رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أبطال «كل شيء هادئ فى القاهرة» يعيشون حروباًصغيرة:

محمد صلاح العزب: الحياة هي القصص الفرعية


حوار: حسن عبد الموجود
3/23/2019 3:06:58 PM

يجد بطل "كل شىء هادئ فى القاهرة" نفسه ممزقاً بين عدد من الصراعات، بعضها يخصه، وبعضها يدخله من باب التجريب، لم يبذل كثيراً من الجهد ليحتفظ لنفسه بفكرة "المنزل السعيد"، فمع ظهور بسنت، حبه القديم، بدأ الجفاء يضرب علاقته بزوجته دينا. لم يكتف بذلك، ومن باب تجريب الكتابة يقرر سرد حياة فيروز، تلك الشخصية الغامضة، التى تبحث لنفسها عن موطئ قدم فى مدينة مفترسة، لا ترحم أحداً، الشخصية التى لا نعرف على وجه الدقة الظروف التى حولت زوجها إلى مجذوب يقف فى الإشارات محاولاً تنظيم العالم.

ليست هذه كل خيوط تلك الرواية المميزة التى يعود بها محمد صلاح العزب إلى الواقع الثقافى، فالثورة تشكل خلفية الحياة دائماً، زئير الناس يختلط بأصوات شخصياتها، رائحة البارود تختلط بعطورهم، والبطل المشغول إلى أقصى درجة، يورط نفسه فى علاقات جانبية، ويبدو كأنه يسير فى شارع ضخم جميل، ولكن نداهةالشوارع الجانبية تجذبه إليها، الحياة عموماً، كما يقول العزب، هى "القصص الفرعية". هكذا تتحول الرواية إلى نسيج متداخل بين حيوات نصدق أنها تجرى أمامنا، وحيوات لا نعرف إن كان الراوى "الكاتب" يؤلفها، أم أنه يخدعنا ويمنحها قداسة الفن مع أنها تنتمى إلى واقع كابوسى تحياه بقية الشخصيات.

 

لنبدأ من العنوان "كل شىء هادئ فى القاهرة".. هل يريد القول إنه برغم كثير من الأحداث وعلى رأسها ثورة، فإنه لا شىء يغير من سمات العاصمة، المدينة القادرة على ابتلاع كل الأحداث والأشخاص وطيِّهم فى سياقاتها العادية؟

العنوان "كل شىء هادئ فى القاهرة" هو تناص مع عنوان لرواية أخرى صدرت عام 1929 هى "كل شىء هادئ فى الجبهة الغربية" للكاتب الألمانى "إريك ماريا ريماك"، وزعت أكثر من 50 مليون نسخة حول العالم، وتم تحويلها إلى فيلمين 1930 و1979، حصل أولهما على أوسكار أحسن فيلم، وترجمت إلى أكثر من 20 لغة، وقد قصدت التناص مع عنوان هذه الرواية لأكثر من سبب، الأول أنها رواية حرب، تدور أحداثها فى الحرب العالمية الأولى، وأحداث روايتى تدور أحداثها بعديناير 2011، وهى من وجهة نظرى فترة دامية على كثير من المستويات، والسبب الثانى هو حالة الضياع والتشتت والإحساس بـ"لماذا أنا هنا" التى انتابت البطل طوال الوقت فى الروايتين، والسبب الثالث هو نهاية الرواية الألمانية التى انتهت بالموت والخراب والدمار النفسى لكل أبطالها، مع رسالة مقتضبة تلخص الوضع المأساوى لأبطالها "كل شىء هادئ" لأن الدول فى مثل هذه الظروف لا تهتم لمصائر الأفراد، الأهم دائماً لدى من يجلسون فى المكاتب العلوية هى المكاسب الكبرى، كل شىء هادئ مادامت الأمور من الخارج يمكن تلفيقها كأنها على ما يرام.

