رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أوڤِه يونسون: بالكتابة أبـقـي بعـد مـوتـى!


أحمد الزناتي
8/5/2018 5:23:16 PM

في العشرين من يوليو الماضى احتفل الأدب المكتوب بالألمانية بذكرى ميلاد الروائى والباحث والمحرّر الأدبى أوڤِـه يونسون (يوليو 1934  فبراير 1984). ولد يونسون فى منطقة بوميرانيا، وهى منطقة تقع شماليّ بولندا وألمانيا على الساحل الجنوبى لبحر البلطيق، لأب من أصول سويدية، وأمّ تنتمى للمنطقة نفسها. فى أعقاب الحرب العالمية الثانية هربتْ الأسرة إلى منطقة أنكالم غرب بوميرانيا. توفّى والده فى أحد معسكرات الاعتقال السوڤِـيتى بعد سقوط الاشتراكيين القوميين، فاستقّرتْ العائلة فى بلدة جوسترو.
درس يونسون اللغة الألمانية وآدابها فى جامعة روستوك، ثم انتقل إلى جامعة لايبزج فى ألمانيا الشرقية، ونال درجة الماجستير عن الروائى والنحّات التعبيرى الألمانى إرنست بارلاخ. بدأت مسيرة يونسون الإبداعية سنة 1953 حين أنهى روايته الأولى إنغريد بابندردير، التى رفضتها العديد من دور النشر، ولم يُكـتـب لها النشر فى أثناء حياته. وفى سنة 1956 فـرّت والدة يونسون إلى برلين الغربية، وبقى أوڤِـه فى جوسترو (التابعة لألمانيا الشرقية)، وهو ما دفع سلطات جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى حـظـر توظيفه فى عمل ثابت. فاتّجه إلى الاشتغال بالترجمة لكسب الرزق، فنقل إلى اللغة الألمانية رواية هيرمان ميلفيل »إسرائيل بوتر: سنوات المنفى الخمسون«. 
وفى سنة 1959 تمكن يونسون من السفر إلى برلين الغربية، وارتبط بمجموعة 47 الأدبية، وهى المجموعة الشهيرة التى ضمّت كِبار أدباء ألمانيا الغربية آنذاك مثل جونتِر جراس هاينريش بُلّ وغيرهما. استمرّ يونسون فى ممارسة الكتابة الإبداعية والترجمة حتى سنة 1961. فى هذه الفترة كتب روايتيْن هما: (تخمينات حول ياكوب 1959)، (الكتاب الثالث عن آخيم 1961). وفى سنة 1966 غادر يونسون إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومكث فيها سنتيْن، ليغادر بعدها إلى إنجلترا، مُـنـقطعًا لكتابة العمل الروائى الأهم الذى كرّس له أغلب حياته؛ رواية (أيام السنين: من حياة جيزينه كرشيبال).  فى سنواته الأخيرة عاش يونسون وحيدًا بعد انفصاله عن زوجته، وتوفيّ فى شقة صغيرة فى بلدة «كِنت» جنوب شرق لندن، ولم تُكتشف جثّته إلا بعد ثلاثة أسابيع من وفاته.
> > >
رغم وصف أديب نوبل جونتِر جراس ليونسون بأنّه واحد من أهمّ أدباء ألمانيا الغربية، وأبلغهم أثرًا فى ساحة السرد الروائى فى النصف الثانى من القرن العشرين، إلا أن أدب يونسون بـقى خامل الذكر لأسباب متفرّقة. 
ولا يزال يونسون وجهًا غير معروف لقرّاء العربية، إذ لم تُـتـرـجـم أيّ من أعماله حتى اليوم. على أنّ استقبال أعماله فى مسقط رأسه لم تكن أحسن حالًا من بقية دول العالم، إذ ظلّت أعماله مجهولة على الصعيد الجماهيرى حتى سقوط جدار برلين سنة 1989، لتتحوّلَ رواياته بعد توحيد شطرى ألمانيا، وعلى الأخص روايته الأهمّ والأضخم Jahrestage، إلى بؤرة اهتمام المتخصصين فى الدراسات الجرمانية فى العقود الثلاثة الأخيرة. شرع جونسون فى تأليف هذه الرواية الضخمة فى 29 يناير 1968. وقد نُشِرَت فى أربعة مجلدات بين عامى 1970 و1983، وصدرت عن دار زوركامب الألمانية سنة 1983. 
الرواية بأجزائها الأربعة نـصّ واحـد متكامل. الترجمة الحرفية للعنوان «أيام السنين». تستخدِم الرواية شكل اليوميات لتغطي، يومًا وراء يوم، سنة كاملة فى حياة جيزينه كريشبال، بدءًا من 21 أغسطس 1967 وحتى 20 أغسطس 1968، حيث تدور أحداث الرواية بين مدينتيّ ميكلينبورج ونيويورك.
بطلة الرواية، «جيزينه كريشبال» أمّ عـزباء فى الرابعة والثلاثين، وهى مهاجرة ألمانية تعيش مع ابنتها الوحيدة «ماري» ذات العشر سنوات فى شرق مانهاتن بالولايات المتحدة. تحكى الأم لابنتها عن طفولتها فى مدينة صغيرة فى شماليّ ألمانيا، وعن والدها العصاميّ، وعن ألمانيا فى ظلّ الاشتراكيين القوميين (ولِدت جيزينه سنة 1933 وهو العام الذى انتُخِبَ فيه الاشتراكيون القوميون)، وكذلك عن ذكرياتها فى سنوات الحرب، وعن انتقام السوڤِـييت العنيف بعد الحرب، وعن تقسيم ألمانيا إلى شطريْن، وعن بعض السنوات الأخرى فى ألمانيا الغربية. 
