رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

عين النقد:رواية فكرية أم مسيرة حافلة في الميزان؟


محمد سليم شوشة
5/17/2019 11:11:37 AM

كتاب عين النقد للدكتور صلاح فضل صادر مؤخرا 2018 عن مؤسسة بتانة للنشر، والحقيقة أن هذا الكتاب يكتسب قيمة أدبية وعلمية كبيرة نابعة من عدة مقومات، ربما أبرزها القيم الجمالية التي ترتكز علي الطبيعة السردية الدافئة العامدة إلي قدر كبير من التعري والمصارحة سواء مع الذات أو مع المجتمع. الكتاب قد يشكل رواية من طابع مختلف، سيرة أدبية وفكرية من نوع جديد. حيث تبدو هنا ولأول مرة عبر مؤلف للدكتور صلاح فضل صورة مغايرة تماما له من حيث وضوح الأبعاد الإنسانية وكثرة التفاصيل الحياتية المشوقة، وتتشكل في الكتابة علي نحو متوارٍ وشفيف في الخلفية سيرة للوطن تتوازي مع سيرة بطل يحارب ويكافح من أول لحظة في حياته، سواء مكافحة اليتم والوصاية المفروضة عليه من الجد أو يكافح بنية اجتماعية شاملة وقيما سلبية وعادات راسخة في كثير من الأنماط البشرية التي يتعامل معها منذ الطفولة وحتي لحظة تدوين هذه السيرة. الكتاب يكشف عن تحولات الإنسان ما قد يطرأ عليه من التجديد والترميم أو الإصلاح والتنامي في البنية المعرفية والفكرية وتصبح هذه التجربة الحياتية الزاخرة والحافلة بالتحولات والمحطات البارزة من الشهادات المهمة علي حضارتنا المصرية والعربية في هذه الحقبة التاريخية، شهادة علي أحوالنا التعليمية والاجتماعية والأخلاقية، شهادة علينا في السياسة والحروب والانكسارات والانتصارات والفنون والآداب والعلوم والاقتصاد كذلك. حيث تتبدي في لوحة الكتاب حياة كاملة بكافة الأبعاد والجوانب وكأن هناك ميزانا خفيا قاد الكتابة وشكلها علي هذا النحو، وأتصور أن هذا الميزان الذي رسم كافة أبعاد حياتنا وجوانبها في هذا الإطار الزمني الممتد هو فكر الدكتور صلاح فضل المنشغل بكل هذه الجوانب الحياتية والمتجول خارج أسوار التخصص يقفز عليها ويتجاوز الحدود التقليدية التي طالما حاصرت شخصيات أكاديمية مرموقة وقيدتها. الحقيقة كذلك أن من أبرز ما يلفت الانتباه في كتاب عين النقد هي تلك الصورة الحيوية والنابضة للدكتور صلاح فضل في ملامح إنسانية بارزة تتراوح بين الانفعال والألم والحب والكراهية والغضب والقلق والتحفز والمشاغبة أحيانا والصبر في أخري. ففي هذا الكتاب يبرز قد تخليه عن هدوء الناقد وزاويته الهادئة الباردة أحيانا ويتجلي في إنسانية مفعمة بالانفعالات، فلا تخفي مشاعر ألمه من اليتم أو تذمره من الأزهر حين يتغير مساره إليه من التعليم المدني أو في مناسبات لاحقة، أو قدر تحفزه واحتداده أو تربصه بالآخرين كما يعترف هو نفسه، أو يعترف أحيانا بأنه كان بعيدا عن الدقة والصواب وأنه كان غارقا في السذاجة وعدم النضج في لفتات إنسانية ساحرة تستحوذ علي المتلقي تماما.
من تجليات النقص الإنساني الكثيرة الناتجة عن التعرية ونقيضها من وعي السرد ذاته وتجليات البصيرة المقابلة والإضاءات المعرفية الغالبة علي روح الكتاب تتشكل مفارقات عديدة تصنع حالات شعرية ممتدة في كل الكتاب، بحيث ترتسم حياة تتنقل بين مؤشرين أحدهما للخسارة والخيبات والصدمات والآخر للنجاحات والقفز نحو نجوم الآمال وقطف ثمار الطموح والكفاح. يتخلي تماما الدكتور صلاح فضل عن أحد الأبعاد المهمة للناقد ويستبدل به روح المغامر الذي يعلن غضبه وأحزانه وخساراته وخيبة أمله فيمن حوله أحيانا ويكشف عن صدماته فيما يكرس في النهاية لعقبات يتم اجتيازها والقفز عليها في كل هذه المسيرة.
