رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

الثقافة هي السبيل لتحرير وتوحيد المجتمع البشري


أعد الندوة للنشر : جمال المراغي
12/14/2018 2:09:34 PM

في الحادية عشرة صباحًا، كان الموعد للقاء الفكري بين الضيف الأمريكي والمضيف المصري، اتخذ كل منهما جانبا علي مائدة اللقاء في مواجهة الآخر وبدا الترقب علي وجوه البعض والحماس الشديد في عيون البعض الآخر.  

سفراء جامعة أيوا
تشكل الجانب الأمريكي الممثل لبرنامج الكتابة الإبداعية بجامعة أيوا من الشاعر كريستوفر ميريل والكاتبة الصحفية زينة عرفات والروائية كيت دولان- ليتش والشاعر دوجلاس مانويل وبصحبتهم المترجم جون راغب.
كريستوفر ميريل أو كريس؛ كاتب وشاعر أمريكي مزج في كتاباته النثرية والشعرية بين الجوانب الإنسانية والاجتماعية من جانب والسياسية من جانب آخر بفضل عمله كمدير للكتابة الدولية بجامعة أيوا، كان خلالها مراقبا لحروب منطقة البلقان ويوغسلافيا تحديدا، وتأثر بها كثيرا، وكتب عنها، وتعددت رحلاته خارج الولايات المتحدة، وكان أول كتاب صدر له عن كأس العالم عام 1990 وصدر له ستة دواوين شعرية ومثلها كتبا من الواقع وعددا من المترجمات عن اللغتين الكورية والسلوفينية.
أما زينة عرفات؛ كاتبة من جذور عربية فلسطينية، نشأت بولاية أيوا، ودرست الكتابة في جامعة فرجينيا، كما حصلت علي درجة الماجستير في الشئون الدولية من جامعة كولومبيا، وتعيش بمدينة بروكلين بولاية نيويورك، وهي منسقة للمجتمعات الإسلامية في ورشة الكتاب الأمريكيين الآسيويين، وجدت في نفسها الرغبة في الكتابة مبكرا، لم تكن في حاجة للخيال في ظل التجارب التي عاشتها بفضل نشاطاتها الأدبية والسياسية وأسفارها، ونشرت أعمالها الروائية ومقالاتها في عدد من الصحف الأمريكية.
بينما كيت دولان- ليتش؛ فكاتبة ومترجمة من نيويورك، تجمع بين اللغتين الانجليزية والفرنسية، تخرجت من كلية ترينيتي في دبلن وحصلت علي الماجستير في الترجمة الثقافية من الجامعة الأمريكية بباريس، عملت في البداية كمترجمة لبعض الروايات عن اللغة الفرنسية وأحيانا عن اللغة الإيطالية، ثم حققت نجاحا ملحوظا مع صدور روايتها »حبر علي ورق»‬ عام 2017.
ودوجلاس مانويل؛ شاعر من مدينة أندرسون بولاية إنديانا، حصل علي درجة البكالوريوس في الكتابة الإبداعية من جامعة ولاية أريزونا وعلي درجة الماجستير من جامعة بتلر، وعمل مديرا للتحرير في بوث أي جورنال ويسعي للحصول علي درجة الدكتوراه في الأدب والكتابة الإبداعية، فاز أول دواوينه »‬شهادة» بجائزة بنيامين فرنكلين في الشعر عام 2017، ويقوم بترجمة بعض الإبداعات الشعرية عن اللغة الإسبانية.
رحب بهم من الجانب المصري الكاتب الصحفي طارق الطاهر رئيس التحرير جريدة »‬أخبار الأدب» والكاتب الصحفي محمد شعير والروائية منصورة عز الدين والروائية والمترجمة الدكتورة ريم بسيوني والكاتبة الصحفية سلمي قاسم جودة والكاتبة الصحفية مرفت عمارة والكاتبة الصحفية عائشة المراغي والكاتب الصحفي شهاب طارق.
وتوجه الطاهر بالشكر للضيوف ثم تحدث في البداية عن حرص واهتمام الجريدة منذ تأسيسها قبل نحو 25 عاما بالتواصل مع الأدباء بالداخل والخارج وأن لديها اهتماما خاصا جدا بالترجمة من اللغات الأصلية مباشرة، وأن أخبار الأدب هي الجريدة الوحيدة التي تحرص علي تأجيل طباعتها من أجل متابعة الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل في الأدب مرة كل عام في بداية شهر أكتوبر من أجل إعداد ملف عنه خلال ساعات معدودة، وأن لدي الجريدة ما يشبه المجلة المتخصصة في الترجمة تصدر كملحق مع العدد الأخير شهريا، ويتضمن ترجمة لنصوص إبداعية ورصداً للحركة الثقافية في كافة أنحاء العالم، إلي جانب إقامة مسابقة لترجمة النصوص الإبداعية من أي لغة إلي اللغة العربية مباشرة سنويا.
