رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

سيناء.. مختارات من وثائق القرن التاسع عشر


د. صبري أحمد العدل
4/20/2019 1:08:36 PM

ننشر هنا مقدمة كتاب »وثائق سيناء.. مختارات من وثائق القرن التاسع عشر« للدكتور صبري أحمد العدل، الصادر في سلسلة دراسات وثائقية عن دار الوثائق.
تتبع هذه الدراسة من خلال الوثائق، المراحل المختلفة للتكوينات الإدارية والإجتماعية والسياسية لسيناء، منذ إنشاء محافظة العريش عام 1810، بقرار من محمد علي؛ هذه الوثائق تبرهن على مكانة هذا الجزء من تراب الوطن، والتلاحم الكبير على مر العصور بين «الإدارة الحاكمة» و «الأهالى».
فى هذه المقدمة الكاشفة عن طبيعة هذه الوثائق وأهميتها، يقدم د. العدل «دراسة حالة» للمجتمع السيناوى فى القرن التاسع عشر، جديرة بالتأمل لأهمية ودلالالة ما يسرده.

يضم الكتاب مجموعة منتقاة من الوثائق من المصادر الوثائقية المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة وهى كالتالى:
1- مجموعة سجلات محافظة العريش.
2- سجلات ومضابط محكمة العريش الشرعية.
3- سجلات القلاع الحجازية.
بالإضافة إلى مجموعة وثائق متنوعة من محافظ مجلس الوزراء.
1- مجموعة سجلات محافظة العريش:
تقع سجلات محافظة العريش ضمن مجموعة سجلات الإدارة المحلية التى تضم المديريات والمحافظات المصرية التى تم إنشاؤها فى القرن التاسع عشر. وقد تم إنشاء محافظة العريش كإقليم إدارى يهدف إلى الحفاظ على أمن الطرق والحدود الشرقية المصرية عام 1810 ضمن التشكيلات الإدارية التى أنشأها محمد على، ومنذ هذا التاريخ اضطلعت محافظة العريش بالقيام بهذه المهمة، لكن مع هذا فسجلات هذه المجموعة غير كاملة، بمعنى أن الواقع الفعلى لهذه السجلات لا يبدأ بعام 1810، وإنما أقدم سجلات هذه المجموعة وأهمها هى سجلات صادر ووارد محافظة العريش، وهى تبدأ بعام 1260هـ/ 1844م. ويزيد إجمالى هذه السجلات على المائتى سجل.
وتنقسم سجلات محافظة العريش إلى عدد كبير من المجموعات، منها: سجلات صادر محافظة العريش وسجلات وارد محافظة العريش وهى عبارة عن سجلات حررت بمعرفة محافظ العريش، فهى تتضمن الأوامر والتلغرافات والرسائل الواردة أو الصادرة من المحافظة إلى الجهات الحكومية المختلفة وهذه المجموعة غنية جداً بالمعلومات عن الحركة على الحدود المصرية الشامية، وعن وضع البدو فى المناطق المحيطة بالعريش، وسجلات كوبيا قسم الإدارة التى هى امتداد لسجلات صادر ووارد محافظة العريش،حيث إن سجلات صادر ووارد تنتهى مع الاحتلال البريطانى لمصر 1882 وإن امتد بعضها إلى عام 1884 لكن لا شك ان سجلات كوبيا الادارة كانت من مبتكرات الادارة البريطانية فى مصر.
أما سجلات قيد المنشورات فهى سجلات خاصة بالمنشورات فهى سجلات خاصة بالمنشورات واللوائح والقوانيين الواردة الى محافظة العريش من القاهرة بهدف الالتزام بها والرجوع اليها وقت الحاجة. وسجلات وارد وصادر عرض حالات التى تهتم بالعرائض والشكاوى المقدمة من أهالى العريش الى الادارات المختلفة أما دفاتر قيد الكشوفات الجنائية والطبية بالعريش فهى تهتم بالشئون الصحية بالعريش وعدد المرضى بمستشفى «استبالية» العريش ونوع المرض ودرجته بالاضافة الى فرع الطب الجنائي للكشف على الحالات الجنائية كالقتل والاعتداء بالضرب والتى كان الكشف عليها يتم بمعرفة حكيمباشى العريش وهذه السجلات تبدأ بعام 1881م. أما سجلات وارد وصادر قلم الضبط فهى عبارة عن تلخيص لسجلات صادر وارد محافظة العريش.
  بينما احتضنت سجلات المحاسبة بالأمور الخاصة بالموظفين من متأخرات وزيادات ومكافآت وغير ذلك، بالإضافة الي سجلات تعداد النفوس بمحافظة العريش والتى تم وضعها ضمن هذه المجموعة من السجلات.
2- سجلات ومضابط محكمة العريش:
تحتوى مجموعة سجلات محكمة العريش على 110 سجلات، منها 60 سجلاً تحت عنوان «مضبطة» سجلات محكمة العريش، بينما تأخذ السجلات الخمسون الباقية عنوان «سجلات محكمة العريش»، وهذا يعنى أن هناك نوعين من السجلات لهذه المحكمة لكن الملاحظة المهمة حول هذه المجموعة هى عدم وجود فهرس عام أو تفصيلى يوضح طبيعة هذه السجلات، ويوجد فقط فهرس بنوعية السجلات، لكن هذا الفهرس يعيبه أنه غير دقيق ولايشمل كامل المجموعة، لهذا فقد استدعيت هذه السجلات بالأرقام المدونة عليها من المنشأ أحيانا والأرقام المفهرسة أحيانا أخرى.
والنوع الأول من هذه المجموعة وهو المضابط التى تغطى الفترة من 1863م وحتى 1934م، وتأخذ المكاتبات رقما تسلسليا يبدأ من رقم 476. وبدأ أقدم سجل لها بتاريخ 1 ربع الأول 1380هـ/ 1863م وآخر مكاتبة به تنتهى بتاريخ 10 جمادى الأولى 1387هـ/1870م، وإجمالى مكاتبة بالسجل الأول حوالى 747 مكاتبة، وهى تحتوى على كل التصرفات القانونية التى تمت ودونت داخل المحكمة لهذا فهى تحتوى على مكاتبات غير ممهورة بختم القاضى أو الشهود، وقد كتبت هذه المكاتبات بشكل مسلسل دون فاصل بين كل مكاتبة وأخرى- كما يحدث فى حجج المحاكم- وإنما استخدم الكاتب العلامة (//) للفصل بين كل مكاتبة وأخرى.
وقد استخدمت فى المضابط العناوين الاسترشادية فى أعلى الصفحات لكل نوع من الحجج، فمنها بيان تقييد الحجج والتركات»، و«بيان تقييد الدعاوى، و«بيان تقييد زواج النساء وطلاقهن ومصالحهن، وبيان تقييدات إشهادات ضياع الختوم من أربابها»، و«تقييد الدعاوى المتعلقة بنقدية على أربابها»، و«دعوى موقوفة لحين حضور المتهم بهذه الدعوى» وغيرها. كما كان الكاتب يقوم بقيد جملة الرسوم القضائية لكل مجموعة من الحجج تحت عنوان «بيان المتحصل من رسم القضا من شهر... بعد أن يكتب ملخصا لكل حجة والرسوم المحصلة عنها. ومن خلال أول حصر قام به الكاتب لعدد الحجج التى تم تحصيل رسومها يتضح أن عددها حوالى 95 حجة، بينما ما تم تدوينه بالفعل فى السجل قبل هذا الحصر هو 71 حجة مما يوحى بوجود سجل أو سجلات سابقة على هذا السجل.
أما النوع الثانى فهو سجلات محكمة العريش وعددها 50 سجلاً، وهى تغطى الفترة من 1880م وحتى 1910م، وهى أيضا مرقمة بشكل مسلسل من رقم 221. وقد أخذت كل حجة مساحة مستقلة من الصفحة، وتحتوى على أختام للقاضى والشهود ويبدأ السجل الأول منها بعام 1880م. وقد دون تاريخ الحجج بالتاريخين الهجرى والميلادى.
