رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

التاسع عشر من يونيو:رائعة رالف إليسون

التي استمر فى كتابتها أربعين عامًا ومات قبل أن تكتمل


كريستوفر جانسما ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر
8/5/2018 5:35:15 PM

يُصارح رالف إليسون الكاتب بمجلّة النيويوركر؛ ديفيد ريمنيك، أوائل عام 1994 بقوله: لقد أثارت الرواية انتباهي الآن. أعمل بها كُل يوم؛ لذلك لابد أنّني سأنتهي منها قريبًا.لكن بعد شهرين، يلقي إليسون نحبه بسبب سرطان البنكرياس، فلا يتم الكشف عن الرواية التي كان يُشير إليها؛ التتمّة التى طال انتظارها لروايته »الأشهر« الرّجل الخفى 1953، إلا مؤخّرًا على يدّ مُنفِّذ وصيته؛ جون كالاهان.  
 فى مقدّمته لرواية التّاسع عشر من يونيو؛ النسخة المنشورة من تلك الرواية عام 1999، وصف كالاهان مشهد يومه الأول فى مكتب إليسون: «أدخلتنى السيدة إليسون إلى مكتبه [...] الّذى كان لا يزال عبقًا بغيمة سيجار خفيفة ودخان غليون. كانت أرفف كُتبه الغفيرة تطفح فوق طاولة مكتبه وكرسيه ومنضدة الحاسوب وماكينة التصوير، وتُغطّى الأرضيّة مثل عاصفة من رماد، كأنّها تحتجّ على غياب إليسون.» 


كان ثمّة ما يزيد على الألفى صفحة؛ بعضها مكتوب بخط اليد، وبعضها الآخر على آلة كاتبة، وقد وضع بعضها داخل أغلفة وإضبارات منذ السبعينيات. مصنّفة بعناية حسب الشخصية أو الحدث. ثمّة آلات ناسخة وأقراص مرنة وملاحظات مدوّنة فوق قصاصات من صُحف وبطاقات الاشتراك فى المجلات، إلى جانب أوراق مطبوعة بطابعات نقطيّة وليزريّة. لقد عايش هذا المشروع أربعة عقود من التطورات التى شهدتها تقانة مُعالجة النصوص: إذْ استبدل إليسون آلته الكاتبة بحاسوب أوسبورن إكسكيوتيف اشتراه عام 1983، استبدله مرّة أخرى عام 1988 بحاسوب IBM. سيعثر كالاهان بينها على طيف من القصص المتداخلة، بعضها طويل بما يكفى لاعتبارها روايات فى حدّ ذاتها- لكن ما من كتاب مُكتمل فيها. تسرح السيدة إليسون بأفكارها متوجهة بالحديث إلى كالاهان: «هل لأى منها بداية ووسط ونهاية؟»
كان رالف وزوجته فانى قد اختارا جون كالاهان؛ الباحث فى الأدب الأفرو أمريكى والصديق المُقرّب، ليغدو الوصى على تركة رالف الأدبيّة. سينشر كالاهان نسخة التاسع عشر من يونيو ذات 366 صفحة عام 1999، وبعدها عام 2010، حشدًا أكبر وأحدث من المقتطفات والملاحظات تحت اسم ثلاثة أيام قبل إطلاق النّار...، يبلغ عدد صفحاته ألف ومائة صفحة تقريبًا- نصف ما تركه إليسون. لكنّ ما مِن كتاب من هذين الكتابين هو الكتاب الحقيقى الّذى تخيّله إليسون عام 1951 حين كتب؛ رُبّما ببعض التفاؤل، إلى صديق عُمره ألبرت موراي: «فى الغالب لديّ مادّة كافية تبقّت من [الرجل الخفي]، ليتنى أعثر لها على الشكل المناسب.»   
> > >
ترك إليسون أوراقه لدى مكتبة الكونجرس حيثُ كان يعمل فى كثير من الأحيان. وقد وصفت أليس برنى من قسم المخطوطات بالمكتبة فى حلقة خاصّة عام 1999 من برنامج Book TV على قناة سي-سبان الأمريكيّة، كيف وصلت إليهم الرواية أول مرّة على هيئة: رُزم من الأوراق المطبوعة غير المُرتّبة [...] فى مئات الكراتين. «التى تمّ فرزها بعناية بعد اكتمال الصفقة عامى 1996 و1997 ورصّها داخل: ست وسبعين كرتونة واثنتين وثلاثين حاوية إضافيّة. وتطلّبت الصفحات التالفة عناية خاصّة والحفظ على يد مختصّين. استغرق ذلك ستة أشهر أخرى لتحديد المقالات المنفصلة والقصص ومسودات روايته الثانية المتشابكة متعددة الأقسام. تواصل أليس القول أنّ إليسون لم يستقر قطّ على عنوان للمشروع، لكنّه كان يُشير إليه غالبًا باسم رواية هيكمان.   