الرواية ابنة المدينة، وأحد الشخصيات الرئيسة فى العمل "فيروز" تعانى من وحدة قاتلة، وحدة تجعلها تقوم بالاتصال بأشخاص غريبين وسؤالهم عن بعض الأمور الخاصة بها، وكانت تُقابَل فى كثير من الأحيان باستهجان.. هل يمكن اعتبار الرواية من هذا المنظور عن السجن الضخم الذى نجد أنفسنا فيه داخل مدينة كبرى كالقاهرة، سجن الوحدة؟

المدينة فى الرواية هى الوحش الحانى الذى لا يتورع عن افتراس ضحاياه من سكانها، لكنه أثناء ذلك يربت على ظهورهم، ويخبرهم أنه يشعر جيداً بمتاعبهم وآلامهم، يطعمهم ويحتويهم أحياناً، حتى لا يكرهوه فى لحظات الالتهام.

الأخطر من الوحدة فى المدينة هو الخواء، المتولد عن رحيل من تحب، العزلة الإجبارية وسط كل هذا الصخب، أو كما لخصها حجازى "هذا الزحام لا أحد"، هذا المعنى يدركه جيدا القاهريون أو أبناء المدن الكبرى، هذا المعنى يخايلنى باستمرار، سؤالك هذا ذكرنى بهذا المقطع من روايتى "سيدى برانى ": "لو غفل المرء عن نفسه لحظة فى المدينة لداسه الزحام، دون أن يترك له فرصة للنهوض، حتى تنطبع صورة جسده على الأرض، فيمسح العابرون أحذيتهم فى ملامحه . .. بإمكان المرء أن يموت هنا جالساًفى أكثر الأماكن ازدحاماً، سيظل هكذا ميتاً لأيام، دون أن يقترب منه أحدهم يسأله: هل أنت ميت؟ سيبقى فى مكانه حتى يتحلل، ثم يصير تراباً، حينها سيأتون لينفضوا التراب، ثم يجلسوا فى مكانه فرادى، فى صمت، يحرمون رفاته حتى من الاستماع إلى ثرثرتهم".

فى الوقت الذى شعرت فيه بأن كل العلاقات محكوم عليها بالفشل، طلاق دينا من البطل، كذلك بسنت، والعودة الخرافية، إن جاز لى التعبير، لزوج فيروز..تعود بسنت للظهور فى نهاية الرواية، فهل هذا انتصار للقيمة الرومانسية التى اختفت من حياتنا؟ أم أنها بداية دورة جديدة من الصراع؟

أرى أننا نعيش هزائم متتالية طوال الوقت على كل المستويات، وإلا لما كان هذا هو حالنا، سؤالك جعلنى أتمنى لو راودتنى فكرة الانتصار للرومانسية، لكن الرواية مبنية على فكرة "الدوامة" لا شىء هنا يبدأ وفى الوقت نفسه لا شىء ينتهى، لا يمكنك أبداً معرفة أن قطتى الأرجوحة هى نقطة البداية أو النهاية، الأبطال هنا يحاولون الهروب من فكرة أنهم معلقون بمصائرهم، وأن هناك قوى أكبر تمنعهم الخروج من الفخ، يحاولون إثبات أنهم عرائس ماريونيت لكنها تجيد الرقص بأنفسها، لتكشف فى أثناء الرحلة أن الجسد سجن، وأن العلاقات سجن، وأن الوطن سجن، وأنه حتى كوكب الأرض كله سجن كبير.