بدوره وجّه كريس الشكر للجريدة لاستضافتها هذا اللقاء، وعرّف نفسه بأنه مدير برنامج الكتابة بجامعة أيوا، وهو البرنامج الذي بدأ منذ نحو 50 عاما ويقوم بجمع الكتاب لمدة عشرة أسابيع ما بين شهري أغسطس ونوفمبر كل عام، وبينهم كتاب مصريون، وأن الدورة المنتهية منه ضمت 28 كاتبا من 27 دولة بما يشبه الأمم المتحدة للكتابة بمدينة أيوا، ذلك المكان الذي يقصده الكتاب في الولايات المتحدة، ورغم أنها مدينة صغيرة لكنها تعتبر مدينة اليونسكو هناك، وأنهم منذ 35 عاما كانوا يأتون بالكتاب إلي أيوا خلال هذا البرنامج سنويا، ثم أخذوا يذهبون بالكتاب الأمريكيين إلي كل أنحاء العالم منذ 15 عاما بمنحة من الجامعة وهم سعداء بأنهم أول مجموعة من البرنامج تأتي إلي مصر والذي يتضمن عددا من ورش العمل للطلاب تختص بمبادئ الكتابة الإبداعية أقيمت في جامعتي عين شمس والجامعة الأمريكية في القاهرة.
ثم أنهي تعريفه بابتسامة وعبارة »‬ابنتي تتحدث العربية»، وهو ما جذب انتباه الدكتورة ريم لتكتشف أنها و»‬آنا» ابنة كريس درستا بذات الكلية بجامعة »‬جورج تاون»، وكان هذا هو المنعطف الأول في سبيل بلوغ شيء من الألفة يأخذه لمنحي مختلف أفضل، ليرد كريس علي هذه اللفتة بأخري عندما  أشار إلي أنه يعمل بالإذاعة منذ عشر سنوات ويختص خلالها بمتابعة جائزة نوبل سنويا وعليه أن يجمع المعلومات في أقل وقت ممكن، لكنه حصل علي بعض الراحة هذا العام بعد إلغائها.
وبدت كيت من الوهلة الأولي مرحة في كامل تركيزها مقبلة علي اللقاء بحماس وهي تعرّف نفسها بأنها كاتبة ومترجمة من شمال ولاية نيويورك لكنها تعيش بمدينة أيوا وتعمل بجامعتها، وأن روايتها الأولي »‬حبر علي ورق» محلية للغاية تدور أحداثها في مزرعة عنب بقريتها الصغيرة التي عاشت بها، وأنها بدأت بالعمل في الترجمة لكن رغبتها في أن يعرف العالم بلدتها وحياة الناس بها دفعها للكتابة الروائية.
بحماس أكبر وبشجاعة تحدّث دوجلاس عن نفسه، وأنه لأول مرة يعبر المحيط الأطلنطي، فقد سبق له السفر إلي المكسيك وكندا فقط، وأن مجموعته الشعرية »‬شهادة» تتمحور حول أحداث شخصية وتجربته ومعاناته بعد وفاة والدته وعمره ثماني سنوات ثم إدمان والده للمخدرات، وأشار إلي أن صديقته تجيد التحدث باللغة العربية بحكم دراستها في الجامعة وكانت تود كثيرا الحضور معه.   
بينما عرّفت زينة نفسها، وكانت تبدو شاردة الذهن إلي حد ما، بأنها كاتبة وصحفية من نابلس، عاشت حياتها بين واشنطن وعمان، وأنها وجدت في الكتابة فرصة لإلقاء الضوء علي فلسطين وأهلها، وتعد حاليا لروايتها الأولي المنتظر صدورها بعد عام، عن امرأة فلسطينية وعلاقتها الوجدانية بوالدتها وبمن حولها عموما والتي تعكس بعضا من الثقافة الفلسطينية، وأنها قامت بكتابة مجموعة من المقالات عن العرب المهاجرين وأخري بالأساس عن فلسطين، وتقوم بتدريس الكتابة الإبداعية بمدرسة تابعة لجريدة »‬نيويورك تايمز».
