسيين النطق الصحيح النقي بهذه اللغة”.
والواقع ، كما يراه، أن اللغة العربية لغة المصريين جميعا، وليست لغة المسلمين وحدهم ، وهي اللغة القومية والوطنية لها، ومن ثم وجب أن نحسنها جميعا ونتثقف بها كلنا.
وسوف يقال إن اللغة العربية، ليست اللغة الأصلية للتوراة وللإنجيل، وهذا صحيح، لكنهما أيضا لم  يتنزلا باللغة اللاتينية واليونانية، ومع ذلك ترجما إليها ترجمة صحيحة، وترجما كذلك إلي الإنجليزية والفرنسية، ترجمة صحيحة وأيضا جميلة وعذبة، وهو يريد أن يكون نفس الأمر باللغة العربية.
ما كتبه د. طه حول الأقباط والمسلمين والعلاقة بينهم، في هذا الفصل، يستحق أن يقرأ اليوم بتدقيق وإمعان فكأنه كتب إلي لحظتنا تلك وعنها.
> > >
ويتوقف طه حسين أمام مشكلة تهز النظام التعليمي وتهز المجتمع كله، هذه المشكلة ماتزال قائمة إلي اليوم، وتفاقمت أكثر وأكثر، ولم نصل إلي حل فيها بعد، رغم مرور ثمانية عقود علي تناول د. طه لها، وهي مشكلة الامتحانات، هو يراها “عسيرة إلي أبعد حدود العسر” وسخيفة إلي أقصي غايات السخف. “ويضيف إلي ما سبق أنها قد أصبحت خطراً علي التعليم وعلي الأخلاق وعلي السياسة، وعلي أشياء أخري..”
والأصل لديه أن الامتحان وسيلة لا غاية، وسيلة يتحدد بها انتقال الطالب من سنة إلي أخري، ومن مرحلة إلي مرحلة ، لكن عندنا تحول الامتحان إلي غاية بحد ذاتها، صار التلميذ يدرس ويتعلم ليخوض الامتحان، لا ينمي معارفه وعقليته، وصار المعلم يؤدي دوره علي هذا الأساس، وكذلك الأسر أيضا، وهذا جعل التلميذ لا يهتم بغير الدروس المقررة التي يجب أن يستظهرها، ولا يهتم بالقراءة العامة، وكذلك صار حال المعلم، لذا تراجعت القراءة وحرية الاطلاع، ولم يعد المعلم ولا التلميذ يهتم بأن يتعرف علي إنتاج الكتاب والعقول، ومن ثم أضر هذا النمط من التعليم بالثقافة والأدب، والمعرفة عموماً، لذا في وقت ما كنا نجد كثير من المعلمين لهم إنتاج أدبي ومعرفي وعلمي، في صورة مؤلفات وإبداعات، أو ترجمات لكنهم حين تحرلوا إلي غاية الامتحان، تراجع ذلك كله، وتراجع إنتاجهم.
انتقلت سلبيات هذا النمط التعليمي إلي الأخلاق الخاصة والعامة أيضا، أخلاق التلميذ والمعلم والمجتمع كله، حيث فتح باب “الغش”، وربما لم يكن الغش سنة 1938، علي النحو الذي شاهدناه في السنوات الأخيرة، حيث تحول إلي “غش جماعي” وليس حالات فردية، وتقف خلفه عصابات، حققت أرباحاً ضخمة، وفي العام 2016 وجدنا غشا جماعيا بامتحان الثانوية العامة في مادة التربية الدينية، رغم أنها لا تضاف إلي المجموع، ولم يحدث أن رسب طالب في الثانوية العامة طوال تاريخها بسبب هذه المادة، ومن ثم لا مبرر للغش فيها، لكن يبدو أنه صار معتاداً، ويقصد لذاته، ولم يعد بعض  الطلاب ولا بعض أولياء الأمور والأسر تجد فيه غضاضة، هذا هو الفساد الأخلاقي بعينه.
