رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

المسرح الوهمي والتجريب الآمن


جرجس شكري
10/13/2018 10:50:15 AM

في محاضرة ألقاها الألماني برتولد بريشت عام 1939عن المسرح التجريبي اعتبر أن كل مسرح غير أرسطي مسرح تجريبي أي كل مسرح يخرج عن القواعد والتقاليد الثابتة والأعراف, وهذا المعني أيضاً يتطابق ومفهوم المسرح الطليعي الذي سعي إلي كسر التقاليد ومساءلة التراث، وفي الغرب ارتبط  مفهوم التجريب  في القرن العشرين  بعلاقة جدلية بين المبدع والواقع في ثباته وتغيره من ناحية ومن ناحية أخري بين المبدع واللغة  السائدة والموروثة، حيث ارتبط التجريب بالحركة الجدلية بين المبدع والواقع وبين المبدع ومفردات العصر، وفي كل الأحوال ليس ترفاً أو مسايرة  »للمودات»‬ السائدة بل حاجة ضرورية.

 المسرح العربي منذ نشأته وهو في حالة تجريب دائم  منطلقاً من منطق الضرورة علي الأقل برغبة في البحث عن صيغة مناسبة لهذا الفن الوليد كي يتناسب ويناسب المشاهد العربي، فبعد الاستقلال توقف المسرحيون العرب أمام هذا الفن الوافد وطرحوا أسئلة حول المسرح والتراث واللحظة التاريخة، وتمردوا علي صيغ الفودفيل والبوليفار وعروض المنوعات وصيغ الميلودراما التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين »‬علي الرغم من نجاحها وتأثيرها في الجمهور» واستعانوا بالواقعية الاشتراكية ومسرح العبث وملحمية بريشت وغيرها من النظريات ولكنها لم تخلق نظرية في التجريب  بل ظلت محاولة للبحث عن الهوية المسرحية في ظل حراك سياسي واجتماعي  حتي وإن تطور في الستينيات بعد أن طرح المسرحيون سؤال من نحن في محاولة للبحث عن صيغة مسرحية تجمع بين الأصالة والمعاصرة حين كان سؤال الهوية الشغل الشاغل لهذا الجيل، ودعم هذا الاتجاه النهضة التي حدثت في الكتابة المسرحية في الخمسينيات والستينيات وقدمت  أجيالا من كتاب المسرح  لكنها لم تكتمل، لتشهد مرحلة السبعينيات تراجعاً كبيراً، حيث  انقطعت المسيرة  وانقطع معها انجاز هذا الجيل في التجريب علي اللغة والكلمة، ليبدأ جيل الثمانينيات التجريب في الفراغ !
ففي الوقت الذي راح فيه المسرحيون المصريون في تسعينيات القرن الماضي يلهثون وراء متابعة أحدث المدارس المسرحية مثل الرقص المسرحي والتعبير الحركي وكل تجليات مابعد الحداثة في محاولة للخروج من الانهيار الذي أصاب المسرح المصري في السبعينيات، كان الشعب المصري أيضا  يلهث ويهرول ولكن إلي الوراء نحو الجهل في ظل انهيار منظومة التعليم  وفساد الحياة السياسية والاجتماعية وسيطرة التدين الزائف الذي أصبح يحكم ويتحكم في سلوك المصريين لتصل الهوة إلي أقصي مداها بين المسرح الذي يستورده هؤلاء من أوربا  كأحدث خطوط »‬المودة» المسرحية وبين قيم الجهل التي سادت المجتمع المصري وعادت بجمهور المسرح  قروناً إلي الخلف. إذ فجأة تم نقل اتجاهات مسرحية  عديدة من عصور وثقافات مختلفة دفعة واحدة دون أسس علمية  دون رؤية أو مشروع  ثقافي كما حدث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي  حيث كان المسرح في تلك الفترة مهيأً لإستقبال الاتجاه الطليعي، ولكن في نهاية ثمانينيات القرن الماضي أقيم التجريبي علي أطلال المسرح المصري  وهذا أدي إلي خلق فوضي كبري ظنها البعض حراكاً مسرحياً وتياراً جديداً  في التسعينيات سوف يكون له شأن، لكن بعد سنوات انتهت الظاهرة لأنها ليس لها جذور كانت مجرد تقليعة  أصبح من خلالها المسرح مجرد ألغاز يلقيها البعض في العتمة في قاعات صغيرة لعدد محدود من المشاهدين وفقد المسرح جمهوره، فقد شعبيته وتأثيره وأصبح المسرحيون أقلية.