تحضر في الكتاب شخصيات كثيرة بارزة تتبدي هي الأخري بالشكل الإنساني ذاته من التعري والجمع بين التناقضات من سلبيات وإيجابيات، مثل جمال عبد الناصر وطه حسين ونجيب محفوظ وعبد العزيز الأهواني والسادات وإحسان عبد القدوس وحسين مؤنس ومحمد غنيمي هلال ومحمد مندور وبدوي طبانة وحسني مبارك وعبد المحسن طه بدر وجيهان السادات وعز الدين إسماعيل وصلاح عبد الصبور وجابر عصفور وأحمد مرسي وسيزا قاسم وغيرهم الكثير، قليل منهم يتم رصده من زاوية تأريخية تتجاوز قليلا الوعي الجمعي والإدراك التاريخي السائد عبر حادثة غير معروفة أو لمحة مما لا يتم تدوينه غالبا في كتب السياسة أو تاريخ الأدب، في حين يأتي أكثريتهم عبر زاوية سردية روائية تتجاوز التاريخي إلي صورة روائية تطرح لأول مرة عن هذه الشخصيات. شخصيات تتنوع بين الساسة والأدباء والأطباء والسفراء والأكاديميين. من الكبار والشباب وكافة الأجيال تقريبا. والكتاب يبدو رواية وتأريخا وسيرة فكرية حافلة بالتطواف، تتشكل عبره ملامح بطل جوال يجوب البحار ويتنقل بين قارات العالم باحثا عن هذا الناقد المثال والنموذج الذي لا يجعل من طه حسين وغنيمي هلال قدوة ونموذجا يحاصره بقدر ما ينافسه ويحاول أن يكمل به النقص في صرح النقد الأدبي. يبدو النقد الأدبي في الكتاب بصورة طريفة حيث هو رسالة، ليست من قبيل الوصف التقليدي لأي مهنة حين نمتدحها أو نؤكد علي قيمها وتقاليدها الإيجابية الراسخة، ولكنه هنا يبدو كما لو أن هناك وحيا أو نذرا سماويا مقدسا غير معلن يجعل من الدكتور صلاح فضل موقوفا علي العطاء في هذا الحقل وتشييد أهم أركانه. الكتاب مسيرة علمية لا نري فيها تلميذا يذاكر ويطلع أو أستاذا يقرأ ويبحث ويتعلم ولكننا نراقب ونتابع فيها عدّاءً يقفز علي الحواجز التي تستجد من الخفاء وتنبت من الأرض والنيران التي تنفجر أو تشتعل بشكل مفاجئ في ممرات هذه المسيرة الطويلة ليكون القارئ في أعلي أشكال الاستجابة لهذا التشويق ويصبح متحفزا متعاطفا كما لو أنه يقرأ ملحمة يونانية تختلط فيها ملامح البطل ما بين الكلاسيكية بوصفه مخلصا ونموذجا مثالا، وبين البطل العصري بتركيبته المتنوعة والمعقدة إلي حد بعيد.
كتاب عين النقد حافل بجماليات المعرفي ويمدّ القارئ ويصدمه أحيانا بجديد من المعارف والمعلومات عن كثير من الدول والثقافات الأخري وعن مصر نفسها في لحظات إصرار الضمير الوطني مثلا علي مقاطعة العدو أو لحظات الرغبة في التخفي من الهزيمة والهروب من عارها، ونقيضها من لحظات الانتصار والإنجاز، لكن المساحة الأرحب من جماليات المعرفي تتشكل من السياحة المعرفية في النقد الأدبي وتاريخه بالضبط كما السياحة في أوربا وإسبانيا بشكل خاص ثم شمال أفريقيا والمغرب وأمريكا اللاتينية وبشكل خاص المكسيك التي تأخذ مساحة أكبر تناسب مدة العمل فيها لسنوات. هنا ليست الاكتشافات من الكتب فقط ولكنها من الأسفار وملاقاة البشر ومصاحبتهم من كافة الأديان والطوائف، وغالبا ما تحدث مفاجآت كثيرة مثل راهب يغير حياته ويتمرد علي نمط ارتضاه بعدما صاحب أسرة صغيرة قادها الدكتور صلاح فضل في رحلة وعرة في المغرب وشمال أفريقيا في شراكة حياتية نادرة حتي ولو كانت مؤقتة، تصنع هذه الشراكة مفاجأة سردية ربما لا تنتجها المخيلات الروائية المحترفة أو القاصدة إلي الإدهاش وصنع المفاجآت عبر ما قد تفاجئ به الحياة نفسها البشر من التبدلات المصيرية الناتج عن تقابل