رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

عَواقب اللُعبة


محمد عبد النبي
5/11/2019 12:51:30 PM

مع الوقت، ودون قصد، قد تتحوَّل الهواية التي تسرّي عن صاحبها إلي شيءٍ آخر، بصرف النظر عن اسمه أو طبيعته، وسواءٌ سَعي قاصدًا أم لم يسعَ نحو ما يسمَّي الاحتراف.  
 رُبما لا تختلف لعبة الكتابة، في ذلك التحوَّل، عن أي هواية أخري، غير أنَّ مِن الصعب علي أي كاتب، مَهما كان قريب العهد ببداياته، أن يحدِّد تلك اللحظة المراوغة التي تحوَّل فيها من لاعب حُر في أوقات الفراغ إلي شِبه محترف، أو صاحب مشروع أو رحلة، أو ما لا يدري له اسمًا بالمرة. شيءٌ مِن صعوبة التحديد هذه يكمن في أنَّ حديقة الكتابة منذ بذرتها الأولي في صدر صاحبها لا تكاد تتوقف عن النمو، حتَّي إن توقف الكاتب نفسه عن رعايتها لوقتٍ طال أو قصر، تنمو في الصمت والظل والخفاء، إلي أن تسنح لها الفرصة ويهلُّ أوان التبرعم والإعلان عن نفسها في حَياءٍ وتهيُّب أو في غرورٍ وتباهي.
تنبجس المياه فجأة من بين شقوق ما بدا حِجارةً صلدة، وسرعان ما يجد صاحب الهواية نفسه مُطالبًا بتعلُّم السباحة، قبل أن يداهمه جُنونُ الموج. لم يعد من الممكن له الاكتفاء بالوقوف علي الشاطئ متأملًا الأفق، أو مُنتظرًا ما قد يُلقي به البحر تحت قدميه، بين الحين والآخر، علي سبيل المنح والعطايا من الغَيب. تستولي عليه الرغبة في ملامسة المياه بكامل عُريه، وحتَّي الخوف من الغرق يصبح في أحيانٍ خاطفة له غواية ونداء عذب.  
منذ تلك اللحظة، تقريبًا، تبزغ العقبات والمشكلات وتتكاثر فيما بينها كأنَّها شياطين حبيسة  طالَ شوقها للحُرية. لحظة انتهاء طفولة اللعبة واللاعب، وجعُ البلوغ واختمارُ عجين النُضج، إذ يُضطَر اللاعب، يافعًا أو كهلًا سواء، إلي الخروج من قوقعته الصغيرة ومواجهة العالَم الواسع المخيف، يُضطر لأن ينكشف أمامَ الآخرين؛ أمامَ آرائهم وأذواقهم وأحكامهم، وقد تهرسه كلمة نقد قاسية أو خانها التعبير الدقيق، وقد ترفعه للسماء جائزة صغيرة أو عبارة إعجاب وتشجيع، وفي كل الأحوال إن لم يكن قد اشتدَّ عوده بَعد فالاحتمالات كبيرة أن يرتد إلي نطاق الهواية غير المُعلنة في أي لحظة.
يكتسبُ المغرَم بالكتابة والقراءة عائلةً أخري غير أولئك الغرباء الذين قد وُلدَ لهم وبينهم، عائلة تمتد لها فروعها وظلالها في كل اتجاه بلا نهاية تقريبًا، وأغلب أعضائها في عِداد المَوتي، لكنهم أحياء عند قُرائهم يُرزقون، وغيرهم قليلون لا يزالون موجودين، في موضعٍ ما، واقفين علي نفس الشاطئ يتبادلون نظرات الوَنس والوَجل، وجميع هؤلاء تشجيعٌ وتهديد للوافِد المُستجَد، وجميعهم يتطلَّب منه بعضًا من الانتباه. لا تُوجد طريقة سديدة للتعامل مع تلك العائلة الممتدة غيرَ اتخاذ مسافةٍ آمنة مِن أغلب أفرادها، تضمن للعضو الجديد قَدرًا مِن الحُرية وبدون أن تكرس الوحشة والاغتراب. تختلف تلك المسافة من لاعبٍ إلي آخر، ويبقي تقديرها لغزًا آخر يتوجَّب عليه هو وحده أن يجد له حلًا.
