رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الحماقي المنشاوي ودوره الأدبي في الدقهلية


محمد خليل
3/23/2019 2:29:28 PM

لم أعرف بمرضه إلا قبل رحيله بيومين عندما هاتفني الكاتب الصديق أسعد رمسيس باحتجازه في العناية المركزة.. وعندما حاولت زيارته عرفت أنه في غيبوبة تامة وتصعب زيارته..
بدأت علاقتي وصداقتي بالكاتب الراحل الحماقي المنشاوي عام 1970 عندما التقيت به في بدايات حياتنا الأدبية.. حيث كان قد سبقني في التعرف علي فريق عمل مجلة المنصورة عندما كانت تصدر عن ( الحزب الاشتراكي ) الذي كان يتخذ له وللمجلة مكانا في مبني قديم من طابق واحد..  وقد أقيم مكانه الآن أحد الأبراج السكنية يشغل   الطابق الأرضي منه ( بنك القاهرة ) في مواجهة محطة الأتوبيس الدولية.
 توطدت علاقتنا ثم انتقلت المجلة إلي  مقر آخر في الطابق الأرضي من عمارة ألبرت فاضل بشارع الجيش  في مواجهة تمثال أم كلثوم والنصب التذكاري الآن.
بعد خروجي من القوات المسلحة عام 1975 تواصلت العلاقة وبدأنا نتردد أكثر علي الثقافة وأصبح للحماقي دورا رئيسا في المجلة.. وظهرت في هذه الفترة  فكرة أندية الأدب.. وتم تشكيل لجان إبداعية لنادي أدب المنصورة.. لجنة للقصة  والرواية.. ولجنة لشعرالفصحي ولجنة لشعر العامية..وتكونت لجنة القصة من الحماقي المنشاوي وشوقي وافي ومحمد خليل.
في العدد الثاني من مجلة مصر في ديسمبر 1974نشر الحماقي المنشاوي موضوعا بعنوان »‬ الديمقراطية المفتري عليها ..وفي العدد الثاني الصادر في أكتوبر 1974نشرت له المجلة قصة بعنوان ( إيقاع اليوم السادس ).
وفي العدد الرابع من مجلة »مصر» الصادر في فبراير  1975  وكانت  المجلة تصدرعن محافظة الدقهلية ويرأس تحريرها  الكاتب الكبير الراحل علاء الدين وحيد.. وخصصت المجلة عددها الشهري عن كوكب الشرق..  وتحت عنوان »‬أم كلثوم والأغنية الدينية» كتب الحماقي المنشاوي هذا الموضوع.
 ثم توقفت المجلة بعد أن مرت بكثير من العراقيل والمشاكل  حتي توقفت تماما بعد حل الاتحاد الاشتراكي وظهور المنابر في مرحلة السادات والتي تحولت بعد ذلك إلي أحزاب.. كنا في هذه الفترة نتواصل مع الثقافة حتي نجحنا أن نصدر مجلة من الثقافة أطلقنا عليها »‬عروس النيل» وتم اختيار الحماقي المنشاوي  ليرأس تحريرها  ومحمد خليل والراحل محمد فريد عدس سكرتيرين للتحرير  وممدوح طه مديرا للتحرير. . والراحل الكاتب فؤاد نور مديرا فنيا.. وبعد صدور عددين من عروس النيل  قام المهندس سعد طرطير بمحاولة إعادة إصدار »‬المنصورة» من أمانة الحزب الوطني لمدينة المنصورة ومن مقر أمانة الحزب في أحد المباني القديمة في شارع الثورة »‬السكة الجديدة».. وتم تكليف الحماقي المنشاوي برئاسة التحرير في هذه الفترة..
 كانت فترة الصحافة الإقليمية في هذه المرحلة من أهم المراحل خصوبة وتميزا.. ظلت المنصورة تصدر برئاسة تحرير الحماقي المنشاوي حوالي عام حيث صدر منها ثمانية أعداد ثم توقفت كعادة الصحافة الإقليمية التي تصدر من المحافظات.
وفي الفترة التي توقفت المجلة عن الصدور رأس تحرير مجلة جديدة صدرت من الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية وتم إطلاق اسم »‬المظلة»  عليها واختارت جهة الإصدار الحماقي المنشاوي رئيسا لتحريرها أيضا اعتمادا علي خبرته الصحفية وباعتباره كان يعمل في هيئة التأمينات الإجتماعية والتي انتهت خدمته فيها مديرا عاما للشئون القانونية.
أما في المجال الإبداعي فقد كتب  ونشر عدة مجموعات قصصية هي : عرس الببغاء.. فرسان الظهيرة.. عفريت علي المعاش.. وهي مجموعات قصصية هامة بشهادة النقاد.. ونذكر منهم الكاتب الكبير الراحل فتحي سلامة والذي كان يعمل في صحيفة الأهرام حيث كتب يقول في 13يناير 2008 :
فرسان الظهيرة.
