رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

حكايات ريم بسيوني


إيمان نجيب
1/12/2019 11:30:45 AM

جذبني عالم رواية “ولاد الناس.. ثلاثية المماليك” للدكتورة ريم بسيوني.
لحكايات ريم بسيوني سحرها، فالسرد عندها متدفق بسلاسة، كحكايات الجدات الثرثارات اللائي يعرفن كل شيء، ويفشين بعض ما يختزن من أسرار غامضة.
كعادتها، تروي لنا قصص الحب التي برعت في صياغتها، حيث البطل فارس مقاتل، يقتحم حياة البطلة، فيعصف بها، ويمنحها حياة جديدة.
الحب عندها شعور جارف ومعقد، وتجربة الحب ليست بالرتيبة ولا الهينة، تنطوي علي التحدي واﻹنكسار، والقسوة والتضحية، والهزيمة والانتصار. وقصص الحب عندها عذبة وكثيرة ومتنوعة، وكأنها تغترفها من معين لا ينضب، فهل يحكي لها العشاق حكاياتهم، أم أنها تتواجد معهم في خلواتهم، فتنقل لنا أدق نجواهم. ما عدت أعرف هل الأجمل هي قصة زينب والأمير المملوكي محمد المحسني، أم قصة ضيفة والقاض عمرو؟ أم حكاية هند مع الأمير سلار؟
قصص حب عذبة تأخذك بعيدا عن ملل الواقع الذي يكاد يخنقك.
تدور الأحداث في عصر المماليك، صراعات وثورات، وأيام سوداء كالحة، لكنها تحيلنا إلي الواقع. ففي أتون الثورة، وما يلحقها من فترات اضطرابات وفوضي، يغدو للحقائق وجوه كثيرة، ويظهر العالمون ببواطن الأمور، القادرون علي تزيين كل وجه والدفاع عنه بضراوة. وتتضح خطورة العلاقة الجدلية منذ الأزل بين الساسة ورجال الدين.
ما هي الحقيقة؟ زوايا عدة قد يعجز عن الإحاطة بها ذوو الألباب. لذا، لا يتجرأ علي ادعاء المعرفة اليقينية إلا الحمقي، ولذا، كان لزاما أن يدون أبو البركات التاريخ من وجهتي نظر مختلفتين.
ما أعظم أن تمنحني رؤيتك أيها الآخر، فإذ شاهدت الأمور من زاوية بعيدة عن زاوية رؤيتي، إنما منحتني سعة في الأفق، ومشهدا بانوراميا كانت لتعجز عيناي عن رؤيته وحدها.
تهوي بنا ريم بسيوني في هاوية الألم، حتي لتحسب أنه ليس ثمة مهرب، ثم تعود فتجد المخرج، فينبض القلب بالأمل من جديد.
الشخصيات تتميز بعمق نفسي، تحلله الكاتبة ببراعة، وتمنحك ميزة التفكير والتحليل معها.
يعجبني أيضا النظر للموقف الواحد من زوايا عدة. فالمماليك عند يوسف ذي الحظ العاثر طغاة ظالمون، وعند بعض العامة حماة الديار، وعند غيرهم عتاة ومغتصبون وعند عالم الدين هم رغم أخطائهم يقفون في وجه التتار والصليبيين. كل ينظر من زاويته الخاصة، وما من أحد يري الصورة بأكملها.
تسبر بقلمها أغوار الشخصية، فتستخلص تناقضاتها بين الظاهر والباطن. فجور وتقوي، فلا أبيض ولا أسود، بل ألوان عدة، وظلال لانهائية للألوان.
عمارة المساجد حاضرة بقوة في الرواية، والمساجد نفسها  شخوص فاعلة علي امتداد الحكايات الثلاث، لاسيما مسجد السلطان حسن، منذ كان حلما جمع بين السلطان ومشيد العمارة في الحكاية الأولي، وحين أصبح ثكنة عسكرية في الحكاية الثانية، يتمركز بها المماليك، خلال فترات تطاحنهم، لموقعه المتميز المطل علي القلعة، وحتي تعرضت مشكاواته وبوابته النحاسية وحلياته الذهبية والفضية للنهب علي يد الغازي العثماني في الحكاية الثالثة.
الحقيقة التي أعترف بها أنني أغرمت بعمارة المماليك من جديد. كنت من قبل أحبها حب الهاوي للقديم عموما، والآن أحببتها حب العارف، واعتزمت زيارة مسجد السلطان حسن ومسجد المؤيد شيخ ومسجد السلطان برقوق من جديد وبإحساس جديد تماما.
لقد اكتسي التاريخ بألوان زاهية، ودبت الحياة في شخوصه، وعادت حوادثه القديمة تبعث في النفس ما بعثته في نفوس شهودها.
وفي غمار معارك الوجود الطاحنة، الحب وحده يمنحنا القدرة علي مواصلة الحياة.