رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

الشاي: ثقافات.. طقوس.. حكايات


1/12/2019 11:58:29 AM

في كتابه »الشاي»‬، يحكي كريستوف بيترز عن ولعه بذلك المشروب المُلهم المتنوع وعن فن إعداده الذي يُسبب السعادة. إذ يقول عنه إنه مشروب الساعة. فكلمة شاي التي عند نطقها يمتد صوتها حتي التلاشي مثل خروج نفس عميق تُعبر تعبيراً يختلف تماماً عن كلمة قهوة. فالتلفظ بالحركة الحادة الواقعة في بدايتها يُحدث وقعاً يبدو وكأنه أمر. وبالمقارنة بين المشروبين، نجد أن القهوة تعتبر إحدي القوي المهمة المُحركة للمجتمع القائم علي مبدأ الإنتاج، والتي أصبح بإمكانها أيضاً القيام بمهام مميزة، وذلك بفضل ماكيناتها باهظة الثمن. في حين أن الشاي يرمز للانطواء والتأمل الذاتي.
كما يقول كريستوف إن مقارنة الشاي بالنبيذ ممكنة؛ لما له من مذاقات متنوعة، حيث إن تقسيم النبيذ علي نحو صارم إلي نبيذ أبيض، ونبيذ روزيه، ونبيذ أحمر، يُظهر تطابقاً أكيداً- ليس فقط من ناحية اللون – مع التمييز بين الشاي الأخضر، أي الشاي غير المُختمر، وشاي »‬الأولونغ» نصف المُختمر، والشاي الأسود. وحتي فيما يخص الأسعار، فإن أسعار أنواع الشاي رفيعة المستوي تُضاهي ببساطة أسعار أفضل أنواع النبيذ، حيث أصبح من الممكن بسهولة ويُسر أن يدفع أحد الأشخاص عدة مئات من اليوروهات مقابل شراء علبة صغيرة من شاري »‬الجيوكورو»، الذي ترعرعت أوراقه في إحدي حدائق الشاي اليابانية الشهيرة.
وبالنسبة لطقوس الشاي، فيوضح الكاتب أنها لا تشمل وضع أوراق نبات الشاي في ماء مغلي وتصفيتها في المصفاة من الشوائب، وإنما هي أوسع من ذلك بكثير، فهناك مايُسمي بطقس السادو، وهو أكثر طقوس إعداد الشاي سمواَ، إن لم نقل تقديساً. فالبعض يعتبره تدريباً روحانياً يكدر صفوه علي نحو حساس كلمة خاطئة، يتلفظ بها مشارك جاهل بتلك الطقوس ويراها آخرون مناسبة للتجمع في مجلس أنس، حيث إن الشاي يتيح فرصة طيبة لتناول طعام طيب وشرب نبيذ »‬الساكي» بكميات وفيرة. ولعل طقوس السادو تُمثل للسيدات اليابانيات المنتميات للطبقة العليا في المجتمع تأكيداً ذاتياً للقواعد السلوكية البرجوازية عبر العصور. فإقامة طقوس السادو بمناسبة دعوات العمل لشرب الشاي تسير علي نحو يختلف عن عروض السادو المقدمة للسياح.
ويقارن كريستوف بين الشاي الذي يقدم في الغرب والشرق، خصوصاً مصر، إذ يقول: »‬يُصعب وصف أين يكمن وجه اختلاف مذاق الشاي الأسود ومحتواه وطبيعته في مصر، وفي بلاد الشرق الأخري عن الشاي الأسود، حسبما نعده في بلادنا، وذلك بغض النظر عن درجة إتقان الشخص عند إعداد الشاي وعن مدي ارتفاع جودة أوراق الشاي المنقوعة. وعلي كل حال، فإن من ينتمون لبلاد الغرب ويعشقون شرب أصناف الشاي النقية والمُستخلصة من أوراق نباتات الشاي المًترعرعة في الحدائق لن يجدوا سعادة حقيقية في شرب الشاي الذي يتم تقديمه لهم في مصر أو في تركيا».
كما يذكر أنواع الشاي الموجود في مصر؛ »‬إن شاي العروسة يعد أكثر علامة تجارية للشاي يقبل عليها الناس في مصر. وذلك بالإضافة إلي شاي ليبتون. تلك الخلطة التي تصدرها المؤسسة التجارية الإنجليزية الشهيرة لبلاد الشرق. وقد كنت في شبابي أزدري تلك المؤسسة التجارية نظراً لتدني جودة منتجاتها. كما بدا لي أن تحكم شركة إنجليزية في أجزاء كبيرة من سوق الشاي في مصر يعد نوعاً من الوقاحة التي تحدث في مرحلة متأخرة من العهد الاستعماري».
كريستوف  بيترز كاتب حر مقيم في برلين. ولد عام 1966 في مدينة كالكار، التي تقع في منطقة الراين السفلي. أما الكتاب فصادر عن دار العربي، بترجمة د. سمر منير.