حتَّي إن أفلحَ اللاعب، أحيانًا، في تجاهل تلك النظرات المخيفة المسدَّدة إليه مِن معاصريه وأسلافه، تظل هناك أعين أخري، لم تتفتح بعد، تترصده من مواضعها الغامضة في المستقبل، تنتظره هي أيضًا لتحكم عليه بالبقاء أو الزوال، بالمجد أو التفاهة. يصيبه الدوار إذا ألقي نظرة في داخل البئر، إذا تخيَّل وجوده الشبحيّ، بعد أن يُطوي الكتاب. في أقبية العفاريت سيلهو ذات يوم مع أولئك الآخرين، يا سلام! حقًا؟ وسوف تسافر كلماته وعباراته ودعاباته في الزمن بجسارة نحو الأمام، بينما يسافر رماده بوداعة نحو الوراء. وسوف تتبدَّل ملامح وجهه، وسوف يكون ألفَ شيءٍ آخر غير ما ظنَّ أنه عليه في سيرته الأولي. هذا ما تهمس به البئر له، مع كل قراءة سوف تتغيَّر، وقد تذبل وتشحب وتتلاشي تدريجيًا في صمتٍ مُخزٍ، بلا ذنبٍ جَنته يداك ولكنها الأقدار والمصادفات وإساءة التفسير والمبالغات وتأويل الأهواء والأغراض. وحتَّي إن بقيتَ وسطَعْت شمسُ نصوصك من وراء قبركَ، فالمخاطر أكثر وأغرب. يضعُ أصابعه في أذنيه، أي رعبٍ بَثّته في اللاعب بئرُ الزمن. يُنصَح هُنا بأقراص النسيان والتجاهل والاستخفاف، مَن استطاعَ إليها سبيلًا.
مُعجزاتٌ صغيرة تتحقق إذا لم يبالِ اللاعب بتلك الأعين الراصدة في كل زاوية ومن كل اتجاه، بحيث يستطيع أن يغمضَ عينيه، وأن يتذكَّر مذاقَ الماء ولونَ الماء، نداءَ الماء وملمسَ الماء، ولعبته القديمة ومَن يكون هو وما الذي أتي به إلي هنا ذات لحظةٍ مُباركَة أو ملعونة.
يدركُ اللاعب أنَّه ليس عليه سوي التشبُّث بخيطٍ غير مرئي بين أنامله، هو الرهان الوحيد، ضمان عودته إلي غرفته الأولي، حيث مِرآته وصوته وبقية الشركاء الأصليين أمام الصفحة البيضاء. يعرف أيضًا أنَّ هذا الخيط لا يعني أن يتجاهل ما كان وما يكون، ما كُتبَ وما يُكتَب، بل أن يتشرّبه ويسمح له بأن يسري في أوردته وشرايينه حدَّ أن يختفي في داخله ويصير عنصرًا آخر من عناصر تكوينه العضوي، ثم أن يلعب وكأنَّ هذا كله لا وجود له بالمرة، وكأنَّ أحدًا لم يكتب شيئًا بَعد، وكأنَّه هو المسؤول عن كتابة كلَّ شيءٍ مِن جديد، وإعادة تأليف أغنية الوجود بكلماته وألحانه ونبرات صوته وعَزْفها بالآلات التي تتيحها له لحظته ومكانه.
