رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

انفراد: قصائد ومسرحية جديدة لمجدى الجابرى


حسن عبدالموجود
5/17/2019 1:10:24 PM

فى 22 مايو 1999 قرر مجدى الجابرى، الذى كان يغطُّ فى ظلام غيبوبة عميقة أن يستسلم، وأعلن الأطباء أنه لن يفتح عينيه مرة أخرى. مرت عشرون عاماً على رحيله لكنه مع هذا ما يزال جديراً بإثارة الدهشة. ترك خلفه كثيراً من الدواوين والكتب، أكدت تفرده كشاعر طليعى، وأيضاً كباحث وناقد ومسرحى. كانت لديه أحلام ضخمة للأدب لكنَّ الحياة - التى آلمته وعذَّبته وقهرته كثيراً - قررت ألا تمنحه ولو قليلاً من الضوء، بل كتبت نهايته المأساوية.
استطاع الجابرى بما أنجزه، فى الفترة القصيرة التى عاشها، أن يغيِّر شيئاً من المزاج السائد والمستقر فى الذائقة الشعرية، وهو لم يصل إلى قناعته عن قصيدة «اليومى والعابر»‬ إلا بعد أن جرَّب كثيراً، وقد بدأ من الأوزان، حيث كتب قصائد التفعيلة، ومنها ما ظل حبيس أجندة لسنوات فى شقة «‬أرض اللواء»، إحدى الشقق التى كانت شاهدة على معاناته المستمرة وعدم استقراره أو شعوره بالأمان، وهذه القصائد غير المنشورة، ورغم أنها تعود إلى عام 83، إلا أنها تكشف، على بساطتها، القفزة الواسعة التى حققتها تجربته ذات الطموح الباذخ، فى دواوينه التى نُشرت بعد ذلك، سواء فى حياته أو بعد رحيله.
وقد سخر مجدى، فى تلك القصائد المكتوبة منذ ٣٦ عاماً من الأنماط، رغم أنها موزونة: «‬فاكرة إن الشعر تفعيلة وبحر، والصور متلفقة من صُنع عقل، والحصيلة م المشاعر نص صفر، لسه فاكرة الشعر ده قالب وشكل»، والشاعر الذى كتب العامية السابقة ببراعة، هو الشاعر نفسه الذى كتب الفصحى بنفس التمكن والإجادة: «‬قد نجهل كنية شىء ما، لكن.. حين نقامر بالإحساس أو التفكير، نتوحد فيه». فى هذا البستان تنفرد «‬أخبار الأدب» بنشر قصائد جديدة لمجدى الجابرى، وكذلك مسرحية من فصل واحد، ومعها صور ضوئية بخط يده، وبطاقته الشخصية، وكارنيه العمل الخاص به فى هيئة قصور الثقافة، وكذلك صور تجمعه بحبيبته وزوجته الكاتبة صفاء عبدالمنعم، وأيضاً حكايات عنه، حكايات تكشف جانباً من تلك الرحلة الممتعة والشاقة والمخيفة التى عاشها وكابدها واحد من أهم الشعراء المصريين.

«‬أخبار الأدب» حصلت على أجندة شعرية للجابرى تعود إلى عام 83:

أوراق «‬أرض اللواء»

قابلتُ مجدى الجابرى مرتين، الأولى فى أحد شهور عام 96 فى هيئة قصور الثقافة، سلمت عليه فابتسم لى، وشعرت أننى أتطلع إلى أحد وجوه الفيوم، وبدت أسنانه البنية الكالحة مثل سور من أخشاب قديمة غير منتظمة، والمرة الثانية كانت أثناء تلقيه العلاج الكيماوى، فى أحد المستشفيات. كان يجلس على طرف السرير، بينما تحاول زوجته الكاتبة صفاء عبدالمنعم أن تقنعه بتناول شىء ما، لكنه كان يهز وجهه، بمعنى أن لا عليكِ، وينظر لى مُرحباً ومبتسماً نفس الابتسامة القديمة، كأننى ضيف عليه فى بيته العامر. مات مجدى وتبقى لى من هذا اللقاء صورة لا تفارقنى، صورة تجمع تلك الزوجة المحبة والمخلصة، وذلك الشخص الواهن الذى بدا الورم واضحاً - أو هكذا خُيل لى - فى زوره، واستسلامه البالغ لمصيره، وطفلتين تلهوان بالقرب منه، هاميس، (٧ سنوات)، لا تعرف أنه لن يكون بمقدورها، مرة أخرى، أن تندفع كطلقة، كما كان يحلو لها، مرتمية فى حضنه، ومىّ (عام وبضعة شهور)، وكان ضجيجها المرح يزعج الموت. كنت أشعر بوجوده الثقيل والمخيف فى الغرفة.
كانت هذه لحظة الفراق، لكن ماذا عن لحظة البداية؟ كيف كانت الشرارة الأولى التى خلقت هذه الأسرة الجميلة المنكوبة؟

