رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

الإنسان الرومنطيقي فكر المطلق


عايدة عبد الحميد
5/11/2019 1:30:11 PM

»كي تري العالم في حبة رمل والفردوس في زهرة بريّة
أمسِك اللاّمتناهي في راحة يدك والسرمدية في ساعة.»‬
وليم بليك، شاعر بريطاني يعتبر أبا التيار الرومنطيقي
صدر مؤخرا للأديب والأستاذ الجامعي محمد آيت ميهوب عن معهد تونس للترجمة وبمراجعة الأستاذ الجامعي محمد محجوب كتاب ضخم تحت عنوان »‬الإنسان الرومنطيقي»، للفيلسوف الفرنسي جورج غوسدورف، وهو الجزء الحادي عشر من الموسوعة التي كتبها غوسدورف والمكونة من ثلاثة عشر جزءًا وتحمل اسم »‬العلوم الإنسانية والفكر الغربي». وللراغبين في الاطلاع علي باقي أجزاء الموسوعة فإن نسختها الالكترونية متوافرة باللغة الفرنسية للقراءة والتحميل علي الانترنت بالمجان بعد أن تصدّق بها ورثة غوسدورف علي فقراء  العلم والمعرفة وتنازلوا عن حقوق المؤلف التي تعود لهم قانونا عنها، وهي موجودة في الموقع الإلكتروني لجامعة كيباك الكندية.
في هذا الكتاب لم يكتف المؤلف بالتعرض للمحاور المتكررة لدي أصحاب التيارالرومنطيقي كما فعل الكثيرون قبله وبعده، بل شرح ظاهر الأعمال الرومنطيقية في علاقتها بالمحاور الرومنطيقية التقليدية وتوغّل في عمق باطنها سبرا لأغوارها، كما ألقي الضوء علي سيرة أصحابها كلما كان لها تأثير علي توجههم أو كانت ناتجة عنه  وبذلك جمع في كتاب واحد ما كان مبعثرافي شتات، وكوّن للذات الرومنطيقية صورة متكاملة في بعدها الخارجي المتفاعل مع المجتمع والبيئة والجسد، وبعدها الداخلي المتفاعل مع ذاتها ومع الطبيعة ومع الإله أوالمقدس عموما، مبيّنا أنه لا فصل بين البعدين بل هما ملتحمان.
ولا شك أن الإقدام علي ترجمة كتاب من هذا الجنس بالذات ليس قرارا سهلا ولا بسيطا، فهي لا تمت بصلة لترجمة الروايات الغرامية وقصص الألغاز البوليسية التي تملأ المكتبات اليوم، ذلك أن المعاني التي تحيل عليها المفردات في هذا الكتاب معان مثقلة بالتاريخ والأدب والفلسفة والعلم الوضعي التجريبي وعلم الأديان المقارن والتجارب الباطنية الفردية التي تعاش بقلب منكسر مغترب في وحدة مقصودة وعزلة تامة.
وقد وُفّق محمد آيت ميهوب إلي حدّ كبير في ترجمة هذه المعاني المتخصصة والمعقدة في ذاتها وفي تشابكها، ترجمة متطابقة مع معاني المؤلف ومقاصده وأسلوبه، وذلك في لغة سلسة منسابة لا يكاد يشعر قارئها أنها مترجمة، بل كأنه يقرأ نصا أصليا في لغة مؤلفه. ولم يتردد المترجم في وضع هوامش مفيدة، إضافة إلي هوامش المؤلف، تشرح ما قد يخفي علي القارئ ممّا لم يشرحه المؤلف، وهو ما سيكون له القارئ ممتنا شديد الامتنان.
هذه الجدية في التناول و الدقة في العمل جعلت هذه الترجمة بمثابة جوهرة جديدة تضاف إلي المكتبة العربية التي ما زالت تحتاج إلي إثرائها بترجمات كتب ذات قيمة، إذ لا يخفي علي أحد الدور البالغ الأهمية الذي تلعبه الترجمة في التقريب بين الثقافات المختلفة ومدّ وتقوية الجسور مع الآخر وفهمه وهي لا تعلمك كيف يفكر الآخر فحسب، بل تعلمك أيضا كيف يفكر فيك هذا الآخر، عداوة ومودة ولا مبالاة وتضامنا إنسانيا مجردا.
ولعلّ أهمية الترجمة متأتية من قدرتها علي تجاوز المكان والزمان تجاوزا أشبه بالسحر. فهي تتجاوز حواجز الجغرافيا لتضع أمامك مثلا كتابا ألّفه روائي كولومبي يروي انتصار الحب علي ويلات الحروب وتقدم السن، أو فيزيائي ياباني يبشّر بنظرية الأكوان المتوازية ويشرح لك نظرية الأوتار الفائقة.
والترجمة تتخطي أيضا حواجز التاريخ لتفتح أمامك، علي مصراعيها، بوابات الحضارات الضاربة في القدم وما تحتويه من كنوز، فلولا الترجمة لما تمكنّا من معرفة شريعة حمورابي، ولا استطعنا فك شفرة حجر الرشيد واكتشاف اللغة الهيروغليفية، ولا ارتجفنا ونحن نطالع للمرة العشرين موت إنكيدو الذي فطر قلب جلجامش ملك أوروك وحوّله من حاكم متجبّر إلي رجل باحث عن الخلود.
