رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الدراما التليفزيونية الحائرة بين الكم والجودة


عبد القادر حاتم

عبد القادر حاتم

د. حسن عطية
12/8/2018 11:29:13 AM

انتهز الممثل وقوفه أمام الجمهور وأقلام الصحفيين وعدسات المصورين وكاميرات التليفزيون الخاص في افتتاح مهرجان سينمائي دولي، ليعلن أنه لم يعمل بالتمثيل منذ سنوات، وغير آمل في العمل هذا العام، نظرا للبدء في عملية تقليص عدد المسلسلات الرمضانية إلي أقل من نصف أو ثلث ما كانت عليه الأعوام الماضية، واستشهد بزميلة له بالصالة أكدت علي ما قاله، مشيرين معا إلي القضية الساخنة اليوم في الأروقة الفنية وعلي صفحات الميديا، والمتعلقة بإعلان البعض من الشركات المنتجة، والتي صارت شبه محتكرة لسوق الإنتاج الدرامي التليفزيوني، والمزعوم علاقتها بأجهزة الدولة الرسمية، مما خلط الأحاديث حول الدراما وجودتها، باحتكار الدولة بإنتاجها، حتي صرنا لا ننتجها إلا لموسم واحد هو شهر رمضان، وأصبحنا ننعت هذا الإنتاج بــ (الدراما الرمضانية) التي لا يعرف تاريخ الدراما الإنسانية بمساراتها المسرحية والسينمائية والإذاعية والتليفزيونية مثيلا لها، وانفردنا نحن بها، وتركنا باقي الشهور لإعادة ما تم بثه بكم رهيب في الشهر الفضيل.
بعيدا قليلا عن خلط السياسة بالإنتاج الدرامي، وأيضا بعيدا قليلا عن البكاء علي آلاف العاملين الذين سيخسرون عملهم بسبب قلة الإنتاج في حقل المسلسلات (الرمضانية)، دونما إنباه أو العودة للانتباه بأن الأربعين أو الخمسين مسلسلا التي تقدم في الشهر الفضيل، يمكن توزيعها علي أشهر السنة، فيمكن إنتاج أربعة مسلسلات علي الأقل وبثها في الشهر الواحد، علي القنوات المتعددة، دون أن يتوقف عامل واحد من العاملين بها عن العمل.
أما القضية التي نريد أن نتوقف عندها هنا فهي قضية الكم والمحتوي علي العشرات من المسلسلات الغثة والمتشابهة والمنقولة حرفيا عن مسلسلات أجنبية، والتي تصرخ أقلام النقاد ومحرري الفن بالصحف بالتنديد سنويا بهذه الضحالة التي وصل إليها الإنتاج الدرامي التليفزيوني (المصري)، والذي كان »رائدا وقائدا»‬ للدراما التليفزيونية العربية، ينتشر وينشر الحياة المصرية ولهجة شعبها بكل بيت عربي، ويتم مواجهتها بمسلسلات تاريخية مدعومة من دولها، حينما ابتعدت الدراما المصرية عن التعرض للتاريخ، مكتفية بموضوعات اجتماعية بليدة ومتكررة. هذا مقابل قضية الجودة التي طالب بها النقاد والمحررون عبر صرخاتهم السنوية، مطالبين بالعودة لمسلسلات الثمانينات والتسعينات، في زمن إنتاج مؤسسات الدولة (قطاع الإنتاج بماسبيرو وشركة صوت القاهرة للمرئيات ومدينة الإنتاج الإعلامي)، والتي يطالب الكثيرون بعودة الدولة عبرها للإنتاج انتصارا للأجود والأرقي، وهي مفارقة غريبة أن يطالب من يطالب الدولة بالتدخل في الإنتاج، في ذات الوقت يرفض تدخل الدولة، من خلال ما يزعم أن الساعين اليوم لتقديم الجودة علي الكم ذوو علاقة رسمية بالدولة.