"كل شيء هادئ فى القاهرة" رواية تكره الأب ثم تتعاطف معه، هكذا فعلت مع الأب فى حالة فيروز ذى العينين الزرقاوين والذى أشعل النار فى رواياتها الرومانسية، قبل أن تكتشف فيه الجانب الإيجابى ، هكذا فعلت أيضاً مع الأب فى حالة الراوى ، حيث كان يريد أن يحقق فيه أحلامه بتحفيظه القرآن، ولذلك ألحقه بالأزهر، غير آبه لأحلامه هو، بعدها يحدث نوع من التلاقى بينهما بمرور الأحداث.. هل تنتصر الرواية للأب عموماً؟

الرواية لا تنتصر للأب، بقدر ما تحاول التماس العذر له، انطلاقاً من نقطة أساسية، وهى أن بطل الرواية "أب" أشد ما يخشاه هو الحكم عليه بغير ما يشعر به، بغير وضع الضغوط التى وقع تحتها فى الحسبان، الرواية تنتصر لفكرة أن الأب ما هو إلا ابن ضعيف، كبر فجأة ليجد نفسه فى كرسى الأبوة الواسع، وكل أصابع الاتهام موجهة نحوه، لهذا تحاول الرواية التماس العذر للأب، كلنا ضحايا، وكلنا مأزومون نفرغ أمراضنا النفسية المتوارثة فى بعضنا البعض، الحياة قاسية على الجميع.

هل هذه الفكرة تقابل فكرة التسعينيين عن موت الأب؟

الأب بالمعنى الرمزى هنا هو المسئول عن الخيبات المتتالية، والمحاولة الفاشلة لقتل الأب الرمزى فى بداية الرواية تزامنا مع بداية أحداث ثورة يناير، هى التى أدت إلى هذه الدوامة التى لم يفلح الأبطال فى الخروج منها، للأسف التسعينيون تمنّوا موت الأب دون الإسهام الفعال فى هذا الموت، والجيل التالى حاول قتل الأب لكنه فشل.

هل يمكن تفسير تصرفاتنا عموماً بما زرعه فينا الآباء؟ هل هذا ما تريد "كل شىء هادئ فى القاهرة" أن تطرحه؟ بمعنى أنه لو كان هناك أب آخر لفيروز، أب آخر للراوى هل كانا سيسلكان بشكل مختلف؟ هل كانت هذه الرواية نفسها ستتغير؟

أنت تضع يدك، تماماً، على القضايا الأساسية التى تشغلنى فى الكتابة والحياة عموماً، أنا شخصيا أتعاطف جدا مع فكرة الـ(Antinatalismأو ضدّ التّناسل)، وأتفق أن فكرة الإتيان بإنسان إلى الحياة رغما عنه من أجل أن صبح رقماً جديداً يعانى مع المليارات ممن يعانون، هى فكرة مؤذية، وظالمة، "هذا جناه أبى علىّ"، وإن كنت فى النهاية أرى أن الحياة ظالمة، وأن الأب ضحية، وأرى أن معانى مثل النضج والرشد والبلوغ كلها مفاهيم زائفة، نظل فى النهاية نفس الأطفال المؤذيين والمأذيين الذين كنا عليهم فى أول يوم فى السنة الأولى فى المدرسة الابتدائية، تنبت لنا شوارب ولحى وتطول ويغزوها الشيب دون أن نخلع "مريلة" الدراسة القديمة، فلماذا يسمح العالم لأطفال مرضى أن ينجبوا إلى الحياة أطفالاً يجنون عليهم، هذه من أكبر خطايا البشرية.

وأختم هنا بمقولة لجان بول سارتر، وضعتها فى افتتاحية روايتى الأولى "سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء" الصادرة فى عام 2001، يقول: "لا يوجد أب طيب، هذه هى القاعدة، ولكن يجب ألا نلوم الرجال، بل نلوم رباط الأبوة المتعفن".

"كل شيء هادئ فى القاهرة"رواية تعيد قيمة التأليف أو الكتابة إلى صدارة المشهد، فهناك عالم تتم كتابته بالموازاة مع الرواية نفسها، أقصد شخصية فيروز التى يقوم البطل "الروائى " بكتابتها.. ما رأيك؟ وهل كان ذلك فى ذهنك وأنت تكتب؟