غير أن الغش الأخطر في العملية التربوية والتعليمية، كما يراه طه حسين، هو أن يتحول عمل المعلم في المدرسة وكذلك التلميذ إلي التدريب وتكوين الطالب من أجل يوم الامتحان فقط؛ فيحددون دروسا بعينها سوف يكون الامتحان منها، هي التي يتم استذكارها دون غيرها، ثم يعدون لهم كتبا بها نماذج لأسئلة الامتحانات، والكتب المساعدة التي تركز فقط علي إعداد التلميذ ليوم الامتحان وليس لتكوينه علميا وإعداده معرفيا، وهو يعتبر كل ذلك غشا في العملية التعليمية، وهو مفسد للتعليم وللأخلاق.
وامتد هذا الغش إلي العملية السياسية كلها، فنحن في عصر الديمقراطية، وفي النظم الديمقراطية يجب علي الحكومة أن ترضي الشعب ولا تغضب المواطنين، ومن ثم فإن الحكومة تتجنب إغضاب الناس، بأن تتصدي لمثل ذلك الذي يحدث في التعليم، بل إنها أحيانا تتدخل لرفع نسبة النجاح في التعليم بالشهادات العامة، كي تتجنب غضب الرأي العام وعموم المواطنين.
ما نبه إليه وشكا منه سياسيا د. طه حسين استمر بعد ذلك، حكي ذات مرة د. مصطفي كمال حلمي، وكان وزيرا للتعليم زمن الرئيس السادات، أنه بعد حرب أكتوبر 73، وفي امتحان الثانوية العامة، كانت الصحف تحدثت عن شكاوي الأسر والطلاب من صعوبة الامتحان، فاتصل به الرئيس موجها له أنه يريد أن “ينبسط الناس” فكان أن أضيفت درجات رأفة للطلاب وارتفعت نسبة النجاح، وفي نفس السنة بمكتب التنسيق، تقرر أن تقبل بعض الكليات مثل دار العلوم والتربية وكلية التجارة في بعض الجامعات الإقليمية وكذلك الحقوق الطلاب الذين حصلوا علي 50% في الثانوية العامة.
وقد وجدنا وزراء تعليم أقيلوا بسبب نتيجة الثانوية العامة، إذا جاءت النتيجة مخيبة آمال الأسر في أبنائهم وبناتهم، وهكذا كان بعض الوزراء يحاولون تجنب هذا الغضب، بعدم تحدي رغبة الطلاب وأسرهم، في أسئلة الامتحان والتصحيح وإضافة ما يسمي درجات الرأفة، أي حين يجد القائمون علي العملية التعليمية أن نسبة النجاح ليست مرتفعة، في مادة معينة يتقرر منح الطلاب الذين لم ينجحوا، درجات تمكنهم من النجاح، ومن أسف أن ذلك انتقل إلي الجامعات أيضا.
يقول د. طه “أنا أعلم أن الامتحان شر لابد منه، ولكن الغريب إننا لا نتخفف من هذا الشر، ولا نكتفي منه بأقل قدر ممكن، وإنما نتزيد منه ونثقل به المعلمين والمتعلمين، فنضطرهم إلي الشر ما وسعنا ذلك”.
> > >
ويعترف د. طه قرب نهاية الكتاب، بأن الثقافة ليست محصورة في المدارس والمعاهد فقط، لكنها أيضا خارجها، وتتمثل في مواقع عديدة، هناك الأدباء والشعراء الذين يقدمون إنتاجا أدبياً إلي الناس يقرأونه، فتزيد معارفهم ويزداد تذوقهم وإحساسهم بالجمال والفكر، وهناك مجالات مثل السينما والمسرح والصحافة، والراديو، وكان حفيا بفن “التمثيل” ويبدي تخوفه علي فن التمثيل من السينما.
وهو يطالب بالحرية للأدباء وللكتاب في الكتابة والتعبير، ويعترف بأن للحرية “شرها أحيانا ولكن لها خيرها دائما، ونفع الحرية أكثر من ضرها علي كل حال”، وينتقد بعض القوانين التي تتشدد في مصادرة الأدب، هذا التشدد في القوانين تجاه حرية الأدب “لا تحمي الفضيلة وإنما تحمي الرذيلة وتخلي بينها وبين النفوس”.