وقضية الكم والجودة، ليست جديدة فقد طرحت بقوة في ستينيات القرن الماضي، وعرفت بقضية (الكم والكيف)، واشتعلت بين وزارة الإعلام وفي مقدمة مؤسساتها الناشئة (التليفزيون العربي) علي يد وزيرها د. عبد القادر حاتم، ووزارة الثقافة بمؤسساتها المتعددة وفي مقدمتها الهيئة العامة للمسرح والموسيقي، بفكر قائدها د. ثروت عكاشة، حيث اهتم الأول بملء ساعات التليفزيون الوليد بمسلسلات محاصرة في أمكنة مغلقة، ومسرحيات تقدم علي مسارح الدولة لمدة 15 يوما ثم تصور وتبث، معتبرا أن مهمة التليفزيون هي تسلية القابعين ببيوتهم، وإبعادا في ذات الوقت للتليفزيون عن الانخراط في عوالم السياسة والثقافة والشغب الفكري، التي كانت تشتعل بها الصحف اليومية، حتي بعد أن تم تأميمها وتحويلها إلي صحف (قومية)، ولذا أنشأ »‬حاتم» فرق (مسرح التليفزيون)، وصلت إلي عشر فرق خلال سنوات ثلاث، مهمة غالبيتها التسلية وإثارة الضحك بعروض كوميدية وهزلية، مقابل وزارة الثقافة التي دعمت فرقة المسرح بكتاب ومخرجين شباب قدموا التراث الإنساني جنبا إلي جنب الإبداع المصري والعربي، كما أنشأت فرقة (مسرح الحكيم)، التي أنشأت بدورها مجلة (المسرح) التي صارت كنزا لعشاق المسرح من عام 1964 وحتي اليوم، كما أسست فرقة (مسرح الجيب) لتقديم أحدث التيارات العالمية للمشاهد المصري بصور غير مشوهة كاليوم، ودعمت الوزارة الكتاب وأنشأت سلسلة المسرح العالمي ودعمت السينما بمؤسسات قدمت أبرز كلاسيكات السينما المصرية، وأتاحت الفرصة لجماهير الطبقات المتوسطة والصغري لمشاهدة أعمال »‬سعد وهبة» و»‬ألفريد فرج» و»‬توفيق الحكيم» والأسباني »‬لوركا» والألماني »‬بريشت» والجزائري »‬كاتب ياسين» بتذاكر رخيصة الثمن لا تتعدي قروشا قليلة، فتوسعت المدارك واتسعت المناقشات علي صفحات الجرائد والمجلات، وعلي المقاهي وبأروقة الجامعات، وصار الحديث عن الوجودية والاشتراكية حديث البيوت، وأضحي الصراع قويا بين الإعلام والثقافة علي سكان هذه البيوت، تزييف وعيهم بكوميديات من نوع »‬أنا فين وأنت فين» و»‬أصل وصورة» و»‬أنا وهو هي» تروج لها وزارة الإعلام عبر قنواتها مستولية علي عقول سكان البيوت ليلا، لتهدم ما تصنعه وزارة الثقافة صباحا مع هؤلاء السكان بكتاب واع ومسرحية ناضجة وأفكار تناقش الكون بأكمله.
تبنت وزارة الثقافة زمنذاك المسرحية المثيرة للعقل، وتبنت وزارة الإعلام المسرحية المدغدغة للحواس، وكلاهما يتبع الدولة ذاتها، مما يكشف عن أن الدولة ذاتها تركت الوزارة الأولي لعقل مستنير يؤمن بجمال الإبداع، وتركت الوزارة الثانية لمن يعرف أن التليفزيون سيكون أكثر وسائل الاتصال الجماهيري تأثيرا علي المجتمع، فاستخدمه لإلهائه عن قضايا المجتمع الساخنة، وتزييف وعيه بما يحدث له. وهي ذات القضية التي نواجهها اليوم، بعد أن تم إفساد الوزارتين، فلم تعد مسارح الثقافة ترتقي بوجدان جماهيرها القليلة، ولا تثير وعيه بالأفكار النشطة، ولا توثق واقعه وتؤرخ وجوده الراهن، وفقد وظيفته التي منحته من نصف قرن لقب برلمان الجماهير الحقيقة، يطلب بفضائه أحد ممثلي هذه الجماهير البسيطة، يطلب لهم من الحاكم »‬منديل الأمان» لكي يقول الحقيقة، ويدعو لحرية الإنسان وبأن »‬الأرض لمن يزرعها والمصانع لمن يعمل بها والمدارس للجميع»، فأصبح اليوم بعيدا عن جماهيره التي أهملته عندما فقدت وجودها داخله، فلجأت للدراما التليفزيونية علها تجد نفسها في مسلسلات أسامة أنور عكاشة وكرم النجار وفتحية العسال ومحمد جلال عبد القوي ووحيد حامد، مع محمد فاضل وإسماعيل عبد الحافظ وغيرهم من المبدعين القابضين علي جمر الشارع، وتحويله لأعمال ممتعة ومثيرة للوعي ومحرضة علي الفعل، وغيب الموت والإهمال والرغبة في محو الذاكرة الخصبة، ونشر ثقافة الإلهاء هؤلاء المبدعين، ليترك الساحة، أو ليتم إفساح الساحة لفاقدي البصيرة، المتراهنين علي البطولة الفجة والمعارك الوهمية والموضوعات الغريبة عن المجتمع، بزعم أن المواطن يتعب طوال يومه في أعمال متعددة، وهو يريد أن ينسي همومه خارج غرفته المحتوية علي الصندوق الغبي، ومسلسلاته اللاهية، مستعيدا مقولة فشلة الأمس »‬الجمهور عايز كده»، دونما دليل علمي علي هذا، وفقدانا في نفس الوقت لدور المثقف الدرامي في المجتمع، فليست وظيفته تقنين ما هو قائم، بل تثوير وعي مجتمعه لتغيير ما هو قائم ومتكلس، وهي مهمة ليست بالهينة، ولكنها ليست مستحيلة، إذا آمن المثقف بدوره الحقيقي والمطلوب في المجتمع.