وهناك تساؤل مهم يطرح نفسه فيما يخص محكمة العريش وهو: متى استجاب بدو سيناء لمحاولات الحكومة المصرية إخضاعهم لسلطة القانون المصرى.والتخلى بصورة جزئية عن الأعراف والتقاليد البدوية؟
وللإجابة على هذا التساؤل لابد من تتبع المراحل التى اتخذتها الحكومة المصرية فى هذا الاتجاه. ففى البداية كانت الحكومة المصرية تشجع وتحث عربان سيناء على رفع دعاواهم وقضاياهم أمام المحاكم المصرية، فأصدرت أوامرها فى عام 1853 إلى مشايخ القبائل وكافة العربان فى سيناء تطالبهم «بترك عادات العرب القديمة وكل من له دعوى أو قضية يقوم برفعها أمام المحاكم المصرية وفى ظل الحكومة المصرية».
ويبدو أن أهالى العريش استجابوا لدعوة الحكومة لهم باللجوء إلى المحاكم، فبادروا بطلب إنشاء محكمة بالعريش هذه المرة، ومما شجعهم على ذلك حادثة قتل بالعريش عام 1859 فطالب أهالى العريش بإنشاء محكمة شرعية لهم، نظراً لكون معظم السكان يشتغلون بالتجارة ومهنة «الجمالة» ولا يخلو الحال من وجود دعاوى شرعية لا يتم إنهاؤها إلا بوجود هذه المحكمة.
وتصادفنا الوثائق بوجود رسوم قضاة ومرتب لنائب الشرع ضمن إيرادات محافظة العريش لعام 1279هـ/ 1862م، وهذا يوحى بوجود قاض بالعريش قبل هذا التاريخ، على الرغم من أن أقدم سجل لهذه المحكمة يبدأ بعام 1380هـ/ 1863م، ومن المرجح أن تكون الحكومة قد استجابت لمطالب أهالى العريش، وأرسلت إليهم أحد القضاة للفصل فى القضايا والدعاوى، كما أنه من المرجح أن يكون مقر القاضى داخل مبنى قلعة العريش التى كانت مقراً للجهاز الإدارى. وكانت الحكومة المصرية أحيانا ما ترسل موظفاً بصفة مأمور للتحقيق فى القضايا والنزاعات الإدارية التى تنشب بين الموظفين العاملين بالعريش، لكنه لم يكن يمارس التحقيق فى القضايا الخاصة بالأهالى.
وعلى أية حال فإن الوثائق تطالعنا باسم أول قاض أرسلته الحكومة المصرية للعريش، وهو الشيخ عثمان محمد «نائب شرع العريش».
وكان قاضى العريش عام 1880م هو الشيخ عبدالبر الرملى الذى شارك فى الثورة العرابية فتم عزله من منصبه وتعيين الشيخ عبدالرحمن السلمنتى عوضا عنه، فى عام 1883م.
كان مقر محكمة العريش، فى البداية ديوان عام محافظ العريش الذى يقع داخل قلعة العريش، ثم تم استئجار مقر منفصل داخل العريش بأجرة شهرية قدرها 25 قرشاً، وأجرة نقل المياه لاستهلاك الموظفين عشرة قروش شهرياً.
وكانت اختصاصات هذه المحكمة فى البداية توثيق عقود البيع والشراء والمعاملات التجارية، ولم تكن مختصة بتوثيق عقود الزواج حيث كان يوجد  بالعريش شخصان بصفة مأذونين مهمتهما تحرير عقود الزواج، وتوثيقها ثم قدما استقالتيهما فى عام 1883 ونظراً لعدم وجود أشخاص لائقين يقومون بوظيفة المأذون، لهذا تحولت هذه الوظيفة إلى محكمة العريش الشرعية بناء على طلب قدمه قاضى العريش لنظارة الحقانية التى وافقت عليه بينما كانت الجرائم الجنائية والجنح من اختصاص محكمة المنصورة، ثم محكمة الزقازيق فى فترة لاحقة.
ويبدو أن اللجوء إلى محكمة العريش من قبل الأهالى كان ضعيفاً حيث إن السجل الأول لهذه المحكمة تضمن السنوات من عام 1280 وحتى عام 1287هـ، بينما تزايد الإقبال عليها فيما بعد لهذا أفرد سجلاً خاصاً بكل سنة، ولم تسجل إيرادات المحكمة فى عام 1880 سوى ثمانية جنيهات فقط، ممثلة فى رسوم محكمة دون رسوم الدعاوى أو الديون أو خلافه وحين ألحقت بالمحكمة مسألة تحرير عقود الزواج وتوثيقها ارتفعت إيرادات المحكمة عام 1884 إلى 20 جنيها وكانت رسوم هذه الدعاوى ورسوم التوثيق ترسل إلى مجلس المنصور.
على أية حال، فإنه من خلال دراسة وثائق محكمة العريش الشرعية يتضح أنها كانت تختص بقضايا البيع والرهن والتركات والدعاوى وتوثيق عقود الزواج وغيرها من القضايا المدنية. لكن الملاحظ أن أهم القضايا التى تتناولها مجموعة السجلات الخاصة بهذه المحكمة هى قضايا الأحوال الشخصية، وهى توضح لنا صورة العائلة البدوية. ونظراً لأن نطاق محكمة العريش كان محدداً بالعريش والمناطق المحيطة بها دون باقى أنحاء شبه جزيرة سيناء، لهذا فإن كل الدعاوى انصبت على مجتمع شمال سيناء أو بالتحديد القاطنين فى أطراف العريش والمناطق المحيطة بها.
3- سجلات القلاع الحجازية.
هى مجموعة من السجلات الخاصة بالقلاع المصرية فى شمال الحجاز، وكانت هذه القلاع معدة لمؤن الحجاج وحفظ طريق الحج المصرى.
وفى البداية لابد أن تحدد المقصود من مصطلح القلاع الحجازية، فهو مصطلح كان يدل على مجموعة الموانىء والقلاع التى كانت تسيطر مصر عليها حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أجرت معاهدة لندن عام 1840 التى فرضتها الدول الأوروبية محمد على باشا للانسحاب من الأراضى التى كان قد احتلها بما فيها الحجاز. وبالفعل قام والى مصر بسحب قواته وممثلية من المدن الحجازية، لكنه أبقى على بعض الحاميات فى بعض الموانىء والقلاع التى رأى فيها أهمية استراتيجية بالنسبة لمصر وهى، ضبا والمويلح والوجه والعقبة فى شمال الحجاز، وذلك نظراً لوقوعها على طريق الحج المصرى إلى الأراضى المقدسة.
كان طريق الحج المصرى يمر عبر مناطق يقع بعضها فى وسط سيناء، بينما يقع البعض الآخر فى شمال الحجاز، ولأهمية هذا الطريق بالنسبة لمصر، فقد كان من الضرورى تأمينه خوفا من غارات البدو المتكررة على الحجاج المصريين، لهذا كانت المناطق التى يمر خلالها هذا الطريق دوما تحت السيطرة والإدارة المصرية، وتمارس فيها الإدارة المصرية سيادتها الكاملة.
وقد شكلت هذه المجموعة من القلاع تشكيلاً إدارياً موحداً عرف باسم القلاع الحجازية، أو «القلاع المعدة لتخزين مؤن الحجاج»، وتشمل قلعتى نخل والعقبة بالإضافة إلى قلاع شمال الحجاز التى كانت تضم قلاع «الوجه»، و«المويلح»، «وضبا»، وهذه القلاع جميعها تتبع «ديوان الروزنامة» من الناحية الإدارية، وهذا الديوان نفسه كان يتبع نظارة الداخلية.
واهتمت الحكومة المصرية بتزويد هذه القلاع بالقوة اللازمة لحفظ الأمن على طريق الحج المؤدى إلى الأراضى المقدسة، وذلك منذ إنشاء هذه الإدارة فى عام 1840. وكانت الوجه هى القلعة الوحيدة من بين القلاع الحجازية التى تشكل محافظة إدارية، يرأسها ضابط برتبة «أغا سى صاغقول» ويطلق عليه «محافظ الوجه». أما القلاع الأخرى فكان يرأس كل قلعة منها ضابط برتبة يوزباشى»، يسمى ناظر القلعة، وله وكيل ينوب عنه فى حالة تغيبه.
