رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

كرامة


ميراندي ري وِه - ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر
1/12/2019 11:04:46 AM

أسمع نِداء المؤذِّن للصلاة. تسري دفقات شدوه في جسدي وتجرفني من عِزّ نومي. أمسك ذِراع آسيب البضّ برفق. لا أريد إيقاظه. أكره أن يضيع مِنّي. أحكّ أنفي في قفاه الشهي الّذي بلله العرق. يختلج الحلم، ويتسلل نور الفجر الشّاحب. لم يعد هُنا إلي جانبي،  ولا جسمه الدّقيق في حضني. أنفي مغروز في كيس المخدّة حيثُ نزل لُعابي،  لا في شعر طفلي النّاعم. نداء المؤذِّن كان حلمًا؛ إذْ لا أسمع هُنا إلا هدير الماكينات وأنين الروافع. عمارة أخري تنشب مخالبها وتتسلّق السماوات الزرقاء. وقد تبلل قميص نومي لأنّ هواء التكييف البارد لا يصل إلي غرفتي الضّيقة بشكلٍ كامل.     
يضع عامل التوصيل كيس البقالة فوق الأرضيّة المبلّطة. موظّف جديد؛ ربّما يكون من ميانمار أو بنجلاديش. لكنّه ليس من إندونيسيا. قليلون مِنّا يجيئون إلي هُنا بعد أن دعانا الرئيس إلي العودة للبلاد. يرغب في حفظ ماء وجهنا.       
أوصد الباب خلف الصبي وأعود إلي المطبخ كي أنتهي من تحضير عصيدة الفطور. أضع رقائق الشوفان مِن العُلبة الحمراء التي جاءت من أستراليا، داخل الطنجرة ثمّ أضيف اللبن. أُحرِّك المزيج فوق الموقد. أودّ أن أطبخ للعائلة عصيدة الأرز الأسود وأظنّ أنّهم سيحبّونها مُحلاة بسكّر النخيل. لكن أعرف أنّ السيدة بومان ستهزّ كتفيها وترفض الاقتراح. أغرف العصيدة المطبوخة في ثلاثة صحون وألتقط ثمرة موز عضوية من السلّة. قشرتها صفراء ناعمة سهلة التقشير، لا كالثمار الخضراء التي تطرحها الأشجار في قريتي؛ ضئيلة وصعبة التقشير. لكنّها حلوة؛ أحلي من تلك الثمار بين أصابعي. أقطِّع الثمرة إلي شرائح منثورة فوق سطح العصيدة.
أُرتِّب الطاولة بالطريقة التي تُحبّها السيدة بومان. أدوات المائدة في مكان بارز إلي جانب صحونها البيضاء. دورق لبن بارد من البرّاد. وعلبة عصير. ثلاثة أماكن للجلوس. وثلاثة أكواب. ماكينة القهوة تدور وتبقبق بين الحين والآخر. كنت قد سمعت السيدة بومان تقول لصديقاتها أنّها لا تعرف ماذا كانت ستفعل من دوني. وهذا يصيبني بالسعادة.   
لم تصحو الأسرة بعد. اليوم هو الأحد؛ فلا هو مضطر كي يهرع إلي المكتب، ولا هي مضطرة لتناول مخفوق البروتين قبل الذهاب إلي الصالة الرياضيّة. كما لن أضطر لاصطحاب توماس إلي الباص الصغير الّذي يُقله إلي المدرسة الدولية. أنا الأخري لديّ اليوم إجازة طالما أجهِّز الفطور وأعود إلي البيت بالموعد المناسب لتجهيز العشاء. لا تتسع الساعات الثماني التي أحظي خلالها بالحريّة لعمل الكثير، لكن أشعر أنّ الأسرة تفضِّل ألا يشاركها المسكن أحد في يوم الأجازة. هكذا أقصد المركز التجاري،  في الغالب.   
