رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

تكوينات متحركة.. تتزاحم فيها الألوان

رموز صفاء تتلبّسنا لحد الانصهار


4/13/2019 12:57:46 PM

محمد حلمي السلاب


»عيناه تطلان منهما قبيلة – وحين يبتسم أري شعوبا تخرج لتعانق روحي»‬، »‬حذف جزء من الخيال أصعب أنواع المحو – لكنها جراحة لا بد منها أحيانا»، »‬لاتكن كالذي توضأ – وكلما توضأ أعاد الوضوء – إلي أن مات دون أن يصلي».
بضع مقطوعات من أصل 268 مقطوعة شعرية قصيرة حفل بها ديوان الشاعرة والفنانة التشكيلية صفاء البحيري» بالرمز وبي تبوح الصور»، الذي نشرته »‬أخبار الأدب» في عددها الشهري الأخير، لتثبت أنها تدفعنا دفعا لمصافحة أعمال ابداعية أكثر من رائعة.
 ابتعدت الشاعرة بنا عن التقاليد الشعرية المتعارف عليها، لنستشعر حلاوة الديوان الذي فتح لنا آفاقا لا حدود لها من الجمال الروحي، عبر لمحة فنية سريعة حادة، تقول كل شيء بأقل عدد من الكلمات، فما يمكن قوله في بضع كلمات أفضل من قوله في مئات المفردات، وصنف شعرها أنه ( فعل ) يتحرك، يطوي المسافات ويمسك بالفكرة من تلابيبها، يظهرها فعل فاعل سريع الدخول إلي الوجدان الإنساني. بلاغ من القلب إلي العقل أو من العقل إلي القلب.
رسمت الشاعرة عالمها الخاص، ونجحت أن تدعونا إليه فوجدنا أنفسنا نسير معها ولا مجال للرجوع. الحديث عن الرمز حديث يؤرقنا وقد تحول علي يدها إلي لغة سهلة ممتنعة، نتداولها للتواصل مع شيء خفي، ندركه ونفتقده ونحاول جاهدين الوصول اليه، وكما قال د . أحمد الصغير في تقديمه للديوان: »‬إنه عالم من الحب الصوفي الذي تعلقت به قلوب المتصوفة». فالشاعرة كما لو كانت تلقي أشعارها في أمسية شعرية جمعت مولانا جلال الدين الرومي ولوركا وصلاح عبد الصبور وابن عربي والنفّري، ونحن جمهور الأمسية المسكونين بآلام العشق ومتاهة العالم الذي يواجه كل ذرات الحب، بمعاول قاسية لاتعترف بلغة العشق المسكونة في رحم القلوب.
تقول الشاعرة: »‬في مقام اللا امرأة – تحيا نساء كالقصائد – التي ماتت قبل كتابتها الشعراء». نحن أمام تكوينات متحركة تتزاحم فيها الألوان، التي تسيل وتتحول إلي فقاعات كأنها ترسم لوحات، بكلمات راقية تكتبها صاحبة أحاسيس صوفية صادقة، ونادرا ما نري مثل هذه الروح في الكثير من الأعمال، ولهذا ربما كتبت في بداية الديوان فقرة بعنوان »‬أما قبل»، وكأنها تُعد القاريء لمرحلة ما قبل القراءة، وتقول له عليك أن تشاركني في إنتاج المعني.. أريدك قارئا نشطا ذهنيا ووجدانيا ومعرفيا: »‬أما قبل – في أضيق نطاق للتخيل – لا تتعمد أن تقرأ مسافات النور العابر – في كف ليل الأرض – إذ لا رائحة تصعد كرها – إلا حين تعتزل الموسيقي الروح – ويعيش المحذوف فوضي القدر المنظم».
وفي قصائدها تقول: »‬الكون في مرآة الله – يختلف عن الكون في مرآتك – لذا أنصت بكيانك علك تري»، وتضيف: »‬روحك – لمن يراها»، وتؤكد: »‬أقل الخسائر – دموع المرأة – وأفدحها – أن تطوي عالمها لأنك فيه». إنها الشاعرة التي تدرك معني لحظة يلزمها البحث عن الحقيقة المتوارية، فتشقي مع من يقرأها من أجل الوصول إليها.  
ديوان حافل بالرمز عندما يكون الرمز متلبسا فينا، في مشاعرنا.. حواسنا.. عواطفنا، نبحث عنه لنجده، فيقترب أحيانا ويبتعد أحيانا أخري، لذلك أجزم أن متعة القراءة قد تحققت لمن قرأ الديوان، ليس بعينيه فقط إنما بروحه، واستشعره واندمج فيه لدرجة الانصهار.


رئيس نادي أدب شربين