الحضارات والثقافات وتحاورها. الكتاب يؤرخ لكتب الدكتور صلاح فضل بترتيبها في مسيرة عطائه، ويكشف عما وراء الكتابة وما قد يخفي من الملابسات التي أحاطت هذه الكتب ودفعت إليها أو جعلتها بهذا الترتيب وكيف أنها شكلت تجاوبا مع مستجدات النظرية النقدية في العالم وبخاصة المدرسة الفرنسية الرائدة وكيف ساعد موقعه فيها لمدة سبع سنوات في تحقيق هذا الربط وذاك التجاوب وكيف كانت تتبدل اهتماماته أو تتشكل بحسب لقاء أو رأي من صديق أو معلومة يصل إليها في أحد الكتب أو أحيانا يقود لها القدر بشكل غامض. ويتضح كذلك كيف كانت تتجاور اهتمامات التأليف مع العمل العام والمهام الحياتية والوظيفية الأخري، وعموما كلها معلومات طريفة بالنسبة للناقد الشاب الذي قد يقرأ هذه السيرة ولديه حال من التخبط أو لا يعرف لنفسه مسارا أو خطة في هذا المجال ولا يعرف من أين يتاح له ترسيم خطة مستقبلية لمشروعه. الكتاب حافل بالإشارات الضمنية التي توضح المصادر التي تشكل وعي الناقد الأدبي والثقافة المتنوعة التي يحتاج لها، وكيف أن إرادته وعقله قاداه بوعي وربما دون وعي إلي إكمال هذه الجوانب المتصلة والمشكلة لعقل نقدي يتسم بالشمول وتعدد زوايا الرؤيا ويملك إطارا فكريا وطموحا تنويريا يتحول إلي شكل عملي بعيدا عن الحديث حول التنوير نفسه دون تناول أدواته الفاعلة كما يكون الحال عند بعض الفلاسفة أو المفكرين في الوطن العربي وهو ما لا يكون له تأثير في النهاية أو يكون تأثيره محدودا في أفضل الأحوال. أما في هذا الشكل العملي من مدّ روافد التنوير عبر النقد الأدبي والفكر النقدي بشكل عام فهو ما يصبّ في مجالات عدة سياسية أو اقتصادية أو ترتبط بالتعليم والسلوك الاجتماعي. يبدو الدكتور صلاح فضل وفق هذه السيرة الفكرية نموذجا ثقافيا يُقلِّب بصره وفكره في المجتمع بشكل عام وفي كافة أوضاعه علي نحو ما نري مع وقفاته مع بعض المسائل الفقهية المجددة أو نقيضها من الفتاوي الغريبة، أو الأنماط الاستهلاكية أو علاقتنا بالآخر أو سلوك الرجل مع المرأة أو موقف الإنسان المصري أو العربي من الحب وعلاقته بالمرأة وكيفية تعاطيه معهما.
تتبدي في الكتاب كذلك الصورة التاريخية المتحركة للمكان سواء القاهرة بشوارعها وجامعاتها وأماكنها العام وبعض أحيائها، وكذلك الصورة التاريخية للجامعات وصداماتها أو طموحها أحيانا وبعض رجال هذه الجامعات والمثقفين وأدوراهم المختلفة في التطوير والتغيير أو النقيض من الهدم وغياب الإضافة والتأثير، وكل هذا يتم عرضه بتكشف ومصارحة غير محدودة فيما أظن. في مواضع كثيرة من الكتاب يغلب سرد مشهدي طريف يصبح من آثاره أن يجد القارئ نفسه شريكا وحاضرا في هذه المشاهد، سواء في مجلس الأهواني أو بعض المقابلات للدكتور بمسئولين أو أصدقاء، أو في رحلته بأسرته مع الراهب يجوب شمال أفريقيا أو في دراسته وعمله في إسبانيا أو في المكسيك مثل موقف مجالسته وسهرته مع إحسان عبد القدوس أو زيارة جيهان السادات للمكسيك أو مدة العمل مستشارا ثقافيا في السفارة المصرية بمدريد وأنشطة العمل ومعارض الكتب أو غيرها من الفاعليات والمواقف الطريفة التي يحدث فيها صدام أو مواقف أقرب للسينمائية وهي من الواقع والحقيقي ولكن السرد يحولها عبر نمط خاص من العرض إلي هذا الطابع الطريف المضحك أو المشوق، مثل حادث إخبار مجهول بوجود قنبلة في معرض الكتب العربية الذي أقامته السفارة في إسبانيا وكيف تم التعامل