المصعد في عمارة آل بومان خانق. يُنبئ بالحرارة التي تتواري خلف تلك الجدران المُبرّدة. أهبط إلي الطابق السفلي حيثُ المستوي الثاني من مرآب السيارات؛ لأنّ الخدم لا يجرؤون علي استعمال المدخل الرئيس بالطابق الأرضي. أمشي صوب المخرج وأري المرأة لا تزال تجلس هناك داخل سيارتها الزرقاء الضّخمة اللامعة المركونة في أقصي رُكن. يتبعها ظل رأسها وراء النوافذ المدهونة. كنتُ لمحتها منذ أسبوع تحمل بطانية من صندوق السيارة الخلفي؛ شعرها أحمر باهت وجلدها يُشبه صدفة لوّحتها الشّمس. يقول لاكشمين حارس المرآب: »أبْصرت السيدة أليس»‬. إنجليزيته أفضل منّي؛ يقول إنّهم في بلاده يتعلّمون الإنجليزيّة بكل مراحل الدراسة. أعتبره أقرب العاملين في المرآب إلي قلبي. أكبر من الباقين قليلًا وودود. لكنّ ودّه لا يجعله يُحدِّق بمؤخرتي حين أوليه ظهري مبتعدة، ولا يجعل ابتسامتي تنقبض إلي أن يؤلمني فكّاي. يقول: »‬سأقع في متاعب جمّة إن يكتشف الرؤساء أنّها تركن سيارتها هُنا.» تّذكّرني شعيرات شاربه السوداء المنتصبة بفرشاة الأحذية التي أستعملها حين أُلمِّع حذاء توماس المدرسي،  لكنّه يُتابع: »‬لكنّ قلبي لا يُطاوعني كي أجبرها علي الرحيل.» أسأله: »‬ولماذا تعيش داخل سيارة؟» رأيتُ كثيرين يعيشون في الشوارع بين الكلاب والدجاج، ورأيتُ أسراً بأكملها تعيش أسفل جسر، أو بالقرب من أكوام القمامة، أو حتّي محشورين داخل سيارة تُشبه سيارة السيدة أليس. لكن لم يكن بينهم شخص أبيض قطّ. يقول لاكشمين: »‬أفلس زوجها فانتهي به الأمر داخل السجن. لذلك ستظل هُنا إلي أن يُسدد ما عليه للحكومة أو يقضي مُدة العقوبة في السجن.» يضحك ويهزّ رأسه في الوقت ذاته مُردفًا: »‬تلك الرانجروفر الفاخرة هي كل ما تبقّي لها» .  
أصعد المنحدر ويكبس لاكشمين الزرّ كي ينفتح باب المرآب. يترقرق وهج أشعة الشّمس داخل العتمة، لكنّ الحرارة تهبّ بعنف؛ تحرق وجهي وتحمِّص ثيابي. أمشي إلي محطّة الحافلات وأسمع الحصي الصغير ينسحق ويتواثب أسفل حذائي. تعوّدت علي الطقس الحار وعلي نشر الثياب المبتلة في الشمس الحامية وعلي العرق الّذي يسيل فوق عمودي الفقري. لكن الحرارة في بلادي خاملة وتغطّي جلدك كأنّها لحاف، لا كهذه الحرارة الضارية التي تبرق في البياد وتلاحقني داخل محطّة الحافلات المطوّقة بالحواجز. أمسح دِكّة الانتظار من طبقة التراب قبل أن أجلس. أعرف أنّني إن أطلت الجلوس هُنا سأغدو عمودًا من رمال، وأختفي.                    
أُحدّق عبر نافذة الباص وأفكِّر في آسيب. بالأمس أرسل لي هندرا صورة له علي هاتفي. تُغادره نضارة الطفولة، لكنّ عينيه لا تزالان لامعتين تغطّيهما تلك الرموش الفاحمة الطويلة. في كل مرّة أفكِّر في بشرته النّاعمة أو الثنيات أسفل ذقنه وحلقه، أحسّ كأن إسفنجة منفوشة داخل صدري تعتصرها أصابع ما بكل قسوة؛ وكأنّ دموعي أذرفها داخل جوفي. كبر الصبي خلال سبعة عشر شهرًا، ولا تزال أمامي سبعة أشهر أخري قبل أن ينتهي عقدي؛ قبل أن أتمكّن من رؤيته.