الهوية والجذور
قصّ شعير الشريط وبدأ بتساؤل عن الانطباعات الأولي لهم في مصر، فأشار كريستوفر، وكأنه ربان سفينة أو مايسترو يقود المجموعة، إلي كيت ودوجلاس لأن يتحدثان كونها الزيارة الأولي لهما، فردّت  كيت بتلقائية: من المعتاد أن تصل إلينا الصورة مغلوطة، ليس عن مصر فحسب ولكن عن العالم بأسره، فمع كل زيارة لأي بلد يتضح لي مدي ما يُحدثه الإعلام من تشويه أو محو لسمات أساسية، ثم أضافت: هذه هي المرة الأولي لي في الوطن العربي، ومنذ وصولي لقيت ترحيبا وودا كبيرين من الجميع، وأنا كامرأة لم أعتد السير بحرية في الشوارع خلال زيارتي لأي بلد ولا حتي في باريس، لكني قمت بذلك في مصر وبارتياحية شديدة حتي الآن.
ثم أشار كريس لدوجلاس ليتحدث بزهو: تلك هي المرة الأولي لي التي أعود فيها إلي أفريقيا - قارتي الأصلية - كأول فرد من أسرتي يفعل ذلك، كنت أعلم من والدي وأخي أن مصر بلد كبير ويرسخ هذا بمخيلة الكثيرين من الأفارقة في الولايات المتحدة، ولم يكن لدي سوي تخيلاتي، لكني دُهشت حينما جئت إلي القاهرة ووجدتها مدينة عالمية، وعندما ذهبت إلي المعابد في الأقصر وشهدت الحضارة والعمق التاريخي شعرت بالضآلة والتواضع الشديدين، خاصة أني لا أعرف عن جذور عائلتي أكثر من المائتي عام الأخيرة ولا أدري عن جذوري الأفريقية شيئا، وشعرت بالفخر أيضا.
واصلت الدكتورة ريم بحثها عن الألفة وتحرير الأفكار والمشاعر، فوجّهت تساؤلاتها لدوجلاس عن الهوية وأن يتحدث أكثر عن تجربته الشعرية ومعاناته معها وعن والده ووالدته.
فردّها دوجلاس بصراحة ترضيها ومزيد من الشجاعة: إن النقاش حول الهوية لم ينقطع بيننا مؤخرا، لأن العبودية وتاريخ الأمريكان الأفارقة يبدو حاضرا مع الفقر والمخدرات في الحي الذي عشت به في إنديانا، ونفكر في أن هذا هو حال كل الأفارقة في أمريكا فيما عدا الفنانين ولاعبي كرة السلة، هذا ما يجعل أخي وغيره يفكرون في العودة إلي أفريقيا بأذهانهم وفكرهم، وكنت أنا أول من ذهب للجامعة من عائلتي منذ 12 عاما، عندها عدت أحدّث أخي عن نماذج أخري من الأفارقة غير الذين ألفناهم، لكن يمكن القول إني شعرت بجزء من هويتي في مصر وأنها أفريقيا بالنسبة لي، كما ساهمت هذه الزيارة في تصحيح بعض معلوماتي الخاطئة عن مصر.
ثم استطرد بعد أن التقط أنفاسه، وبوجه باسم قال: بالنسبة لي، هويتي تنبع من عدة مصادر أو قل أني متعدد الهوية، فحياتي في حينا الفقيرة مع أسرتي هوية، وعملي الأكاديمي في الجامعة هوية، وكتابتي للشعر هوية، كل هذه وغيرها أجزاء متداخلة من هويتي وأنا أحاول أن أنتهز الفرصة والمساحات المتاحة لأتنقل من واحدة لأخري، بجانب صديقتي الهندية المسلمة التي أخذتني لنوعية أخري من العلاقات أثرت في وتلك هوية أخري، ثم ضاحكا: وهويات أخري كثيرة ومتجددة كأني مئة شخص متداخلين.
وبشعور مدهش بالراحة رد دوجلاس علي السؤال الثاني: من الأسباب الرئيسية لإدمان والدي كثرة المخدرات وسهولة جلبها في مجتمعاتنا السوداء، إلي جانب البطالة المنتشرة هناك مما يؤدي للانحلال الشديد، ووالدي كان ضحية هذا إلي حد ما بعدما تم تشريده عقب غلق المصنع الذي كان يعمل به، وهو ما دفعه لإدمان الكوكايين ثم الولوج إلي السجن، في حين أصاب والدتي المرض وماتت، لتتولي خالتي تربيتي، كما أدمن أخي الأكبر والأقرب إلي المخدرات أيضا ثم زج به إلي السجن بدوره، وهو ما جعل علاقتي بوالدي وأخي معقدة.