الإجابة قادتنا إلى تكوين صورة دقيقة لحياته وحتى وفاته، وقادتنا كذلك إلى شقة «‬أرض اللواء» حيث عثرنا على أوراقه المهمة.



هاميس تحمل مى.. طفلة تحمل طفلة

صفاء عبد المنعم: قال لى «أنتِ حرة» قبل دخوله بلحظة فى الغيبوبة

تعرفت صفاء على مجدى لأول مرة فى الثمانينيات، حوالى سنة 83، بالتوازى مع كتابة قصائد البدايات، وكان ذلك فى مركز شباب المنشية الجديدة بشبرا الخيمة، حيث كانت تنعقد ندوة أسبوعية، كل يوم ثلاثاء، وكان تحضرها فى ذلك الوقت مجموعة من الشباب، وقد جاء مجدى بصحبة الشاعر محمود الحلوانى، بعد تعارفهما فى رحلة معسكر شباب بالإسكندرية، وصارا صديقين منذ ذلك الحين، ويومها ألقى قصيدة كانت غريبة عما يكتبه رواد الندوة، فى لغتها، «‬كانت مدهشة ومربكة»، تقول صفاء عبدالمنعم وتضيف: «‬لدرجة أنها أعجبت البعض بحذر، ورفضها البعض الآخر». لم يكررها مجدى، انقطع تماماً، ربما لعدم الترحاب الجيد بقصيدته، إذ أنها تخالف السائد والمستقر،  تعلق صفاء: «‬أذكر ردود الفعل المختلفة وقتها حول القصيدة، لقد تصاعدت همهمات البعض، كانت بعض العيون تنطق بالإعجاب لكن ذلك لم يُترجم إلى كلام واضح، وبالتالى يبدو أن مجدى اتخذ قراراً بعدم العودة، غير أنه لم يقطع علاقته بصديقه محمود الحلوانى، الطيب والهادئ، والذى ربما يشبه مرآة حقيقية له. كانا متوائمين للغاية، ولم يفرق بينهما سوى الموت، وهكذا تكون الصداقة الحقيقية».

عاد الجابرى للظهور مرة أخرى فى مجال صفاء، ظهر مثلاً أثناء مناقشة مجموعة قصصية لها فى قصر ثقافة شبرا الخيمة، وخلال تلك الفترة كان قد تعرف على مجموعة جديدة من الأدباء فى ندوة الغورى، وغيرها من الندوات التى كانت صفاء لا تعرفها، وتأكدت من أن خريطة أصدقائه تمددت بعد ثلاث سنوات على واقعة ندوة مركز الشباب، أى فى 86، عام انتفاضة الأمن المركزى، فقد جاء بصحبة الكاتبة ابتهال سالم عند صديقتها سهير المصادفة، بعدها أقيمت ندوة فى نادى بهتيم الرياضى، وأصبح واحداً من روادها، تقول: «‬داوم على تلك الندوة، وتعرف على مجموعة أكبر من شباب بهتيم، وصار له أصدقاء كثر هناك».


مجدى وصفاء فى الخطوبة مع أولاد الجيران

مجدى لم يلفت انتباه صفاء كثيراً خلال تلك الأعوام الثلاثة، واستمر الأمر لعام رابع، أى حتى 87، كانت لقاءاتهما عارضة، ولم تكن تراه خارج قاعات الندوات، لكنها شيئاً فشيئاً بدأت تحفظ ملامحه، وطريقته فى الكلام، وفى إلقاء القصائد، وأصبحت تعرف أصدقاءه، وتلحظ التطور فى علاقتهم، وذاكرتها لا تسعفها فى ذكر كل الأسماء التى عرفها سواء فى بهتيم أو شبرا الخيمة، لكنها على سبيل المثال تعدد بعض الأسماء، سمير فوزى، صبحى شحاتة، سيد الوكيل، عربى أبوسنة، سعيد شعيب، محمود الحلوانى، وهناك بالطبع كثيرون هجروا الكتابة وأخذتهم مشاغل الحياة، وبالتالى انطمست ملامحهم فى ذاكرتها بعد كل هذه السنوات.