قال هندرا إنّ أمّي ترعي ولدنا جيدًا. بالأمس اتّصل بي كعادته كل ليلة سبت. لا أسأله البتّة عن عمله، بل أنتظر حتّي يحكي لي علي راحته. قال إنّ: »‬باك سودرمان يقول إنّه لا يزال لا يحتاج سائقًا، ولا الرجل الصيني أيضًا؛ إذْ لديه صبي مُذهل من بالي». وكان صوته الممطوط يستكين. سألته عن الخضراوات التي يزرعها فأصابه حماس مباغت: »‬المنيهوت تكاد تكون جاهزة للسوق؛ لكنّ السبانخ في حاجة لمزيد من الوقت ومزيد من المطر». سمعته يمصّ سيجارته- باب باب باب. كدت أشمّ رائحة دخان القرنفل الثقيل. أتصوّره جالسًا فوق عتبة دارنا في جونونغ باتو؛ أشجار الموز الحوشيّة تحفّ الطريق، والنفايات متناثرة فوق الحصي. سألته: »‬هل لا تزال النقود التي أرسلها تصلك؟» يكفي راتبي إيجار المنزل المكوّن من ثلاث غرف إسمنتيّة يسكنها أبي وأمّي أيضًا؛ وحصّة الأرز كل أسبوع؛ وربّما بعض السمك المقلي وما يكفي لتربية بضع دجاجات. كانت أمعائي تتلوّي من الفضول ومن تملّق كبرياء هندرا، علي أنّي كنت أريد أن أتأكّد أنّ كل هذا يساوي شيئًا لأحد. قال: »‬بلي. صرفتها من الوكالة بالأمس». كانوا قد عرضوا عليه منذ عامين عملًا هُنا أيضًا في البناء، لكننا كُنّا نسمع عن خلايا النحل الخرسانية التي تمتليء بالعمّال الأجانب؛ وأغلبهم رجال، الّذين يصارعون الصحراء كي يشيدوا عمارات شاهقة وبساتين مدهشة. رجال لا يعودون لديارهم مرّة أخري أبدًا. هكذا أفضل كما أري.
يتوقّف الباص عند مركز تجاري واسع؛ قصر للمتسوقين مصنوع من صلب وزجاج. بعض الركّاب الآخرين ينزلون من الباص؛ لست من بينهم. لست واثقة أيضًا ما إذا كان حرّاس الأمن سيسمحون لي بالمرور إلي الصالات الرخاميّة. كلا؛ ليس بحذائي البالي ولا بحقيبة يدي السوداء التي تقشّرت حوافها. أنتظر خمس محطّات أخري إلي أن نصل إلي مركز تجاري أكثر تواضعًا. هُنا السوبر ماركت المفضّل للسيدة بومان حيثُ أستطيع شراء بعض الخضروات للعشاء. تُحبّ السيدة بومان الخضراوات العضوية التي تأتي من المزارع البعيدة، لكنني لن آلف الأسعار أبدًا. فسلّة صغيرة من الطماطم يكفي ثمنها لإطعام هندرا وأبي وأمّي ليلتين كاملتين لا شكّ. بل في مستطاعهم الذهاب إلي كشك محلّي والجلوس مقرفصين فوق مشمّع بلاستيكي أزرق وتناول طبق من الأرز المحمّر؛ أو بيضة مقليّة؛ أو ساق دجاجة مع الأرز.
أتجوّل أمام الدكاكين ببطء؛ إذْ لا داعي للعجلة. أمامي اليوم بطوله. دخلت سينما مرّة لكنّ الترجمة 
كانت باللغة العربيّة، وعجزت عن متابعة صيحات الممثلين الأمريكيين بين رشقات الرصاص. كان وجودى مفضوحًا وأنا أجلس بمفردى داخل السينما المعتمة، وثمّة أربعة رجال جلسوا ورائى يفصل بينى وبينهم بضعة صفوف. وأحسست ثلاث مرات بحبّات فشار تصفع قفاى وتستقر بالقرب من قدمى. على أنّى لم التفت.