بحسب كالاهان فإنّ: «إليسون حلم برواية يكون موضوعها عدم قابلية التجربة واللغة الأمريكيتين للتجزئة كما تثبت تجربة بطليها.» وهما؛ فى رواية التاسع عشر من يونيو، موسيقى جاز أفروأمريكى تحوّل إلى نصّاب اسمه المُبجّل ألونزو هيكمان، وفتى يتيم يربيه يُدعى آدم بليس من «عرق غير مُحدد لكنّه يبدو أبيض البشرة.» يغدو بليس جزءًا من كهنوت هيكمان؛ إذْ يُرافقه حين يعظ أو يحتال بين الحين والآخر على مُريديه (باسم الربّ). فى نهاية المطاف يهجر بليس هيكمان فى ليلة الاحتفال بالتاسع عشر من يونيو؛ العيد الّذى يُحيى ذكرى نهاية العبوديّة. من ثمّ «يُعيد اختراع نفسه فى هيئة صانع أفلام ونصّاب مُحترف، ليغدو فى النهاية عضو مجلس شيوخ يتاجر بقضايا الفصل العنصرى تحت اسم آدم صنرايدر.»   
تتبّع رواية التاسع عشر من يونيو هذه العلاقة المشحونة بين أب وابنه خلال النصف الأول من القرن العشرين فى الجنوب الأمريكى المنعزل؛ شمال وجنوب نهر المسيسيبّى والشاطيء الشرقى على مدى خمسين عامًا، تسبر خلالها الأغوار الفكريّة للرجلين وقيمهما وغاياتهما. 
> > >
كان إليسون؛ عبر هيكمان وصنرايدر، يصبو إلى رسم صورة للثقافة والموسيقى والدّين والسياسة والقيم والرغبات الأمريكيّة والأفروأمريكيّة فى آن. حيثُ وصف إليسون الرواية بأنّها حوار بينه وبين مارك توين وويليام فوكنر- إلى جانب إرنست هيمنجواى وف. سكوت فيتزجيرالد. يكتب كالاهان: «رواية التاسع عشر من يونيو سواء فى الفكرة أو التنفيذ، هى رواية متنوّعة متعددة الوجوه والقضايا والأصوات والنبرات.»  
كانت مقتطفات من الرواية قد نُشرت على مدى سنوات لقراء إليسون المتعطشين. يقول صول بيلو؛ الّذى عاش مع رالف إليسون فى تيفولى بنيويورك، أنّه قرأ: «جزءًا كبيرًا من الرواية» وأنّ هذا الجزء: «كان رائعًا، وفى نفس مستوى [رواية] الرجل الخفي.» أمّا جيمس آلان مكفيرسون، فبعد أن سمع مقتطفًا من الكتاب عام 1969، استنتج أنّ: «إليسون كان يسعى فى روايته إلى حل الإشكالية الرئيسة فى الأدب الأمريكي... أعتقد أنّه كان يحاول إضفاء صبغة أفروأمريكيّة على الشكل الروائي، وفى ذات الوقت السعى لتجاوز هذا الشكل.» كان إليسون ومكفيرسون قد ناقشا فى إحدى المناسبات مسألة أنّ ما كتبه الأول هو فى الحقيقة ثلاثيّة، يُمكن نشرها فى ثلاثة كتب منفصلة. 
كان إليسون قد تعاقد مع دار راندوم هاوس على تسليمها الرواية عام 1965، ثمّ تم تمديد المهلة إلى خريف 1967. آنذاك صرّح إليسون أنّه يشعر بقرب الانتهاء من الرواية، وأنّه يكدّ فى مراجعتها بمنزل صيفى اشتراه فى بركشايرز. وثمّة زعم أنّ الرواية كانت على وشك الاكتمال بالفعل فى نوفمبر من ذلك العام، حين وقعت مأساة كبرى. إذْ وجد إليسون زوجته بيتهما تلتهمه النيران عقب عودتهما من التسوّق. تهدّم المنزل عن أخره، وتلف كل ما فيه من أثاث ومتعلقات شخصيّة، وبينها مخطوطة رواية إليسون. وقد ندبت فانى لاحقًا عجزها عن اقتحام المنزل المُحترق لإنقاذ الكتاب، وأحيانًا ما تنطوى هذه الحكاية على إطفائيين يمنعونها من دخول المنزل للقيام بذلك. عن ذلك تقول لكالاهان بعد الحادث بسنوات: «كنت أعرف مكانها.»  