صديقها سمير فوزى نصحها بالمرور والمشاركة فى ندوة محمد جبريل، ومقرها بجريدة المساء فى مبنى دار التحرير القديم، ذهبت صفاء إلى هناك وأعجبتها، وبالتالى واظبتْ على الحضور كل يوم أربعاء من الساعة 3 ظهرا حتى 6 مساء، وقد تعرفت على مجموعة كبيرة من الأدباء الشباب، ومنهم يسرى حسان، ومسعود شومان، ومؤمن حسن، تقول: «‬كانت ندوة ثرية وفيها روح ديمقراطية حقيقية، كنا نطرح أراءنا بشكل حر وبدون أن نخشى شيئاً، فقد كان الأستاذ محمد جبريل متعه الله بالصحة والعافية لا يتدخل إطلاقاً سوى فى إدارة الجلسة، ويستمع باهتمام شديد إلى رأى الشباب حتى لو كان ضد هذه الأفكار، ولو اخترت سمة مناسبة للتعبير عن هذه الندوة فهى: حرية التعبير، وحرية الكتابة، وحقيقى هذه الندوة ساهمت فى بناء الكثيرين فكرياً وثقافياً، وأنا واحدة منهم».
بدأ مجدى يتقرب من صفاء، وصفاء راقها الأمر، وكانا يخرجان من ندوة المساء ويذهبان إلى نادى الغورية بقصر ثقافة الغورى، مع شلة كبيرة، طاهر البرنبالى، ناجى شعيب، يسرى حسان، ومحمد الحسينى، وكثيرين جداً، من أبناء جيل الثمانينيات، كانوا يجلسون كذلك على مقهى البستان، وأصبح لهذه المجموعة وجود يومى وانضم إليهم إبراهيم داود، وإبراهيم عبد الفتاح، وحسن رياض، وأسامة شهاب، ومجدى السعيد، وفى البستان تعرفت صفاء، وهى على بُعد سنتيمترات من مجدى، إلى إبراهيم فهمى، وإبراهيم فتحى، وأنور كامل، وسناء المصرى، وأروى صالح، وإيمان مرسال، وياسر الزيات، وصادق شرشر.




  

ثلاث صور لثلاث مراحل مختلفة من حياته

تحكى صفاء: «‬وفى يوم من الأيام كنا بندوة بهتيم، وطلب منى أن نلتقى على انفراد، وكان ذلك يحدث لأول مرة، أن يطلب هذا الطلب، كنا فى ليلة رأس السنة عام 87، أى أن اللقاء سوف يكون فى 1يناير 1988، الساعة 10 صباحاً على محطة أتوبيس 26 بالمظلات».

وكانت المفاجأة.

انتظرتْ صفاء ساعتين كاملتين فى محطة الأتوبيس، وشعرت بغرابة الموقف، وربما سخافته، فلم يحدث أن انتظرت أحداً هكذا لمدة طويلة، ثم إن هذا الأمر ينم عن استهتار بشكل ما، وبما أنها كانت تعيش، وقتها، فى المطرية، قررت العودة إلى البيت، نهضت فى تمام الساعة 12 ظهراً واستقلت باص المطرية. كانت قد فقدت كل أمل فى حضوره، ولامت نفسها بقسوة على موافقتها منذ البداية على اللقاء.

ولكن على طريقة الأفلام المصرية القديمة لاح الأمل بمجرد تحرك الباص، فقد لمحته بذقنه الطويل، وشعره المهوَّش، و«‬شنطته اللى على كتفه»، وخطوته المرتبكة، والسيجارة فى فمه، يسير الهوينى بالقرب من محطة الأتوبيس، ويتلفت حوله باحثاً عنها: «‬مجدى لم يرنى، لأنه ذهب باتجاه ترعة الإسماعيلية، واتخذتُ القرار فى لحظة وقررت النزول من الباص، ولم أعرف لماذا فعلت ذلك، بعد أن دفعت الأجرة، ووقف الباص أمامه تماماً، نظر إليَّ بهدوء، واستمع إلى تأنيبى الغاضب ولومى القاسى، على انتظارى لمدة ساعتين لجنابه، لكنه اعتذر بشدة، وبأدب جم، وقال ببساطة إنه كان سهران ليلة رأس السنة عند صديقه مجاهد الطيب فى عين شمس، وسامحتُه، وذهبت معه رغم أننى لم أسامح أحداً من قبل بهذه السرعة، فأنا شخص غضوب، شديدة الصمت، ولا أنتظر أحداً».