وعلي الرغم من الدور المحوري للمترجمين في الحفاظ علي الحضارة برمتها وذلك بإحيائها ونقلها وتلقيحها وإثرائها فإنهم لم ينالوا حقهم من التبجيل ولا حتي جزءًا بسيطا منه.وسبب ذلك أنّ الأنوار التي تُسلَّط عادة علي العمل المترجَم وعلي المؤلِف تضعهم في الظل وهو مكان لا يستحقونه البتة.
وبالعودة إلي الكتاب موضوع المقال، من الحريّ ملاحظة أنه إذا ظهر للقارئ بعض الإبهام في بعض معاني الكتاب، فإن ذلك لا يعود إلي الترجمة، بل الإبهام موجود أيضا في النص الفرنسي وقد اطلعت عليه كاملا بمناسبة الإعداد لهذا المقال، وأيضا ربما ذهب بعض القراء إلي فهم المعاني المبهمة فهما يخالف حقيقتها، وعسي أن تنبههم هذه الملاحظة إلي ذلك. إنما يرجع الإبهام الذي يحوم حول بعض المعاني المتضمنة في الكتاب إلي طبيعتها، فهي ليست دائما أفكارا تدرك بالعقل، بل أحيانا تكون نتاج حالات وجدانية باطنية لا تدرك إلا بالذوق وهي الحالات التي تُطبّق عليها حكمة »‬من ذاق عرف» أي إن المعرفة لا تكتمل إلا بالتجربة في ظروف تلازم هذه التجربة وتلائمها، وذلك علي النقيض تماما من العلم النظري أو الفلسفة النظرية. ومثال ذلك أنك إذا ذهبت مثلا إلي القطب الشمالي وقابلت أحد رجال الإسكيمو، ومعلوم أنه وقومَه لا يأكلون إلا الأسماك واللحوم النيئة أوالمجففة ولا يعرفون غير ذلك من الغذاء، هل يمكنك أن تصف له طعم عصير البرتقال؟ إنّ أعظم مهندس فلاحي لا يمكنه أن يدرك طعم عصير البرتقال إذا لم يذق برتقالة في حياته. وهل يمكنك أن تصف لصديقك الجديد من الإسكيمو شعور شرب كأس من عصير البرتقال المثلّج في يوم حار؟ هل يمكنك وصف حالة الانتشاء التي تشعرك بها برودة العصير وجعل صديقك الجديد يدرك ذلك وينتشي به وهو الذي جعله طقس بيئته يحتمي من الثلوج بكل ما يتيسّر له ويعتبرها رديفا للموت؟
وقد أقرت جميع الشعوب قاعدة »‬من ذاق عرف» بأشكال وصيغ عدة، وقرنتها بتعريف »‬الحكمة»، سواء اتعلق الأمر بخبرة ظواهر الحياة أو بواطنها أو جانب واحد منها ظاهرا وباطنا. ولهذا يُعبَّر دائما عن الحكيم في كل الثقافات برجل أشيب ذي شعر أبيض طويل، ولا علاقة لذلك بالسنّ في الحقيقة بل هو إشارة ترمز إلي طول خبرته وتمرسه بكافة ظواهر الحياة وبواطنها، ولم تخل ثقافات العالم من وجود امرأة بهذه الصفات نفسها تُصوَّر علي أنها حكيمة القبيلة أو طبيبتها أو المحافِظة علي أسرار المعبد والخادمة للآلهة.
وهناك سبب ثان لهذا الإبهام الذي قد يواجهه القارئ وهو أنّ المعاني لا يمكن أن تُفهم مبتورةً من جذورها، خاصة أنّ المؤلف خصص داخل الموسوعة نفسها جزءًا مستقلا غير هذا الجزء أفرده لمبحث جذور العلوم الإنسانية التي أثّرت في الفكر الغربي، وهو الجزء الثاني، وقد اطلعت علي فهرسه المفصّل واتضح لي أنه حتي في ذلك الجزء المستقل لم يذكر كل الجذور بل لم يذكر أهمها واكتفي بذكر العصور الإغريقية ـ اللاتينية القديمة والتأثير اليهودي ــ المسيحي في القرون الوسطي ثم عصر النهضة، وفي جزء آخر من الموسوعة تعرّض لعصر الأنوار. وربما أراد المؤلف بذلك أن يحصر موضوع دراسته جغرافيّا في أوروبا، لكن كان عليه إن صحّت رغبته هذه، أن يغيّر عنوان الموسوعة لتصبح »‬العلوم الإنسانية الغربية و الفكر الغربي» بدل العنوان الذي ارتآه وهو »‬العلوم الإنسانية و الفكر الغربي»، خاصة أنّ بصمة واضحة لجذور غير أوروبية  لم يذكرها المؤلف ظهرت واضحة بلا لُبس، ودامغة لا تُدحض ومتكررة طول الكتاب وعرضه وبطريقة لا يمكن تجاهلها بالمرة، علاوة علي إنّ التاريخ يثبت دورها المؤثر في كل مراحل التفكير الغربي بدءًا بنشأته المعروفة. وحيث أنّ الأمر كذلك، توجّب عرض الجذور الفلسفية و الباطنية التي تفاعلت مع الفكر الغربي لتنتج »‬الإنسان الرومنطيقي» كتابا ووعيا، إذ تأكد لي أنه لا يمكن فهم المبهم والملتبس من الكتاب ولا تقدير قيمة الواضح الجليّ منه إلا بالتعرض لها، وهو ما سيتم التركيز عليه في هذا المقال.
