رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

شعراء المربد يزورون بيت بدر شاكر السياب في جيكور


في فناء بيت السياب

في فناء بيت السياب

شعبان يوسف
3/16/2019 2:51:07 PM

بالطبع لا أتدخل في اختيار الوفد المصري، ولكنني كنت أشعر طوال الوقت، بأن المشهد الشعري المصري ليس ممثلا بدقة، أو بالتقريب حتي، وهذا الأمر يعود للترتيبات الخاصة التي تحدث في مثل هذه المهرجانات.

ما إن هبطنا مطار بغداد، واشتبكنا مع اللهجة العراقية الرخيمة، وذات الإيقاع الجرسي الفخيم، والكلمات الحاسمة، وربما الحادة، فالعراقيون عندما يتحدثون، يشعرونك بأنهم قد اتخذوا قرارا مسبقا قبل أن يتكلموا، وربما لأن المطار ومنافذه ومكاتبه الأمنية المتعددة، وأروقته الفسيحة، يقف فيها عسكريون ذوو رتب مختلفة، اندفع هذا الانطباع القادم من خلفية قديمة بالنسبة لي، فهذه ليست الزيارة الأولي بالنسبة لي، وكذلك لا أستطيع فصل العراق بثقافته وحضارته وإبداعات كتّابه المجيدين عن وجداني علي وجه الإطلاق، 

لا أعتقد أن هناك شاعرا عربيا لم يتهدج بمطلع  قصيدة الشاعر بدر شاكر السياب العظيم »أنشودة المطر»‬، والتي تبدأ بـ:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأي عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
يرجه المجذاف وهنا ساعة السحر..
ولا أعرف هل سمعت صوت السياب، أو لم أسمعه، ولكنني أصبحت قريبا من صوته وهو ينشد هذه القصيدة علي وجه الخصوص، وتحضرني مقالة بديعة كتبها الشاعر السوري محمد الماغوط عنه، وهي منشورة في كتابه »‬سأخون وطني»، وكان زمن المقالة بعد مرافقته له في مهرجان شعري ببيروت، وكانا معا وهما ذاهبان إلي الندوة، وراح الماغوط يعبّر عن شفقته المفرطة علي صديقه السياب، حيث إنه قد أوغل في مرضه المفرط والقاتل، واحتار الماغوط في "كيف سيلقي السيّاب شعره، وهو يعاني من كل هذا الهزال؟، وكل هذه العلّة المريبة؟"، وتخيّل الماغوط أن السيّاب سيكلّف أحدا بدلا منه لقراءة شعره، وتساءل : كيف سيصعد السيّاب خشبة المسرح؟، فلعل عائقا يؤدي به إلي الانهيار قبل أن تستقر أقدامه علي المسرح، هاتان القدمان المرتبكتان، وتكاد تلتفان علي بعضهما وهو يسير معه في شوارع بيروت.
بعد كل هذه التأملات التي انتابت الماغوط وهو في رفقة السيّاب نحو مقر الندوة الشعرية، إلي أن وصلا إلي المقر، وكان الناس ينتظرون في حشد مهيب، وعندما رأي السيّاب جمهوره، انتعش نسبيا، حتي أتت لحظة الصعود علي المسرح، وكاد قلب الماغوط ينخطف من خوفه علي الشاعر من السقوط أرضا، ولكنّ السياب صعد في هدوء والعلّة كانت واضحة في حركته، وعندما بدأ يتهدج ويشقشق ويترنم قليلا، حتي صفق الجمهور بشكل متواصل، هنا انتصب السياب، وراح صوته يعلو رويدا رويدا، وكلما قاطعه تصفيق حاد، اشتد صوته أكثر، حتي اختلفت الصورة تماما، وتوحد السياب مع قصائده، وصار كتلة واحدة مع قوة ما ينشده.