أنا أحب بشكل كبير الروايات التى تتكلم عن عملية الكتابة نفسها، ودمج القارئ فى عملية الكتابة، وبناء "كل شىء هادئ فى القاهرة" قائم على لعبة هل هذا ما حدث فعلاً أم لا؟.. وكأن الكتابة فى الرواية "آلة" يدخل فيها الواقع ليخرج بشكل خيالى ، هل هذا إذا ما كنا نتمناه؟ أم أنه هكذا أوضح؟ أم أكثر فجاجة؟ أم مطبوع بطابع سحرى ؟ أم مخادع؟ أم كل هذا؟ نحن لا نكتب لننقل تفاصيل ما حدث، ولا ما كنا نرجو أن يحدث، ولعبة الرواية عن بطل يكتب روايته الأولى إملاء من سيدة تعيش أزمة موازية لأزمته وتعترض حين تراه يحرف تفاصيل حياتها التى لا تملك سواها، تجعل الكتابة هنا أشبه بفنان تشكيلى يرسم موديلاً عارية، ليخرجها فى صورة فنية، الكاتب داخل "كل شىء هادئ فى القاهرة" ليس مصوراً فوتوغرافياً توثيقياً، ولكنه يطمح لأن يكون نحاتاً، من كل الحيوات التى تمثلت بين يديه، يصنع منها حياة جديدة.

المرأة أكثر حضوراً من الرجل فى هذا العالم.. سواء بالنظر إلى الشخصيات الثلاث، دينا وبسنت وفيروز، وكذلك بالنظر إلى أم الراوى قوية الشخصية، وأم فيروز التى كان لموتها دور كبير فى إشعارها بمزيد من الوحدة.. هل قصدت ذلك وأنت تخطط للعمل؟

قناعتى الشخصية أن المرأة طوال الوقت أكثر تأثيراً من الرجل، وأن الرجل يظل طفلاً مهما كبر سنه، فى حين أن المرأة تولد وهى تحمل هيبة وسطوة الأمومة، هذا هو المعنى بين سطور "كل شىء هادئ فى القاهرة" أو هو انعكاس بشكل ما للمثل العامى : "الست بتعشش والراجل بيطفش"، المرأة هى العمود الفقرى للرواية كما للحياة، ففى حين يعانى رجال الرواية من هذا التشتت، نجد هذا الوضوح المؤلم لدى نسائها.

زوج فيروز كان مجرد شبح فى الأغلب فى "كل شىء هادئ فى القاهرة"، كان موجوداً طوال الوقت فى الإشارات، ينظم حركة المرور، هو الشخص الذى كان فى فرنسا وجاء لينقل ما شاهده فى العالم المتحضر إلى شوارع مدينة لا ترحم، مدينة لا تعترف بالتخطيط، ثم حاولت الرواية أن تعطيه أبعاداً أخرى ، بظهوره المفاجئ أحياناً إلى جوار الرواى ، وكذلك بعودته الغريبة فى نهاية العمل، فهل كان المقصود إيجاد انحرافة خيالية فى الرواية بعيداً عن التفاصيل الواقعية، والأحداث السياسية؟

الأحداث السياسية فى الرواية تقع فى خلفية المشهد تماماً، كأنما لا ترى ، وظهور زوج فيروز بهذا الشكل الشبحى مقصود، هل شخص بهذه المواصفات، يمكنه أن يصمد بعقله وكيانه أمام سطوة مدينة كالقاهرة، زوج فيروز فى الرواية هو العنصر الناقص فى كل شىء، الذى ربما لو كان موجوداً لكانت الحياة محتملة أكثر، فالمدينة ينقصها التخطيط، والمرور ينقصه التنظيم، وبطلنا ينقصة الحسم.

زوج فيروز ورجل الساعات، شخصيتان لم يدخلا الآلة الروائية ليخرجا منها كما دخلا، لكننى حتى الآن أشعر بخوف الكاتب حين تقرأ فيروز الرواية وترى ما حدث فى زوجها، إذا كانت قد اعترضت على طريقة كتابة شخصية رجل الساعات، فماذا سيكون رد فعلها أمام ما حدث لزوجها طوال الأحداث؟!