ولأن الجيل الذي بدأ في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات رفع شعار التجريب  قد انفصل عن نهضة الخمسينيات والستينيات  فلم يكن ما حدث  تمرداً اجتماعياً علي خشبة المسرح, بل في أقصي الحالات تمرداً تقنياً، مجرد تمرد علي التقنيات القديمة واستبدالها بالحديث، فتقييد الحريات وتحريم المسرح لدي شريحة كبيرة في المجتمع وغياب الديمقراطية وسيطرة المؤسسة الثقافية الرسمية علي المسرح عوامل وقفت في طريق التجريب دون شك  فاكتفي المسرحيون بالتجريب علي الشكل أي التقليد الخارجي للنظريات! فلم يعد هناك نص يلعب دور البطولة، يقرأ التغيرات السياسية, يثور ويتمرد أو يطالب بالثورة علي الأوضاع السياسية والاجتماعية، لقد غاب نعمان عاشور وألفريد فرج ومحمود دياب وسواهم ممن مارسوا التجريب من خلال النص الذي يقرأ الواقع بكل مفرداته ويقيم علاقة جدلية بين النص واللحظة الراهنة، حيث  أصبحت الأشكال والتقنيات الحديثة والتكنولوجيا هي معيار التطور والتقدم وأصبح دور الكاتب المسرحي المصري بالتحديد في أغلب العروض يلعب دوراً ثانويا، الكاتب الذي من المفترض أن يضع بذرة التمرد علي الأوضاع السائدة ومن خلالها يتم تحديد الشكل أو الأسلوب، لكن ما حدث هو الانبهار بالمدارس الجديدة  بالشكل المسرحي، لتكون السمة الأساسية للعروض الشكلانية العقيمة  التي انصرف عنها الجمهور، الذي لم يحتمل الجلوس في قاعات معتمة يشاهد فيها أحدث خطوط المودة المسرحية الغربية في صورة مشاهد مبهمة أقرب إلي الألغاز.
و أمام هذه الفوضي أصبح أمام المخرج  في العشرية الأولي والثانية من القرن العشرين إما الاستعانة بنص أجنبي أو كتابة نص للعرض من خلال بعض المشاهد أو العمل علي الارتجال، وفي كل الأحوال أصبح دور النص أو الكاتب ثانوياً, هامشياً فالمهم الشكل الجديد الأكثر حداثة الذي يحاكي خطوط المودة الأوربية، ليعني التجريب لدي السواد الأعظم من المسرحيين والجمهور مسرح أخرس مقطوع اللسان بل ومقطوع الصلة بتراثه وهويته الثقافية، ونسي هؤلاء أن الاعتماد علي الجسد في المسرح الغربي ناتج تطور فكري وثورة ثقافية وتمرد علي الثوابت الدينية والأخلاقية، حيث صار الجسد أداة معرفية في الوقت الذي مازال لدي العرب عورة ومن المحرمات!  فكيف يعبر عن الواقع في مجتمع يعيش تحت وطأة التدين الزائف؟!
دون شك كان المهرجان التجريبي عام 1988 حدثاً مدوياً في الواقع المسرحي المصري والعربي أيضاً وخاصة أنه جاء في لحظة تراجع فيها المسرح وفقد بريقه وتأثيره, فقد كان ضرورة ملحة  و كان من المفترض أن يقدم مسرحاً يختلف عن السائد والمألوف وحدث هذا في الدورات الأولي ليس فقط من خلال العروض المسرحية  ولكن أيضاً المكتبة النوعية التي تمثلت في إصدرات المهرجان علي مدي عشرين عاماً حيث كان رئيس المهرجان د. فوزي فهمي يعي جيداً أهمية الجانب النظري فقدم مركز اللغات والترجمة بأكاديمية الفنون ما يقرب من 360 كتابا كانت بمثابة نافذة علي الاتجاهات الحديثة في المسرح العالمي  ولكن لم يقرأ أحد! وواكب هذا ظهور الجماعات المسرحية الحرة من شباب المسرحيين التي مارست التجريب بعد أن تسلحت برؤية بصرية حديثة ناتج مئات العروض التي قدمها المهرجان, وكان من المفترض أن يكون  هؤلاء علي وعي بأن التجريب فعل مناقض لثقافة السائد والمألوف والثورة علي الثوابت ولكن ماحدث علي مدي سنوات في مصر هو حصر التجريب في معني واحد وهو غياب الكلمة من خلال العروض التي تعتمد علي الأداء الحركي والتعبير الجسدي في مسرح مقطوع اللسان لمشهد عربي يعيش ثقافة تعتمد في جوهرها علي الكلام / اللغة. فكان من الطبيعي أن تكون النتيجة  الانحياز لمسرح الفضائيات الذي حقق شعبية كبيرة حتي ولو مؤقتة في السنوات الأخيرة, علي الرغم من أنه يقدم مجموعة من الاسكتشات التي تعتمد وتتعمد الإضحاك علي حساب جوهر العملية المسرحية. 

