رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

بمناسبة المئوية.. دار الوثائق تفرج عن عدد من كنوزها


خطاب سعد زغلول باشا وكيل الجمعية التشريعية ورئيس الوفد المصري إلى المعتمد البريطانى وينجت بشأن حضور مؤتمر الصلح بباريس 4 مارس 1919

خطاب سعد زغلول باشا وكيل الجمعية التشريعية ورئيس الوفد المصري إلى المعتمد البريطانى وينجت بشأن حضور مؤتمر الصلح بباريس 4 مارس 1919

طارق الطاهر
3/9/2019 12:36:23 PM

بمناسبة مئوية ثورة 1919، أفرجت دار الوثائق القومية عن مجموعة من الوثائق المرتبطة بهذه الفترة، ومن المنتظر أن تصدر قريبا في سلسلة كتابات وثائقية، بتقديم ودراسة للدكتور صابر عرب.
تنفرد »أخبار الأدب»‬ بنشر 12 وثيقة من هذه الوثائق المفرج عنها، وتغطي الفترة من 12 يناير 1919 وحتي 28 نوفمبر 1922، وهي فترة شهدت العديد من الأحداث الهامة والمصيرية في مسيرة هذا الوطن، وفي الصفحات القادمة تتولي الزميلة الباحثة انتصار محمد، تقديم رؤيتها وتحليلاتها لهذه الوثائق.

ما أتوقف عنده هنا، هو وجود أجيال كثيرة لم تر هذه الوثائق، حتي وإن كان مضمونها معروفا، لكن قيمة الوثيقة أنها تعيدنا إلي ذات اللحظة التي كتبت فيها، وتلقي بظلالها دون حجاب أو وصاية علي حقيقة المشهد في لحظة تشكله.
كثيرون منا لم يشاهد من قبل خط يد سعد زغلول؛ هذا الخط المنمق الذي يعبر عن ثقة وقوة كاتبه، وحجة منطقه، وسلامة قضيته وعدالتها، وهو ما انعكس علي لغة الخطاب، الذي جاء بلغة يعرف أسرارها، ويجيد التعبير بها عن مطالب أمة، تؤمن بحقها في الاستقلال والحرية، وأن بوادر ثورة 1919 والغضب الذي في النفوس، توجد مراسلات عبرت عنه- من قبل-، ولم تكن وليدة عام الثورة فقط، وإنما من سنوات وأسابيع وأيام سبقت الانطلاق الفعلي للثورة علي أرض الواقع، وهو ما يتجلي في خطاب سعد المرسل إلي كبير وزراء بريطانيا في 12 يناير 1919، حيث يشير إلي تلغراف سبق إرساله في ديسمبر 1918، يدين فيه ما يحدث في مصر من مصادرة الحرية الشخصية.
وبقوة المنطق والحجة تساندها قوة اللغة، نطلع علي خطاب آخر بخط يد سعد زغلول، موجه إلي جناب المعتمد البريطني في مارس 1919، يبدأ بجملة واحدة »‬قضي الأمر وبلغ العسف غايته»، ولا يكتب سعد بجانبها أي جملة أخري في ذات السطر، لتكون رسالته واضحة للعيان.
إن رؤية مثل هذه الوثائق بخط يد كاتبيها، هو بمثابة قراءة جديدة لأحداث قديمة، فالوثيقة تظل دائما محتفظة بوهجها وأسرارها، وإن كل مطلع عليها، يستطيع أن يتجاوز أبعادها التاريخية، إلي التعامل معها في حد ذاتها، باعتبارها كاشفة لمجموعة من المعاني اللغوية والتفاوضية والقيمية.
في هذه الوثائق؛ نري خطوطا بيد: سعد زغلول، عدلي يكن، المصري السعدي (أحد أعضاء الوفد المصري)، وملنر الذي رد علي سعد زغلول بلغة سعد؛ باللغة العربية التي عاني كثيرا حتي تعلمها، وهو ما جاء في كتاب »‬وطنية أكثر اتساعا: ألفريد ملنر والامبراطورية البريطانية» تأليف جيه. لي تومسون، الذي صدر في لندن 2007، وطبعته الثانية في نيويورك 2016، وقد ورد في صفحتي 26 و27: »‬بعد أشهر قليلة من تقلده لمنصبه الجديد، بعث ملنر تقريره، الذي ذكر فيه أنه يشعر بارتياح شديد وأن العمل غير ثقيل إلي حد بعيد، وأنه يقضي نحو ست أو سبع ساعات لإنجازه يوميا، لكن هذه الساعات لا تتضمن الوقت الذي يقضيه في التعرف علي مصر بشكل عام، وفي معاناته مع اللغة العربية وتعلمها بشكل خاص»، والتي وصفها بأنها »‬لغة مروعة حقا، خاصة أني لم أعهد بدراستها علي الإطلاق، ولو لمرة واحدة»، وفي وصف مدي الوقت الذي قضاه ملنر لتعلم العربية، يذكر مؤلف الكتاب في صفحة 27: »‬قضاء مثل هذا الوقت في تناول اللغة العربية بنهم، لم يكن أمرا معتادا بالنسبة للمسئولين البريطانيين».
تحية للدكتورة نيفين محمد رئيس دار الوثائق القومية، التي لا تترك فرصة لإتاحة هذه الوثائق أو غيرها، لكي تطلع عليها الأجيال المختلفة، إلا وساعدت في نشرها، إدراكا منها بالقيم الأساسية التي تحملها الوثيقة، في الكشف عما يمكن أن تتغافله أحداث التاريخ.. فللتاريخ منطقه وللوثائق قوتها وحجتها، التي ربما تنير لنا نقاطا تساعدنا علي فهم ما جري من معطيات لثورة عظيمة، يعتبرها الكثيرون، الثورة الأم لجميع الثورات المصرية.