رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

أمهات الثورة في أفريقيا:بطلات زيمبابوي المجهولات!


د. عواطف عبد الرحمن
5/17/2019 11:14:53 AM

مئات الآلاف من النساء في مختلف مدن وقري الجنوب والغرب والشرق الإفريقي قدمن أرواحهن وأبدانهن فداء ولم يسجل التاريخ أسماءهن بل اكتفي بذكر أسماء وبطولات الرجال. وأذكر بهذه المناسبة كتاب (أمهات الثورة) الذي أصدرته مجموعة من الطلائع النسائية في زيمبابوي بعد حصولها علي الاستقلال عام 1980 رصدن فيه بطولات وتضحيات ما يقرب من 500 امرأة حافظن علي استقرار وتماسك المجتمع ومنظومة القيم الإفريقية في زيمبابوي خلال فترة الكفاح المسلح ضد نظام »إيان سميث»‬ العنصري وأثناء غياب الرجال في الجبهة واعتقال الزعماء (جوشوا نكومو ورفاقه من قادة حزب الزابوا) ونفي الآخرين (موجابي وقادة حزب الزانو).
وتتمثل بطولات نساء زيمبابوي المجهولات في زيمبابوي علي امتداد سنوات طويلة. ولا أنسي لقائي مع السيدة »‬شينا مانو» وزوجها من قادة النضال الوطني في زيمبابوي وقد أمضيا في سجون المستعمر العنصري 15 عاما دفاعاً عن حقوقهما الوطنية وتركا أطفالهما الثلاثة في رعاية الجيران من نساء القبيلة اللاتي منحنهم الرعاية المادية والمعنوية وزوّدنهم بمعين لا ينضب من الصمود والانتماء للوطن. لقد أصبحوا بعد استكمال دراستهم بعد الاستقلال أطباء وصارت شقيقتهم أخصائية اجتماعية تعمل في أحد ملاجئ الأيتام لرعاية أبناء الشهداء في حرب التحرير.
ويحضرني لقاء طويل مع الصديقة الراحلة »‬سالي موجابي» حرم رئيس جمهورية زيمبابوي التي تركت وطنها الأول غانا، وجاءت مع زوجها إلي زيمبابوي وكانت قد عاشت مع زوجها قصة حب فريدة أثناء وجوده بالمنفي في غانا. وتولت رئاسة الحركة النسائية في زيمبابوي وقد حدثتني بصراحة شديدة عن الحصار الاجتماعي الذي يطوق المرأة الزيمبابوية، وعدم تقدير تضحياتها أثناء حرب التحرير بسبب سطوة الثقافة الذكورية التي تهمش نضال آلاف النساء وتحاول إعادة المرأة إلي دورها العبودي السابق علي مرحلة النضال الوطني. وتحدثت طويلاً عن ضرورة البدء في إعداد حملات ممتدة لتحرير عقول النساء والرجال من تركة الموروثات الثقافية والاجتماعية التي تجرهم وتجر معهم مجتمع زيمبابوي بكامله إلي الوراء.
قالت: إن التعليم ومشاركة المرأة في النضال الوطني وفي مختلف الأنشطة المهنية والاجتماعية علاوة علي مسئولياتها الأسرية.. كل ذلك لم يشفع للمرأة ولم يغير نظرة الرجل والمجتمع لها بل ظلت أسيرة النظرة الدونية من جانب المجتمع القبلي الذكوري الذي لا ينظر إليها كشريك كفء للرجل، ولكنه يعتبرها أداة لإمتاع الرجل وتلبية احتياجاته وإنجاب وتربية أطفاله وخادمة مطيعة لأوامره وليس من حقها أن تثور أو تتمرد علي هذا الوضع المفتقر للعدالة والإنصاف بل يعتبر الطلاق بالنسبة للمرأة مرادفا للجحيم والنبذ من المجتمع!
وتتعجب »‬سالي موجابي» من خضوع كثير من النساء لهذا المنطق الذكوري المعوج وكانت تري أن مأساة المرأة الإفريقية تكمن في إذعانها للوضع المزري الذي ورثته عن الجدات والأمهات علاوة علي عدم ثقتها بنفسها وعدم تقديرها للأدوار البطولية التي تقوم بها سواء داخل الأسرة أو بالنسبة للمجتمع ككل.
أما »‬ويني مانديلا» فقد تشاركنا علي البعد في إنشاء لجان للدفاع عن »‬مانديلا» والمطالبة بالإفراج عنه وظلت المراسلات بيننا لعدة سنوات سبقت إطلاق سراح »‬مانديلا» ثم التقينا في قاعة الاحتفالات الكبري بجامعة القاهرة عند حضورها برفقة زوجها الزعيم مانديلا للحصول علي الدكتوراه الفخرية في العلوم السياسية التي منحتها له كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، دعوتها إلي منزلي بقليوب لتناول فنجان من الشاي مع والدتي الراحلة بهية فهمي التي استقبلتها بحفاوة بالغة وحدثتها عن »‬شفيقة محمد» أول شهيدة برصاص الاحتلال البريطاني في ثورة 1919وعن كفاح »‬هدي شعراوي» و»سيزا نبراوي» والأمهات المصريات الصامدات، ثم قدمت لها هدية ثوباً فلسطينياً كانت قد أهدته إلي»فاطمة البرناوي» المناضلة الفلسطينية عقب خروجها من السجن الإسرائيلي حيث أمضت عشر سنوات بتهمة تفجير أحد دور السينما في فلسطين المحتلة.