هكذا أمشى فوق سجاد السينما الأرجوانى وأقصد المتجر الواسع. أتجاهل الثياب وأدوات التجميل إذْ يتجاوزان أى ميزانية ستتوافر لى يومًا. أهبط فوق السلّم الكهربائى إلى الطابق الأرضى حيثُ يوجد صفّ فوق الآخر من علب الألوان والدمى المصنوعة من القماش والعرائس ذهبية الشعر. فى كل يوم أحد أطوف بتلك الممرات أسأل نفسى عمّا قد يُعجب ابنى آسيب. قد ينجذب إلى البيانو الصغير ذى المفاتيح الخمسة العريضة مختلفة الألوان. أتخيّله يكبس المفتاح الأزرق وينفجر ضاحكًا حين يسمع النغمة الصادرة. لكنّ الغلاف يقول إنّ اللعبة لطفل لا يتعدّى الثلاث سنوات، فى حين قد يكون تجاوز هذا العمر بكثير حين أعود إليه. ربّما من الأفضل أن أشترى له السيارة ذات المقود البلاستيكى الأصفر؛ فيتعلّم كيف يغدو سائقًا مثل أبيه. لا أحبّذ الفكرة؛ إذْ يجب فى رأيى أن نعمل بجدّ كى يظل آسيب فى المدرسة. لكننى أجهل رأى هندرا. ألتقط اللعبة وأجذب المقود ناحية اليسار وأكبس الزرّ الأحمر. تدندن الأرقام من واحد إلى ثمانية بلكنة أظنّ أنّها أمريكيّة تُشبه لكنة الآنسة ليندا صديقة السيدة بومان؛ التى تصطحبها بين الحين والآخر إلى الصالة الرياضيّة. أغلى من البيانو قليلًا، لكن إن تابعت توفير بعضًا مما تعطيه لى السيدة بومان لغداء يوم الأحد، قد أتمكّن من شراء اللعبة خلال خمسة أسابيع أخرى فقط.  
تقترب بائعة فأنتزع أصابعى بعيدًا. شابة وشديدة الحُسن، مشّطت شعرها وعقدته كعكة واسعة. عيناها الواسعتان المدورتان داكنتان ناعمتان. أخمِّن أنّها أتت كى تعنّفنى لكنّ شفتيها المدهونتين بالأحمر تنفرجان عن ابتسامة بهيّة. تسألني: «كيف أساعدك؟» فأشير بكفّى ناحية اللعب وأقول: «كنتُ أختار لعبة لابنى»،»عُمره كم سنة؟»، «سنتان». تعوّدت رؤية الضجر الّذى يغمر وجوه البائعات أو الجرسونات الّذين يخدموننى. تحاشى النظر مباشرة إلى عينى والكلمات المختصرة. لكن هذه الفتاة تُبدى اهتمامًا وتتقدّم صوب عُلب الدمى وتقرأ ما عليها. أقول: «أعجبنى البيانو، لكنّه قد لا يُناسب ابنى». تعرض عليّ قطارًا مُبهجًا طُبعت على جانبيه حروف وأرقام وتقول: «الأطفال يحبّون هذه اللعبة جِدًّا يا سيدتى». أنظر إلى السعر وأفكِّر أنّنى سأحتاج أجرة غداء ستة أشهر كى أفى بثمن اللعبة. أوافقها: «بلى لعبة رائعة جِدًّا». أتساءل هل هى من إندونيسيا؛ فعظمتا الوجنتين عاليتان وبشرتها مصقولة بلون القهوة مثل فتيات باندونج المحليّات. سوى أنى لا أسألها؛ فربما تكون من الفلبين أو ماليزيا والبعض تُشعره مثل هذه الأمور بالمهانة. تعرض عليّ ديناصورا أخضر بلون السبانخ يتحرّك فكّه فوق وتحت. تدخل أمّ تدفع عربة أطفال إلى الممر الّذى نقف فيه وتطلب من البائعة مساعدة، فأفلت مبتعدة حين تميلان جانبًا.       