ومن ناحية أخري، إن بعض المعاني في الكتاب تبقي عصيّة علي الفهم إذا لم يكن القارئ ملمّا ولو بشكل بسيط ببعض النظريات والاكتشافات العلمية وخاصة في مجال فيزياء الكم، ونظرية الكون الهولوغرافي، وعلوم الإدراك والاستعراف، وتقنيات البرمجة العصبية وخاصة منها الإيحاء الذاتي، وكذلك الموجات الدماغية التي تقابل درجات تركيز النشاط العقلي والأحاسيس البشرية وعلاقة ذلك بحالات الوعي البشري بالمعنيين الطبي والفلسفي، والتي تَبيّن لي بمطالعة الكتاب أنّ المؤلف مطّلع علي جلها ولكنه لم يذكرها. لعلّ إدراك القارئ أنّ لهذه العلوم علاقة وطيدة بما في الكتاب يسهّل عليه الإلمام بكل مقاصده وأبعاده دون نقصان، إلا أن انعدام توافر ذلك لا يمنعه من فهم جوهر فكر المؤلف والاستفادة مما يقدمه.
كل هذا يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل »‬الإنسان الرومنطيقي» هو ظاهرة أدبية وفلسفية أوروبية معزولة انبثقت من رحم التصادم مع علموية عصر الأنوار وما زالت تواصل التصدي لوثنية المادية العلموية؟ أم إنها مجرد تجلّ  محلِي لمعرفة إنسانية شاملة تُصالح الإنسان مع ذاته في مراوحة بين النسبي والمطلق، بين الظواهري واللامتناهي السرمدي، متخفّية في مختلف ثقافات العالم تحت قشور ملوّنة فرضتها المحلية دون أن يمس ذلك من جوهرها الذي بقي كما ظهر في البدء، كونيا شاملا، وأن التصادم مع عِلموية عصر الأنوار ليس إلا جزءًا من هذه القشور المحلية لا غير؟
»‬ما أنا؟»، ما أنا و ليس من أنا. هل أنا جسد؟ هل أنا فكر؟ أم شيء آخر ما وراء الجسد والفكر؟ الجسد يتغير ويشيخ ويموت والأفكار وحتي القناعات أيضا تمرّ وتذهب وتتغير لتعوّضها أفكار وقناعات أخري تتغير بدورها بعد حين، لكني أظلّ أنا.وجدتها! أنا كتلة من العواطف. لكن هل يمكنني أن أعوّل علي العواطف والحال أنها انفعالات تتغير أسرع حتي من الأفكار والقناعات؟ أليست العواطف نتاج الأفكار؟ هل سبق لي أن شعرت مرة بالفرح وفي ذهني فكرة حزينة؟  أو هل شعرت مرة بالسكينة وذهني يغلي بأفكار الغضب والاعتراض؟ هل شعرت مرة بالمحبة الصافية الصادقة المتجردة تجاه شخص وعقلي مليء نحوه بأفكار تقول إنه شخص حقير غارق في النذالة؟ وإذا كان لا يمكنني أن أعوّل علي الجسد ولا علي الأفكار ولا علي العواطف فمن باب أولي أن لا أعوّل علي النَّسب والجاه والمال، فهي أعجز من كل ما سبق. ذلك أني إذا كنت مبجّلا بين قومي لنسبي وجاهي فأنا مجهول وربما مضطهد محتقر في أقوام أخري، وإذا كنت اليوم ذا مال فيمكن أن أفتقر غدا أو أفقد جاهي.ثم، من أنا حين أكون وحيدا دون شخص آخر ليقدّر مالي وجاهي ونسبي؟ هل أكفّ آنذاك عن كوني أنا؟ لا أستطيع قطعا التعويل علي المال والجاه والنسب لأعرف ما أنا.فما أنا؟ ما هو الثابت الذي يجعلني أقول إني أنا رغم كل ما يطرأ ويتغير؟ ما هي ذاتي؟و بما أنه لا يمكنني التعويل علي الجسد لأعرف ما أنا، فهل يمكنني التعويل عليه لأعرف ما إذا كانت نهاية جسدي هي في الآن نفسه نهاية ذاتي؟ هل موتي هو نهاية جسدي؟وإذا كان ذلك كذلك، فهل نهاية جسدي هي في الوقت نفسه نهاية ذاتي؟ أم هل أن موتي هو حالة أخري من حالات تغير جسدي ولا علاقة لها بما تكون ذاتي علي وجه الحقيقة وبما قد يطرأ عليها؟ وهل يمكن أن يطرأ عليها شيء أصلا؟ ألست بصدد البحث عن الثابت فيّ الذي لا يتغير ولا يطرأ عليه شيء والذي لا يمكنني أن أعرّف ذاتي إلا به؟ هل يمكنني أن أسمّيه ذاتي المطلقة؟ وهل يمكنني التواصل مع ذاتي المطلقة وأنا حبيس نسبية المكان والزمان والمتغيرات؟ وما علاقة ذاتي المطلقة بنسبية جسدي المحدود في الزمان والمكان؟ وإذا كانت ذاتي مطلقة ولي جسد محدود، فهل الأمر نفسه ينطبق علي الطبيعة وعلي الكون برمته؟ وما علاقة ذاتي المطلقة بكل ذلك؟.