لكن بعد بضعة أسابيع، كتب إليسون أنّه فى حين خسر أغلب أعمال التنقيح التى قام بها فى الصيف، لا يزال كل شيء طازجًا داخل دماغه وأنّه يفكِّر فى إمكانية تكرار الكتابة والانتهاء منها بحلول بداية العام التالي. وأفصح صديقه النّاقد ناثان سكوت الصغير خلال لقاء صحافى أنّ إليسون كتب إليه يطمئنه بشأن الرواية: «لحسن الحظّ، كانت لديه نسخة كاملة من كل ما كتبه قبل ذلك الصيف.» لكن إليسون لم يُسلِّم المخطوط فى العام التالي، ولا الّذى يليه. إذْ بدأت روايته عن الخراب الّذى خلّفته النيران تتغيّر، ربّما كتبرير لتأجيله المتكرر. لاحظ أرنولد رامبرساد؛ كاتب سيرة إليسون، أنّه بعد سنة من نشوب الحريق كشف إليسون لصحافى أنّه خسر للأسف 365 صفحة من الرواية فى الحريق، وأنّ هذا الرقم زاد لاحقًا ليصل إلى 500 أو أكثر. ربّما كان هذا حقيقيًّا عند مستوى ما، لكنّ المشكلة الأكبر كانت، كما كتب على نحو خاص للناقد ريتشارد كوستلانيتز، أنّ الكتاب أصبح طويلًا بشكل مفرط- ربّما يتجاوز الألف صفحة- ومعقّدًا. إضافة لذلك ربّما كان للمأساة طبقات أعمق؛ إذْ خمّن رامبرساد أنّ النّار ربّما لم تلتهم المخطوط الّذى كان يعمل عليه، لكنّ التجربة أصابت إليسون بصدمة غدت جرحًا أعمق خلال السنوات التى تلت.    
> > >
آنئذ كان إليسون قد فاز بجائزة الكتاب الوطنيّة (وكان أول كاتب أسود يفوز بها) وميداليتين رئاسيتين. كما انضم للأكاديميّة الأمريكيّة للفنون والآداب وعمل بالأكاديميّة الأمريكيّة فى روما، وساعد فى تأسيس الوقف الوطنى للعلوم الإنسانيّة وتناول العشاء فى البيت الأبيض مع الرئيس والسيدة جونسون. لقد صارت رواية الرجل الخفي بالفعل كتابًا مُهمًّا فى لائحة القرن العشرين الأدبيّة.   
لكن بحسب رامبرساد كان «امتلاك منزل فى نيوانجلند» يحمل معنىً خاصًّا ومميزًا بالنسبة لإليسون من ناحية مكانته فى الأدب الأمريكي. ذلك أنّ إليسون أحسّ أنّ الحياة والعمل هناك فى ذلك المجتمع وضعاه فيما كان يومًا مركز المجد المعنوى والفنّى الأمريكي، إلى جانب إميرسون وميلفل وإلغاء العبوديّة. «سيظهر دمار منزله بعدئذ بسبب تلك النار الغامضة باعتباره «رمزًا قاسيًا» داخل عقله. تصف فانى ما جرى بأنّهما كانا شديدى الهلع بسبب هذه » الصورة الكابوسيّة التى سنراها طويلًا، طويلًا جِدًّا. رسميًّا، كان سبب اندلاع النيران خلل بالتوصيلات الكهربائيّة، لكن بعد وفاة إليسون بسنوات كتبت فانى أنّه «علم، أثق فى ذلك، أنّه كان حريقًا متعمّدًا. لكنّه لم يتقدّم بشكوى إلى البلديّة.»
أرسل إليهما الجيران خطابات تعبيرًا عن تعاطفهم العميق، وقاموا بجمع تبرعات بلغت حوالى 205 دولار «للمساعدة فى بناء منزلكما الجديد.» ويقال أنّ الزوجين اتجها للمنزل المُدمّر لفحصه، ثمّ غادراه مرّة أخرى يغمرهما الحزن. واستغرقا ما يزيد على الست سنوات لإعادة بناء منزلهما الجديد فى نيوانجلند. فى تلك الأثناء، انتقل موعد تسليم الرواية الثانية إلى 1975، ثمّ إلى 1980. لتمر أربعة عشر عامًا إضافيّة ولا يزال إليسون يكدّ فى العمل إلى أن مات عام 1994 بعد عيد ميلاده الثمانين مباشرة.  