  وعلي الرغم من ذيوع  مصطلح التجريب و تداوله  لم يتم  اعتماده عربياً في المسرح إلا مع بدء المهرجان التجريبي، ولكن سبقه مصطلح الطليعة الذي فرضته التغيرات السياسية والاجتماعية علي الواقع المصري في ستينيات القرن الماضي  فتم إنشاء مسرح الجيب لتقديم الاتجاهات المسرحية الجديدة خاصة مسرح العبث وتقديم العروض الطليعية التي تمردت علي السائد والمألوف بالإضافة  إلي شعبة المسرح العالمي وكان للمسرح الطليعي تأثير كبير في الواقع المصري, فهل كان للتجريبي نفس التأثير؟ ودون شك النتيجة  كانت ما يسمي بمسرح الفضائيات أو اللامسرح الذي وجد فيه الجمهور المتعطش إلي الفرجة ضالته المنشودة  في السنوات الأخيرة.
والدليل الواضح ماحدث في الدورة الخامسة والعشرين التي انتهت منذ أيام  حين قررت إدارة المهرجان احتفالا باليوبيل الفضي إعادة إنتاج العروض التي نالت جوائز في الدورات السابقة  ومنها »‬ الطوق والأسورة – كلام في سري – قهوة سادة» حيث بدا العرض الأول والثاني  كمنتج انتهت صلاحيته بعد مرور سنوات علي انتاجه وعرضه. ففي »‬الطوق والأسورة» الذي تم أنتاجه وعرضه عام 1996 عمل  المخرج علي السياق الزماني والمكاني للرواية في صعيد مصر علي مستوي الشكل وعاد بحكايات يحيي الطاهر عبدالله إلي أصولها وقدم مجموعة من طقوس العديد والحزن المصري علي أربع منصات وبرغم الاختلاف مع العرض خاصة حول إعداد الرواية وقتذاك، الا أن الجائزة التي كانت أول الغيث بعد ثماني دورات.من التجريبي ! فالرواية التي  تدور أحداثها عام 1933 في جنوب مصر وبالتحديد في قرية الكرنك بالأقصر حيث  تعيش حزينة مع زوجها بخيت البشاري القعيد  والمريض. وابنتهما فهيمة, والأسرة تنتظر عودة الأبن الغائب مصطفي والذي ذهب مع من ذهبوا إلي السودان طلباً للرزق. وتتزوج فهيمة من الحداد بعد أن يموت الأب، ولأن الحداد عاجز جنسيًا تتأخر فهيمة في الإنجاب فتلجأ مع أمها إلي حارس المعبد الشيخ هارون في محاولة لإيجاد حل، وهنا تتجلي الرؤية العميقة التي يطرحها يحيي الطاهر  لهذا العالم  الذي لا يفرق بين الجهل والإيمان ، وتحبل فهيمة وتلد طفلة لا يعترف بها الأب الذي يعلم جيداً أنه عاجز عن الإنجاب، وتمرض فهيمه وتموت ليس من المرض ولكن من الجهل، وتعيش  فرحانة مع جدتها حزينة، وتحبل من أحد شباب القرية سفاحا فيقتلها ابن عمتها الحداد ويعود خالها مصطفي الذي يحاول تغيير هذا الواقع ولكن بعد فوات الأوان، فنحن أمام مأساة أقرب إلي التراجيديات اليونانية تدور أحداثها في صعيد مصر، حيث تحولت في عرض الطوق والأسورة إلي فضاء مسرحي أقرب إلي البازار الذي يعرض أنتيكات من التراث الشعبي المصري من مواويل وعديد وتحطيب... وأشياء أخري  يمكن حذفها ولن يتأثر العرض، فإذا حذفنا الغناء النوبي  لكرم مراد, أو العديد  الصعيدي أو التحطيب لن يتأثر العرض، لدرجة أن من لم يقرأ الرواية أو يشاهد الفيلم الذي أخرجه خيري بشارة لن يستطيع متابعة الأحداث ليغرق العرض في الشكلانية العقيمة، حال عرضه مرة أخري ويشبه الملابس التي تم تفصيلها علي مقاس اللحظة  أو لمناسبة ما فبدت بعد ذلك قصيرة ومضحكة.