وفى نهاية عام 1861 صدر أمر من نظارة المالية بإلغاء القلاع الحجازية، ونقل ما يوجد من المؤن والذخائر بهذه القلاع إلى السويس، مع تسريح العساكر والموظفين الموجودين ويبدو أن السبب وراء هذا الأمر راجع إلى محاولة الحكومة المصرية تجربة سفر المحمل والحجاج عن طريق البحر الأحمر، وهذا القرار كان متزامناً مع قرار إلغاء محافظة العريش. لكن نظراً للآثار السلبية التى نتجت عن قرار إلغاء الأجهزة الإدارية فى محافظة العريش والقلاع الحجازية، والاضطرابات التى أثارها الأهالى والعربان من جراء عدم وجود سلطة مركزية تحميهم، جعلت الحكومة تتراجع عن موقفها بخصوص إلغاء هذه الأشكال الإدارية. وصدر أمر نظارة المالية فى يناير 1883م بناء على الأوامر الحكومية بإرسال المحمل عبر الطريق البرى، فأعيد العساكر  والموظفون إلى أعمالهم مرة أخرى من تاريخ 9 شعبان من العام نفسه.
وفى عام 1873م تم استبدال موظفى القلاع الحجازية ومستخدميها بضباط وعساكر تابعين «لنظارة الجهادية» بمقتضى الأمر العالى الصادر فى العام نفسه وأستمر وضع هذه القلاع على ما هو عليه حتى عام 1883، حين حدث حادثان كان لهما الأثر الكبير على بدء الجولة الأولى من جولات النزاع بين مصر والدولة العثمانية على الحدود. الحدث الأول، هو التطور الذى طرأ على مسألة سفر المحمل المصرى والحجاج إلى الأراضى المقدسة عن طريق البر، فقد تحول هذا السفر من الطريق البرى الذى يمر بقلاع شمال الحجاز إلى الطريق البحرى بالبواخر عبر ميناءى الطور والسويس. ورأت الدولة العثمانية فى هذا التحول فقداناً لأهمية هذه القلاع بالنسبة لمصر، هذا بالإضافة إلى وجود الاحتلال البريطانى فى مصر الذى زاد من إلحاح الدولة العثمانية للمطالبة بهذه القلاع. وقد لعب عثمان نورى باشا (1882- 1886) والى الحجاز دوراً مهماً فى تحذير الادارة العثمانية من خطورة الوجود الإنجليزى فى مصر، واقتراب قوات عسكرية إنجليزية من الأراضى المقدسة وتمكنت الدولة العثمانية من السيطرة على قلعة الوجه سنة 1886، بينما حصلت على ضبا والمويلح والعقبة أثناء أزمة فرمان عام 1891- 1892م.
عموماً فإن سجلات القلاع الحجازية، تشبه سجلات الإدارة المحلية للمحافظات والمديريات المصرية من حيث الشكل والإطار الداخلى المطبوع (نمرة، تاريخ الورود، تاريخ الرد، وارد أو صادر من أو إلى).
السجل الأول:
كتب على غلاف السجل: دفتر وارد محافظة قلعة الوجه سنة 1296هـ موافق 1879م.
الرقم القديم: 13، اسم الوحدة الأرشيفية محافظة قلعة الوجه. الفترة الزمنية: 1296هـ.
عدد صفحات السجل 118 صفحة مكتوب منها 27.
السجل الثانى:
كتب على غلاف السجل: دفتر رقم (32) صادر محافظة العريش من غاية محرم 1298/15 صفر 1299هـ.
الرقم القديم: ل/10/1/7.
السجل الثالث:
كتب على غلاف السجل: دفتر وارد سنتى 83/84 أفرنكية بقلعة الوجه الرقم القديم: ل/10/10/13.
أولاً: الأوضاع الإدارية والسياسية لسيناء
خلال القرن التاسع عشر
ومن خلال دراسة الوثائق التى يتناولها هذا الكتاب يتضح لنا أن شبه جزيرة سيناء خلال القرن التاسع عشر كانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام إدارية، القسم الأول: ويشمل الجزء الشمالى من سيناء، وهذا القسم كان يتبع محافظة العريش من الناحية الإدارية. أما القسم الثانى: فيشتمل على الجزء الأوسط من سيناء، والمعروف ببلاد التيه، وهذا الجزء كان يمر خلاله طريق الحج المصرى، أما القسم الثالث ويشمل بلاد الطور، فكان يتبع محافظة السويس من الناحية الإدارية، التى كان لها سلطة إدارية على النقاط الجمركية والموانىء الموجودة بهذا القسم فقط، وإن لم يكن لها سلطة على العربان، إلا أن هذا القسم كان قليل الأهمية خلال الفترة مجال الدراسة، إذا ما قورن بالقسمين الشمالى والأوسط.
ومن الملاحظ أن السلطة المركزية كانت أكثر وضوحا وفاعلية فى القسم الشمالى من سيناء عنها من القسمين الأوسط والجنوبى، نظراً لوجود محافظة العريش منذ مطلع القرن التاسع عشر التى لعبت دوراً مهماً فى إقرار النظام والسلطة المركزية فى هذا الجزء الذى يمثل شريان الحياة بالنسبة للحركة التجارية بين مصر والشام. وفى تقديرى أن السبب وراء ضعف السلطة المركزية للحكومة المصرية فى الجزءين الأوسط والجنوبى من سيناء راجع إلى قلة الأهمية الاقتصادية للمنطقة، خصوصاً أن الدولة لم تكن قد توصلت بعد لأهمية المنطقة اقتصاديا، كما أن حركة التجارة بين مصر والحجاز كانت غالباً ما تسلك الطريق البحرى عبر موانىء البحر الأحمر هروباً من كثرة تعدى العربان على القوافل، لهذا اكتفت الحكومة بوضع نقاط عسكرية لحماية مخازن تموين الحجاج والحفاظ على أمن الطرق دون التدخل فى شئون العربان وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك عاملاً مهماً، وهو صعوبة العيش فى القسمين الجنوبى والأوسط نظرا لعدم توفر المياه الصالحة للشرب، لهذا كثرت شكاوى نظار القلاع من عدم توفر  الماء، وبعد المنطقة عن العمران، كما أنه لم تكن هناك معلومات دقيقة متوفرة لدى الحكومة المصرية حول طبيعة الأرض والسكان بالمنطقتين الوسطى والجنوبية من سيناء خلال فترة الدراسة، لعدم وجود إحصائيات دقيقة، وصعوبة القيام بعمليات مسح للمنطقة.
وقد شكلت العريش أحد ثغور مصر الرئيسية عبر التاريخ فخلال العصر العثمانى كانت العريش منطقة مهمة، نظراً لاضطلاعها بحماية حدود مصر الشرقية، ووقوعها على الطرق المؤدية إلى الشام، وقد استمرت كذلك حتى عام 1810 حين أصبحت محافظة كباقى محافظات ومديريات مصر، لها اختصاصات وحدود إدارية وبها قوة عسكرية من القوات غير النظامية لحماية حدود مصر الشرقية، وقوة نظامية لحماية الأمن داخل مدينة العريش.
وقد امتدت الحدود الإدارية لمحافظة العريش من رفح شرقا حتى حدود قاطبة غربا، ووادى العريش حتى جبل الحلال جنوبا. أما منطقة قاطبة نفسها فقد كانت  تتبع مديرية الشرقية إداريا، نظرا لارتباط بعض عربان الشرقية بزراعة نخيلها وحراسة دركها بينما أوكلت حراسة الطريق من العريش حتى القنطرة إلى قوات تابعة لمحافظة العريش.