يقع سوق الطعام بالقرب من السوبرماركت. فى السابق كنتُ أُفرِّج عن نفسى بكعكة مُحلاة وطبق صغير من الكارى،  لكن الآن أدّخر النقود لأجل آسيب. لدىّ عُلبة ملآنة ببقايا الأرز والتونة المعلّبة محشورة فى حقيبتى،  لكننى سآكلها لاحقًا فى محطّة الباص، لا الآن بين آخرين يتناولون البرجرز والمكرونة فى أطباق فوم نظيفة بيضاء. أجلس فوق دِكّة وأحتسى كولا وأحدِّق بالمتسوقين العابرين. آنئذٍ انتبهت لوجود السيدة لى. أحسّ برغبة جارفة فى هرش فخذى حين أراها، وتعترينى الدهشة إذْ أبصر برميتى تجرّ قدميها خلفها. تبدو شديدة الهُزال، أشدّ مما كانت حين رأيتها آخر مرّة. يلزمها أنّ تتناول حساء الماعز أسبوعًا كاملًا وتمصمص نخاع العظم. أشيح ببصرى بعيدًا صوب متجر السراويل الكاكى وصفّ القمصان الزرقاء المنقوشة بثمار الأناناس على شمالى. أثق أنّ لا السيدة لى ولا برميتى انتبهتا لوجودى؛ فالأولى لم يبد على وجهها أنّها انتبهت والأخيرة تُحدّق فى الأرض. بطرف عينى ألمح السيدة لى تستدير ناحية السوبر ماركت. تحتكّ الندبة فى فخذى ببنطالى الأسود، تُشبه جذر شجرة ينغرز فى لحمى،  يستنزف جلد فخذى الطرى. فى كل مرّة أفرك البشرة الحساسة بأناملى تنتابنى رعشة اشمئزاز، حتّى بعد أن شُفيت من القروح. رخوة؛ ناتئة؛ تُشبه حقيبة يد السيدة بومان المصنوعة من جلد التماسيح.  
تجلس امرأة إلى جانبى فوق الدّكّة، فألتفت ببطء وأرى برميتى. لقد رأتنى على أى حال. أتفحّص حولى ولا أرى السيدة لى. «كيف حالك يا برميتي؟» تهزّ كتفيها وتُجيب: «لم يتغيّر شيء». تجمع شعرها الأسود المجعّد وتشبكه بمشبك أحمر وتلبس جينزاً باهتاً وقميصاً نصف كم فضفاضاً. تسقط عيناى رغمًا عنى على حلقها حيثُ توجد نُدبة أخرى شقيقة ندبتى. تتسلّق من تحت حافة ياقة القميص البالى إلى شحمة أذنها اليُمنى. حين ألقت علينا السيدة لى وعاء الحساء وهى تصرخ: «ألن تكفا نهائيًّا عن وضع الكثير من الملح فى الحساء.» استقر أغلبه على برميتى،  فوق صدرها تحديدًا. أمّا أنا فكنت أجلس إلى جانبها داخل المطبخ أقطّع الفاصوليا الخضراء. ما تناثر حول برميتى سقط فى حجرى،  وأخال أنّ حليب جوز الهند وزيت النخيل ما أصابنى بحروق شديدة. إذْ لا أظن أنّ حساء الدجاج وحده يكفى للإصابة بكل هذه الندوب. «هل لا تزالين تخدمين السيدة لى؟»، تُجيبنى وهى تنظر أمامها ذابلة الوجنتين: «لا أزال مدينة لهم بمبلغ. أجرة الإقامة ورسوم الوكالة. لن أستطيع أن أغادر إلا بعد أن أسدد ما علىّ»، «ألا تستطيع الوكالة مدّ يدّ العون؟»، «كلا فالسيد لى لديه جواز سفرى وأوراقى»< كنتُ قد حزمت أغراضى وتسللت هاربة أثناء وجود السيدة لى عند الحلاق بعد ثلاثة أيام من رميها الحساء فوقنا. آنذاك كان قد مضى عليّ هناك حوالى أربعة أشهر، لكننى كنت أوفر حظًّا من برميتى لأنّ وكالتى كانت تحتفظ بجواز السفر، ورغم عجز الوكالة عن الحصول على مستحقاتى المالية لدى آل لى،  إلا أنّها عثرت لى على عمل جديد مع السيدة بومان.