تشدد طه حسين في الدفاع عن حرية الأدب والأدباء، أو حرية الكتاب، وعنده أن كثيرا من الظـواهر السلبية في حياتنا، لو ترك للكتاب حرية التناول والتحليل، فهم قادرون علي كشف مخاطرها، ومواجهتها، وهو لا يقر تلك الحرية بالنسبة لفن السينما، وإنما يطالب بقدر من الرقابة علي السينما، وذلك لأسباب عدة، أهمها أنه فن طاريء علينا، ويأتينا من الخارج، علي الأغلب، وما نستحدثه منه في بلادنا أقل مما نستورده من الخارج “وإذا كانت أوروبا نفسها علي حريتها تشكو من خطره علي الذوق والخلق، فأحري بنا أن نحتاط منه للذوق والخلق، وأن نراقبه مراقبة دقيقة وألا نبيح عرضه إلا إذا وجدنا منه الخير وأمنا من شره علي أقل تقدير”.
ومعني هذا أن الرقابة علي الأفلام سوف تكون قبلية، أي قبل العرض لتتأكد من خلو العمل من الشر، والمقصود هنا الشر الأخلاقي والإضرار بالذوق، ويضيف كذلك في سياق آخر، عدم الإضرار بما يكتبه الكاتب وبفن التمثيل ذاته، وهو الفن الذي يجب أن نحرص علي تنميته وتقويته، لأن فيه إحياء للأدب من ناحية وترقية صحيحة للذوق من ناحية أخري.
وهو لا يريد للرقابة أن تكون رقابة إدارية أو بيروقراطية، متشددة وغبية، لكنه يطالب أن يوكل ذلك إلي “هيئة مثقفة ترتفع عن التحكم والجور، وتتنزه عن الرجعية والجمود”.
ويلاحظ قلة إنتاج المثقفين المصريين، في كثير من المجالات، ومع ذلك، هو لا يؤاخذ المثقفين والأدباء بذلك، لأنهم يعملون في بيئة “معادية للثقافة” ولا تقدر الثقافة حق قدرها، ويتمني علي الشعب والدولة أن يتعاونا معا لمساعدة الأدباء، كي يتواصل الإنتاج ويزداد “يجب أن نلتمس الأسباب التي اضطرتهم إلي قلة الإنتاج وأن نطبه لهذه الأسباب إن كان إلي الطب لا سبيل”.
ولا يخفي إعجابه بهؤلاء “من المثقفين المصريين” الذين بذلوا جهد كبيرا، وتحملوا المعاناة البالغة ما لا يدركه ولا يشعر به من عاصرهم، لكن التاريخ سوف يقدره لهم، ما بذلوه وما قاموا به، هؤلاء وجدوا وتكونوا في بيئة معادية للثقافة وممانعة لها، قاومهم السلطان وقاومهم الشعب أيضا، السلطان تخوف منهم، ورأي منهم دعاة الحرية والاستقلال، وهو يقسم السلطات إلي نوعين، ظاهر وخفي، ولعله قصد بالظـاهر، الحاكم الذي عرفه الناس، والخفي فهو المحتل البريطاني، أما الشعب فإنه لم يفهم عنهم؛ ومن ثم رفضهم أيضا.
ولم يسم لنا أحد من أولئك المثقفين، ويحددهم بأنهم بدأوا بأنفسهم، فتحرروا من كثير من التقاليد الثقيلة والغليظة، حتي اعتبرهم المحيطون بهم “شذاذاً”، ورغم هذا الاعتراض وتلك الممانعة، لم يتراجعوا ولم يضعفوا، بل واصلوا طريقهم، حتي كتب لهم النصر في النهاية، ولعله هنا يشير إلي أسماء مثل قاسم أمين، ولطفي السيد، وقبلهما الأستاذ الإمام محمد عبده.
وأهم ما قام به ذلك الجيل من المثقفين، أنهم حولوا الكتابة والأدب والثقافة، من أن تكون وسيلة للتكسب ونيل القوت اليومي، بمديح السلطات تارة والأغنياء تارة أخري، يسترضونهم، ويمجدونهم، فينالون منهم بعض ما يقيم أودهم، ويعينهم علي الحياة، وتلك هي المدرسة القديمة في الأدب والثقافة، الوقوف علي باب الأغنياء والموسرين وأبواب السلاطين والمسئولين.