ومنذ بداية القرن التاسع عشر ومحافظة العريش تتبع ديوان الداخلية، ثم نظارة الدخلية بعد ذلك، وقد استمرت كذلك حتى عام 1906 حين أقيم شكل إدارى موحد لسيناء، وهو مديرية سيناء، ولاشك أن الهدف الأساسى من وراء إنشاء محافظة العريش هو المحافظة على أمن الطرق التجارية بين مصر والشام، وحفظ الأمن على الحدود الشرقية، ومنع تعدى قبائل حكومة الشام على القبائل التابعة للحكومة المصرية، بالإضافة إلى محاولة بسط السلطة المركزية على القبائل الموجودة بهذا القسم من شبه جزيرة سيناء.
ومن هذا المنطلق اهتمت الحكومة المصرية بمسألة تأمين وضبط حركة المرور على الطرق التى ترتادها القوافل بين مصر والشام والحجاز، وكان الهدف الرئيسى من ذلك هو الحفاظ على حركة التجارة مع هذه المناطق، ومنع تهريب البضائع دون دفع الرسوم عنها ومنع هروب الأشخاص سواء المحكوم عليهم فى قضايا جنائية أو المطلوبون من قبل السلطات الأمنية أو الهاربون من الجندية. ولقد وقع على كاهل محافظة العريش عبء تأمين هذه الطرق والحدود بين مصر والشام كما ذكرنا.
وكانت الحكومة المصرية تعطى أوامرها بصفة دائمة لمحافظ العريش وأصحاب القوافل بضرورة الالتزام بالسير على «الطريق السلطانى» الذى كانت تعتبره الطريق الرسمى لمرور القوافل الواردة من الشام والمتجهة إليها كما كانت تحذر أصحاب القوافل من السير على الطرق الخالية من الحراسة، وخصوصاً الطريق المسمى «بطريق الفوقانية» لطريق الفرما الساحلى) أحيانا «طريق العلو« أو الطريق العلوى.
وقد كانت هناك قوة عسكرية تابعة لمحافظة العريش مهمتها الرئيسية حراسة الطرق والحدود كان يطلق عليها أحيانا «الضبطية» وكانت تتآلف من عساكر الباشبوزق» و«الخيالة» وقد بلغ تعداد عساكر الخيالة بالعريش حوالى (143) خيالاً فى عام 1845، ثم ازداد عددهم فى عام 1849 إلى (150) خيالاً. وفى عام 1853 تم انتداب هذه القوة الموجودة بالعريش لمهام أخرى كحراسة المحمل وقافلة الحج المصرى، فتم استبدالها بقوة من «الخيالة» و «الهجانة» (العساكر الذين يستخدمون الجمال) بلغ تعدادها خمسين من الخيالة، وخمسين من الهجانة، الذين تم تعيينهم من قبيلة الأخارسة بمعرفة رفاعى أغا، نظرا لمعرفتهم بالدروب والمسالك الجبلية التى تسلكها القوافل المتهربة من دفع الرسوم.
كما قام محافظ العريش بتعيين خمسة وعشرين من الهجانة لحفظ الطرق من جبل «الحلال» وحتى شاطئ العريش من أفراد قبيلة السواركة التابعين لشياخة الشيخ على العبادى وذلك على سبيل التجربة لمساعدة دوريات الطرق فى عملية الحراسة. وكان راتبهم مرهونا بالحصول على نتائج إيجابية لمنع عمليات التهريب، ولكن فشلت التجربة ولم تأت بالنتائج المرجوة، وبالتالى لم يحصل شيخ القبيلة أو أفراد قبيلته على أى رواتب، وربما كان فشل التجربة راجعاً إلى تعدد المسالك الجبلية التى تسلكها القوافل الهاربة، ونفوذ بعض القبائل التى تقوم بعمليات التهريب وخوف قبيلة السواركة من الاحتكاك بهم.
كما تعطينا هذه المجموعة الوثائقية صورة واضحة حول الحد الفاصل بين أملاك مصر وأملاك الدولة العثمانية فى الشام أو الحجاز، وأن فكرة الحدود كانت قائمة وموجودة قبل عام 1906م وإن لم تكن بفاعلية الحد الإدارى الذى تم الاتفاق عليه فى اتفاقية رفح 1906م حيث تؤكد الوثائق وجود الحد الإدارى على الأقل، ففى وثيقة مؤرخة بعام 1882م يذكر محافظ العريش فى رسالته لمجلس «الصحة البحرية والكورينتينات»، الذى كان يقترح عليه نقل نقطة الحجر الصحى من العريش إلى رفح، «بأنه لايتصور للمجلس أن رفح اسم لبلدة أو منطقة معمورة، إنما هى مجرد موضوع لعلامة تنفرد بها الحدود المصرية عن الحدود الشامية، وتلك العلامة عبارة عن عمودين منصوبين عند رفح من قديم الزمان وبينهما شجرة سدر، وهى الحدود، فمن داخل العمودين تابع لمصر ومن أراضيها، ومن أمام العمودين من الخارج أرضاً شامية، وبين العمودين والشجرة والبحر مسيرة ساعة، وبينهما تل مرتفع عن الأرض المجاورة. كما تساءل فى الرسالة ذاتها حول كيفية التصرف إذا ما هربت قافلة أو أكثر وتخطت حدود رفح التى لاتبعد كثيراً عن حدود حكومة غزة، فهل سيغامر بتخطى الحدود والدخول فى نطاق حكومة أخرى لملاحقتها؟ كما أن المسافة من رفح حتى خان يونس أول المدن الشامية خالية من العمران والسكان، فلو حدث شىء ما حل بالأمن فكيف يمكن تداركه؟
على هذا يتضح أن حدود مصر مع الشام قبل حدوث أزمة الحدود عام 1906 بفترة طويلة كانت معلومة وواضحة سواء بالنسبة للإدارة الحكومية أو للأهالى والعربان القاطنين فى المناطق المجاورة للحدود، حيث كان عمودا الحدود وشجرة السدر هى الحد الإدارى الفاصل بين متصرفية غزة وشبه جزيرة سيناء.
أما إذا ما انتقلنا إلى منطقة سيناء الجنوبية، نجد مجموعة القلاع الواقعة على طريق الحج المصرى (وهى نخل والعقبة والمويلح وضبا والوجه) والتى كانت تعرف باسم «القلاع الحجازية» أو «القلاع المعدة لتخزين مؤن الحجاج»، وكانت تمثل تشكيلاً إدارياً موحدا. وكانت هذه القلاع تتبع «ديوان الروزنامة» إدارياً. واهتمت الحكومة المصرية بتزويد هذه القلاع بالقوات اللازمة لحفظ الأمن على طريق الحج المؤدى إلى الأراضى المقدسة، وذلك منذ إنشاء هذه الإدارة فى عام 1840م.
وقد استمرت القلاع الحجازية فى أداء عملها فى حراسة طريق الحج، من خلال القوة العسكرية الموجودة بكل قلعة. ومن الملاحظ من خلال دراسة أعداد
تلك القوة خلال الفترة من 1880 حتى 1884، أن الحكومة المصرية قد اهتمت بزيادة عدد القوات الموجودة بكل من المويلح والوجه فى شمال الحجاز نظرا لأن عربان شمال الحجاز كثيرا ما كانوا يعتدون على قافلة الحج المصري، ومن ثم اهتمت الحكومة المصرية بزيادة أعداد القوات العسكرية الموجودة بهاتين القلعتين.
دور أهل سيناء فى الثورة العرابية:
الدعاية للثورة العرابية بين أهالى سيناء تمت خلال مراحل متأخرة من الثورة وبالتحديد أثناء المعارك التى دارت بين الجيش المصرى والإنجليز، ولم نجد فى المصادر المعاصرة ما يفيد بوجود أى شكل من أشكال الدعاية فى الفترة السابقة على اندلاع المعارك بين الجيش المصرى والجيش البريطاني.
من خلال دراسة وثائق محافظة العريش، يمكننا القول إن دور سيناء، خلال مراحل الثورة المختلفة كان دورا داعما ومؤيدا لها، خصوصا خلال مراحل اشتباك جيش الثورة بالقوات البريطانية، وقد اتخذ هذا الدعم والتأييد صورا وأشكالا مختلفة منها الدعم المادى والعسكري، بالإضافة إلى التأييد المعنوى للجيش أثناء المعارك  ضد القوات البريطانية.