وبعيدًا عن تلك العائلة الممتددة في كل اتجاه بلا نهاية، سيجد، في رحلته، أسرته الصغيرة، وكلُّها أشقاء، بلا أبٍ لهم ولا أم غير الكتب والكتابة. تلك الأسرة الصغيرة، قد تتألف من كاتبٍ واحد أو حفنة منهم، لكنهم سيكونون له السَنَد والملجأ والملاذ. هؤلاء الأشقاء قد يكونون رحلوا منذ مئات أو عشرات السنين، وقد يكونون أحياءً لكن تفصل بينهم القارات والمحيطات، وقد لا تفصل بين بعضهم البعض إلَّا مسافة يسيرة تُقطَع في ساعةٍ أو بعض ساعة، وتلك فرصة ثمينة وحالة نادرة لا تتكرر كثيرًا. سوف يتعرّف عليهم مِن اللحظة الأولي التي يفتح فيها كتابًا لواحدٍ منهم، وسوف يفرح كأنه عثرَ بمصادفة غير معقولة علي صديقٍ قديمٍ عزيز بعد فراق طويل. سوف يشعر كأنَّ هؤلاء فقط، من بين ملايين الناس في العالَم ومِن بين مئات الكتَّاب، يتحدثون لغته، بل يتحدثون إليه شخصيًا، هو وحده. هؤلاء هُم زادُ رحلته الحقيقي، وهُم مَن سيرجع إليهم المرة بعد الأخري، كلما أنهكه السَعي أو ناوشته الشكوك أو حتَّي طَلبًا للأنس والصُحبة الحُلوة. قد يتعلَّم من الجميع، لكنه سيتعلَّم أكثر من هؤلاء الذين يجيبون بوضوح علي أسئلته الخاصة، الأسئلة التي لم يعرف كيف يصوغها ويطرحها بعد، والأهم أنهم سوف يطرحون عليه أسئلة أخري جديدة ومتجددة، أسئلة سوف يكون عليه أن يعيد صياغتها في أغنيته وبكلماته وألحانه وصوته، ليرسلَ إليهم تحيته من موضعه، تلويحة الرِفقة مِن بعيد، علي تقاطعات نسيج الزمان والمكان.
مع كل محطة في رحلته، سوف يتعرَّض لغواية أن يستريح أو يتساهل أو يتاجر في السلعة الرائجة السهلة مهما بخست قيمتها، وخصوصًا أن نداءات الباعة والمشترين وعروض الأسواق لا تتركه ينعم بلحظة هدوء، تطارده وتلاحقه، بمغرياتها. وكلَّما استجاب لمصادر التشويش تهافتت اللعبة الأصلية وباخت متعتها تحت ركام الأرقام، أرقام المبيعات وأعداد القراء والمتابعين، نِسبته من سِعر الغلاف وشروط العقود ويانصيب الجوائز، لافتات النجاح المعتمَدة في نظامٍ يقدس السِلعة ولا يحتمل من لا يعرض عمله ونفسه كسلعة. قد تتحوَّل اللعبة مع مرور الوقت إلي شيءٍ آخر، حساب في البنك، رقصة تعري تدريجي، حَلبة مصارعة، سباق خيل لضمان متعة وتسلية المتفرجين ومنظمي السباق، لكن »إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟»‬.
وإذا افترضنا أنَّ لاعبًا نجحَ في عزل نفسه قدر المستطاع عن معمعة المعارك، وانفردَ بلعبته، مؤتنسًا فقط بأعضاء أسرته الصغيرة من النفوس العفيفة والأرواح الكبري، فلا يزال يترصده خطرُ العادة، أن يقدم نفس الأجوبة المعهودة التي عرفها ذات مرة وساعدته علي اجتياز امتحانٍ قديم، أن يلقي التعويذة التي حفظها عسي أن تفلح، مرةً بعد أخري، في إطلاق المردة والعفاريت علي الصفحة. يستمرئ التكرار، متساهلًا ومتكاسلًا، غير مُدركٍ أنَّ رقصات المردة والعفاريت بين يديه صارت حركة ميكانيكية مُتوقَّعة، يُمليها الماضي وتحبسها أسوار الخبرة السالفة، صورة باردة للهبٍ قديم، غافلًا عن ضياع النشوة، وعن أنَّ ذكري المتعة ليست هي المتعة، ورعشة اللذة في كل مرة كَشفٌ جديد لا يكرر نفسه أبدًا.


*رواية مِن تأليف هوراس ماكوي وفيلم بالعنوان نفسه.