رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي ( 66 ) صياد السمك

كتابة


محمود الورداني [email protected]
8/10/2018 5:07:46 PM

  أستمر هنا في رسم صورة بالأبيض والأسود لصديقي الشاعر عزت عامر. وكنت قد توقفت في الأسبوع الماضي عندما أعيتنا الحيل ، والتنقل الدائم بين أماكن ليست مأمونة الجانب ، أثناء هروبنا من البوليس في شتاء عام 1977 ، وفي أعقاب انتفاضة الطعام. وكنتُ قد ذكرتُ أيضا أنه لم يكن ممكنا لأي منا أن يستأجر مكانا  ببطاقته العلنية لاعتبارات أمنية بطبيعة الحال ، ثم ظهر صديقنا الفنان التشكيلي، وأظن أنه لم يكن عضوا في المنظمة التي انتمينا إليها، لكنه كان صديقا قريبا ومتعاطفا، وسبق له كما أتذكر جيدا أن لعب دورا مماثلا في تهريب زملائنا أثناء هجمة يناير 1975 الأمنية.
  وهكذا .. ظهر حسن في الأفق واصطحبنا مع سمسار، سرنا خلفه يوما كاملا حتي اهتدينا إلي مكان ملائم في حدائق الزيتون، ووقع العقد في اليوم نفسه مع صاحب المكان، وهو عبارة عن عدة حجرات متجاورة في فناء دور أرضي، كانت هناك حجرة خالية فيه، وكان من أهم مميزات ذلك المكان أنه مفروش ويضم دورة مياه خاصة، وانتقلنا إليه علي الفور، وأمضينا شهوراً قليلة أتيح لي خلالها أن أتعرف أكثر علي عزت، علي الرغم من أن إقامتنا معا لم تكن تعني مطلقا أن نتوقف عن عملنا مع المنظمة، وهو ما كان يقتضي أن نخرج ربما يوميا لحضور اجتماعات مختلفة وأداء مهام محددة.
  ربما أعود فيما بعد لتناول تلك الفترة، وماحدث فجأة هو أن عزت تم القبض عليه في الشارع أثناء توجهه لموعد مع زوجته كان قد تم تدبيره، وأمضي فترة في سجن القلعة، ثم أودع سجن أبي زعبل مع غيره من المتهمين في القضية 100  حصر أمن دولة عليا.
  وعندما خرج بعد عدة شهور وجد نفسه مفصولا من عمله كمهندس في وزارة التخطيط ، أمضي عدة شهور أخري يبحث عن عمل ، وقد عاصرت أنا تلك الفترة ، وأدرك جيدا كم كانت بالغة القسوة ، خصوصا أنه طرق كل الأبواب، ويحمل شهادة علمية مرموقة، وبالمصادفة وبعد انتظار طويل نجح الراحل الكريم الأستاذ خالد محيي الدين ، الذي كان آنذاك رئيسا لحزب التجمع ، في توصية صديقه ودفعته وزميله في تنظيم الضباط الأحرار وجيه أباظة ، ليوفر عملا لعزت في مركز خدمة بيجو الذي كان أباظة يملكه ويملك توكيل سيارات البيجو فيما أتذكر.
  عاصرتُ أيضا تلك الفترة بعد التحاق عزت بالعمل ، وكانت وظيفته أن يستقبل السيارات من البوابة، ويوجهها للأقسام المختلفة لإجراء الصيانة من الثامنة صباحا وحتي السادسة مساء، واستمر في ذلك العمل أكثر من عشر سنوات متواصلة، وهو ما كان يعني أن يتوقف تقريبا عن أي نشاط آخر يحبه، وربما لذلك لجأ إلي صيد السمك في أيام الأجازات، وبدا وكأن الصيد نوعا من العلاج النفسي، فهو يوفر له الاستغراق الشديد والغوص والتأمل لساعات، وعرف طريقه لأماكن الصيد البعيدة في الخطاطبة، وتعرف علي الكثيرين من أمثاله الذين اتخذوا من صيد السمك محاولة للنجاة من الاكتئاب.
  امتدت تلك الفترة من أواخر سبعينات القرن الماضي للتسعينات، وبسبب سكنه آنذاك في الوراق، عرفتُ أنا أيضا طريقي للوراق ، وعندما تزوجت سكنتُ أيضا في الوراق علي مبعدة نصف ساعة سيرا علي الأقدام من منزله، وتصادف أن شهدت الوراق في تلك الفترة سكن كل من ابراهيم أصلان ويوسف أبو رية واسماعيل العادلي ومحمد كشيك في بيوت متجاورة تقريبا..
  في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل أواصل الكلام عن أيام الوراق..