هذه التساؤلات وتفرعاتها سكنت كل شعوب العالم المعروف منذ القدم وربما أيضا شعوب حضارات ما قبل الطوفان، وقد تبلورت الإجابة عنها علي مدي العصور في فكر واحد يمكننا تسميته »‬فكر المطلق» الذي ظهر بأشكال عديدة تتناسب مع ظروف وعادات الثقافة المجتمعية التي يتجلي فيها كل مرة. وقد ظهر هذا الفكر أوّلا في الهند في نصوص الفيدا الهندوسية وهي أقدم نصوص مقدسة في التاريخ المعروف. وقد وضّحت هذه النصوص معالم هذا الفكر من الجانب النظري كما وضحت منهجه التطبيقي المنضبط بصورة جليّة دقيقة، ولكن فكر المطلق لم يتبلور تماما في شكل مبادئ كلّية شاملة منقَّحة من البصمات المحلية إلا في الفلسفة الهرمسية المنسوبة للحكيم المصري هرمس مثلث العظمة أو هرمس الهرامسة، وذلك في المبادئ السبعة وفي التحول العقلي أو خيمياء العقل والذي يسميه غوسدورف »‬البحث عن المركز». وتتعرض الفلسفة الهرمسية إلي تفسير عملية الخلق والفيض المستمر والحكمة التي يتوجّب علي الفرد امتلاكها وطرق امتلاك هذه الحكمة.
ومن اطّلع عن كثب علي أيّ تجلّ من تجلّيات فكر المطلق في أيّ ثقافة من ثقافات العالم وأزال عنه غبار إكراهات الثقافة المحلية، سيجد الفكر الهرمسي واضحا جليا أمامه، كامنا وراء الظواهر الثقافية المجتمعية المتغيرة، ومن توصل إلي ذلك سيكون بإمكانه إدراك كل التجليات الأخري في أيّ مكان آخر في العالم، فكأنما من اطلع علي أحد هذه التجليات قد اطلع عليها كلها، إلاّ أنْ يرغب في الاطلاع من باب الترف الفكري بهدف مقارنة التفاصيل المحلية لا غير. والمبادئ السبعة هذه هي: مبدأ العقلانية، مبدأ التطابق أو التماثل، مبدأ التذبذب، مبدأ القطبية، مبدأ الإيقاع أو التناقض، مبدأ السببية، ومبدأ الجنسانية. وفن تطبيق هذه المبادئ يسمّي فن التحول العقلي أو فن خيمياء العقل وهو فن باطني تطبيقي وتجربة مباشرة لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، ولكن يمكن القول إنه لا يمكن الحصول علي نتائجها إلا بتعلم التخلص من قيود الزمان والمكان وولوج ما يسميه الصوفية اليوم »‬الحضرة السرمدية»، ويعني ذلك أنّ الأزلية هي الامتداد في الماضي إلي ما لا بداية، والأبدية هي الامتداد في المستقبل إلي ما لا نهاية، واللحظة الحاضرة التي تربط بينهما هي فقط الحقيقة وهي باب ولوج الحضرة السرمدية التي هي امتداد الأزل والأبد معا بلا بداية ولا نهاية. فالأحداث الماضية بآلامها وأفراحها ذهبت ولن تعود وهي ماضٍ والماضي مضي، والتوقعات المستقبلية بآمالها ومخاوفها لم تحصل بعد وهي مجرد تكهنات، ولذا، فإنّ المفتاح يكمن في التدرب لولوج هذه الحضرة السرمدية بوصفها خطوةً أولي وأساسية.
وقد تجلّي هذا الفكر في كل أصقاع الأرض بصور مختلفة، وكما أشرنا أعلاه فإنّه ظهر بداية في الهند في الفيدا الهندوسية أقدمِ النصوص المقدسة التي عرفتها البشرية، وقبل ظهور كل أديان وفلسفات عالم ما بعد الطوفان، ولكنّ هذا الفكر لم يتبلور تماما في شكل مبادئ ومنهج منقح من البصمات المحلية إلا في مصر القديمة وعلي يد الحكيم المصري هرمس مثلث العظمة.