»‬الحماقي المنشاوي‏،‏ قاص موهوب من جيل الرواد من الستينيات‏،‏ أثبت جدارة خلال فترة نهضة القصة المصرية‏،‏ ولكنه للأسف مشغول بأمور الدنيا‏،‏ والمجموعة الجديدة‏(‏فرسان الظهيرة‏)‏ يقول عنها الأستاذ علي ابو زيد‏،‏ وهو استاذ الأدب العربي بجامعة المنصورة‏(‏هذه المجموعة تبرز قيما تعلي من قيمتها تتجسد في شخص الكاتب وتقديسه للأهل واحترامه للأدب‏.‏ فقد ظهر مرات عدة في المجموعة‏،‏ الأب ببساطة‏،‏ بتثيفة للولد‏،..‏ احترام الأب قيمة وكذلك الأم‏،‏ وتقديس الصداقة والحب‏).‏ كما يقول الدكتور علي أبو زيد ‏(‏والكاتب الفنان الحماقي المنشاوي مصور بارع يمسك بعدسة تصويره ويركزها علي زوايا نابضة بالحركة والحيوية‏).‏
وبالفعل فإن الحماقي يحارب في هذه المجموعة ظاهرة تفشي الانحدار الأخلاقي وعدم الالتزام بالاسرة‏.‏ والحماقي يقدم صورة الشخص المقاتل من أجل وطنه ومن اجل حريته‏،‏ وهو المقابل لشخصية الانهزامي وغير الملتزم واللامبال‏.‏
ففي قصة‏(‏ لحظات فوق الظلام‏)‏ والتي يدين فيها الضمير الجمعي للقيادة‏،‏ ثم قصة‏(‏ تراب وهندسة‏)‏ وهي قصة حاول الكاتب فيها أن يجدد في الشكل والمضمون‏،‏ ولا ادري لماذا لم يحاول الكاتب المواصلة في هذا الطريق‏،‏ وإن كانت معظم القصص بها لمحات من التجديد بطرق متفاوته مثل قصة‏(‏ جالوت والسبت الحزين‏)‏ وقصة ‏(‏فوهات الأصابع‏)‏ وكثير من قصص المجموعة‏.‏
والحماقي يعد من كتاب القصة الجيدين وإن كان مقلا في النشر أو هو أيضا مثل بقية الكتاب يخضع لأزمة النشر الطاحنة التي لم تعد تهتم‏(‏ بالكبير او الصغير‏)‏ إنها أزمة ‏(‏الكتاب العربيي)‏ وما حدث له من توهان في اروقة المتاعب العامة‏،‏ فلم يعد الكتاب مهما أمام رغيف الخبز الذي يحتاج الآن الي واسطة للحصول عليه»‏.
هذا إضافة إلي نشره بعض أعماله القصصية في مجلة الكاتب والثقافة  وغيرهما من المجلات والصحف المصرية .. كما شارك أيضا في تحكيم بعض المسابقات القصصية التي كانت تقيمها مديرية الثقافة.. وهو أيضا من مؤسسي اتحاد كتاب مصر.. كما تم رصد اسمه كمبدع متميز ضمن كتاب ( الجذور ) لمحمد خليل.. والذي تم  فيه رصد كتاب القصة القصيرة في الدقهلية علي مدي القرن العشرين..
أذكر واقعة إبداعية طريفة حدثت  بين الكاتبين الكبيرين اللذين رحلا عن عالمنا في شهرين.. الحماقي المنشاوي وفؤاد حجازي.. فقد صدرت مجموعة قصصية لفؤاد حجازي بعنوان ( النيل ينبع من المقطم ) وفي نفس الفترة تقريبا نشرت قصة للحماقي تحمل ذات العنوان.. ونشبت بين الكاتبين الكبيرين مشكلة تمحورت حول الملكية الفكرية للعنوان ومن هو الأسبق في النشر ومن هو الأحق بملكية هذا العنوان .. ودارت مناقشات حامية وحوارات وصراعات كادت تصل إلي القضاء.. لكن مالبثت أن هدأت العاصفة بعد أن تدخلنا معهما لإبعاد الصديقين عن اللجوء إلي ساحات المحاكم في قضية لم تكن تستأهل  كل هذا الصراع الذي قد يتحول إلي خصومة طويلة حول عنوان ممكن أن يخضع لتوارد الأفكار بنسبة كبيرة..
في النهاية لانملك إلا أن نطلب له الرحمة من الله.. فقد باغته المرض دون أن نعلم.. ورحل فجأة في هدوء دون أن يلحق محبوه جنازته.. وجزي الله الصديق الزميل الكاتب أسعد رمسيس الذي حضر من القاهرة ونحن نغادر المقابر.. رحم الله الكاتب الكبير الأستاذ الحماقي المنشاوي.