أما المدرسة الجديدة، فقد هجرت تلك الطرق والأساليب، ابتعدوا عن قصور السلاطين والحكام وبيوت الموسرين والأغنياء، وأثروا الكرامة والحرية والتعبير عن رأيهم هم ومشاعرهم هم؛ هؤلاء اتخذوا لأنفسهم طريقا آخر، هو الاستمتاع العقلي والشعوري بالثقافة والأدب، ثم إيقاظ الوعي الشعبي، وتنبيه الناس إلي ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وما يجب أن يكون لهم من كرامة واستمتاع بالحرية وبنيل الاستقلال، ورفض الاستبداد والظلم، وإشراك الشعب فيما يستمتعون به من أدب وفكر وإبداع وفن.
هؤلاء رفضوا أن يكون الأدب والفكر سلعة في بيوت الأغنياء، لها ثمن محدد، يبذل للأديب شاعراً أو كاتبا، وقرروا أن يجعلوا الأدب غذاء لعامة الناس، وكان أن تحول الأغنياء لاسترضاء هؤلاء المثقفين والمبدعين، وهكذا نجاح هؤلاء الكتاب؛ ونظير ما يقومون به يجب أن تدعمهم الدولة وكذلك الشعب.
ويذكر أنه هو ومن جايله أدركوا ذلك العهد، وذلك الجيل، الذي سوف يقدر له التاريخ ما قام به وما قدمه للفكر وللأدب.
ويختتم د. طه حسين كتابه بسؤال مهم: هل لدينا ثقافة مصرية خالصة .. ثقافة وطنية..؟! وإجابته بلا تردد، نعم لدينا ثقافة وطنية مصرية، وإن كانت ماتزال ضعيفة بعد، ولكنها قائمة وموجودة.
وهو يدرك أن كثيرين في أوروبا لا يستريحون لمفهوم الثقافة الوطنية، بالنسبة لأي بلد، لأنهم يريدون للثقافة أن تكون إنسانية في المقام الأول، ولا يمكن لأحد أن يجرد الثقافة من بعدها الإنساني، وقضايا الإنسان، لكنها أيضا تخص مجتمعا وثقافة بذاتها، فالمواطن في إفريقيا له قضايا وهموم ليست نفسها التي لدي المواطن في آسيا أو أوروبا.. والثقافة كذلك تقوم علي الفرد، المبدع الذي يقدمها، وتنسب إليه، ولا يمكن لأحد أن ينكرها عليه، ويضرب مثلا بالموسيقار بيتهوفن، فلا أحد يمكنه أن يخرج بيتهوفن من تلك الموسيقي وينسبها إلي بلد معين، هذا كله صحيح وقائم، ومع ذلك يبقي للثقافة الوطنية وجود ودور.
وتقوم ثقافتنا الوطنية علي الترث والحضارة المصرية القديمة، بكل جوانبها، وكذلك تراثنا وحضارتنا العربية والإسلامية، وكانت مصر فيها رائدة ومتميزة، وظلت كذلك إلي أن وقع الغزو العثماني سنة 1517، والذي قام بتعطيل وتجميد تلك الحضارة، وعزل مصر عن العالم الخارجي، وخاصة أوروبا، فلم يعد هناك اتصال بيننا وتقدموا هم، وبقينا نحن حيث كنا، وتقوم تلك الثقافة أيضا علي واقعنا ومحاولة النهوض في تاريخنا الحديث والمعاصر، والتي نحاول فيها استعادة القيام بدورنا الثقافي والحضاري.
وتعتمد هذه الثقافة علي الاعتدال المصري المعهود، الاعتدال في الشخصية والمزاج، والاعتدال في الاعتقاد وفي التفكير وفي السلوك.