الحبكة والتجريدية
جذبت منصورة بجدية الحوار إلي منطقة أخري أكثر حيوية لها وربما لغالبية الحضور وتساءلت عن أن الكثير من مراجعات الكتب في الصحف الأمريكية تركز علي الإبداعات غير التجريبية وغير الطليعية بينما الاهتمام يكون دائما بالروايات التقليدية التي تهتم بالحبكة والحدوتة مقارنة ببلدان أخري بها مساحة تجريب وتجريبيه أكبر، فهل هذا الانطباع صحيح وإن كان كذلك فهل يمثل هذا عائقا أمام هذه النوعية من الكتابات ؟
عاد كريس يشير إلي كيت لترد، فتأملت لبرهة ثم وهي تضحك في خجل طفولي قالت: نعم، انطباعك صحيح، فأنا شخصيا أكتب روايات الحبكة، وهو ما يضاعف من الاهتمام بها، ويجعلها تحقق مبيعات بسهولة كبيرة، بينما عندما قمت بترجمة رواية تجريبية لم يهتم بها أحد، ثم عقبت موضحة: في الحقيقة، أنا لا يشغلني ما سيؤول إليه الأمر بين روايات الحبكة ونظيرتها التجريبية وأي نوعية أخري من الكتابات، أنا أود أن أكتب رواية تجمع بين التجارية والتجريبية ولكن لا يمكنني ذلك.
قرأت منصورة في العيون أن هناك من له رأي آخر أو يرغب في المشاركة برؤيته بينهم فمنحته الفرصة، وهو كريس الذي ارتدي عباءة المحاضر الوقور وبابتسامته تحدث: يجب أن ننتبه للفارق بين المراجعات التي تكتبها الصحف الكبري مثل نيويورك تايمز وبين ما يحدث في عالم الكتابة والأدب الأمريكي عامة، وجامعة أيوا كانت الأولي في تأسيس برنامج للكتابة الإبداعية، والآن هناك أكثر من 350 برنامج للكتابة الإبداعية في الجامعات الأمريكية، وفي الاجتماع السنوي للمنظمة التي تضم كل هذه البرامج الأدبية في حضور نحو 13 ألف مشارك وفي نهاية هذا الاجتماع أو المؤتمر يقام معرض للكتاب بمشاركة نحو 800 إلي 1000 دار نشر صغيرة مستقلة، وفي الصحف المتخصصة والمستقلة يمكن أن نجد مراجعات أدبية للروايات المختلفة والمتنوعة والتي لا نجدها في الصحف الكبري، إلي جانب أن الإعلام الأمريكي بشكل عام خلال العقد ونصف الأخير لم يهتم أو يصوّب تركيزه تجاه التطور والأحداث الكبري في أدب أمريكا المعاصر ومدي ما أحدثه ذلك من تنوع وثراء ثقافي. لتتضح الصورة أكثر؛ قد لا يتمكن أحد الشعراء من خريجي برنامج أيوا أن يبرم عقدا مع دور النشر الكبري في نيويورك أو سان فرانسيسكو، فيلجأ إلي تأسيس دار نشر صغيرة خاصة به في مكان آخر وهو ما يُحدِث بدوره حراكا في مجال الأدب وتطورا بعيدا عن دور النشر الكبري المعروفة.
وعقب نظرة خاطفة وناعمة وثاقبة للحضور أمامه حسم الأمر بقوله:  يجب أن ألفت نظركم إلي أن هناك نحو 200 ألف كتاب يُنشر سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية ونيويورك تايمز لا تهتم سوي بمئتين منها فقط.
دون قصد منها قطعت منصورة مسافة لا بأس بها من التقارب بتعقيبها: هذا بالضبط ما كنت أقصده، لأني لم أبدأ في التعرف علي الأدب الأمريكي الذي يعنيني وأهتم به إلا عندما أهملت ما يُكتب في الصحف الكبري واعتمدت علي ذائقتي الشخصية.
يبدو أن شعير قد دفع بزينة لمزيد من الانتباه عندما لمس همها بعودته إلي الهوية وأن تدلو بدلوها فيه، فحاولت زينة التركيز وعقبت: في الحقيقة، أعتقد أن ما يميّز هويتي أني فلسطينية أمريكية وتلك نقطة انطلاق لأصبح كاتبة، لأن الكتابة ستمنحني الفرصة والمساحة لأعبر عن هذا المزيج وتأثيره علي فكري ووجداني، وأعتقد أيضا أن من الأشياء الجيدة التي حدثت معي أن المجتمع الأمريكي في حالة جوع شديدة تجاه قصص تحمل ثقافات وهويات أخري مختلفة عن المعتاد وهو ما ينعكس علي الناشرين كذلك، وهناك رغبة جامحة لديهم تجاه القصص الذاتية التي تروي بأسلوب المخاطب، أنا، وتجارب هؤلاء ممن تقترن هويتهم الأمريكية بهوية أخري، لأن هذا يمنح القراء مزيداً من التنوع.