لذلك كان السيّاب رفيقا طيبا وجميلا معي في الرحلة، مع قصيدة محمود درويش عنه "أتذكر السياب"، وبصراحة فالسياب يرافقني دائما، وهو الشاعر الذي عاش أشكالا من الدراما علي المستوي الشخصي، وهذا أدي إلي أن يعيش الدراما الأكثر حدة علي المستوي العام والسياسي، وهذا قانون يعيشه المبدعون الموهوبون الكبار، إذ أن السلطات المتنازعة والمتناقضة تحاول بقدر الإمكان أن تستقطب ذلك المبدع، وذاك الكاتب، والسيّاب نموذج ساطع لهذا النزاع، عندما استقطبه الحزب الشيوعي في فترة مبكرة من حياته، وكان يدعمهم بقوة في كل ما يكتب، ثم انقلب عليهم بعد ذلك، وكتب سلسلة مقالات نشرتها منذ سنوات قليلة دار الجمل، تحت عنوان "كنت شيوعيا"، وهجا فيها الشيوعيين هجوا مفزعا ومقذعا في الوقت ذاته، وهذا دليل قوي وبارز في أن السياسة، ما دخلت علي مبدع كبير، إلا أفسدت معظم مكوناته، وربما إبداعه نفسه إذا أخضعه لتلك السياسة اللعينة، وجعله بوقا رديئا لها.
بعد إجراءات اعتدنا علي وطأتها في بعض المطارات العربية، غادرنا مطار بغداد، وكان الوفد المصري عبارة عن ثمانية أفراد، وكان الصديق الكاتب الصحفي والروائي سعد القرش هو الونيس الأقرب، لما بيننا من وشائج قديمة وحميمة، وكانت هناك مفاجأة أخري تنتظرنا في مطار بغداد، حيث التقينا بالشاعرة الصديقة العراقية ريم قيس قبة، والمدعوة معنا في المهرجان، وهي التي عاشت في القاهرة منذ سنوات ليست بعيدة، ولكنها غادرت مصر مع زوجها الباحث والكاتب صادق الطائي إلي لندن.
أخذتنا السيارات من مطار البصرة إلي فندق الشيراتون رأسا، في موكب واهتمام واضحين، وما إن دخلنا بهو الفندق، حتي وجدنا في انتظارنا د.سليمان كاصد رئيس التظاهرة، وذكرّني بالدكتور جابر عصفور في هيئته وحدنوه علي الضيوف، ومناقشة التفاصيل الكبيرة والصغيرة لكافة الضيوف العرب، وكذلك كانت صديقتي القاصة والكاتبة عالية طالب، وهي التي عاشت في مصر بضع  سنوات، وكانت تشاركنا الندوات والمؤتمرات وكافة الفعاليات الثقافية في ورشة الزيتون وأتيليه القاهرة، وبعد السلامات والتحيات، لمحت هناك المشرق دائما الشاعر البحريني الرائد قاسم حداد، يجلس بين جوقة من الشعراء والشاعرات، عرفت بينهم الشاعر اللبناني الجميل جودت فخر الدين، وهو من أبرز شعراء الجنوب في لبنان، ولقد برز مع الشعراء شوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين وعباس بيضون وغيرهم، وظلّ فخر الدين ملتزما بقصيدة التفعيلة، دون أدني إغراءات لتركها والانحراف عنها، ولكنه أنجز رسالة الدكتوراه في الأدب، وظلّ حارسا قويا وجميلا لقصيدة التفعيلة، ومطورا لها في ظل تعديّات كثيرة علي مقامها الرفيع.
