رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

ساعة في محمية «ركن الياسمين»!

بعد التحية والسلام


إيهاب الحضري [email protected]
10/13/2018 10:44:30 AM

انطلقت من وسط المدينة إلي المعادي، ذلك الحي الذي يجتذبني بمتاهات تستعصي علي استيعابي دائما. كان الهدف يستحق هذه المرة، فقد علمت أن هناك عددا لا يُستهان به من الكائنات المُنقرضة، تلك التي كانت تُعرف ذات يوم بـ »القراء»‬، مما دعاني إلي اقتحام طريق الكورنيش المُتخم بالسيارات دائما، ثم الاتجاه يسارا داخل الحي الذي تتشابك شوارعه، ويُمكن للجاهل بها أن يظل يقطعها لساعات دون أن يصل إلي هدفه، وقد يكتشف بأنه يدور حول النقطة نفسها عدة مرات!
لحسن الحظ تمكنت من الوصول إلي مكتبة »‬الكُتبجية» دون عناء، بعد أن حالفني الحظ بمن يرد علي استفساراتي دون »‬فتاوي» تُضللني، دخلتُ المحمية الطبيعية لقراء »‬ركن الياسمين»، وأنا أُمنّي نفسي بلقاء بضعة أشخاص منهم ففوجئت بالعشرات!
بدأت الفكرة بما يشبه الحلم عبر ياسمين الجندي، وهي شابة في مُقتبل عمرها تهوي القراءة، وتري أنها لا ينبغي أن تظل فعلا فرديا، وعبر الفيس بوك أطلقت مبادرتها لإنشاء ناد للكتاب، وتزايد التفاعل تدريجيا، من أشخاص لا تربطهم ببعضهم أي صلة اجتماعية، واتسع نطاق الفكرة لتضم متحمسين جددا، وعلي مدار 4 سنوات تم تطويرها أكثر من مرة، فانتقلت من الفضاء الإلكتروني لتجد لها تجمعا شهريا يشهد نقاشا جادا، حول كتاب يتم اختياره بالأغلبية من بين عدة ترشيحات علي الفيس بوك، وعبر هذه السنوات تمت مناقشة 39 كتابا، تتباين بين الإبداعات العميقة وكتابات الظواهر الطارئة! وقرر رواد الركن أن يكونوا أكثر تفاعلا مع مجتمعهم المحيط، فأطلقوا في نهايات 2015 حملة لتوزيع الكتب الجديدة والمستعملة علي أماكن التجمعات التي تستحقها، وبالفعل قاموا بجمع 1900 كتاب علي مدار السنوات الثلاث الماضية، وزعوا منها 1150 علي 7 أماكن، منها ملاجيء و3 وحدات بمستشفي العباسية للأمراض النفسية. وأخيرا فكّروا ألا يكون فعل القراءة مقصوراً عليهم، فبدأوا نشر»‬ العدوي»! عبر مبادرة تحدي القراءة، التي تسعي لزيادة عدد من تجذبهم »‬ندّاهتها».
كنتُ قد تعرفتُ علي ثلاث فتيات منهم في لقاء تليفزيوني علي القناة الثانية المصرية، دعتني إليه المُعدة المتميزة حنان الكومي، وفوجئت بقدرتهن علي التعبير عن وجهات نظر المجموعة ككل، وكان أكثر مالفت انتباهي هو أن غالبيتهم يقرأون فقط، دون أن يكونوا مبدعين في أي من مجالات الأدب، لهذا حرصت علي حضور احتفالهم بعيد الميلاد الرابع لمنتداهم، وهناك كانت المفاجأة الجديدة، فقد التقيت قراء من مختلف الأعمار، وعلمت أن هناك تجارب أخري شبيهة وفاعلة في المرج ومدينة 15 مايو، الأمر الذي جعل التفاؤل يتنامي بداخلي. شعرت أن اللون الأخضر لا يزال موجودا في زمن الجدب، لكن تلك الطفلة الصغيرة آيسن نجحت في بث طاقة من السعادة بقلبي، لا يتجاوز عمرها العشرة أعوام، أخرجت من حقيبتها كتابا يفوق سنّها وأخبرتني أنها مشغولة بقراءته حاليا، وبفخر طفولي قالت لي إنها تكتب أيضا.
لم أقض مع قراء »‬ركن الياسمين» سوي ساعة علي الأكثر، لكنها كانت كافية لإقناعي بأن هناك بصيصا من أمل، فالقاريء لم ينقرض كليا، والعدوي الإيجابية لا تزال ممكنة، تماما مثل الأحلام القابلة للتحقق!