تحدثت »‬ويني مانديلا» عن نضالها كأم وزوجة ومواطنة إفريقية خلال ربع قرن فترة اعتقال الزعيم مانديلا في جزيرة روبن عندما ترك لها طفلتين كبراهما في الرابعة من عمرها والثانية عامان وشرحت لنا كيف انغرست في صفوف الفقراء ومنحت جل طاقاتها وكيانها للدفاع عن حقوقهم وكرامتهم وحقوق وطنهم في السيادة وكيف تعلمت منهم الكثير حينما التحمت بتفاصيل معاناتهم وكفاحهم اليومي من أجل البقاء بهامات مرفوعة في وطن اغتصبه البيض ونهبوا موارده وتحكموا في مصائره علي مدي 350 عاما هي عمر نضال شعب جنوب إفريقيا ضد البيض المغتصبين القادمين من الشمال.
كما تحدثت ويني عن معاناتها عندما كانت تقوم بزياراتها الدورية لزوجها الزعيم إذ كانت تقطع الرحلة من جوهانسبرج إلي كيب تاون وسط قيود شديدة الصرامة وكانت تستقل قاربا بخاريا من شواطئ كيب تاون إلي السجن المعزول في جزيرة روبن (کoben Island). ولم تكن المسافة البحرية تزيد علي خمسة كيلو مترات ولكنها كانت مليئة بالدوامات البحرية القاتلة وقد جربت بنفسي هذه الرحلة المرعبة خلال زيارتي لكيب تاون عام1996 حيث كانت الباخرة الصغيرة تعلو وتهبط مثل الريشة في مهب الريح خصوصا عندما اقتربت من الجزيرة. وتكمل ويني حديثها ذا الشجون وتقول: (كنت أري مانديلا لمدة ساعة لا تزيد وأدفع ثمنها أسبوعاً طريحة الفراش بسبب الدوار وآلام المعدة التي كانت تنتابني عقب كل زيارة).
وقد أتيح لي أن أشهد لحظة طلاق ويني من مانديلا أثناء زيارتي السرية الأولي لجنوب أفريقيا في مايو1991 عند عودتي من ناميبيا التي شهدت احتفالات استقلالها بدعوة من الزعيم »‬سام نجوما» رئيس ناميبيا. وعندما وصلت إلي المبني الضخم الذي يضم حزب المؤتمر الإفريقي ويقع وسط مدينة جوهانسبرج أمام صحيفة (ستار) استقبلني رفاق الكفاح الإفريقي الذين عرفتهم وعاصرت نضالهم في القاهرة (5 ش حشمت بالزمالك مقر الجمعية الإفريقية) علي امتداد سنوات طويلة وخرج الزعيم مانديلا من الاجتماع، وأخبروني أن هذا الاجتماع قد انعقد علي عجل لاتخاذ قرار سياسي خطير يقضي بإعلان طلاق الزعيم مانديلا لزوجته ورفيقة نضاله ويني، وذلك حفاظاً علي استمرارية المفاوضات من أجل إلغاء النظام العنصري وتحقيق استقلال جنوب إفريقيا خصوصاً بعد أن تصاعدت الحملات المعادية التي استهدفت جر الزعيم إلي المحاكم دفاعاً عن زوجته التي لفقوا لها الاتهامات المزيفة لتشويه نضالها. ولم يكن هناك حل سوي إعلان الطلاق بناء علي رغبة وموافقة ويني التي ضحت بكل شيء من أجل كرامة وسيادة وطنها الإفريقي.
وتأتي في الخاتمة قصتي مع الدكتورة »‬ونجاري ماتاي» التي سعيت إلي لقائها عام 1988 أثناء زيارتي لكينيا بعد أن سمعت وقرأت عنها الكثير خصوصا كفاحها البطولي من أجل الحفاظ علي البيئة ونجاحها في إقامة الحزام الأخضر حول العاصمة نيروبي وسائر المدن الكينية وحملاتها المكثفة من أجل حماية المساحات الخضراء ومعاركها الجسورة في مواجهة السلطات الحاكمة وتجار الأوطان وأخيرا نجاحها في زرع 30 مليون شجرة في مختلف أنحاء إفريقيا.
حدثتني بنبرة لا تخلو من الأسي الممزوج بالكبرياء والإصرار، وكانت تطل من عينيها نظرات الثقة والتفاؤل الذي لم أصادفه لدي امرأة أو رجل من قبل قالت: (هل تتخيلين أن ما تعتبرينه أنت وغيرك من آلاف الإفريقيات قوة إرادة وصلابة في الحق وإصرارا علي قهر الموروثات المتخلفة وأطماع الحكام والتجار لحماية حقوقنا المشروعة في بيئة نظيفة تكسوها المساحات الخضراء وتظللها أشجار الياسمين والمانجو.. كل هذه الصفات اعتبرها القاضي حيثيات مقنعة لحسم دعوي الطلاق لصالح زوجي الذي اعتبرني مسترجلة ولا أصلح للاستمرار معه في حظيرة الزواج التقليدي ولكن هذا لن يثنيني عن الاستمرار في طريقي) وبالفعل واصلت وانجاري ماتاي نضالها وأكملت تربية أبنائها الثلاثة وقدمتهم هدية لمجتمعها الذي لم تبخل عليه بل منحته الكثير وألهمت أجيالاً كاملة من النساء الإفريقيات في مجتمعات ذكورية تشتد حاجتها لنضال ملايين النساء والرجال المستنيرين والقادرين علي إنجاز التغيير الحقيقي.