القضية إذن ليست في تدخل الدولة في الإنتاج الدرامي، فللدولة همومها الأخري، حتي ولو زُعم بأن إحدي مؤسساتها تعمل علي احتكار الإنتاج الدرامي التليفزيوني، فإذا كان الأمر صحيحا ومؤكدا، فلماذا تحتكر الدولة إنتاجا غير مناوئ لها ؟، ولماذا تعود لتأميم قنوات وشركات لا تعارضها، بل هي تصفي أي عقل جاد وتحذفه من علي شاشاتها ؟، ومن يضمن ان المسلسلات القادمة بعد تقليص عددها في حدود الخمسة عشر، ستكون أفضل من سابقتها ؟، أي هل ستنتصر الجودة علي الكم، أم سنري نفس الأفكار والموضوعات والنجوم علي الشاشة (الرمضانية) ؟
القضية إذن ليست في تدخل الدولة من عدمه، فالدولة ليست فكرا واحدا، بل إن القضية كامنة في صناع هذه الدراما التليفزيونية، سواء انتموا لمؤسسة دولة أو لشركات خاصة، فالكل يسعي للربح والاستيلاء علي (كعكة) الإعلانات، التي تزدهر بالحضور الجماهيري أمام الشاشة المزيفة، فيزيف وعيها وتمسي سهلة القيادة، تسقط بسهولة في أيدي المتطرفين، بعد أن وقعت فريسة الجهل والتجهيل.
القضية فعلا كامنة في وعي المبدع بمجتمعه، ودوره في نقل وعيه هذا إليه، فيتقدم معه، ومحور القضية هو الجودة المثمرة جدلا حول الواقع، وبحثا عن مواجهته، وسعيا لتغييره، فالفكر العشوائي عندما انتقل بأصحابه للمدن الجديدة، نقل إليها عشوائيته، ولذا فإن القضاء علي عشوائية الفكر أهم وأسبق من بناء مدن لم يتعود عليها أصحابه، أو متزامنا ومتوازيا معه، والدراما العشوائية لا تنتج غير مواطن عشوائي، والإعلام عندما يعادي الثقافة، يصنع جاهلا متطرفا، والكم الرديء لا يترك للعقل حرية التفكير فيما تلقاه من معاناة في يومه، متخبطا طوال الوقت بين مسلسلات غثة وإعلانات رديئة، فكيف له في أن يفكر فيما يحدث خارج جدر الصندوق المهرج، تستقطب عينيه صور لامعة وأجواء ترفيهية ليست له، فتسلب عقله، وتجعله يعيش وهما بأن الفن هو أنجح وسيلة للهروب من الواقع، وان الدراما التليفزيونية هي فن الإلهاء والتغييب غير الخاضع لجهاز مكافحة المخدرات.
فهل يمكن أن نتخلي عن خلط الأوراق، ونتوجه فعلا لمناقشة حاضر ومستقبل فن الدراما التليفزيونية، عبر المناداة بأعمال جادة ومثيرة للوعي، لا يشغلها غير معايير الجودة والتميز والرقي والقدرة علي مشاغبة الواقع.