وبعد أن انقشعت عنها غيمة الغضب سألته: إلى أين نذهب؟

وقال لها: «‬لا أعرف، ليس لديَّ مكان معين، لكن عندى رغبة كبيرة فى الحديث معك».
واقترحت عليه أن يذهبا إلى نقابة المعلمين فى برج القاهرة، على اعتبار أنها عضوة فيها، وأكدت له أنه مكان ساحر، وأنه توجد كافتيريا جميلة بالدور الثانى، تطل على النيل، أمام حديقة الأندلس مباشرة، ووافق فوراً، فيبدو أنه لم تكن لديه خطط بديلة، واستقلا أتوبيس 26 من المظلات إلى التحرير، وعبرا كوبرى قصر النيل، ووصلا إلى النقابة، وعند الباب، أقدمت صفاء على شىء غريب بالنسبة لمجدى، فقد فوجئ بها، كما تحكى، تضع يدها فى يده بكل ثقة وجرأة، لكنه فهم الأمر بسرعة، كانت تريد من موظف الاستقبال أن يسمح له بالدخول معها، خاصة وأنه سألها بلهجة حازمة: على فين يا أستاذة؟ وردت بثقة وقوة حتى لا تثير ريبته: أنا عضوة فى النقابة، وده خطيبى، عندك مانع؟

يومها أفسح لها الرجل الطريق، وقال بكل أدب: «‬اتفضلى يا أستاذة»، وصعدا معاً إلى الطابق الثانى، وجلسا فى الكافتيريا المطلة على نهر النيل وحديقة الأندلس: «‬جلستُ أمام الإله حابى كى يكون شاهداً، وطلبتُ فطوراً ملوكياً، وشاياً، ثم اعتذرت له عن جرأتى فى وضع يدى فى يده أمام موظف الاستقبال لكى يسمح لنا بالدخول، قلتُ له: آسفة جداً. كان لازم اعمل كدا، عشان تعرف تدخل معى بكل ثقة واحترام، لأنك مش عضو فى النقابة، وممنوع الدخول لغير الأعضاء، وضحك ضحكة بسيطة طيبة، لن أنساها، ضحكة ليست ماكرة أو خادعة، أو تتلون حسب الموقف، ضحكة رأيتها صافية نابعة من القلب، وقال لى بكل بساطة وهدوء، وكأنه يريد أن يكفِّر عن ذنبه، بإبقائى منتظرة ساعتين: عادى، مفيش أى مشكلة»، وتُعلق: «‬قلت فى سرى يا الله، كيف لرجل فى هذا المجتمع الذكورى، الملىء بالخيبات، والعنطظة الفارغة، أن يقول لفتاة مثلى ناضجة، وتعى ما تفعله تماماً بكل ثقة: عادى، يا الله كثيراً».



مجدى وصفاء مع أحد الأصدقاء

بدأ يحكى لها عن تاريخه الشخصى منذ أن وُلد، ونجا من مذبحة الموت الذى كان يخطف أخوته الصغار، خاصة الذكور، كان أول ولد تُكتب له الحياة، وأخبرها كذلك أن له أختاً تكبره بعشر سنوات كاملة، ومتزوجة، وعندها طفلان، وله أخ أصغر فى كلية الهندسة جامعة القاهرة، وأخت تصغره بعشر سنوات أيضاً.

ظل يحكى ويحكى، وهى تصغى فى صمت.
حكى كأنه يقدم تقريراً مفصلاً عن حياته منذ الميلاد وحتى اللحظة التى يجلسان فيها، حكى كيف توفى والده، وتركه وهو فى الصف الرابع الابتدائى بمدرسة المقداد.
ثم ضحك بهدوء شديد وقال ببساطته: «‬على فكرة أختى الصُغيّرة اسمها صفاء، وانا بحبها جداً وبعتبرها بنتى، لأن أبويا مات وهى طفلة صغيرة». كان هناك الكثير من الألم فى حكاياته، ويبدو أنه خُلق ليتألم، ومع هذا لم يكن وجهه مرآة لما يشعر به أبداً.