وأضافت بعدما أحست برغبة في الفضفضة: أشعر بهذه الشخصية أنه من الصعب أن أسير علي هذا الخط أو الحبل المشدود، فعلي  كاهلي مسئولية أن أعبِّر عن نفسي كفلسطينية وكعربية بشكل عام، في الوقت الذي أواجه فيه فكرا مسبقا وراسخا لدي الوكيل أو الناشر وصورة ذهنية معتادة وغير صحيحة في الغالب علي أن أتعامل معها، وأحاول التوفيق والمواءمة بين الأمرين، فمثلا خلال الإعداد لروايتي سألني الناشر عن سبب عدم ارتداء جميع الشخصيات النسائية بها للحجاب، وكان علي أن أوضح له الأمر وأقنعه.       
الموهبة والصنعة
ثم عاد شعير يجذب كريس دون أن يحدد إلي منطقة هامة بسؤاله عن تدريس الأدب وشروط ذلك في ظل الاعتقاد الراسخ لدي المصريين والعرب بأنه لا يُدرَّس وأنه مجرد موهبة، خاصة أن كتاباً أمثال همينجواي وفوكنر لم يدرسوا الأدب.
لكن كريس أشار لدوجلاس بصفته الأكاديمية ليرد، فقال: نحن نحاول أن نعلم الطلاب أن يقرأوا ككتاب، وتحريرهم من الأفكار الثابتة لديهم، كما تساعدهم الحصص التدريبية وخوض التجارب ومراجعتها ومحاولة تصحيحها في ذلك، وأحاول مساعدتهم أيضا للتعبير عن مشاعرهم وأنكرهم بكلمات مغايرة عما لديهم وإخراجهم من المنطقة المحاصَرين فيها لغويا، وأركز معهم دائما علي أهمية العمل الجاد والاجتهاد، فالموهبة وحدها بدون اجتهاد وتكرر المحاولة بلا كلل أو ملل لا تكفي، وعلي كل منهم أن تكون لديه طقوسه الخاصة في العمل ويلتزم بها، وبالتالي؛ بالنسبة لي تعليم الكتابة كالمدرب لأي لعبة رياضية، يحاول منح اللاعبين أو المتدربين الأساسيات ومن ثم يمكن لكل منهم أن يبدع بطريقته الخاصة.
قاطعته ريم بعدما طرأ علي بالها لحظيا سؤال في محله حول إن كان المتدربون يصبحون جميعهم كتابا فيما بعد، وهو ما اضطر معه كريس للحديث عن كونه له باع طويل في التدريس بعبارة تحمل كثيرا من الحنكة: نسبة لا بأس بها منهم يضحون كتابا، لكن النسبة الأكبر منهم يصبحون قراء جيدين، إنما ما يدهشني هو السؤال عمن يتعلمون الأدب، فلماذا لا نسأل عمن يتعلمون الكمان أو رقص الباليه، فلن يصبحوا جميعا عازفين أو راقصي باليه معروفين بالتأكيد.
ثم آب كريس يتحدث بإخلاص كبير لعمله عن برنامج أيوا للكتابة الإبداعية كونه أشهر برامج الكتابة الإبداعية ويُخرِج نحو 50 كاتبا سنويا، نصفهم تقريبا من يكتب وينشر كتاباته، 5 منهم كتاب جيدون، والبقية ما بين صحفيين ومعلمين أو متخصصين في العلاقات العامة جيدين أيضا، وفي المجمل فإن المتدربين يقضون عامين في مجتمع أدبي فني مكثف يمكنهم من الإبداع وأساليبه، وهو ما سيفيدهم بطبيعة الحال في أي مجال يعملون به.