مع الأمر، والحقيقة أن القارئ قد يجد نفسه شريكا في أحداث هذه السيرة ويصبح جزءا منها بالقراءة وما تفرضه عليه الكتابة من حال الشراكة الفكرية عبر المسائل التي يتم طرحها عليه بوصفها شواغل ممتدة وتستدعي التأمل لأنها جزء من التاريخ المشترك للإنسان المصري أو العربي بأزماته وقضاياه. في الكتاب عديد المعارك الأدبية والثقافية المهمة والجوهرية التي تتأسس علي أسئلة ممتدة يجدها القارئ حاضرة حتي اللحظة وكأن الزمن لا يتغير عندنا نحن العرب بشكل خاص. معارك عديدة في هذا الكتاب بين إرادة الفعل وغياب هذه الإرادة، بين الرغبة في الإنجاز وروح الكسل والاستكانة التي يجد الدكتور صلاح فضل نفسه محاطا بها في عديد الأماكن ولكنه علي الدوام يحاول ولا يهدأ حتي ينجز، فكأننا طوال الوقت مع نموذج فريد ونوع خاص من البشر يصارع بنية شاملة من التكلس والصدأ والجمود أحيانا. روحا وثابة في مقابل نفوس مطمئة هادئة لا تفكر في شيء أبعد من قوت يومها. نطالع إنسانا لا يهدأ ويطمئن، يتجلي ذلك في رؤيته للعميد وكيف أنه لم يأخذ حقه في التأبين والتقدير ربما حتي هذه اللحظة، وكيف كانت محاولته مختلفة وكيف حاول وصل مسيرة طه حسين بورثته الحقيقيين متمثلين في مدرسة مجلة فصول النقدية الناشئة وقتها والراسخة الآن ليؤكد الزمن بعد النظر ودقة الرؤية.
في نسيج هذا الكتاب يتجاور الحياتي الهين أو الإنساني مع العلمي والمعرفي والتخصصي وتتضافر لغة الحياة اليومية ومواقفها وحكاياتها وطرائفها مع اللغة الأكاديمية والنقدية وبعض الآراء النقدية المتخصصة حول تطور الشعرية العربية أو بعض الآراء النقدية المتخصصة حول نص أو قضية أو فكرة أو نظرية. لكن ربما الأكثر جمالا أن هذا التداخل بين لغات تبدو من مستويات متناقضة يأتي في إطار من السلاسة والعفوية والتدرج المنطقي والتحول الطبيعي من جانب حياتي إلي آخر دون فوارق أو فجوات بعيدة، وربما أسهمت العناوين الفرعية في مسألة الربط السلس والمنطقي لوحدات الكتاب السردية ومحتوياته، وصنع التكرار لبعض الوحدات الإنسانية مثل لمحة القواميس ذات الشعور الذهبية عن الحسناوات اللائي يمكن تعلم اللغة الإسبانية منهن بشكل أسرع، ومثل فكرة اليتم أو الاستباق أحيانا بأن يأتي موقف من مدة العمل في السفارة ملحقا ثقافيا في سياق سرد بعض الأحداث السابقة في أثناء مدة الدراسة في مدريد وجمع هذه المواقف المتشاكلة والمتناظرة واستدعاء بعضها لبعض كل هذا يصنع روحا شعرية تمسك بكل وحدات الكتاب وتجعله نهرا متدفقا في رتم (tempo) هو فيما أظن نابع من الروح الوثابة والقلقة بحمولات الطموح وأسئلة الإصلاح التي اتسم بها السارد. في لوحة هذا الكتاب العريضة تتبدي بورتريهات عديدة لشعراء العربية الكبار وأدبائها البارزين مصحوبين برأي الدكتور صلاح النقدي الإجمالي الذي هو أقرب لريشة فنان يقدمهم وفق تصوره الخاص لهم ويرسخ حالا تأريخية أدبية ربما غير مسبوقة في إطار هذا الشكل من المصارحة التي تتحرر من قيود الانضباط الأكاديمي وتلتحف بروح المغامرة التي تنبع من جلسات النميمة أو البرامج الحوارية والفضفضة والصراحة التي يتلبس بها هذا السرد في كتاب (عين النقد). والحقيقة أن الكتاب جدير بتأمل طويل ويستحق في تقديري بحثا ودراسة مكثفين لأن ما به من الفوائد يتواري  تحت طبقات من التهوين أو ما قد يبدو عابرا وسلسا ولا يزيد عن الفضفضة في حين أن حقيقة الأمر أبعد من هذا بكثير.