تبلغ رواية التاسع عشر من يونيو ذروتها عند إطلاق شاب أسود الرصاص على السيناتور العنصرى صنرايدر. فيحاول الأخير على مدار الأيام التى قضاها على فراش المستشفى أن يسوى خلافه مع هيكمان وذكريات طفولته كآدم بليس؛ عضو جماعة المعمدانيين السود. هكذا يعود صنرايدر إلى ليلة التاسع عشر من يونيو التى غادر فيها. ومنذُ اللحظة الأولى يرفض العيد باعتباره: «الاحتفال بوهم كاذب»؛ إذْ هل أصبح سود أمريكا رجالًا ونساءً أحرارًا حقًّا بعد تسعين عامًا؟
يُذّكرنا كالاهان فى مقدّمته للرواية بسبب الاحتفال السنوى بذكرى التاسع عشر من يونيو عام 1865، وليس الثانى والعشرين من سبتمبر عام 1863؛ اليوم الّذى شهد إصدار الرئيس لنكولن إعلان تحرير العبيد. والسبب هو استغراق القوات الاتحاديّة عامين ونصف من أجل اختراق الجنوب المهزوم والوصول إلى آلاف الرجال والنساء والأطفال المستعبدين فى جالفستون بولاية تكساس لبثّ الأنباء أنّهم باتوا الآن أحرارًا. يُلاحظ كالاهان أنّ التأخير: «اعتراف رمزى بأنّ التحرر هو مهمة النفس والجماعة والأمّة التى لا تنتهي، وأنّ علينا كى نستمر فى الحياة أن يغدو التحرر إنجازًا نحققه ويُحققنا.»   
فى النهاية، يُعيد السيناتور المحتضر صنرايدر التفكير فى حياته، ويعى أنّ تخليه عن مجتمع السود كى يطرح نفسه باعتباره أبيض البشرة كان تملّصًا من هويته. أدرك فى هذه الليلة أنّه هرب، لكنه يشعر بشكل جوهرى أنّه كان منبوذًا من «ذاته الأمريكيّة الحقيقيّة»، وأنّه خان رابطة الدّم بين وبين أهله، سواء بكلماته أو بنفوذه السياسي- فحتّى الشاب الّذى أطلق عليه الرصاص تربطه  به قرابة. لقد كان هيكمان والمجتمع الّذى يحتفل بالتاسع عشر من يونيو هم عائلته، وأيًّا كان أصله العرقى المجهول، يُدرك صنرايدر فى نهاية المطاف أنّه هو الآخر «أسود على نحوٍ ما.» 
> > >
بحسب كالاهان، رأى رالف إليسون تماثلًا ذا دلالة بين نصّه الّذى لا ينتهى وبين الدولة المجنونة التى أحبّها وصارعها. لكن إذا كان إليسون حين بدأ فى كتابة رواية هيكمان فى أمريكا عام 1959، قد أبصر فرصة سانحة لنقاش «عدم قابلية التجربة واللغة الأمريكيتين للتجزئة»، والصراع مع «العرق والهوية واللغة وصِلة الدّم فى التجربة الأمريكيّة»، إذًا كيف طوّرت هذه الرواية نفسها على مدى أربعين عامًا؟  
كتب إليسون؛ بعد قرار المحكمة العُليا بعدم دستوريّة الفصل العنصرى داخل المدارس عام 1954، أنّ: «الدرب الّذى ترامى أمام أمريكا ما بعد الفصل العنصرى امتزج بهذا الكتاب الّذى أسعى لكتابته وتركنى مع خليط من مشاعر الفرح وعدم الأهلية.» لقد كان يكتبها حين تعرّض [الصبى الزنجي] إيميت تل للقتل، وأثناء مقاطعة باصات مونتُجمرى والقبض على [ناشطة الحقوق المدنيّة] روزا باركس. كان يكتبها حين قاد مارتن لوثر كنج مسيرة السود إلى سيلما، وحين تعرّض للاغتيال. كان يكتبها فى صيف 1967 حين أبطلت المحكمة الدستورية القانون الّذى يمنع الزواج المُختلط، وفى منزل نيوانجلند الرفيع الّذى سرعان ما تعرّض للتدمير. وبعد خمسة وعشرين عامًا، حين اندلعت أعمال الشغب فى لوس أنجلوس عام 1992، كان إليسون لا يزال يعمل بها؛ آنئذ على حاسوبه IBM وطابعته الليزريّة- يحاول الانتهاء من رواية تستوعب؛ وتلبي، كفاح الأمريكيين السود المتجدد خلال القرن العشرين.        
نقلاً عن "إلكتريك ليترايتشر".