بَعد الهند وبسبب القرب الجغرافي، انتقل فكر المطلق إلي بلاد فارس، كما ظهر في كل حضارات بلاد ما بين الرافدين السومرية والأكادية والبابلية والآشورية، ووصل إلي أعماق القبائل والممالك الإفريقية، وظهر جليا واضحا أيضا بلا خفاء في الصين وفي اليابان وشعوب آسيا الوسطي، وطبعا تربّع في مصر القديمة التي كانت مركزا ضخما لترجمة المعارف القادمة من كل بلاد الدنيا ودراستها وبلورتها ومقارنتها فيما بينها وبما كان لدي المصريين من علوم واستنباط ما يجب استنباطه تبعا لذلك، كما كانت مصر قُطبا تعليميا عالميا، يهاجر إليه طالبو المعرفة من كل أصقاع الأرض وذلك في الوقت نفسه الذي كانت فيه أوروبا تُعتبر قارة شابّة حضاريا مقارنة بالحضارات العريقة الضاربة في القدم كالحضارة المصرية وحضارة بلاد ما بين الرافدين والحضارة الهندية والحضارة اليابانية والحضارة الصينية وحضارة بلاد فارس. وكان المولعون بالمعارف والعلوم من الأوروبيين يسافرون إلي مصر مركز العلوم والمعارف ويتعلمون لدي الكهنة المصريين، كهنة عين شمس، لمدة سنين طوال قبل أن يرجعوا إلي ديارهم. ويمكن القول بأنّ كل فلاسفة الإغريق ومفكريهم وعلمائهم الذين وضعوا بصمتهم في التاريخ، تعلموا في مصر باستثناء سقراط الذي يحوم الشك حول سفره إلي مصر، لكن من الأكيد أنه اطلع علي المعارف المصرية، وحتي مقولة »‬اعرف نفسك» المنسوبة إلي سقراط، نُقشت علي جدران المعابد المصرية القديمة قبل آلاف السنين من ولادته وما زالت إلي يومنا هذا شاهدة علي تاريخ المعرفة.  ومن هؤلاء الفلاسفة من تعلم في مصر وفي بلاد فارس أيضا كأفلوطين أبي الأفلاطونية الحديثة. ونستعرض هنا بعض فلاسفة ومفكري وعلماء أوروبا في العصور القديمة الذين تعلموا في مصر: طاليس وفيثاغورت وأرسطو وأفلاطون وهيرودوت وهوميروس وأفلوطين. ومذكور في سيرة كل من هؤلاء الفلاسفة والمفكرين والعلماء أنهم تعلموا عند كهنة عين شمس، أي في المدينة العلمية- الدينية المسماة »‬أون» باللغة المصرية القديمة وهليوبوليس باللغة الإغريقية، وكانت تضم مدارس ومكتبات للفلسفة والهندسة والجغرافيا وعلوم الفلك والرياضيات، كما تضم أيضا معابد مصرية وملاحق للمعابد مخصّصة لتعليم وتدريب المريدين الباحثين عن المعرفة الباطنية، وقد تم جمع كل هذه المناهج في مدينة واحدة علي اعتبار أنّ الفلسفة والعلم والدين كانت تُعتبر أضلاعا لمثلث واحد. والكهنة المصريون القدامي لم يكونوا رجال دين فحسب، بل كانوا أيضا وفي الوقت نفسه فلاسفة، وعلماء في الرياضيات والهندسة والطب، وخيميائيين.
ودون الحاجة إلي مزيد من الإيضاح، فإن تأثير العلوم الشرقية عامة، والمصرية خاصة، في الفكر الغربي منذ نشأته ثابت لا مرية فيه.
وقد انتشر فكر المطلق أكثر فأكثر في فترة ازدهار الأفلاطونية الحديثة والثقافة الإسكندرانية. وتجدر الإشارة هنا إلي أن الثقافة الإسكندرانية وتسمي أيضا الثقافة اليهودية- الإسكندرانية ليست منسوبة إلي الإسكندر الأكبر بل إلي مدينة الإسكندرية، ويُقصد بها الثقافة التي نشأت في مدينة الاسكندرية عندما التقي الفكر اليهودي بالثقافة الهيلينستية أي الثقافة الإغريقية المشبعة بالعلوم المصرية. وذلك علي عكس ما ذهب إليه محمد آيت ميهوب في الصفحة 330، عندما أضاف هامشا هو الهامش رقم 2، نسب فيه لفظة »‬الإسكندرانية» إلي الإسكندر الأكبر، والحال أنّ غوسدورف كان بصدد التعرض لتأثير القابلانية والأفلاطونية الجديدة علي الفكر الغربي وذكر أن الثقافة الإسكندرانية كانت وسطا حاضنا لترابط المدرستين وتشابكهما، كما أنّ الثقافة الإسكندرانية ظهرت بعد وفاة الإسكندر الأكبر بأكثر من مائة عام أي أنه لم يشارك في نشأتها ولا في تشجيعها.