ألقى نظرة سريعة حولى كى أتأكّد من خلو المكان من السيدة لى،  ثمّ أقترب من برميتى. كفّاها ومعصماها أغمق منّى،  لكنّ أطول وأنحف لدرجة مُخيفة. لا يزال يتدلّى من أنفها الخاتم الذّهبى نفسه المرصّع بحجر أحمر. ربّما كان من البلاستيك. أستنشق رائحتها؛ مزيج حريف من عرق مُتراكم وخشب الصندل. آه، لكم تقت لرفقتها وثرثرتها المرحة وحكاياتها الرهيبة التى كانت تصيبنى بالعصبيّة كأنّما شربت مئات الأكواب من القهوة. كانت حين ننام فوق حصيرتينا المفروشتين فوق أرضية المطبخ تروى لى قصصًا مُفزعة عن خادمات يضربهن أسيادهن ويجوعهن. عن امرأة رأتها تجرجر خادمتها من شعرها وتضربها بعصا غليظة لتترك كدمة دامية كبيرة. وعن الخادمة التى كرهت ربّى عملها فقتلت طفلهما. ما كنتُ لأستمر قطّ لو كانت شهدت فعلًا الوقائع الرهيبة التى حكت لى عنها، أو شاهدت نتفًا من أنباء التلفزيون كما أفعل الآن. أتذّكر فجأة وأنا أراقب وجه برميتى الدّاكن حين قادها سيدها إلى داخل 
مكتبه وأوصد الباب. يومها تجنّبت أن أعرف ما جرى وشغلت نفسى بالقدور وحكّ الآنية. وإلى الآن لا أرغب فى معرفة ما جرى. أسألها: «هل جاءوا بخادمة أخرى؟» تهزّ رأسها وتقول: «كلا. أنا بمفردى».
حين أعود إلى المرآب فى عمارة بومان، أرى المرأة الشاحبة السيدة أليس لا تزال جالسة داخل سيارتها. الشباك مفتوح وهى تضع هاتفًا فوق أذنها. أمّا يدها الأخرى فتدق التابلوه. بعدها تميل رأسها إلى الأمام وترتاح فوق عجلة القيادة. مُحاصرةً شأن الكثيرين مِنّا؛ لسبب أو لآخر.                               
>>>
أطبخ على العشاء وجبة السيد بومان المفضّلة- كاشياتورى الدجاج، التى علّمتنى السيدة بومان كيف أطبخها فور التحاقى بالعمل لديهم. أنقع قطع الدجاج فى الخلّ وأخرج طاولة الكى ثمّ أجذب الثياب من المُجفف. تسكب السيدة بومان لنفسها كوبًا من الماء المُثلّج من المُبرِّد وتسألنى عن أحوالى فى يوم الإجازة. امرأة طويلة، أطول منى بكثير، لكن لا تنى تلبس حذاءً طويلًا رفيع الكعبين حتّى أثناء وجودها داخل المنزل. الكركديه هو لون أظافر قدميها هذا الأسبوع. تُردف: «هل زرت المتاجر مرّة أخرى؟» أخفض رأسى مُجيبة: «بلى. شكرًا لسؤالك». تلقى نظرة سريعة على غرفتى وعلى كومة الثياب الصغيرة التى لم تعد تناسب توماس. تسمح لى أن أحتفظ بها كى أحملها معى عند رجوعى من أجل آسيب. تقف عند عتبة الباب وتحملق فى صورة ابنى التى أضعها بجانب فراشى. تعبس قليلًا وتبدو مُغتمّة بعض الشيء. تسألني: «لابد أنّك تفتقدينه». أكبس ياقة قميص السيد بومان بالمكواة وأهزّ رأسى. أقول: «بلى. أفتقده. لكننى أحبّ العمل لدى السيدة بومان أيضًا». وأبتسم فى وجهها. «هل يعيش مع والديك؟». «بلى. ومع زوجى». «عليك أن توصيهم بتوصيل الإنترنت، هكذا تتواصلين معهم متى شئت. يُمكنك استعمال حاسوبى.» أحافظ على ابتسامتى وأفكر فى الكهرباء غير المنتظمة التى نشتريها على النوتة فى قريتى،  وفى صورة التليفزيون غير الواضحة، وفى أكشاك الهاتف.      