> > >
هذا الكتاب يختلف عن كل كتب د. طه حسين، سواء منها ما صدر قبله أو وبعده وإلي آخر حياته، ليس فقط في موضوعه، ولكن في طريقة تفكيره، في كتبه جميعا، كان د. طه هو الأديب المبدع حينما (دعاء الكروان والحب الضائع وغيرها) أو هو الباحث المدقق علي وبنوه .. حافظ وشوقي وغيرهما، وأحيانا هو المصلح الاجتماعي في ثوب أدبي، والمتمرد علي أوضاع المجتمع، كما في “المعذبون في الأرض” و”شجرة البؤس”.
في “مستقبل الثقافة..” نحن بإزاء الكاتب والمفكر الطموح، الجرئ في طرحه لما يراه وما يعتقد فيه، وكذلك نحن بإزاء “رجل الدولة”؛ هنا في صفحات هذا الكتاب يبدو رجل الدولة بأوضح وأقوي ما يكون، هو كتب كتابه بهذا المعني ، لاننسي أنه كان مسئولا وقتها وقبلها بوزارة المعارف العمومية، وقد وضع كتابه بهذه الصفة أيضا، رجل الدولة هذا لن تنقطع صلته بوزارة المعارف، فسوف نجد الوزارة سنة 1942 وعلي عهد وزيرها د. محمد حسين هيكل باشا، تعهد إلي طه حسين بتأسيس جامعة الأسكندرية، وكان اسمها جامعة فاروق، فيقوم بالمهمة خير قيام، ويتحمل هو شخصيا الكثير من المعاناة في سبيل ذلك.
 يقترح د. طه في مستقبل الثقافة، علي الحكومة المصرية أن تنشئ مدارس عربية في فلسطين وسوريا ولبنان، فإنه هنا “رجل الدولة”، الذي يدرك مخاطر وجود مدارس أجنبية في هذه البلدان الثلاثة المجاورة لمصر، والتي يعتبر أن عقلياتها أقرب ما تكون إلي العقلية المصرية، والحق أن ذلك الاقتراح كان قد حمله، قبل عشر سنوات من هذا الكتاب إلي وزير المعارف علي ماهر، وكان د. طه قد حضر مكلفا من الوزير مؤتمرا للآثار بهذه البلدان، يومها ابتسم وزير المعارف وأنبأه أن سلطات الاحتلال البريطاني لن تمكن مصر من ذلك، أما وقد تحررنا بفعل المعاهدة، فهو يعيد تكرار وطرح ذلك الاقتراح.
وحديثه في فصول الكتاب عن المدارس الأجنبية وضرورة أن تشرف الدولة المصرية علي ما يقدم فيها من مواد لأبنائنا وبناتنا، هو هنا يتحدث كرجل دولة قبل أن يكون مفكراً وباحثاً، ولنتذكر أنه في تلك الفترة، كان هناك فريق وإن كان ضعيفا، من حيث العدد، يردد ويصيح بأن العلاقة بين مصر وانجلترا، لن تنقطع وأنها أقرب إلي “الزواج الكاثوليكي” وصدرت كتب ومقالات تندد وتسخر بأولئك الذين يطالبون بالاستقلال وخروج انجلترا نهائيا من مصر، وكان في رأي هؤلاء أن مصر نهضت إدارياً وماليا تحت الإنجليز، ولذا لا يجب أن يخرج الإنجليز من هنا وأن لا نغادرهم نحن، وهؤلاء كانوا من علية القوم وكانوا من المؤثرين في صناعة القرار المصري، كانوا من المقربين جدا إلي “قصر الدوبارة” مقر المندوب السامي البريطاني، السفارة البريطانية بعد معاهدة 1936.
ولعل هذه الأخيرة تلفت النظر إلي تهافت القول من خصوم د. طه حسين أنه أراد بهذا الكتاب أن يخضعنا للسيطرة الأوروبية، وكان هو يسخر من ذلك الاتهام، إذ كيف يفعل ذلك وهو يجاهد ويناضل لننال الاستقلال كاملا ونتخلص نهائيا من الاحتلال البريطاني ، وموقفه واضح، جلي في ذلك منذ ثورة 1919.