ومن الحريّ التذكير هنا أنّ الفكر اليهودي الباطني، أي القابلانية، في مصر لم يكن صافيا منبثقا عن النصوص التوراتية وحدها، بل كان يشمل أيضا المعارف السرية للكهنة المصريين، إذ إن اليهود كانوا يعيشون في مصر ويدرسون في مدارسها إلي جانب دراستهم للعلوم التوراتية. كما كان الفكر اليهودي الباطني في تلك الحقبة يشمل كذلك علوم بلاد ما بين الرافدين التي عرفوها في بابل ونقلوها معهم عند الشتات الثاني وهو الشتات الهليني الذي بدأ بحملات الإسكندر الأكبر.ويتجه ذِكر أن اليهود لمّا تعرفوا علي حكمة هرمس الهرامسة قالوا هذا »‬أنوش» أو »‬أنوخ» المذكور عندنا في التوراة، وهكذا تأقلمت الحكمة الهرمسية مع الفكر اليهودي.
وخلال تفاعل الحضارة الإغريقية مع علوم كهنة عين شمس والعلوم الوافدة علي مصر من كل أصقاع الأرض، جاء أفلاطون بما نسميه اليوم »‬كهف أفلاطون». وفي حقيقة الأمر فإنّ »‬كهف أفلاطون» بالذات ليس عملا نظريا خالصا كسائر أعمال الفلسفة, مبنيا علي الدراسة والتفسير والاستدلال والنقد والمنطق، إلي غير ذلك من أدوات الفلسفة، كما أنه ليس خيالا ومَجازا مستنبَطا، بل إن الخيال فيه قليلا لمساحة محدودُها، ذلك أن »‬كهف أفلاطون» وصْف وفيّ وسرْد لصيق ودقيق لما يعايشه الذين يطبقون خيمياء العقل، ولاكتشافهم، من خلال التجربة، للطبيعة الوهمية للكون وأنه »‬محتوي عقلي» تماما كما ورد في تعاليم هرمس مثلث العظمة: »‬ما وراء الكون الزمني والمكاني المتغير، نجد الواقع الفعلي، الحقيقة الأصلية». وقد لخص »‬كهف أفلاطون» حالة الارتباك، والاتهام بالجنون، والفشل الذي ينتاب من عرف الحقيقة من خلال ممارسة خيمياء العقل خصوصا إذا كان مطلوبا منه الانخراط في أنشطة العالَم الذي اكتشف أنه مجرد وهم، وفي الواقع، ربما يصل الحال بالبعض من الذين اكتشفوا ذلك إلي الإقدام علي الانتحار. وهذا ما يعانيه الذين يبدأ الوعي لديهم بالتفتح. وعلي النقيض من ذلك، قد ينغمس بعضهم في العالم الوهمي من جديد ولكن بطريقة يائسة، فيُقْبلون علي المتع الدنيوية والكحول والمواد المخدّرة محاولين عبثا التمسك ببعض من الوهم أو في تمرد تام علي كل الأعراف السائدة. وقد عبّر مؤلف الكتاب عن الحالتين بـ »‬الأنثروبولوجيا السالبة». وسبب ذلك يكمن في أنّ تفتح الوعي ليس بتجربة مريحة تجلب السعادة والسكينة والحكمة مرة واحدة، بل هي انهيار كل أنماط السلوك والتفكير والشعور والإدراك والتي لا يعرف الفرد غيرها وكذلك انهيار العلاقات العائلية والاجتماعية وخيارات الحياة التي سبقت المعرفة  وانهيار سلّم الأولويّات وطرق طلب الرزق وغير ذلك من أشكال الضياع المسبّبة للحزن، إضافة إلي أنه يتكشّف لهم أنّ الموت هو زوال الوهم، وذلك هو سبب ملازمة الحزن للرومنطيقيين، خصوصا إذا لم يطبّقوا النواميس الهرمسية كما يجب أو مارسوا خيمياء العقل دون معلّم يرشدهم، إذ إن خيمياء العقل، أو فن التحول العقلي، إذا عُرفت وطُبقت بشكل صحيح يكون فيها ما يحقق توازنهم ويحميهم من معظم هذه الأخطار ويحدّ من آثار بعضها الآخر. وبدون ذلك يكون تفتح الوعي أشبه بالدخول إلي ساحة  وغًي مجهولة، بلا سلاح وبلا قدرة علي التخمين. وفي كل الحالات فإن موت الذات القديمة ضروري لتظهر مكانه الذات الجديدة وهذا هو هدف خيمياء العقل.وشعور الضياع والألم جزءٌ من عملية التحوّل هذه، والأدب في كل الثقافات مليء بالإشارات الغزيرة لمراحل التحول المؤلمة هذه. فالأمر يطابق تماما حالة الشرنقة التي تتعرض ذاتها القديمة للتدمير التام قبل أن تتحول إلي فراشة، وحالة الألماس الذي هو في أصله فحم استطاع تحمل درجات ضغط وحرارة عالية جدا خلال الثورات البركانية فأصبح ألماسا، وحالة حبّة الرمل التي تحبس نفسها داخل القوقعة وتغرق في دموع المحارة وتجرحها في تخبط طويل قبل أن تتحول إلي لؤلؤة، وحالة البذرة التي لكي تنبت وجب أن تُدفن في الظلام وأن يتفجّر قلبها قبل أن يخرج منه برعمها ضعيفا هشا محاولا إيجاد طريقه نحو النور، وحالة طائر الفينيق الذي يحترق بالكامل قبل أن يولد من جديد وبهذا يعيش خالدا. وقد قال جلال الدين الرومي في هذا الصدد »‬داوم علي كسر قلبك حتي تفتحه»، كما قال »‬الجرح هو المكان الذي يتسلل منه النور إليك».