أما عرض كلام في سري الذي تم انتاجه وعرضه عام 2008  ويطرح مأساة ثلاث فتيات هن ضحية المجتمع الأبوي أو الذكوري، راقصة ومطربة وممثلة ولكن في العرض نشاهد ثلاث فتيات ليل يعرضن تجربتهن بجرأة تؤكد عنوان العرض »‬كلام في سري»  إذ يعرضن تجربتهن الجنسية في المجتمع ولا ينسي العرض طرح رؤيته لهذا المجتمع الذي أصبح يرتد إلي الخلف وذلك في خطاب مباشر, يطرحن أسئلة حول العادة السرية وأساليب الغرام، والختان وكلام النساء السري ليصبحن في النهاية ضحية المجتمع. و رغم جرأة التناول يخلو من الرؤية العميقة التي تطرح السؤال, فما حدث طرح مباشر ربما يحتاج إليه المجتمع، لكن المباشرة التي وصلت إلي حد الفجاجة في أحيان كثيرة أضعفت العرض، وحين شاهدته بعد أربعة عشرعاما علي انتاجه كان العرض أكثر فجاجة وسطحية  فبعد  مرور سنوات تغيرت فيها أشياء عديدة في المجتمع أصبح ما تم طرحه باهتا وهزيلاً يخلو من الإثارة التي اعتمد عليها عام 2008، فلم يتبق من العرض سوي الأداء التمثيلي الجريء  لثلاث فتيات يجلسن متفرقات  كل واحدة تحت هرم من الخيوط مشدودة من الأرض إلي السماء كأنها في  قفص أو سجن تشعر أنهن يعانين من الفراغ الجنسي وبينما تتدلي دمية لرجل مشنوق من السقف يرددن كلمات تبدو صادمة مثل »‬حاجة وسخة، في حاجات كتير عاوزة تنضف» ويبدأ الصراع علي الرجل بينهن مع مجموعة الذكريات الجنسية !  
وكان من الطبيعي أن تحاول الجماهير اقتحام أبواب القومي لمشاهدة عرض »‬قهوة سادة» بعد مرور عشر سنوات علي تقديمه  فقد امتلأ المسرح القومي بمن جاءوا قبل بدء العرض بساعتين لحجز مقاعدهم لمشاهدة هذه الاسكتشات التي تعتمد في بنائها  العميق علي المحاكاة التهكمية حيث يتناول العرض الذي جاء ناتج الارتجال  ما آل إليه الحال في المجتمع المصري عام 2008، إذ حاول فريق العمل  تقديم مشاهد تعبّر عن السلبيات التي يعاني منها المجتمع، تحت عنوان »‬قهوة سادة» ودلالة العنوان واضحة في سرادق عزاء كبير في المغفور له هذا الوطن، بعد أن مات بل وشبع موتاً.حيث يبدأ العرض بكومة كبيرة من الرمال في مقدمة المسرح توحي بالمقبرة وعليها مجموعة من الصور ويتقدم في نفس الوقت فريق العمل رجالا ونساء في ملابس الحداد السوداء الرسمية الأنيقة، كل منهم يحمل صورة أو عرضاً من الماضي ويلقي به في المقبرة مع وصلة بكاء وعويل والجميع يشفق علي الجميع والكل يعزي الكل ثم يلقي هؤلاء بمجموعة من الورود بعد وصلة البكاء والنحيب علي هذه الرموز التي تمثل صوراً لرموز الفن والفكر والأدب والموسيقي من خلال أسلوب ساخر لا يخلو من الميلودراما التي تثير مشاعر المتفرج. فقد انحاز الجمهور إلي عرض يطرح سلبيات المجتمع المصري حتي ولو من خلال مشاهد سطحية ومباشرة، وينحاز إلي الجمهور وليس إلي النظريات الحديثة وأحدث خطوط المودة، هذا الجمهور الذي أصبح بعد ذلك فريسة سهلة ولقمة سائغة لما يسمونه مسرح الفضائيات أو اللامسرح  الذي يقدم لهم مشاهد ركيكة ومواقف مضحكة تخلو من المعني والمسرح  معاً أو قل تقدم مسرحاً وهمياً. لأنه علي مدي سنوات طويلة  كانت النظريات والمدارس الحديثة أهم من العرض المسرحي بل أهم من المسرح والجمهور، فلم يكن التجريب مغامرة بل عملية آمنة ومعروفة سلفاً!  ويبدو أن المؤسسة الثقافية الرسمية علي مدي العقود السابقة كانت منحازة لهذا الاتجاه الذي جعل المسرحين يقدمون عروضهم للمقاعد الفارغة.