التنوع والخطر
تداخلت مرفت عمارة في المناقشة وأعادتنا إلي الهوية التي شغلت الحضور بشدة وتساءلت عما إذا كان التوجه للكتابة عن الجذور والبلد الأم لكل كاتب يمكن أن يمثل خطورة علي الأدب والثقافة الأمريكية، فتأهبت كيت للرد ورحّب زملاؤها بذلك، وأجابت بصراحتها المعهودة منذ بدء النقاش: نعم، ربما يمثل ذلك بعض الخطورة، لكن الأهم والأصعب من وجهة نظري ليس أن يكون لدي الكاتب قصة مختلفة يقدمها ولكن أن يقنع القراء بأنه كاتب جيد. ثم وجد دوجلاس أن لديه ما يضيفه فأخذ بدفة الحديث وكان أكثر جدية وصرامة: بالتأكيد سيشعر الكثيرون في أمريكا بالتهديد من التنوع الثقافي، ولكني أعتقد أن الباب ليس مفتوحا لكل الثقافات، فهناك انتقاء واختيار لثقافات معينة سيُسمَح بها وتسود بمرور الوقت.
حرّكت كلمات دوجلاس الأخيرة زينة لأن ترغب في التحدث دون أن يُطلب منها خلال الجلسة: هذا الباب المفتوح ليس علي مصراعيه للثقافات المسموحة بها، فمن يتحكمون به، وهم من البيض بطبيعة الحال، يختارون واحداً من العرب وآخر من السود وهكذا حسب رؤيتهم، فالأمر ليس متاحا لكل من يرغب.
فعقبت منصورة بأنها لاحظت أن هناك هوساً بتقسيم الكتاب، هذا كاتب يهودي وذاك كاتب أفرو أمريكي وتلك كاتبة مسلمة أو عربية، وتساءلت إن كان وراء ذلك رغبة في إبراز التنوع الثقافي أم مجرد درجة من التمييز والعنصرية المتوارية، فأكد دوجلاس أنه مزيج من الأمرين معا، وإن كانت الاعتبارات التجارية هي التي تسيطر في كل الأحوال، ثم أضاف: من تجربتي الشخصية، فعندما فتح لي الباب كنت في حاجة لبعض من مجتمعي الأفريقي ليساندني ويقف في ظهري لأتمكن من العبور.
طرحت سلمي جودة سؤالا كلاسيكيا عن إطلاعهم علي الثقافة والأدب العربي ولم تكن كيت أو دوجلاس علي استعداد للإجابة عليه، فأنقذهما كريس بخبرته: بطبيعة الحال؛ لا تتوافر كتب كثيرة مترجمة من أي لغة للإنجليزية في أمريكا، ولكن يمكن لمن يهتم بالأدب العربي أن يجد كتبا متوافرة وبوسائل متعددة ومختلفة، فأنا أقرأ لنجيب محفوظ عبر تليفوني المحمول، وهناك مجلات تهتم بنشر الأدب المترجم من مختلف اللغات مثل كلمات بلا حدود words without borders ، تصدر شهريا ويحرص محررو الصحف الكبري في نيويورك علي متابعة ما ينشر بها ربما يجدون ما يجذب اهتمامهم، هناك مؤسسة معنية بالترجمة كان لديها نحو 50 مترجما من مختلف اللغات أصبحوا ألفا.
وعرضًا تحدثت كيت عن كتابة السيرة الذاتية وأن علي الأمريكان التعلم من الفرنسيين في هذا المجال، وضربت المثل بشاعرة كسبت شهرة بنشر أشعارها علي تويتر ثم جمعتها في ديوان مطبوع.
اندفعت زينة بالتعقيب مجددا لتوضح: لا يمانع الناشرون الأمريكيون في نشر السير الذاتية إن وجدوا عملا جيدا من هذه النوعية، ولا فرق في ذلك بين أصحاب الثقافات المختلفة، ولكن تكمن الصعوبة في كيفية الترويج له، لهذا يلجأ البعض لنشر أجزاء من أعمالهم علي مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لها وتشجيع الناشرين ودفعهم لنشرها، بالتالي يمكن لعدد المتابعين للكاتب عبر هذه المواقع أن يتحكم في قرار نشر العمل من عدمه.
فأيدتها منصورة، بل وأكدت أن بعض الناشرين في مصر يتبعون ذات النهج.
دفعتني خبرة كريس الواضحة وحديثه عن برنامج الكتابة الإبداعية التعليمي أن أسأله عن وجهة نظره الشخصية في مدرستين، إحداهما تري أن الموهبة أساس في المجالات الأدبية والفنية، والأخري تتبني منهج التعليم بصرف النظر عن توفر الموهبة من عدمه، فأجاب: هناك مقولة تقول أنك لا يمكن أن تعلم عبقريا، ولكن يمكن أن تساعد الموهوب في تحسين قدراته في الكتابة، إن كان لديه رغبة حقيقية في أن يكتب، وقال معلمي ذات مرة أنه لا يمكن أن أجعل أي منكم كاتبا، لكني أرعاكم مثل الورود الصغيرة بأن أوفر لكم ما تحتاجونه من ماء وسماد، لهذا فمهمتي كمدرس أن أعطي الجميع الأدوات المناسبة التي تأهلهم ليكتبوا بأسلوب أفضل.
