رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

حروف ميتة


كاتي دولان ترجمة: محمد عبدالنبي
12/14/2018 2:01:15 PM

الفصل الأول  
كانت أختي، من مولدها، صانعة أساطير، وطالما أحبَّت أن تحكي قصة كيف تمَّ خلط اسمينا عند مولدنا. كانت فخورة بالأمر، كما لو أنها، وهي لا تزال مولودة ضئيلة زرقاء، قد لوت ذراع النصيب وفقَ إرادتها واتخذتْ الاسم الذي كان يفترض أن يكون اسمي أنا. كان والديَّ يحاولان أن يتذاكيا (قبل أن يفقدا قدرتهما علي أي شيء آخر سوي أن يكونا شخصين في غاية التعاسة)، وكان يُقصَد باسميَّ أنا وأختي أن يكون جزءًا من الميثولوجيا المُلتوية وواضحة التعبير عن ذاتها لأسرتنا. من إيه إلي زِد، [من الحرف الأول للحرف الأخير]، آفا وزيلدا. المولودة الأولي ستكون ألف آفا، والثانية ستكون زاء زيلدا، وهما معًا ستكونان الأبجدية بكاملها بالنسبة لوالديَّ الواهمين والمتفائلين لفترة وجيزة، وكان اسم كلٌ منهما يقع في المنتصف بشكل عادي للغاية: ميم مارلون ونون نادين. سُمّي أبي باسم نجم سينما، وبنرجسيته قصيرة النظر المعتادة منه سعي لأن يخلق نوعًا من الإرث الذي يبدو مهمًا وكبيرًا لأسرته الصغيرة المتبرعمة، والتي لن تتبرعم.
كنت المولودة الثانية، وهكذا كان مقدرًا لي نهاية الأبجدية. لكنَّ أختي كانت هي زيلدا من صرختها الأولي بعد مولدها، زيلدا الضارية والتي لا تُقهَر حتي قُربانها الأخير. ممرضة غير مكترثة بشيء سلمت أبي الطفلتين ولكن بالترتيب الخطأ، وهكذا فإن مولودته الثانية هي التي ألقيت بين ذراعيه بغير رِفق، وهكذا عُمّدتُ باسم آفا. أقول »عُمدتُ»‬ علي سبيل التعبير الاعتباطي لا أكثر؛ فإنَّ أمي التي توشك علي الانهيار العصبي التام لم تضع فكرة العِماد الرسمي موضع نقاش. كان والداي وثنيين جيدين، حتَّي وإن لم يكونا جيدين في أي شيء آخر.
ابتهجَ أبي لهذا المنعطَف القَدري الغريب، وأصرَّ علي أن نحتفظ باسمينا المغلوطين؛ قال إن عائلة آنتيبوفا سوف تقلب الأبجدية رأسًا علي عقب. كانت أمي، وكما هو متوقع، راقدةً علي فراشها في تَجهمٍ وقنوط، علي الأرجح تحصي الثواني حتَّي تشرب أوَّل كأس جين وتونيك لها منذ تسعة أشهر. حتَّي الآن، لا يمكنني أن ألومها حقًا.
أصدر مؤشر حزام الأمان الضوئي أزيزًا، وفتحته من أجل أن أغوص بيدي في حقيبة يدي نابشةً عن جهاز الآيباد. كنت قد قرأتُ الإيميل مرات عديدة للغاية حتَّي حفظتُه، ولكن لا أزال أشعر برغبة قهرية في التحديث في الكلمات علي الشاشة الوامضة.
To:[email protected]
From: [email protected]
June 21, 2016 at 3:04 AM
آفا، بصراحة الهدف الأوَّل من امتلاكك محمولا هو أنني أستطيع الاتصال بك في حالة الطاورئ(١). وهذه حالة طارويء. إن كنتِ التقطت تليفونك محمولك الملعون، ما كنتُ اضطريت أن أخبرك عن طريق آميل بأن أختك ماتت. الظاهر أن نارًا قد اشتعلت بعد نوبة من نوبات سُكر أختك، والظاهر أيضًا أنها لم تطفيها. إذا غادرت باريس غدا فربما تلحقين بالجنازة في وقت مناسب.
لم أستطع حقًا أن أحدد إن كانت أخطاء الكتابة بسبب أن ماما (أ) سكرانة، (ب) لم تتعلَّم قط الكتابة علي الآلة الكاتبة (»‬أنا لستُ سكرتيرة حقيرة. لم أصبح ناشطة نسوية لينتهي بي الحال أنسخ مراسلات»)، أو (ج) أن عته الشيخوخة يؤثّر علي قدرتها علي تهجي الكلمات. أراهن بكل ما لديَّ علي الاحتمال الثالث. لم يسبق لي أن رأيتُ أمي نادين آنتبوفا، أو حسب اسمها قبل الزواج آنسة أوكونور، تستقبل أي خبر يأتيها، سواء أخبارا طيبة أو سيئة، إلَّا بربع جالون من شراب الجِن الجاهز بين يديها. لا بدَّ أنَّ موت ابنتها، وخصوصًا الابنة المفضَّلة لديها، قد هزَّها بشدة. تخميني أنها كانت سكرانة بالفعل عندما أخبروها، ولم تكن قادرة علي الوصول إليَّ عبر هاتفي المحمول لأنها إمَّا لم تستطع أن تتذكر رقمي أو أخطأت في كتابته. فاضطرت لأن تتعثر صاعدةً للطابق العلوي حيث جهاز البوك ماك العتيق والبالي يتجمع عليه الغبار فوق ما كان فيما مضي مكتب أبي. كان عليها أن تحط بجسدها فوق مقعد المكتب غير المستقر وأن تضيّق عينيها في وميض الشاشة. وبعد دقائق عديدة مُحبِطة وبدايات خاطئة (وربما جرعة كبيرة أخري من الجِن)، استطاعت أن تجد برنامج الفايرفوكس ثم تشق طريقها إلي الجيميل، إن لم تجرب أولًا حسابها القديم المعطوب علي الهوتميل. أغلب الظن أنها أخذت تصب اللعنات بقسوة علي الشاشة عندما طُلبت منها كلمة السر. لعلَّ نادين ستعتبر طَلب الكمبيوتر منها أن تتذكر جزئية محددة بمثابة تعد شخصي عليها، أو تهكم صريح علي قدراتها المنهارة.
ستحاول أن تكتب شيئًا ما في الخانة، وسوف يعاد تسكين كلمة السر في الحال، لأنَّ زيلدا، وبطريقتها المتناقضة المستهترة، حاولت أن تجعل الحياة الكئيبة لأمنا أيسر قليلًا. وعندئذٍ، وهي سكرانة، ومتوترة، وغاضبة، وخائفة، كتبت أمي رسالة إلكترونية لتخبرني فيها بأنَّ أختي التوأم ماتت محترقة. وإذا كانت هذه هي الطريقة التي اتبعتها لتخبرني أنا، فيمكنني أتخيل كيف عرف أبي بالأمر.
أول خاطر راودني عند قراءة الرسالة أنَّ زيلدا قد احترمت تلك الميتة: فلو كان لها أن تختارها لكانت علي هذا النحو تمامًا. كانت نهاية ملائمة لامرأة سميت باسم السيدة فيتزجيرالد(٢)، والتي ماتت، وهي تهذي علي ما يُفترَض، عندما شبت النيران في المصحة النفسية التي حُبست فيها خلال فترة معتبرة من حياتها. هكذا تموت بيرثا روشستر(٣)، في ظروف مشابهة إلي حد كبير. عندما كنا أطفالًا، كنا نمثل مسرحية جان شهيدة آرك، وكانت زيلدا تعد محرقة معتني بها للغاية من أجل عرائس القش، وتزينها علي صورة المراهقة الشهيدة. (كانت زيلدا هي جان؛ وكنتُ ألعب أنا علي الدوام دور محققي محاكم التفتيش الإنجليز الأشرار). كان الموت بالنيران هو الموت الصحيح للحالمات والمعتوهات، وزيلدا كانت الاثنين معًا. شبيهتي المُظلمة.
لكنني عندئذٍ، ولأنني أعرف أختي، كنتُ أقرأ ما بين السطور.