يبدو لى أن الرواية تصور عالمى الصحافة والثقافة كأنهما موطنى الشياطين.. ما رأيك؟

الصحافة والثقافة من مواطن الشياطين فى مجتمعنا بكل تأكيد، كان يمكننا قديما إخفاء هذا الأمر، وهو ما يمكن أن ينجح مع مجالات أخرى ، لكن صعوبة كنس التراب أسفل السجاد فى الصحافة والثقافة أنهما قائمان على النشر والعلانية، وهما تتراوحان بين الانبطاح التام والتزييف والنخاسة، وبين الموات وانكتام الصوت، والمجالان فى "كل شىء هادئ فى القاهرة" تم تقديمهما من وجهة نظر البطل الصحفى القيادى فى مؤسسة صحفية كبرى ، قرر الانتقال إلى أرض الرواية ليجد أنه ليس أسوأ من "سيدى " سوى "ستى ".

الرواية خرجت عن مسارها إلى قصص فرعية أكثر من مرة منها، ذهاب البطل "الروائى " للمشاركة فى ورشة أدبية بأحد الدول العربية، وكذلك فى علاقته بزميلته هناء التى تسكن فى حلوان.. لماذا؟

فى طريقة بنائى للرواية أتعامل بمنطق الحياة، والحياة هى القصص الفرعية والمسارات الجانبية أكثر منها الطرق الرئيسية، وإن كنت أرى أن الحكايتين تقعان فى قلب الحدث وليس خارجه، لكن حديثنا هذا يذكرنى بتصديرى لأحد فصول روايتى "سيدى برانى " بعبارة: "ومن يملك نفسه أمام سطوة الحكايات الجانبية؟!"، استهوتنى العبارة لدرجة أننى كثيراً ما كنت أكتبها فى إهداء الرواية فى حفلات التوقيع، أنا من عشاق الهامش لا المتن، وأتمنى لو كانت الحياة كلها هامشاً.

بمناسبة مشاركة البطل فى حدث أدبى .. هل يشير هذا الجزء من العمل إلى شخصيات بعينها فى الواقع الثقافى ؟ ألست قلقاً من تفسير الأمر على هذا النحو؟

لست من هواة الروايات التى لها انعاكاسات مباشرة فى الواقع، أو التى تكتب بـ"الشفرة" وعلى القارئ حل ألغازها، وأبرز مثال لهذا النوع فى ذهنى حاليا "عمارة يعقوييان" التى تبارى الجميع وقت صدورها فى ترجمة شخصياتها على شخصيات سياسية وصحفية فى الواقع، "كل شىء هادئ فى القاهرة" رواية لا تتطلب ترجمة إلى العربية مرة أخرى ، وبالتالى لا يوجد قلق من محاولة فك شفرات الشخصيات وتقريبها إلى شخصيات حقيقية.

هل تعتبر أن هذا العمل نقلة ما فى كتابتك؟

رواية "كل شىء هادئ فى القاهرة" تأخرت كثيراًفى الصدور أكثر مما كنت أخطط ومما كنت أحب، لأسباب كثيرة شخصية ومهنية وسياسية، منها صدور رواية "سيدى برانى "عن دار الشروق، كنت أراهن كثيراً على هذه الرواية، وحققت طبعتين فى أقل من شهرين، وكانت الأعلى اختياراً كأفضل كتاب لعام 2010 فى جريدة الأهرام، ويكفى أن من ضمن من اختارها كرواية للعام الكبار إبراهيم أصلان وإبراهيم عبد المجيد ثم حدثت الثورة، وقضت على كل الكتب التى صدرت وقتها، وأنا أرى أن النقلة الحقيقية كانت فى البداية، بالكتابة نفسها، وإصدار كتابين قبل التخرج من الجامعة فى وقت كان عنوانه الأساسى أزمة وصعوبة النشر، ما بعد ذلك أعتبره مشروع كتابى .