تداخلت كيت برشاقة في النقاش لتصيب الهدف بأن المدرستين اللتين ذكرتهم مجسدتان ومتنافستان في أمريكا بالفعل، فنجد النشر في مدينة نيويورك مثلا يعتمد علي الموهبة في حين أن برنامج مثل أيوا ينتهج التعليم، ثم ألقت بمفارقة جوهرية بقولها: أنا من أبناء نيويورك، مارست الكتابة دون أن أتعلمها، ونشرت لي إحدي دور النشر الكبري روايتي، والآن أنا أدرس الكتابة الإبداعية في جامعة أيوا، لكني أعلِّم طلابي وفق فكر مدينة نيويورك ومدرسة الموهوبين.
الانصهار والتقسيم
ثم سألتُ الجميع عن التعارض بين فكرة الانصهار في المجتمع الأمريكي التي كثر الحديث والكتابة عنها، بينما تنتشر علي الأرض التجمعات التي تعتمد علي جذورها كالتجمع العربي، الأفريقي، المكسيكي، الأيرلندي، الإيطالي وغيرها وانعكاس ذلك علي كتاباتهم.
فانبرت كيت تتحدث ضاحكة وفاجأتنا مرة أخري: أنا من أصل أيرلندي وسافرت إلي دبلن عندما كان عمري سبعة عشر عاما، وقضيت بها أربع سنوات، لكني كتبت عن قريتي التي نشأت فيها، وإن كنت أفكر كثيرا في الأمر وربما أرغب في ذلك، لكني لا أعرف متي وكيف، وتخيفني الفكرة قليلا الآن.
بينما علّقت زينة بعدما باتت حاضرة ذهنيا: أعتقد أن الانصهار هدف أسمي وحلم بعيد المنال، ولكنه غير موجود في الواقع كليا، ربما تحقق في نطاق ضيق ولكن الطريق مازال طويلا وصعبا ليتحقق هذا.
دائرة مستديرة
بذكاء شديد اختارت ريم الوقت المناسب لتبلغ ذروة التآلف عندما طالبت بتبادل الأدوار وأن يتحدثوا عما يرغبون في مناقشته مع الحضور، ففتحت زينة الباب بتساؤل عن علاقة الكتاب المصريين بالخريطة الأدبية الأمريكية، فبادرت منصورة بالرد: عربيا؛ أظن أن الاهتمام أكبر بكتاب أمريكا اللاتينية، بالأدب الألماني والأسباني عن الأمريكي، رغم الأعمال المترجمة منه للغة العربية، إلا أن اهتمام دور النشر أكثر بالأسماء المكرسة من الكتاب الأمريكان وأغلبها من أجيال سابقة مثل همينجواي، فوكنر ثم بول أوستر وتوني موريسون، لكن الأسماء الأحدث ليس لهم وجود قوي في سوق القراءة العربي مقارنة بكتاب شباب من الأرجنتين والبرتغال لهم تواجد واضح في العالم العربي مثل جونزالو تفاريس وأفونسو كروش، ثم أضافت: أنا من محبي الكاتبة الأمريكية جون ديديون وأتمني دعم ترجمة أعمالها لأنها مختلفة عن الرائج في العالم العربي من الأدب الأمريكي وتمثل حلقة وصل بين الكتابة التجريبية والكتابة الصحفية كونها صحفية في الأساس.
عادت الدفة للجانب الآخر قبل النهاية بقليل وتحدثت مرفت عمارة عما يعانيه الكاتب المصري الذي يقوم بكل شيء حتي يعد كتاباته ويراجعها، فماذا عن الكاتب الأمريكي، فأجابها كريس بأن صناعة الكتابة والنشر تغيرت مثلما تغير التلقي ووصل للتليفون المحمول، فهناك محررون لهم دور رئيسي ويقومون بمراجعة الأعمال لغويا وغيره، وهذا الأمر يقع علي عاتق الناشرين.