منذ أن تكشّفت الأمور، كان الوفد المصري قد تفرّق، وكل واحد منا ارتبط بمن شابهه، وكان رفيقي الدائم قاسم حداد، وهو صديق قديم منذ عقد السبعينات، مرحلة التجديد الشعري، والمغامرات الفنيّة الكبري، وكان الشعراء البحرينيون يخوضون تجارب التجديد الشعري بجدارة، وتبادل المصريون والبحرينيون النشر، ونشرنا في مجلة "كتابات" البحرينية التي كان يترأس تحريرها القاص علي عبد الله خليفة ملفا للشعراء المصريين عام 1976، ونشرت إضاءة 77 ملفا عن الشاعر الشاب سعيد العويناتي عام 1977، وكانت السلطات قد اغتالته هناك، وكان فرسان التجديد الشعري في البحرين هم قاسم حداد وعلوي الهاشمي وعلي الشرقاوي، وأزعم أن قاسم حداد، هو الذي خاض غمار الشعر علي المستوي الإقليمي والعربي والانساني بكل قوة، وحقّق إنجازات فنية تضعه في صدارة المشهد الشعري العربي، صعد قاسم حداد بعض دقائق إلي غرفته، وعاد بكتاب"قاسم حداد ..»‬فتنة السؤال»"، حرره الشاعر والكاتب الصحفي سيد محمود، وكتب مقدمة له الناقد السوري صبحي حجيدي، والكتاب مجموعة حوارات أجراها معه كتّاب وشعراء وصحفيون منهم: اسكندر حبش وجمال الغيطاني وحسونة المصباحي وحسن عبد الموجود وسامر أبو هواش وسلام سرحان وعبده وازن وعزت القمحاوي ونوري الجراح ووليد معماري وغيرهم، والكتاب الذي صدر عام 2008 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مساحة من المتعة، لم أستطع أن أنام ليلتي _تلك_ دون أن أنهي علي بعض مادته المثيرة، والتعرّف علي وجوه أخري لهذا الشاعر الصارخ في البرية، ولنا وقفة مع الكتاب في وقت لاحق.
كان الافتتاح يوم الأربعاء، ولم أتمكن من حضوره لتضارب المواعيد، ولكنني شاهدت بعض فقراته الاحتفالية عبر بعض قنوات البث التلفزيونية، وعبر صفحات أصدقاء نشروا مقاطع من الافتتاح، منها قصائد، ومنها كلمات افتتاحية، وأبلغني الأصدقاء أن الافتتاحات كلها في المؤتمرات العربية تشبه بعضها، سلسلة من الثناءات والمدائح والإطراءات التقليدية، وأضيف إلي ذلك أن سوريا كانت ضيفا علي المهرجان، فكان لشعرائها نصيب كبير في الحضور والقراءة وإدارة الأمسيات الشعرية وكذلك الأصبوحات، وبالتأكيد تعرّفنا علي أصوات جدّ جديدة ومتميزة من القطر السوري الشقيق، مثل الشاعرة رولا حسن التي عرفتها للمرة الأولي.
قرأ من مصر الشاعر محمود حسن، وهو شاعر كلاسيكي جميل، ومثقف ثقافة عربية محيطة وشاملة، ثقافة عربية تنتصر لأحمد شوقي علي وجه الخصوص، ومعه رهط الشعراء الإحيائيين، بداية من محمود سامي البارودي، وصولا إلي حافظ ابراهيم وغيرهم من المدرسة الإحيائية، ومن الملاحظ أن محمود حسن، رغم انتمائه إلي مدرسة أحمد شوقي، وهذا دفعه لإنشاء منتدي باسم »‬الكرمة» تيمنا بشوقي، إلا أنه يحتفي بعباس العقاد، وهو غريم شوقي عندما كان شابا في العشرينات، وقرأ محمود قصيدة عن "بغداد"، وربما هذا كان تقليدا قديما، ومازال هذا التقليد يحتذي في المهرجانات الشعرية العربية، وإن كنت لا أحبذ ذلك التقليد المدائحي والإنشادي.