ومن أشهر صور دعم أهالى سيناء للثورة ما تطلق عليه الوثائق «قضية البطيخ»، والتى تتلخص فى قيام السيد بك محمد محافظ العريش فى 18 أغسطس 1882 بجمع عشرة آلاف «بطيخة» (حيث يوجد بكثرة فى سيناء) من أهالى سيناء وإرسالها إلى الجيش المصرى فى كفر الدوار وتشير إحدى البرقيات التى أرسلها السيد بك إلى عرابى إلى أنه طلب عددا من المراكب لحمل شحنة البطيخ من العريش إلى دمياط، ثم ترسل من هناك إلى كفر الدوار. وقد صاحب هذه الشحنة فى طريقها إلى دمياط اثنان من رتبة الملازم وهما محمد سلطان (ملازم أول)، وعثمان عبدالغنى الباشجاويش (ملازم ثان)، وقد حصل هذان الملازمان على رتبتيهما بموجب مكاتبات من عرابى وذلك كمكافأة لهما على موقفهما المؤيد للثورة.
كما قام العسكريون الموالون للثورة منهم محمد سلطان وعثمان عبدالغنى وملازم آخر يدعى مصطفى شريف بعمل حراسة على شاطئ العريش بهدف مراقبته، وكانوا يوهمون العساكر القائمين على الحراسة بأنهم لابد أن يشددوا الحراسة حتى يكونوا فى استقبال الإنجليز لكنهم فى الحقيقة أرادوا من ذلك أن يرقبوا وصول المراكب الإنجليزية لصالح الثورة.
وكان الجنرال «ولزلى» قد استغل اطمئنان عرابى من ناحية القناة وحصر مقاومته فى كفر الدوار، فقام بمهاجمة الجيش من ناحية السواحل الشرقية بجوار قناة السويس، وأمر الأسطول البريطانى بإجراء مناورة بحرية لخداع القوات المصرية.
وكانت بعض القطع البحرية تصل إلى شواطئ العريش «وعند رفع الإشارات لها تختفى فى الحال»، ولهذا أرسل عرابى إلى محافظ العريش يؤكد له أن هذه المراكب التى تصل شواطئ العريش إنما هى «مراكب جواسيس من طرف العدو لمعرفة المواقع البحرية»، وطلب عرابى من المحافظ فى 20 يوليو 1882 تعيين «خفارة» على سواحل البحر المتوسط بمعرفة العساكر والأهالى وعمد ومشايخ العربان.
ومن الملاحظ هنا أن التحرك المؤيد للثورة قامت به الفئة العسكرية التى هى جزء من النسيج العسكرى القائم بالثورة. لكن هناك إشارات فى الوثائق تؤكد أن أهالى سيناء شاركوا فى إمداد جيش الثورة بالجمال اللازمة لنقل المؤن والذخيرة إلى ساحة المعارك، حيث تم العثور على عدد من الجمال مع شخص يدعى «على حمدان من أهالى العريش» بعد انتهاء المعارك والهزيمة، وضبطت الجمال بمعرفة المحافظ الجديد للعريش لشكه فى كونها من الجمال التى فرت من جيش الثورة وقت الهزيمة.
وقام أهالى العريش بالضرب على أيدى الأشقياء والذين يثيرون المشكلات من غير أهل سيناء والذين يمكن استغلالهم ضد مصلحة البلاد أثناء الثورة. فقام عثمان عبدالحافظ شيخ العريشية والموالى للثورة بالتشكى من «يعقوب جويد واخوته وبعض الأشقياء الموجودين بقنطرة القناة»، حيث إنه من «أهالى غزة المقيمين بالقنطرة وقد صار لهم حزب واتحاد مع بعض الأشقياء وجار التشكى منهم من قبل العريشية والتجار المارين بالقنطرة» ونظرا لكثرة الشكوى من هؤلاء الأشخاص وخطورتهم على الأمن العام، فقد رأى الأهالى ضرورة إبعادهم ونفيهم إلى موطنهم الأصلى «غزة» لأجل راحة الأهالى والتجار، لأن الجميع متضرر منهم ، وقد تم القبض على يعقوب جويد وإخوته وتعيين خفراء على طريق القنطرة - العريش.
ولم يقتصر الأمر على التخلص من الأشقياء، بل امتد إلى التخلص من الجواسيس الأجانب، فنرى محافظ العريش يمنع «مسيو بيانكي» ناظر كونتينة العريش من إرسال أية تقارير أو خطابات سرية إلى الإنجليز أو حكومة الخديوي، لعلمه أنه يعمل لصالح الإنجليز،ولهذا هدده بالموت والطرد من الخدمة والإكراه على السفر وترحيله إذا ما أرسل أى تقارير أو خطابات سرية إلى الانجليز، كما قام المحافظ بتعطيل نقطة الحجر الصحى وترك القوافل المتوجهة إلى سوريا تمر دون إجراءات صحية خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمر من عام 1882.
ولم يقتصر الأمر على مشاركة الأهالى بل إننا نرى دورا بارزا ومهما للعربان فى الوقوف إلى جانب الثورة. فنراهم يتصدون لمحاولات الإنجليز وأعوانهم من التجار والعربان لتوفير احتياجات الإنجليز من دواب النقل فعندما ذهب أحد تجار الإسماعيلية المدعو «عطية الجولاني» الذى كان «مقاولا بالقومبانية الفرنساوى بالقنال بجهة القنطرة» إلى العربان المقيمين بين القنطرة والعريش لشراء جمال للمقاولة المذكورة، وعند وصوله لجهة العربان بجهة «قاطية»، أشيع هناك أنه يشترى جمال للإنجليز فتصدى له العربان  وأرادوا الفتك به لولا أنه احتمى «بأسطى التلغراف» بقاطية، الذى توجه به إلى مقر محافظة العريش بهدف الاحتماء بشوكة الحكومة هناك، إلا أن محافظ العريش بمجرد علمه أنه كان يريد شراء جمال للإنجليز قام بتهديده وتخويفه مدة أيام حتى أشيع «أنه كان المرغوب قتله».
كما راح العربان يهاجمون الإمدادات والمؤن الخاصة بالجيش الإنجليزي، وسلبوا ونهبوا ما كانت تحمله الإبل للقوات الإنجليزية، ويبدو ذلك جليا من إفادة مأمور القنطرة التى قال فيها «إن عربان السماعنة والعقايلة هجمت على جمال كانت محضرة للقنطرة على ذمة الجيش الإنجليزي» حيث أحس البدو مدى خطورة الموقف فى جبهة القتال وما يمكن أن تئول إليه البلاد إذا ما منى الجيش المصرى بالهزيمة، واحتلال عدو أجنبى لهذه الأرض المقدسة.
وفى سيناء كان الوضع مشابها لما حدث فى جميع مصر. فقد تم القبض على محافظ العريش السيد بك محمد، الذى حاول الهروب إلى الشام بعد أن أبلغه خادمه الذى كان قد أرسله إلى القاهرة مع قاضى العريش الشيخ عبدالبر الرملى وحكيمباشى العريش محمد حسيب ليتقصوا الأخبار ويعرفوا سبب استدعائه للقاهرة، فلما أبلغه خادمه بأنه قد تم تعيين محافظ جديد بدلا منه، حاول الهرب إلى الشام بعد أن حرر له حكيمباشى العريش شهادة مزيفة، وقع عليها القاضى جاء فيها أنه سقط من على ظهر الجمل مما تسبب عنه حدوث ارتجاج فى المخ، ليقدمها إلى نظارة الداخلية ليبرر عدم حضوره للقاهرة بعد أن نوى الهرب للشام إلا أن المحافظ الجديد مصطفى بك ممنون قبض عليه بمعرفة عمد المنطقة، وأرسله إلى القنطرة، ومنها توجه إلى قومسون التحقيق، الذى حكم عليه بتجريده من منصبه ورفته من وظيفته الرسمية.