الكاتب ورجل الدولة، هذا، سيصبح وزيرا للمعارف سنة 1950. في آخر حكومة للوفد، ويستمر في موقعه عامين بالضبط، إلي أن تتم إقالة الحكومة كلها بعد حريق القاهرة، ويري هو الخطر المحدق بالدولة عموما وبه شخصيا، اتهمت الحكومة بأنها تسببت في حريق القاهرة بسبب تبنيها مطالب “شيوعية” مثل مجانية التعليم، ولم يكن غيره هو الذي آثار قضية المجانية، وتردد الاتهام صامتا في كواليس الديوان الملكي، لكنه صار عاليا علي صفحات بعض الصحف في ذلك الزمان؛ ولعل ذلك كان أحد الأسباب - إلي جوار أسباب أخري عديدة - التي دفعت طه حسين إلي أن يرحب مبكرا بما جري في مصر يوم 23 يوليو 1952، في مقال يرسله من أوروبا. ينشر صباح 26 يوليو 1952، بالأهرام، يعبر في المقال أن ما جري ليلة 23 يوليو. هو “ثورة” وكان هو أول من أطلق ذلك المسمي، حتي قبل أن يخطر المسمي لدي اللواء محمد نجيب نفسه وبقية زملائه.
وبعد..
هذا الكتاب وضعه الأستاذ العميد، قبل ثمانية عقود بالتمام والكمال، وأي تقديم وأي دراسة له، لن توفيه ما يستحق، وضع د. طه حسين الكتاب في لحظة من الانتصار الوطني، كانت مصر فازت بمعاهدة “الشرف والاستقلال”، وصحيح أننا لم نكن نلنا الاستقلال كاملا، لكن كان هناك تفاؤل شديد بامكانية استكمال ما بدأناه وتحقيق الاستقلال كاملا، وامتد التفاؤل إلي ضرورة الفوز بما يمليه علينا هذا الاستقلال من بناء مؤسسات الدولة الوطنية.. المدينة الحديثة، وتحقيق النهوض الاقتصادي والتعليمي والثقافي، وكذلك تحقيق الديمقراطية، وكان يسميها الاستقلال الداخلي، وها نحن اليوم نمر بظروف تدعو إلي التفاؤل الوطني والإنساني،
فقد أنجزنا كمصريين ثورتين، متتاليتين، ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيه، كل منهما تكمل الأخري، ضد الاستبداد السياسي والاجتماعي، وضد الفساد الاقتصادي والأخلاقي والجمود الاجتماعي والسياسي، وحفاظا علي الوطنية المصرية وعلي الدولة المصرية، لتبقي دولة وطنية، مدنية دستورية حديثة، والحفاظ علي استقلال الدولة من ضغوط الفقر والحاجة، وضغوط قوي وأطراف دولية، حاولت أن تهيمن علي قراراتنا وسياستنا.
وهكذا بدأنا في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، والاتجاه نحو دولة المواطنة، وأن تكون مصر لكل المصريين، بلا تمييز، لا علي أساس الجنس (امرأة، رجل)، ولا علي أساس الدين والاعتقاد (مسلم أو مسيحي)، ولا علي أساس الثروة (غني/ فقير) ولا علي أساس الجاه والمحسوبية، ولهذا نجد إعادة البناء مستمرة وتتواصل، وفي هذا السياق يأتي انفتاح مصر علي جيرانها وعالمها، وإضافة البعد المتوسطي، إلي الدوائر الثلاث السابقة، العربية والإفريقية والاسلامية، مع التوازن في هذه العلاقات.
وتتجه مصر اليوم - كذلك - إلي اصلاح وتحديث نظامها التعليمي، ليواكب العصر، ويدفعنا إلي الأمام للنهوض والتقدم، وفي كل هذا لابد لنا من إعادة قراءة كتاب د. طه حسين “مستقبل الثقافة في مصر” ففيه ما يفيدنا ويضيء الطريق أمامنا، وفيه ما يضيف ويؤكد اعتزازنا وفخرنا الدائم بالأستاذ العميد.

مايو 2018
الهوامش :
(1) كل ما بين معقوفتين في هذه الدراسة من كتاب د. طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر.
(٢) دستور مصر الحالي يقر ذلك الأمر بوضوح تام.