وبعد ظهور المسيحية تبنّي الآباء الأوائل فكر المطلق وبجّلوا هرمس مثلث العظمة وقالوا هذا »‬أنوخ» المذكور عندنا في سفر التكوين كما قالوا لو أنه عاصر المسيحية لأصبح مسيحيا، وهكذا، وعلي عادته، تمكن فكر المطلق من التأقلم مرة أخري، ومارس الرهبان المسيحيون الأوائل، تماما كاليهود القابلانيين، مختلف تقنيات التحول العقلي أو خيمياء العقل التي وصفها الحكيم المصري هرمس مثلث العظمة وأطلقوا عليها اسم »‬الغنوصية» التي هي في جوهرها إحدي ممارسات خيمياء العقل لا غير. ثم مع طغيان الكنيسة وتجبّرها، دخلت أوروبا في سبات عميق خلال القرون الوسطي وبدأ التركيز علي خيمياء العناصر والمعادن لجمع الذهب بدل خيمياء العقل التي ترتقي بالإنسان وتخرجه من عُلبة الزمان والمكان التي تحبسه في الأوهام.
وفي مكان آخر من العالم كان الإسلام قد ظهر وبدأ بفتح أراض جديدة واستقر فيها، فتمّ فتح بيت المقدس والأراضي البيزنطيّة ومصر وشمال إفريقيا وبلاد فارس، ودخل دول جنوب شرق آسيا وجنوب أوروبا واستقر في الأندلس ثمانمائة عام. واختلطت شعوب الأراضي التي تم فتحها وتبادلوا بذلك علوم وثقافات بعضهم البعض. واطلع المسلمون علي الفلسفة الهندية والإغريقية والفارسية وغيرها وعلي الحكمة الهرمسية، وقالوا إنّ هرمس هذا نبي الله إدريس عليه السلام المذكور عندنا في القرآن، ونتيجة لذلك ازدهر فكر المطلق من جديد وظهر في شكل الفرق الباطنية كالاسماعيلية والدرزية والفاطمية وغيرها، وفي شكل التصوف الإسلامي الطُرقي أيضا كما ظهر في الطب والأدب والشعر والفلسفة. ونورد هنا علي سبيل المثال لا الحصر رسائل إخوان الصفا ومشكاة الأنوار للغزالي وكل مؤلفات السهروردي المقتول بدءًا بحكمة الإشراق، وجدير بالتنويه أنّ الإشراقية في حقيقتها ليست إلا اسما جديدا لمبادئ ولخيمياء العقل الهرمسية ولنتائج تطبيقاتها العملية. ثم، وبعد سقوط الأندلس وحتي قبل ذلك في إيطاليا، ترجم الأوروبيون أعدادا ضخمة من الكتب من اللغة العربية التي كانت تجمع كل المعارف والفلسفات الموجودة في العالم آنذاك ودخلت بذلك أوروبا عصر نهضتها، وانتعش فكر المطلق من جديد في أوروبا بعد أن تشبّع بالفكر الفلسفي الباطني الإسلامي وبتجربة التصوف الإسلامي الطّرقي وبعد أن استعادت أوروبا الفلسفة الإغريقية ومعارف الحضارات القديمة أيضامن خلال الكتب المترجمة من اللغة العربية. وتم اكتشاف الأمريكيّتين واكتشف الأوروبيون أنّ الشعوب الأصلية لهما تتبنّي فكر المطلق، ويبدو أنّ هذه الشعوب جلبته معهاعندما قدمت من شمال شرق آسيا حين كان مرتبطا بشمال غرب أمريكا الشمالية وكانت آسيا وأوروبا قارة واحدة.وظهر فلاسفة وفنانو عصر النهضة وكانوا جميعهم يمارسون خيمياء العقل بدرجات متفاوتة وذلك بالدخول في حالات وعي بديلة واستلهام العلوم والفنون، وتُعرف هذه الحالات علميا بأنها حالات النشاط العقلي والشعوري التي تقابل موجة ألفا أساسا وموجة ثيتا بدرجة أقل، وهي موجات تقاس بالتخطيط الكهربائي للدماغ وتُعبّر عن الحالات المختلفة للنشاط الدماغي والمشاعر. وشاع بين النخبة العلمية والفكرية في أوروبا والغرب عموما اكتشاف ما يسّمي »‬مكان الإلهام» ويُقصد به حالة معيّنة من الوعي تتفجر فيها ملكات الإبداع، وهو يقابل شيطان الشعر عند العرب، غير أنّ مفهوم مكان الإلهام أعمّ وأشمل من مفهوم شيطان الشعر إذ إنه يشمل كل مجالات الإبداع بما في ذلك العلوم الصحيحة، وهوأيضا ما سماه الرومنطيقيون ومؤلف الكتاب جورج غوسدورف بـ»‬الغيموت» وفي الحقيقة هو أحد نتائج تطبيق خيمياء العقل الهرمسية خصوصا إذا كان الدخول في حالة الوعي البديل ممنهجا ومقصودا، واختيار »‬درجة ومستوي الوجود» معيّنا قبل الدخول في حالة الوعي البديل، إلا أنّ خيمياء العقل تعمل سواء أكان القصد متوافرا أم لا، وذلك كلما اجتمعت ظروفها اللازمة، فهي ناموس أو قانون محايد.