عنوان الرواية هو Dead Letters ويوحي بأكثر من معني، منها حروف ميتة أو رسائل لم تصل إلي العنوان المرسلة إليه وأيضًا أشياء فقدت سلطتها وقوتها دون أن تُلغَي رسميًا. ومن الواضح أنَّ العمل ككل حافل باللعب علي الكلمات والحروف، فالحرف الأول من الفصول المتتالية هي حروف الأبجدية علي الترتيب، كما أنَّ الحروف الأولي من أول ثلاث كلمات في هذا الفصل الأول هي أوَّل ثلاثة حروف في الأبجدية الإنجليزية، وما شابه ذلك ممَّا قد يصعب نقله للعربية بوضوح.
(١) هناك بعض الأخطاء الإملائية المقصودة في الأصل الإنجليزي.
(٢) زيلدا فيتزجيرالد، روائية أمريكية وزوجة الكاتب فرانسيس سكوت فيتزجيرالد، قضت الجزء الأخير من حياتها في مصحة نفسية.
(٣) بيرثا روشستر هي إحدي شخصيات رواية جين إير، للروائية الإنجليزية تشارلوت برونتي، وكانت بيرثا مضطربة عقليًا لدرجة عنيفة وحبست في غرفة بمنزل زوجها إدوارد روشستر خلال أغلب حياتها ثم ماتت محترقة.