أدب الميدان
بعث كريس برسالة في ثوب تساؤل عبّر فيه عن قدر الألفة التي شعر بها ولكنه بفطرته لم يتخل عن تنمره: شهدنا في أمريكا ما كان يحدث في ميدان التحرير في كل يوم وكل ليلة، ونريد أن نعرف ما الذي يحدث الآن، فأجبته: من وجهة نظري، إن مثل هذا الحدث يحتاج وقت طويل لتقييم جوانبه ونتائجه إن كانت سلبية أم إيجابية، وقد اتفقت الدكتورة ريم مع ذلك، بينما عقبت منصورة برؤية فنية خالصة: من وجهة نظري، الثورة كانت محورا أساسيا في تفكير الكتاب المصريين في الفترة الأخيرة سواء كتبوا عنها أم لا، ففي البداية كانت هناك روايات كثيرة وسريعة كُتبت عنها لكنها لم تكن جيدة بما يكفي بطبيعة الحال، لكني أعتقد أنه وخلال الفترة المقبلة ستظهر روايات أكثر جودة فنية بحكم المسافة الزمنية، وأن أهم ما أحدثته أنها أثارت نوعا جديدا من الأسئلة الجمالية والفنية. وأضافت: أنا شرعت في كتابة رواية عن الثورة منذ عام 2012، لكني لم أنته منها حتي الآن، وصدرت لي بعدها روايات أخري، لأنها معقدة جدا بالنسبة لي بسبب هذه الأسئلة، لأني أشعر أن دوري ليس أن أحكي للناس ما حدث وهم يعرفونه وتابعوه، كما أن روايتي ليست توثيقا وإنما تحويلا للحدث إلي فن ومجاز يعبَّر عنه، وآثارها البسيطة أيضا كتغيير علاقة الفرد بالمكان وعلاقة الجسد سواء جسد الرجل أو المرأة بحدث سياسي كبير كهذا، هذه بعض الجوانب التي تمثل عائقا أمام أي كتابة سريعة. وأفضل رواية كُتبت عنها كانت لمحمد خير، لم تذكرها صراحة ولكنها حولت الحدث لفن.               
وأجاب كريس علي تساؤل حول مخافة الكتاب المصريين أن تتحول الكتابة لصناعة وتصبح السيطرة في يد الصناع فيفرضوا عليهم أنواعا وأفكارا معينة، حيث نفي بشكل قاطع حدوث ذلك في أمريكا وأيدته كيت نوعا ما، ولكنها أكدت أيضا أنها يمكن أن تتشاور مع محررتها التي لن تفرض عليها شيئا، إلا أنها في عقلها الباطن ستميل لكتابة ما تعتقد أنه يمكن أن يُنشر.
لم يكن مقبولا أن تنتهي المناقشة دون أن نتساءل عن توقعهم لجائزة نوبل ومصيرها، فخلط كريس الأوراق بقوله: إن سبب سؤالي عن الثورة كان أدبيا في الأساس، لأن مثل هذه الأحداث الكبري يمكن أن تؤثر علي الكتاب ورؤيتهم وكتاباتهم، وقد سلطت فضيحة جائزة نوبل الضوء علي تغيير ثقافي واضح وملموس، فحركة »‬Me To» النسائية ضد التحرش هي حركة ثقافية كبيرة جدا وبالتالي فإن تأثيرها علي جائزة نوبل كبير جدا بدوره، ويحتاج لوقت طويل لمعرفة تأثيره، ثم أضاف ضاحكا: لقد فاجأني فوز بوب ديلان بجائزة نوبل.
بدا من البداية أن شهاب قد جذبه أمر أن زينة فلسطينية أمريكية فوجه تركيزه إليها وانتظر حتي واتته الفرصة ليسألها عن الضغوط التي تتعرض لها من قبل اللوبي الصهيوني في أمريكا وتأثير ذلك علي الناشرين، ورغم ما بدا عليها من تردد، لكنها وجدتها فرصة لتفريغ ما تبقي لديها من طاقة سلبية ولو مؤقتا فقالت: بطريقة مباشرة، لا أظن، وبصدق لا أعرف، لكن من الأشياء الجيدة أنه عندما رفضت النيويورك تايمز نشر مقالا لي عن فلسطين لاعتبارات مثل تلك، وجدت دورية أخري تقبل نشره، فهناك دائما خيارات متعددة.                
لم يكن هذا السجال والتحاور بين ثقافتين، ولكن بين ثقافات متعددة عربية أفريقية آسيوية أوروبية وربما أكثر، بدأت بطرفان امتزجا بفضل رغبة الحاضرين فكريا ووجدانيا في جسد إنساني ثقافي واحد، فاتفقت كيت مع الدكتورة ريم واختلف معهما كريس الذي توافق مع منصورة وخالفتهم زينة الرأي في أمور عدة، لكنهم جميعا توافقوا حول أن الثقافة هي سبيل الوحيد لتحرير المجتمع البشري وتوحيده.