يأخذ السرد شكل حوارات مطوّلة بين الأم جيزينه وابنتها مارى حول تاريخ العائلة الذى يعود إلى سنة 1888 (تاريخ ميلاد والد جيزينه)، لكن يونسون لا يركّز فى أثناء سرده- على تاريخ العائلة من حيث هو وقائع وأحداث عادية (ميلاد، وزواج، وطلاق وموت)، وإنما يتخذ من تاريخ العائلة مادةً لتـأمّـل تاريخ ألمانيا فى القرنـيْن التاسع عشر والعشرين، والمتغيرات التى طرأت على بلاده، من خلال عرض تأثير الأحداث السياسية/الاجتماعية على حياة آل كريشبال، راصدًا خمسة أنظمة سياسية مختلفة (ألمانيا القيصرية، جمهورية فايمار، الرايخ الثالث، جمهورية ألمانيا الديمقراطية والنظام الرأسمالى الغربيّ مجسّدًا فى الولايات المتحدة الأمريكية). على عكس سـلـفِـه توماس مانّ فى روايته الشهيرة (آل بودينبروك- قصة انهيار عائلة)، استخدم يونسون أسلوبًا أكثر حـداثـة، ولغة أشـدّ اقترابًا من لغة الحياة اليومية، معتمدًا بشكل أساسى على المفارقات والتوريات الساخرة، بينما حافـظَ توماس مانّ على رصانة اللغة وطريقة البناء الكلاسيكية. 
على نحوٍ موازٍ لـسـرد تاريخ آل كريشبال، تحكى جيزينه تفاصيل حياتها فى مانهاتن يومًا بيوم، وساعةً بساعة. ولا تكاد تخلـو فقرة من اقتباسات مباشرة من جريدة النيويورك تايمز، فتمتزج أيام الماضى بأيام الحاضر، حتى أنّ يونسون كان يُدرج أحيانًا داخل النسيج السردى للرواية حوارات مع الموتى (والد جيزينه ووالدتها)، هكذا دون سابق إنذار ولا تمهيد. فيصير الزمن الروائى حبلًا يمسك يونسون بطرفيه، لا فرق بين أوله وآخره، ولا بين ماضيه وحاضره. لجأ يونسون أيضًا فى روايته إلى القفزات الزمنية/المكانية المتلاحـقة، مُـتـرواحًا بين ألمانيا النازية/ألمانيا ما بعد الحرب فى مقابل أمريكا الرأسمالية/ أمريكا الحرب الباردة، والإشارة واضحة: التاريخ يكرّر نفسه ولا أحد يتعلّم من الماضي. 
> > >
صحيح أنّ الرواية تتّسم بطولها الشديد وبتـعــقيد بنائها، إلا أنّ يونسون وظّف بصبرٍ وببراعة مجموعة من التقنيات السردية المختلفة بهدف الحفاظ على انتباه القاريء وتركيزه، من بينها تداخل أصوات الرواة (الأم والابنة والأصدقاء)، وتعدد وجهات النظر، وسرد القصص المتوازية (حكايات عن ماضى بطلة الرواية جيزينه وأخرى عن حاضرها، قصة طفولة جيزينه بالتوازى مع طفولة ابنتها ماري، الأحداث السياسية/الاجتماعية المتفجّرة فى أمريكا مثل الحرب فى فيتنام، والاضطرابات العِـرقـية فى أمريكا، واغتيال كينيدي، إلخ).
كما لجأ يونسون إلى تقنية سردية مبتكرة، إذ كان يورِد اقتباسات/أخبارًا منقـولة بـنـصّها من جريدة «النيويورك تايمز»، ليربطها مع أسئلة الطفلة مارى وإجابات الأم عن هذه الأسئلة.
لا يمكن وصف الرواية بأنها رواية تاريخية، إلا أنّها تتكئ على الوقائع التاريخية (تاريخ الرايخ الثالث، ثمّ ألمانيا الغربية والشرقية من سنة 1933 حتى سنة 1953)، وتاريخ أمريكا فى أواخر الستينيات، أقول تتكأ على الوقائع التاريخية لتأملّ أزمة الـفـرد (أوڤِـه يونسون؟) فى ظل أنظمة سياسية متباينة، وهى الأنظمة التى عـاش يونسون فى كنفها واختـبـرها جيدًا. اللافت أنّ الرواية لا تصدر أحكامًا على أيّ من هذه الأنظمة، مُكتفية برسم مشاهد مِـن الحياة اليومية للأبطال، تاركةً للقاريء مـهـمّـة التحليل والمقارنة. فى أحد المونولوجات الطويلة فى الجزء الرابع تطرح جيزينه السؤال التالي: «أى الأنظمة السياسية أفضل؟ وأيّها أكـثـر احترامًا لحريّة الإنسان وكرامته: النظام القيصرى أم الهتلرى أم الشيوعى أم الرأسمالي؟ إلى أين يمكن للمرء أن يهاجر بعد ذلك؟ إلى الـقمر»؟  
> > >
رواية أيام السنين على حدّ تعبير أوڤِـه يونسون- هى محاولة لاستدعاء ذكريات تـاريخ دهسه الزمن تحت عجلته، لكنه فى الوقت نفسه- تاريخ لا يمكن تجاهله ولا نسيانه. وفى سبيل ذلك لا يتبقى أمام جيزينه كريشبال سوى الحكيّ وسيلةً للحفاظ على ما علـِـقَ بذاكرتها من ذلك التاريخ، مهما كانت الذكريات قاسية ومهما كانت مؤلمة. تـسجّـل جيزينه ذكرياتها وحواراتها مع ابنتها على شرائط كاسيت، وتقول لنفسها: «الحكيّ هو فعل تذكّـر، بالحكيّ أحارب النسيان، وبالحكيّ أبـقـى بعـد موتي».