وبالطبع لا أتدخل في اختيار الوفد المصري، ولكنني كنت أشعر طوال الوقت، بأن المشهد الشعري المصري ليس ممثلا بدقة، أو بالتقريب حتي، وهذا الأمر يعود للترتيبات الخاصة التي تحدث في مثل هذه المهرجانات، ولا أريد التوغل في هذه النقطة، لأنها نقطة تعيب غالبية المهرجانات العربية، بما فيهم مصر، والتي ترسل وفودا، وتستضيف وفودا، وفقا لحسابات خاصة للغاية، وهذا الحديث سيثير شجونا كثيرة لدي الكتّاب والمثقفين العرب، علي أي حال كان قاسم حداد هو أول الشعراء الذين قرأوا في الافتتاح، وبعده الشاعر جودت فخر الدين، ثم الشاعر العراقي كاظم الحجاج، وبعد ذلك قرأ أربعة شعراء من أقطار عربية مختلفة.
من الشعراء الذين قرأوا كان الشاعر العراقي كاظم الحجاج، وكانت دورة العام الماضي، وهي الدورة الثانية والثلاثون تحمل اسمه، وللأسف صوته الشعري لا يعرفه المصريون جيدا، أما الشاعر المحتفي به هذا العام، فهو الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف، وهو الشاعر الذي تحمل الدورة الأخيرة اسمه، ويبدو أننا بعيدون تماما عن حركة الشعر الحديثة في العراق المعاصر، فمازلنا نترجل أمام أبواب بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ومحمود البريكان وسامي مهدي وعبد الرازق عبد الواحد وحميد سعيد ومن عاصرهم في الحقبة الصدامية، ومازالت أسماؤهم وأشعارهم تخترق الأذن العربية، ولكن العراق يقدّم شعارء آخرين الآن، شعراء تحمل دورات المربد أسماءهم وتحتفي بهم، وقد أصدر المهرجان كتابا نقديا لحسين عبد اللطيف ينطوي علي بضع دراسات عن الأدب البصري، منها سلسلة دراسات عن محمود البريكان، وفصل مطول عن بدر شاكر السياب، ودراسات أخري عن القاص محمود عبد الوهاب ، وعن الشاعر عبد الرازق حسن، وعلي جعفر العلاق وغيرهم، أما الخصومة الناشبة بين سعدي يوسف ورفاقه في العراق، لم تمرره في هذا الكتاب، ولكن الكتاب حمل عنوانا يقول :»‬سعدي يوسف .. بطاقة تعريفية»، وتحت هذا العنوان أتت مجرد ببلوجرافيا تتحدث عن تاريخ وموطن الميلاد، ثم الوظائف وبعدها الإصدارات، ولم يحظ الكتاب - وليس سعدي يوسف - بدراسة عن أهم شاعر عراقي من البصرة ومن الأحياء، وهذا عيب كبير، وكذلك لم يسلم سعدي من أشكال هجاء أخري، مرة في الشعر عندما ذكره كاظم الحجاج في أصبوحة الخميس الشعرية الأولي، والتي قال مامعناه :"أن العرافة تنبأت بأن سعدي يوسف، سيموت خرفا ووحيدا ودون أصدقاء"، وجاءت هذه القصيدة في سياقات هجائية لسعدي يوسف، وهذا المناخ يذكرنا بأغرب واقعة عربية في العداء لشاعر، عندما دعا بعض الشعراء والمثقفين العرب لحرق مؤلفات سعدي يوسف في شارع المتنبي عام 2014، في أعقاب نشر قصيدته »‬مصر العرب.. عراق العجم»، تلك القصيدة التي هاجم فيها عراقيين في السلطة، ولم تتوقف أشكال اللمز والغمز لسعدي عند هذا وفقط، ولكن ناقدة عراقية مرموقة ومتميزة هي الدكتورة هناء هنادي ألقت بحثا، وتحدثت فيه - ضمن محاضرة مطولة - عن الشعر الفصيح والشعبي، وخصّصت فقرات مادحة ومقرّظة لتجربة مظفر النواب، والذي كتب النوعين، بل عمل مزجا بينهما، حيث استدعي مفردات من اللغة المحكية في قصائد الفصحي، ولكنها عرّجت علي أن شاعرا ما اقترف خطيئة كبري، عندما حذر من انهيار الشعر الفصيح، عندما تدخله مفردات أو تعبيرات شعبية، ووجهت الناقدة لوما شديدا إلي هذا الشاعر، وأعلنت بأن هذا الشأن يخصّ النقاد، ولا علاقة للشعراء بهذا الأمر، وعندما سألها أحد الحاضرين، من هذا الشاعر الذي تعنيه، قالت بكل ثقة : سعدي يوسف.