أما طلسن عبدالشافى الذى ضبطت بحوزته أوراق معدة للنشر بجريدة «الطائف» فقد رفت من وظيفته كصراف بمحافظة العريش، وعين عامر عمران بدلا منه، لكنه لم يكن بنفس كفاءة طلسن، فأرسلت محافظة العريش إلى نظارة المالية تستأذنها فى إعادة تعيين طلسن لعدم كفاءة من تعين عوضا عنه. إلا أن المالية رفضت إعادة تعيينه بسبب أن الرفت من الخدمة كان نتيجة لاشتراكه فى الثورة العرابية. وعينت بدلا منه «منقريوس أفندى مقار» . وحين صدر العفو العام عن مرتكبى الجرائم السياسية شمل هذا العفو طلسن عبدالشافى ورأت الحكومة عندئذ أنه لا مانع من منحه شهادة دالة على حسن سيره وسلوكه لاستخدامها للعمل أنى شاء.
أما الملازمان محمد سلطان وعثمان عبدالغنى الباشجاويش فقد تم رفتهما من وظيفتهما بسبب توجههما مع المراكب «المشحونة بالبطيخ الذى تم إرساله للجيش العاصى بكفر الدوار». كما قبض على كل من أحمد شراب وعثمان عبدالحافظ شيخ العرايشية. وأرسلا إلى قومسيون التحقيق بالقاهرة،ولأنهما من الأهالى فقد تقرر الإفراج عنهما بعد أخذ الضمانات عليهما، بينما ظل حسن أفندى مجدى الحكيم البيطرى فى منصبه لحين تعيين طبيب آخر بدلا منه، لكن المحافظ الجديد أرسل للداخلية يحذرها من خطورة بقائه بالعريش واقترح ترحيله منها فورا حيث إن الحالة لا تسمح بوجوده، ولابد من تعيين خلافه.
وكان نصيب قاضى العريش الشيخ عبدالبر الرملى وابنه الذى كان يعمل بوظيفة كاتب ثان بمحكمة العريش، التجريد من وظيفته، ورفت ابنه من وظيفته جزاء تأييدهما للثورة العرابية.
على أية حال فقد تم رفت جميع الموظفين الذين ثبت تأييدهم للثورة، بيما كان مصير الأهالى من غير الموظفين الذين شاركوا أو أيدوا الثورة «تشغيلهم بالأشغال السفلية من شهر إلى شهرين»، ثم أخلى سبيلهم بعد ذلك.
وعاد الوضع فى سيناء إلى ما كان عليه فى السابق وصدر العفو العام عن جميع أهالى القطر المصرى الذين اقترفوا جريمة أو  جنحة سياسية فى الحوادث الثورية كما صدر أمر الداخلية بجمع الأسلحة لكن محافظ العريش أكد للداخلية بأن «هذه الجهة لا تقاس بمثلها من جهات مصر لكونها بآخر الحدود المصرية» ويلتمس عدم سريان هذا الأمر عليهم.
وهكذا ارتدت الأوضاع فى شبه جزيرة سيناء إلى ما كانت عليه فى السابق، لكن مع  بعض الإجراءات التى رآها الإنجليز ضرورية لعزل هؤلاء العربان المشاغبين من وجهة نظرهم عن باقى أجزاء مصر، وبعض الإجراءات التى تهدف إلى إحكام السيطرة على شبه الجزيرة.
ثانيا: مجتمع شبه جزيرة سيناء
من خلال سجلات محكمة العريش
تعطينا هذه السجلات صورة واضحة عن التطور العمرانى والاجتماعى لشمال سيناء، فهى تعطينا صورة عن التطور العمرانى للعريش وضواحيها. ويمكننا رسم ملامح هذه الصورة. فالمدينة تقع على ساحل البحر المتوسط عند مصب وادى العريش، ويقطعها الطريق السلطانى الذى تسلكه القوافل القادمة من الشام إلى مصر أو العكس. بها حوالى 600 بيت مبنيه على نظام واحد تقريبا، حيث إن معظم هذه البيوت مبنية بالطوب اللبن، وبعضها مسقوف بفروع نبات الأثل الذى يكثر فى سيناء، بينما البعض الآخر مسقوف بالأخشاب. وشكل البيت عبارة عن جزءين أحدهما مبنى والآخرى عبارة عن فناء متسع يحيط به سور مرتفع لا يمكن لمن بالخارج رؤية ما بداخله، والجزء المبنى به عدد من الغرف تراوحت بين أربع غرف إلى ست غرف فى المتوسط.
وللعريش عدد من الضواحى أهمها منطقة نخيل أبى سقل، التى تقع شمال شرق العريش عند مصب وادى العريش، وهى منطقة زراعية متسعة يوجد بالقرب منها عدد من الآبار، بها عدد كبير من أشجار النخيل، ويسكنها عدد من الصيادين.
ومن ضواحى العريش أيضا قرية رفح وهى نقطة حدودية بين مصر والشام، تسكنها بعض العناصر القبلية وتجار من غزة وخان يونس. وهناك أيضا منطقة الفقيرة، وهى منطقة زراعية تقع على بعد ميل ونصف الميل جنوب بئر رفح، والفقيرة نسبة إلى شجرتى السدر القديمتين اللتين تسميان الحدود بين مصر والشام منذ زمن طويل وتطلق النساء على هاتين الشجرتين اسم الفقيرة، وتزورهما نساء سيناء وينذرن لهما النذور.
وهناك أيضا منطقة قبة النبى ياسر «كان أهل سيناء يطلقون على أوليائهم لقب نبي) على شاطئ البحر شمال العريش، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى ولى يقدسه سكان سيناء كان يدعى ياسر وأطلقوا عليه «النبى ياسر»، كما توجد بالقرب من العريش منطقة حلة المساعيد على بعد أربعة أميال غربى العريش وهى تقبع بين منطقة مزروعة بأشجار النخيل وفيما بين رفح والعريش هناك قريتا الشيخ زويد والخروبة التى يسكنها أخلاط من العرايشية وأهل خان يونس جاءوا إلى تلك المنطقة فى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا، ونتيجة لوقوعها على الطريق المؤدى إلى العريش فقد كانت سوقا لعابرى الطريق والبدو.
ومن خلال هذه الوثائق يتضح أن أهم العائلات التى كانت تسكن العريش هى الفواخرية والعرايشية. كما كانت أهم  القبائل التى كانت تسكن العريش والمناطق المحيطة بها هي: قبيلة السواركة وهى من أكبر قبائل سيناء عددا، وأهم فروعها هي: الدهيمات، والفلافلة، والجريرات، والمحافيظ، والخناصرة، والكوزة، والمكاويين، والزيودي، والعريدات أو العرادات،واللفيتات، ثم قبيلة الرميلات التى كان أهم فروعها العيايدة، وقبيلة المساعيد التى تسكن بالقرب من قاطية.
وكان هؤلاء العربان يسكنون فى بيوت من الشعر أو الخيام أو «العشش» المصنوعة من الحطب والجريد أو البيوت المصنوعة بالطوب اللبن والمسقوفة بنبات الأثل المنتشر فى صحراء سيناء، ويعيشون فى أطراف العريش والمناطق المحيطة بها، كالشيخ زويد ورفح والخروبة. وكان غالبية هؤلاء العربان من البدو الرحل الذين ينتقلون عبر الحدود المصرية - الشامية بحثا عن المرعى لإبلهم ومواشيهم وأغنامهم، أو لطبيعة عمل بعضهم فى  نقل المتاجر بين مصر والشام.
ونظرا لمعرفة بدو سيناء للمسالك والدروب الجبلية لشبه الجزيرة وامتلاكهم للإبل فقد عمل أغلبهم فى مهنة «الجمالة» حيث يقومون بنقل البضائع  والأشخاص بين مصر والشام، كما كان بعضهم يشتغل بالتجارة كالشيخ محمد الشهير بالعزب من قبيلة السواركة الذى كان يعمل تاجر أقمشة بالعريش كما كان بعضهم يشتغل بزراعة النخيل خصوصا فى منطقة أبى سقل ورفح بالقرب من العريش.