ما الجيل الذى تنتمى إليه.. وكيف تقيم ما قدمه إلى الآن؟

لا أحب فكرة الأجيال بالشكل النقدى القائم على العقود، كل عشرة سنوات جيل، لأنها تضع "أبو قرش" على "أبو قرشين" استنادا لفكرة المزامنة فقط، ثم تحاول اختراع مشتركات بين الكتاب بناء على فكرة المجايلة، وهو "عبط" نقدى دون شك، لكن عموما ظهرت كتابة بعد جيل التسعينات أطلق عليها "الكتابة الجديدة" وأصبح كتابها يسمون جيل "الكتابة الجديدة"، وهذا الجيل إن كان هناك ما يسمى "جيل" أساساً قدم للكتابة فجوة نتجت عنها عدة كوارث متتالية، ربما تسبب هو فيها، أو تزامنت معه كنوع من سوء الحظ، فانتشرت موضة قميئة اسمها "البيستسيللر" لأول مرة فى مصر بهذا الشكل الواضح، وتزامنا مع هذه الكتابة انتشرت سلاسل المكتبات الأنيقة فى المحلات ذات الإيجارات الباهظة، واحتلت الميادين والمولات، واتجه الأمر نحو التسليع فقط، وظهرت فجوة كبيرة سمحت لروايات الرعب والإثارة وكتب الشباب أن تسمى روايات أدبية توضع جنبا إلى جنب بجوار كبار الكتاب، دون تصنيف، بل وتزاحمها وتزيحها، وتزامناً مع هذا الجيل ظهرت فوضى دور نشر "بير السلم" والتى كبر بعضها حتى أصبحت تناطح وتهدد الدور الراسخة الكبيرة، وتزامناً مع هذا الجيل كذلك ظهرت فوضى كتابة "السوشيال ميديا" والكاتب "الإنفلونسر" أو صاحب "الفولورز"، وتزوير عدد الطبعات، ومع هذا الجيل ظهرت بقوة فكرة الجوائز المالية الضخمة، بالدولار والريال والدرهم، ثم تراجع دور النقد تماماً، ثم تراجعت الصحافة الثقافية، لتحل السوشيال ميديا و"اللايكات" و"الشير" و"الكومنتات" محل هذا كله، واختفت ما كانت تسمى بالندوات الأدبية التقليدية، وتحورت لأشكال أخرى مثل نوادى القراءة، بجانب كل هذا قدم هذا الجيل مجموعة من الروايات الجيدة التى لم تستطع الصمود وسط كل هذا الصخب، وكما ترى كل شىء هادئ فى الحياة الثقافية.

ما طموحك من الكتابة؟

طموحى من الكتابة إبداعى بالمقام الأول والأخير، أعرف حدود ما تمنحه الكتابة وأقبل به، لا أنتظر جوائز أو مبيعات أو نقود، أطمح أن أصل بمشروعى الكتابى الذى بدأته بمجموعة "لونه أرزق بطريقة محزنة" إلى البر الآخر من الكتابة، مع الصديقين والنبيين والشهداء من الكتاب الذين أحبهم أمثال ماركيز وإبراهيم أصلان وصادق هدايت وحسين عبد العليم والمخزنجى وصبرى موسى ومحمد ناجى وحسن أولئك رفيقا.

هل ترى نفسك مظلوم نقدياً؟

بالعكس، معظم وأهم كبار وشباب نقاد مصر والوطن العربى تناولوا أعمالى بشكل واف جداً، ورواياتى متواجدة بقوة فى عشرات الرسائل الجامعية فى مصر وخارجها، ومترجمة للغات عديدة ومطبوعة أكثر من طبعة فى هذه اللغات، وحصلت على معظم الجوائز الكبرى فى مصر والوطن العربى، النقد هو المظلوم حاليا، والنقاد هم المظلومون.

وما الجديد الذى تعمل عليه؟

أكتب رواية جديدة وضعت لها اسما مؤقتا هو "جثث وحيدة".