هذا بالطبع شأن عراقي، لكنني لم أحب توريط المنصات في الهجوم علي شاعر كبير مثل سعدي يوسف، وعندما تداولنا هذا الأمر نحن الضيوف، لم يستحسنه كثيرون، وحملني صديقاي قاسم حداد وجودت فخر الدين، بأنهما مستاءان لهذا الأمر، فليس سعدي يوسف صاحب التاريخ الشعري الكبير الذي يعامل بهذه الطريقة، مهما كانت تجاوزاته التي ظهرت عليه في حاضره الآن.
بالطبع لم تكن هذه اللمحات تؤثر علي سير المهرجان، بل كانت الأصبوحات والأمسيات الشعرية تسير بجدية وفرح حقيقي بين الجمهور من الشعراء والمثقفين، رغم ماحملت المنصات من التجارب البدائية، ولكن برزت هناك تجارب جديدة وجيدة وجادة وتنبئ بمستقبل طيب، تعرّفنا عليها لأول مرة، وهذه السمة هي أجمل ما تنتجه مثل هذه التجمعات الثقافية والشعرية الكبيرة.
وكانت فاكهة الختام ، هي زيارة منزل طفولة شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب في موطنه الأول، »‬جيكور»، وقطعت السيارات بنا في موكب مهيب، تحرسه سيارات الشرطة من الجانبين، مسافة طويلة، حتي وصلنا إلي منزله، وحكي لي الشاعر صفاء ذياب بعد ذلك، أن هذا البيت قد تغيّرت هيئته، لأن الترميم جاء للتجميل، ولم يستطع أن يحتفظ بالروح القديمة التي عاش فيها السياب، وهو لا يعتبر بأن هذا بيت السياب، وأعلمنا بأن معركة حادة كانت قد جرت منذ سنوات حول هذا الأمر، ولكن تم تنفيذ الأسهل لدي السلطات المعنية.
بعيدا عن كل هذا لم أشعر بأي غربة نحو ذلك البيت الذي امتلأ بصور وبورتريهات للسياب ووالده، يقول د إحسان عباس في كتابه عن السياب :"علي امتداد شط العرب إلي الجنوب الشرقي من البصرة، وعلي مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة، تقع (أبو الخصيب) التي تمثل مركز قضاء تابعا للواء البصرة، يضم عددا من القري، من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة، تقع علي ما يسمي (نهر أبو فلوس) من شط العرب وتدعي (جيكور)".
كانت سعادتنا تتمثل في أننا شاهدنا مراتع الصبا للشاعر الكبير، وكنا نتبادل الخيالات أنا وقاسم في كافة الشوارع التي رادها السياب، هنا لعب، وهنا كان يلتقي بوفيقة حبيبته، وهنا تعارك مع بعض أقرانه، وسرنا قليلا حتي وصلنا إلي "بويب"، وقد تخليد ذلك الجدول المائي في قصيدة بالعنوان نفسه، ومررنا بشجر الدفلي الذي ذكره السياب في قصائده، أعتقد أن زيارتنا لبيت السياب العظيم، كانت مسك الختام كما يقولون، وسوف نعود مجددا للحديث عن الخطابات العديدة للثقافة العراقية، وهي كذلك حالة أشبه بكافة الحالات العربية الأخري، فهناك خطاب ثقافي رسمي، ينطلق من المنصات العالية والرسمية، وفي مواجهته خطاب آخر، يخلق لنفسه مسارات أخري تكاد تكون هي الأبقي والأكثر رسوخا.