وتعطينا وثائق محكمة العريش تفسيرا واضحا لأسباب هجرة بعض عربان سيناء إلى بلاد الشام وإلى مدن القناة خصوصا بورسعيد والإسماعيلية، حيث كان هناك بعض العربان الذين تركوا حياة الترحال مضطرين إلى ذلك، خصوصا بعد افتتاح قناة السويس التى قطعت مورد رزقهم الذى كان يأتى عن طريق قيامهم بنقل التجارة بين مصر والشام، فقد شكلت القناة حاجزا فاصلا بين شبه جزيرة سيناء وباقى أنحاء مصر، وزاد من عملية الفصل تلك النقاط الجمركية التى أقيمت غرب القناة والتى كانت تعامل أهالى سيناء معاملة الغرباء القادمين من الشام، فتحصل منهم على عوائد دخولية على إبلهم ومواشيهم كما كانت تحصِّل منهم أيضا رسوما جمركية على ما يحملونه من بضائع أتوا بها من داخل العريش وغيرها من مناطق سيناء، مما جعل عددا كبيرا من بدو سيناء يهجر التعامل مع الأراضى المصرية ويتجه إلى مدن الشام، بينما فضل عدد آخر الاستقرار بمدن القناة التى أنشئت حديثا أو بالعريش فى بيوت من الطوب اللبن، لكنها كانت مع ذلك تتسم بالطابع البدوى من حيث المساحة المتسعة التى تعكس طبيعتهم البدوية القائمة على العيش بالمناطق المفتوحة وسط الصحراء، كما أخذوا عاداتهم وتقاليدهم البدوية معهم إلى تلك المناطق.
هناك العديد من الوثائق التى توضح لنا صورة مخيم البدوى أو البيت الذى كان يسكنه، ففى وثيقة إدعاء زوجة على زوجها بأنه يسكنها فى «عريشة» (بيت مبنى بفروع وجذوع النباتات)غير مسقوف تتعرض فيه هى وابنتها للبرد القارس وتطالب زوجها بالمسكن الملائم، قال الزوج، الذى كان من البدو الذين يعملون بالزراعة بمنطقة الفقيرة بضواحى العريش، إنه «أسكن زوجته فى عريشة مصنوعة من الحطب والجريد والخشب ومسقفة، وأحضر لها غلة (قمح أو شعير) وقصعة وحصيرة وإبريق وجرة ماء... وطاحون وحلة ومنخل وغربال وماجور للعجين، لكنها رغم ذلك تركته وذهبت إلى بيت والدها. ومن المعروف أن البدو لا يسكنون  الخيام إلا فى الشتاء والربيع اتقاء المطر والبرد، فإذا انتهى البرد خبأوا خيامهم فى القري، وبنوا لأنفسهم أكواخا من القش وأغصان الشجر اتقاء الحر والرياح، وهذه الأكواخ تسمى «عرائش».
كما تعطينا الوثيقة السابقة صورة واضحة لبعض أنواع الملابس التى كانت ترتديها النساء البدويات فى شمال سيناء خلال تلك الفترة، حيث طالبت الزوجة المذكورة زوجها أن يكسوها، «جلابيتين من الشيت مقدار الواحدة منها ثمانية أذرع، وشاشة من الشاش الأزرق (توضع على الوجه والرأس) التخين، ومنديل من القطن تخين، ولباس مقداره خمسة أذرع من القماش البفتة البيضاء، وملاءة من القطن زرقاء اللون.
كما تظهر لنا هذه الوثائق امتلاك بعض العربان للرقيق، خصوصا الرقيق الأسود الذين كانوا يستخدمونهم فى رعى الإبل والماشية، لكنهم لم يستخدموهم فى الخدمة المنزلية. ففى حجة مؤرخة بـ11 مارس 1884 قام الحاج محمد الفالوجى العايدى من قبيلة العيايدة بعتق مملوكة فرج السوداني، الذى كان يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً، ابتغاء مرضاة الله وطلبا لثوابه. وربما يعكس هذا العتق مراعاة بدو سيناء للنواحى الإنسانية أو استجابتهم لقانون منع الاتجار فى الرقيق الصادر فى عام1877م.
وقد اهتم عربان شمال سيناء ببيع وبشراء الأراضى سواء الصالح منها للزراعة أو الأراضى البور، حيث كان معظمهم يمتلك أراضى بوضع اليد. وكانت أسعار الأراضى فيما بين العريش ورفح تتميز بالارتفاع الملحوظ عن غيرها فى المناطق الأخرى نظراً لأنها تنال نصيبا وافرا من المطر فى فصل الشتاء مما يجعلها صالحة للزراعة. ففى حجة مؤرخة بعام 1884 بيعت أرض مساحتها خمسة قراريط مزروعة بالنخيل بمنطقة أبى سقل بالقرب من العريش بمبلغ 6000 قرش مصري، ليصل بذلك سعر الفدان إلى 2880 قرشا. كما اشترى أحد عربان قبيلة الدهيمات أرضا صالحة للزراعة بمنطقة الشيخ زويد تبلغ مساحتها حوالى 235 فدانا بثمن قدره 1726 قرشا مصريا أي أن سعر الفدان حوالى 735 قرشا تقريبا وباع أحد عربان الكوزة أرضا بمنطقة الظيطة بالقرب من العريش غير معلومة المساحة بثمن قدره 2391 قرشا. وهذا الاهتمام من العربان بامتلاك الأرض فى هذه المنطقة بالذات ربما يعكس أهميتها من الناحية الزراعية.
لكن من الملاحظ استغلال العرايشة (أهل العريش) لجهل البدو فنراهم يتحايلون فى الإستيلاء على الأرض التى يملكها هؤلاء البدو والتى يمكن أن تكون صالحة للزراعة، سواء عن طريق تزوير عقود الرهن أو البيع، فنصحت الإدارة الحكومية البدو بأن يبيعوا أراضيهم - مادموا لايستطيعون زراعتها- إلى العرايشة لكن على أن يتم ذلك عن طريق الحكومة، ومع ذلك رفض البدو هذه النصيحة وآثروا عدم تدخل الحكومة، وكانت  النتيجة أن تمكن العرايشة من شراء أراضى البدو بثلث ثمنها.
وللإبل أهمية خاصة لدى بدو سيناء، حيث كانت المقياس الذى تقاس به قيمة حياة الإنسان هناك، فدية القتيل تقدر بالجمال وهى أربعون «جملا»، ويمكن معرفة أسعار الإبل فى شمال سيناء من خلال وثائق محكمة العريش، ففى عام 1884 وصل سعر الجمل الرباع (عمره أربع سنوات) حوالى 178 قرشا، بينما كان سعر الناقة 195 قرشا.
وفيما يتعلق بقضايا الزواج والأحوال الشخصية نلاحظ أن هناك اهتماما ضئيلا من قبل العربان بتسجيل عقود الزواج بالمحكمة نظراً لاعتمادهم فى ذلك على العرف والتقاليد الخاصة بهم، لكن هناك اهتماما واضحا باللجوء الى المحكمة فى حالات الطلاق، وطلب النفقة من قبل الزوجة، وهذا يعكس الخلافات التى تحدث بين العائلات من جراء الإقدام على هذه الخطوة، كما يعكس مخالفة بعض عادات الزواج لديهم للشريعة الإسلامية كما يتضح من الحالات التى سنتعرض لها.
ومن الملاحظ من خلال الوثائق كثرة حالات زواج البدوى بأكثر من زوجة فهناك أكثرية متزوجة بزوجتين، والقليل المتزوج بثلاث، لكن من النادر أن نجد من هو متزوج بأربع نساء.