أسكب  علبة  صلصة فى المقلاة فوق قطع الدجاج. أضيف الزيتون وشرائح الأنشوجة الدسمة وأتخيّل وجبة الدجاج بالليمونيّة التى سأطبخها لابنى حين أعود. سأدعك أوراك الدجاج فى مسحوق الكركم حتّى تصفر أصابعى،  وأرصّ الليمونيّة والزنجبيل والبصل والثوم فوق الدجاج وأضيف طبقًا من الماء وأطبخه على نار هادئة. سأدع رائحتها الطيبة تلفح وجهى،  وقبل أن أقدمها له سأسلق الأرز وأزينه بسيقان الكراث القصيرة. أعرف أنّ ابنى سيعجبه هذا. ليت هندرا يدخر بعضًا من راتبى. سأذكّره أن يزرع مزيدًا من الخضراوات فى الوقت المناسب قبل وصولى إلى الديار، وسأساعده على حصادها ونقلها إلى السوق. قد أحصل أيضًا على عمل بالتنظيف بالقرب من المنزل، وقد يوظفنى بعض الأثرياء الآن داخل مجمعاتهم السكنيّة الجديدة بعد أن اكتسبت هذه الخبرة هنا.  
أنظِّف المطبخ. وأتناول طبقًا صغيرًا من الكاشياتورى. سأترك المسح إلى الصبح. لا تزال أسرة بومان تشاهد التليفزيون، لكننى منهكة وأعجز عن مقاومة النعاس. أتمدد فوق الفراش الضيق وأحدِّق فى صورة آسيب. أعرف أنّه كبر الآن، لكن حين أغمض عينى أتخيّله كما رأيته أخر مرّة؛ يتقلّب نائمًا فى حضنى؛ ثقيلًا.  
تطلب السيدة بومان أن أتبعها إلى غرفة الطعام. كنتُ أغسل بلوزتها الحريريّة على يديّ، فأمسحهما فى بنطلونى والمنظِّف يقطر من راحتىّ. آنذاك كان السيد بومان قد خرج إلى عمله، والصغير توماس إلى المدرسة. تُشير إلىّ كى أجلس. أقعد فوق كرسى مزوّد بوسادة؛ إذْ سيبدو غريبًا أن أقعد فوق طاولة مغطاة بلوح زجاج. تجلس السيدة بومان على الجهة المقابلة لى وتجذب حذاء الجرى ثمّ تعقد أربطته. أسأل نفسى هل هى غاضبة مِنّى. لقد طبخت اللحم المقدد هذا الصباح مرّة أخرى. لن اعتاد رائحته أبدًا، ولا طريقة تلويه أثناء تحميره. تقول مازحة: «لا تقلقى. أردت أن أطرح عليك سؤالًا فحسب.» أحاول الابتسام وأهزّ رأسى. «نعم. سيدة بومان.» «أعتقد أن أمامك الآن ستة أشهر آخرى تقريبًا لدينا، صحيح؟»، «هذا صحيح.» تجذب رباط الشعر من معصمها وتعقد شعرها الأشقر ذيل حصان عاليًا خلف رأسها. «هل عرفت أنّ الإندونيسيين لم يعد من الممكن لهم العمل فى البيوت فى أعالى البحار؟». «بلى. سمعت». «لكن لأنّك بيننا هُنا نستطيع أن نطلب من وكالتك تمديد عقدك. هل كنت تعرفين ذلك؟» أهزّ رأسى. كلا، لم أكن أعرف. تنفرج شفتاها عن ابتسامة وتضيق عيناها متوسلة. سبق أن رأيت هذا المنظر- حين تتملّق توماس كى يأكل طبق الجذر أو حين تريد أن يحمل الناطور ثيابها إلى الغسيل الجاف. «تكلّمت مع أنتونى،  ونحن نودّ أن تستمر إقامتك معنا. ربّما عامًا آخر. أو عامين. كما تشائين». تضيق أنفاسى بفعل التوتّر، وتصمّ ضوضاء بيضاء أذنى. تربت يدها فوق ظهر يدى وتردف: «نود أن تظلّى معنا. سيصيبنا كرب كبير لو تركتنا. وفى بقائك خير هائل لك أيضًا. يُمكنك ادخار المزيد من النقود، وإرسال المزيد إلى ابنك الحبيب.» تلقى نظرة على ساعتها وتهبّ واقفة. تتابع: «عليّ الذهاب إلى صالة الألعاب.» تُعلّق حقيبتها الرياضيّة على كتفها وتلقى نظرة خاطفة عليّ وتقول: «فكّرى فيما قلت. والقرار لك فى النهاية».   