ونورد هنا بعض أسماء المشاهير الغربيين الذين أنتجوا إبداعاتهم من خلال »‬مكان الإلهام»: ليوناردو دافنشي، وفريدريك نيتشه، وآرثر شوبنهاور، وويليام جيمس، وويليام بليك، وجيوسيبي تارتيني، وصامويل كولريدج، ونيكولا كوبرنيك، وتوماس أيديسون، واسحاق نيوتن الذي كان يمارس أيضا خيمياء العناصر والمعادن بهدف الحصول علي الذهب وعلي حجر الفلاسفة، وجول فيرن الذي مكنته خيمياء العقل من كتابة عديد الروايات التي تتنبأ بتطورات علمية لم يكن ليدركها بطريقة أخري وتحققت بعد وفاته بأكثر من قرن، ويسمّي غوسدورف هذه العملية ب »‬الخيال التنبّئي»، ويوجد الكثير من غير الذين تم ذكرهم. ولعل أكثر قصص الإبداع غرابة هي قصة »‬سوناتا الشيطان» وهي موسيقي علي الكمان يقول الموسيقي الإيطالي جيوسيبي تارتيني إنّ الشيطان عزفها له في الحلم وإنه حفظها ثم عزفها بمجرد استيقاظه كي لا ينساها. ويقول المتخصّصون إنّ تلك الموسيقي بالذات ليست فيها بصمة تارتيني التي تظهر في كل أعماله الأخري بل لها بصمة مختلفة تماما. وجدير بالذكر أن كلمة الحلم التي ذكرها تارتيني في هذا السياق يُقصد بها حلم اليقظة أو حالة بديلة من الوعي.
وبسقوط سلطة الكنيسة وظهور عصر الأنوار والثورة الصناعية ظهرت المادية العلموية واكتسحت الأكاديميات العلمية الرسمية والسياسة والاقتصاد والطب والفلسفة وأنماط التفكير الفردي والمجتمعي ككل، وعوّض طغيانُ المادية العلموية طغيانَ الكنيسة، وانكمش فكر المطلق في أوروبا علي ذاته، كعادته عندما يسود الجهل وتُستنكر الحكمة كما استنكرها قوم سلمان عندما حاول حيّ بن يقظان نشرها بينهم، فكما قال هرمس مثلث العظمة: »‬شفاه الحكمة تبقي دائما مغلقة إلا في حضور آذان التفهم»، وانعزل فكر المطلق في بعض الأخويات السرية والنصف سرية وبعض المراكز المغلقة لتعليم القابلانية، وبعض الأديرة، وكل واحدة من هذه المجموعات تغلّفه بما لديها من عقائد أو تطبعه بما لديها من طموحات. ولم يعد يظهر فكر المطلق للعلن في أوروبا إلا في شكل تيارات أدبية، كالرومنطيقية والسريالية، وبعض إنتاجاتها الفنية والأدبية أو الفلسفية كحال كتاب اليوم »‬الإنسان الرومنطيقي» الذي يمكن اعتباره نسخة مطابقة للأصل من التعاليم الهرمسية متدرّعة بدروع تحمي الكتاب ومؤلّفه من الاتهامات بالهرطقة العلمية، وذلك شأن كل من أعلنوا هذا الفكر في غير بيئته، ولنا في الحلاج أعظم عبرة. وهذاالأمر لا يُنقِص من قيمة كتاب »‬الإنسان الرومنطيقي» شيئا، بل علي العكس، يعطيه بُعدا إنسانيا وكونيا أعمق وأشمل،علاوة علي قيمة الكتاب الفلسفية الجامعة التي جعلت منه كتابا فريدا بحق خصوصا بالنظر إلي الزوايا المختلفة التي تناول منها غوسدورف موضوع البحث تناولا استثنائيا لم يسبقه إليه أحد من قبل،علي الأقل فيما أعلم، والأكيد أنه سيعود بفائدة كبري علي القارئ الشغوف والباحث الجادّ علي السواء.لذا، أدعو القارئ العازم علي استيعاب هذا الكتاب علي وجه صحيح والاستفادة منه استفادة قصوي أن يأخذ كل ما سبق ذكره في الحسبان وهو يطالع الكتاب، وأتمني له مطالعة ممتعة.
»‬قال: تعالوا إلي حافة الجرف
أجابوا: لا نستطيع، نحن خائفون
قال: تعالوا إلي حافة الجرف
أجابوا: لا نستطيع، سنسقط
قال: تعالوا إلي حافة الجرف
جاوا فدفعهم فحلّقوا»