ومن عادات بدو سيناء الزواج بين الأقارب، وهم كسائر البدو يحبون الزواج المبكر، وسن الزواج عندهم هو سن البلوغ، ومن أقرب القريبات للرجل التى يحل له الزواج بها هى بنت العم، وإذا بلغ الشاب تخير واحدة من بنات عمه أو من بنات قبيلته، وقلما يميل إلى غيرهن. والرجل فى عرفهم يخطب البنت من أبيها  أو ولى أمرها رأسا دون وساطة من أحد حتى أبيه، أما البنت فلا يؤخذ لها رأى فى خاطبها إذا كانت بكرا فالرأى لأبيها أو ولى أمرها، أما إذا كانت ثيبا فلابد  من سؤالها ورضاها بمن يتقدم لها. ومهر بنت العم خمسة جمال، أما مهر الأجنبية فهو من خمسة إلى عشرين جملا.
ومن العادات المرتبطة بالزواج والتى يتسم بها بدو سيناء عن غيرهم من البدو وهى عادة مخالفة لأركان الزواج الإسلامي، ما يسمى فى عرفهم بـ"القصلة» وهى انه فى حالة رضاء الأب أو ولى الأمر الشاب الذى يتقدم للزواج من ابنته، يأخذ غصنا أخضر ويناوله للشاب قائلا له: «هذه قصلة فلانة بسنة الله ورسوله، ويقول الشاب «قبلتها زوجة لى بسنة الله ورسوله": وهذه العادة كانت تسبب مشكلات اجتماعية يظهر أثرها فى الوثائق، حيث كان الأب يتفق بهذا الشكل مع الخاطب دون علم  الأبنة، وهذا ما حدث لإحدى فتيات قبيلة اللفيتات التى فوجئت بأحد أقاربها يدعى الزواج منها بدعوى أنه أخذ قصلتها من والدها، فما كان منها إلا أن توجهت على الفور إلى قاضى محكمة العريش مؤكدة له أنها لايمكنها أن تقبل هذا الزواج، فحكم القاضى بالتفريق بينهما لأن هذا الزواج لم يستوف شروطه الشرعية. وفى حالة أخرى استغل أحد عربان المساعيد القاطنين بمنطقة قاطية، التابعة للعريش من الناحية الإدارية، هذه العادة (القصلة) واتفق مع الأخ القاصر لإحدى بنات قبيلته على أن يزوجه أخته فى مقابل مهر قدره جمل واحد، ثم توجه على الفور بعد هذا الإتفاق إلى حيث توجد العروس لأخذها إلى بيت الزوجية والتى كانت حينئذ «ترعى الغنم بجهة حوض أعراس بقاطية» وأخبرها بأن أخاها القاصر زوجها له، لكنها رفضت فأخذها بالقوة ووضعها فى بيت من «الشعر»، ودخل بها دون رضاها، لكنها هربت من عنده بعد يومين وتوجهت إلى القاضى ببطلان الزواج لعدم استيفائه للشروط الشرعية، وبالتالى ليس هناك زواج من الاساس حتى يكون هناك طلاق، كما أن ولى أمرها الذى تم  الاتفاق معه قاصر لايجوز له إتمام الزواج حسب عادات البدو، ولكن من الملاحظ أن القاضى لم يعتبر أن ما تم من الدخول فى حكم الزنا شرعا، وربما اعتبر ما حدث من قبيل العادات المعروفة لديهم على الرغم من مخالفتها للشرع.
كما نجد بين عادات بدو سيناء نوعاً آخر من الزواج يسمى زواج «الهبة»، وهو يشبه إلى حد كبير زواج «القصلة»، حيث يتفق ولى أمر البنت مع من يراه مناسبا للزواج منها بقوله له: «أنا وهبت لك بنتى فلانة على سنة الله ورسوله»، فيرد الشاب عليه بقوله: «وأنا قبلتها زوجة لنفسى على سنة الله ورسوله»، وهذا الزواج من هذا النوع أيضاً كان بسبب مشكلات اجتماعية بين البدو كما حدث مع أحد بنت العربان القاطنين بمنطقة السطح بضواحى العريش مع أحد شباب العربان القاطنين بمنطقة الثميلة بضواحى العريش، حيث ادعى هذا الشاب انه اتفق مع والد البنت على أن يهبه بنته فى مقابل مهر قدره 15 بينتو ذهب، ويطلب من القاضى أن يمكنه من استرداد زوجته، لكن القاضى وجد اختلافا واضحا فى شهادة الشهود الذين أحضرهم  هذا المدعي، كما أن البنت أنكرت معرفتها بهذا الزواج كلية، فحكم القاضى بعدم ثبوت الدعوى وعدم أحقية المدعى فى المطالبة بطاعة زوجته حيث لم يثبت الزواج الذى ادعاه.
ومن العادات الأخرى التى ترصدها الوثائق الخاصة بالزواج، هو ما يسمى فى عرفهم بـ"الماسكة» وهو مبلغ تتحصل عليه الزوجة قبل الدخول بها، وهو خارج نطاق المهر، وهذه العادة تشبه «الشبكة» فى أعراف الزواج الحالية. ربما تعبر هذه العادة عن نوع من ربط أواصر المحبة بين المخطوبين، وقد بلغت قيمة هذه الماسكة فى عام  1898 حوالى 94 قرشا.
كما نلاحظ بوثائق محكمة العريش زيادة حالات الطلاق بين أهالى العريش. وأكثر حالات الطلاق من جانب المرأة بمعنى أنها هى التى تطلب من زوجها إبراء ذمته من مؤخر صداقها عليه ونفقة عدتها فى مقابل افتداء نفسها بالطلاق، وهذا يعكس الطبيعة البدوية لأهالى العريش أنفسهم فمعظمهم كان من البدو الرحل لكنهم تركوا حياة الترحال واستقروا بمدينة العريش، لأنه من عادة بدو سيناء أن الرجل قلما يقع الطلاق من جانبه فأكثر الطلاق بين بدو سيناء يقع  من جانب المرأة فمن خلال دراسة السجل رقم 8 (سندات شرعية) يتضح أن إجمالى حالات الطلاق الموجودة به قد بلغت 25 حالة، من بينها تسع حالات إبراء وخلع، وثمانى حالات. طلاق بائن، وخمس حالات طلاق أولي، وحالتان بالنفقة، وحالة واحدة صلح بين الزوجين. ونلاحظ هنا كثرة حالات الطلاق البائن وربما ذلك بسبب تضاؤل قيمة المرأة فى المجتمع البدوي، حيث يؤكد نعوم شقير فى كتابه عن تاريخ سيناء أن من سمة هذا المجتمع «السطوة للرجل، ولابد ان يبقى الرجل قيما على المرأة» حسبما يقول على لسان أحد مشايح سيناء.
ومن الملاحظ أيضاً كثرة الطلاق البائن، وفى إحدى القضايا ادعت زوجة على زوجها الذى ينتمى إلى قبيلة الكوزة، أنه طلقها طلاقاً بائنا وذهب إلى بيت أبيها، فما كان من الزوج إلا أن طلبها إلى الطاعة، لكنها  لم تستطع أن تثبت ما أدعت به عن الطلاق، مما أضطر القاضى إلى إلزامها بالرجوع إلى بيت زوجها.
على أية حال فإنه يتضح لنا مدى أهمية سجلات محكمة العريش فى دراسة نواح عديدة فى حياة المجتمع البدوى فى شبه جزيرة سيناء. هذا المجتمع الذى ظل بعيدا عن حركة النهضة التى شهدتها مصر خلال القرن التاسع عشر. كما يتضح مدى استجابة بدو سيناء لنداء التحديث الذى بدأته الحكومة المصرية فى شبه الجزيرة، فهؤلاء البدو لم يعرضوا عن الذهاب للمحكمة كلية، بل إن هناك عدداً كبيراً من القضايا الخاصة بهؤلاء البدو نظرتها محكمة العريش، وفضلوا اللجوء إليها عن اللجوء إلى قاضيهم العرفى وكان هناك أحيانا اصطدام بين أحكام المحكمة مع تقاليدهم العرفية كما رأينا. لكن مع هذا فإن التدرج فى محاولة تحديث هؤلاء البدو هو السبيل للحصول على الثمرة المرجوة، وهو ما حاولت الحكومة المصرية عمله خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر مع  هؤلاء البدو.