أدعك البلوزة برغاوى الصابون المرّة تلو الأخرى. لن أقول لهندرا، هكذا أقول لنفسى وأنا أشطف بماء نظيف. إن قلت له سيطلب منى أن أبقى وأكسب نقودًا أكثر. أحسّ دموعى تكاد تنفجر من عينى. ألف البلوزة داخل الدلو كى أتأكّد أن الماء صار خاليًا من المنظّف. أعلم أنّ عليّ البقاء، وأنّ بقائى يعنى مزيدًا من المال يُمكن توفيره من أجل آسيب. من أجل المدرسة؛ والثياب. قد نتمكّن من شراء درّاجة صغيرة له تُشبه درّاجة توماس. أفكِّر فى القطار؛ القطار الأحمر والأصفر الّذى عرضته عليّ موظفة المبيعات بالأمس. هو الآخر أستطيع ادخار ثمنه. لكن حينئذ لن أرى آسيب. أعصر البلوزة من الماء وأقرعها على حرف الحوض. لن أتمكّن من حمله مرّة أخرى إلى أن يبلغ الرابعة، أو الخامسة من عمره. وساعتها لن يعرفنى. لن يتعرّف أى منا على رائحة الآخر. أمشى إلى شرفة المطبخ الصغيرة حيثُ أجفف ثياب السيدة بومان التى أغسلها بيدى،  الثياب التى لا يُمكن غسيلها فى ماكينات التجفيف.
لن أقول لهندرا.
عمارة جديدة تنتصب على الجانب الآخر من الشارع. لحدّ الآن لا تزال قفصًا من الفولاذ، لكن سرعان ما سيكسوها الإسمنت والرخام والزجاج. أنشر بلوزة السيدة بومان فى مهبّ الريح.      
ربّما لا أقول لهندرا.    
أسمع صياحًا. أنعم النظر من طرف الشرفة. تحتى مباشرة؛ بعد سبعة طوابق، تنحرف سيارة زرقاء لامعة أثناء خروجها من المرآب إلى الطريق، تتعالى صيحات مذعورة أن تتوقّف. يثب أحد حرّاس المرآب، لا أتبين شخصيته، من مقعد السائق ويعود مسرعًا إلى داخل العمارة. بعد ثوان يدفع شخصًا إلى الأمام. أرى لقطات سريعة لشعر برتقالى شاحب وهو يصفع المرأة أكثر من مرّة. تغطس داخل سيارتها ويداها تصطفقان كأنّ زرزورًا ينقضّ على أذنيها. تطفو صرخاتها فوق الهواء الصحراوى وتصل إليّ قبل أن يبتلعها أزيز مثقاب صخرى على الجانب الآخر من الطريق.  

ميراندى رى وِه

ميراندى رى وِه كاتبة أسترالية حازت روايتها القصيرة «فتاة السمك» على جائزة «فيفا لا نوفيلا»، كما وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «ذا ستيلا»، واختيرت قصصها القصيرة ضمن أفضل القصص الأسترالية.
نالت ميراندى رى وِه زمالة مؤسسة «جوائز كوينزلاند الأدبية»، و»جريفيث ريفيو»، كما أنها حاصلة على درجة الدكتوراه فى الكتابة الإبداعية والدراسات الأدبية من جامعة كوينزلاند للتقنية.
تمتاز كتابة «رى وِه» بالحسية والحرص على رسم تفاصيل بصرية دقيقة أقرب إلى لوحات أو مشاهد سينمائية يشعر القارئ كأنما تتجسد أمامه، دون التخلى عن قوة الأسلوب اللغوى ودقته.
فى «فتاة السمك»، استعادت الكاتبة الأسترالية قصة «الهولنديون الأربعة» لسومرست موم، واختارت أن تمنح الفتاة الإندونيسية غير المسماة فى القصة اسماً وحكاية تخصها. ونجحت عبر هذه الحكاية المؤثرة فى كشف عوار العقلية الاستعمارية والذكورية فى آن.
فى قصتها «كرامة» التى تنشرها «أخبار الأدب»، تواصل ميراندى رى وِه اهتمامها بالمهمشين ومن لا صوت لهم، لكن هذه المرة، فى عصر أحدث وجغرافيا مختلفة.