رسائله تكشف عن رومانسية لم تكن موجودة فى قصائده

وظلا هكذا طوال اليوم، هو يحكى، ويدخن بشراهة، وهى تستمع له بإيماءة من رأسها أو تعبير يعنى أنها تفهم ما يقول. تعلق: «‬كان عذب الحديث، يأخذك، ويغرسك فى عالمه، كأنك تراه فى الماضى وكأنك عشت معه حياته لحظة بلحظة، طيب بشكل مفرط، ليست لديه عنجهية الشباب، ولا غرور الشعراء وتكبرهم، ويأخذك بسحر حديثه، وجمال صحبته، الذى يفوق جماله، بشعره الكستنائى الناعم، وعينيه اللتين تشبهان بحر العسل الصافى، وطوله الفارع. كان جميلاً فى هذا اليوم أكثر مما يجب. هادئ، بشوش، وعندما سألته: لماذا أنا تحديداً من اخترتها رغم أنه لا يوجد حوار مشترك بيننا؟ صمت لحظة، كأنه فوجئ بالسؤال، بينما كنتُ أنتظر الإجابة الشافية، ثم قال بكل هدوء: معرفش. فيه حاجة بتدفعنى تجاهك دفع».

كانت تتحدث عن شخص آخر غير الذى تعكسه قصائد دواوينه «‬أغسطس»، و«‬بالظبط وكأنه حصل»، و«‬عيل بيصطاد الحواديت»، و«‬الحياة مش بروفة» فهل كان شخصاً رومانسياً؟ تجيب: «‬نعم. كان رومانسياً إلى أبعد الحدود خاصة معى، أعتقد كان يحبنى بجنون مدفوع إليه، وهو لا يعرف لماذا؟ هادئ، متواضع، لا يفرض ذكورته أو رأيه علىّ، كنا نتناقش دائماً، الحوار بيننا كان الوسيلة الوحيدة المهمة عنده، وكانت لديه جملة عظيمة عندما كنا نختلف فى الرأى أو على أى شىء: يا تقنعينى، يا اقنعك. هذا كان أسلوبه دائماً، وكانت لديه درجة عالية من السمو والصدق الروحى والخلقى، ولم يتدخل فى اختياراتى، حتى ولو كان الأمر يتعلق بالأصدقاء، ولا ينهرنى حتى لو أخطأت. كان يصمت، ويتركنى لأكتشف خطأى بنفسى. كانت هناك أمور تتكشف لى فى طبيعته، فمثلاً إذا رآنى أقف مع صديق نتحدث، كان لا يغضب، ولا يسألنى عن ماذا نتحدث، كان لا يثور. وكنتُ أحب فيه هذه الطريقة، رقى التفكير، وعدم سوء الظن، الذى يحول حياة البعض إلى جحيم خانق. لم يعاملنى إطلاقاً كجسد يجب مواراته عن الأعين، ولكن كنتُ بالنسبة له نداً، شخصية وثقافة وكتابة وعلماً ومعرفة. أنا شخص عاقل لى ما له، وعلىّ ما عليه. لى مطلق الحرية فى الكتابة والاختيارات. كنتُ أشعر معه بالحرية المسؤولة، وأننى سعيدة، ولا ينقصنى شىء رغم أنه كان لا يملك مالاً كثيراً، لأنه فى ذلك الحين كان لا يعمل، وأصبحنا نذهب إلى الندوات معاً، وصار أصدقائى أصدقاءه، واتسعت رقعة المعرفة، وتشعبت الأحاديث بيننا إلى الفن والسياسة والثقافة والكتابة ..إلخ».



صفاء ومجدى فى الفرح.. ونظرة أمل لم تكتمل

كان مجدى يرسل إلى صفاء خطابات بشكل دورى. تقول: «‬فى البداية كانت خطابات محبة، ثم تحولت إلى طرح هواجس فلسفية وحياتية، كنتُ أقرأ الخطاب ثم نتناقش فيه بعد ذلك، ونتطرق من موضوع إلى موضوع، وبدا كأنه يفكر بالورقة والقلم، ولن أنسى موقفاً أغضبه بعض الشىء، وكتب ذلك فى رسالة مطولة، كنا فى طريقنا إلى مقهى السكرية فى الحسين، وعندما رأى بائع بطاطا، اشترى منه بجنيه كاملاً، فأعطاه البائع أكثر من قطعة كبيرة، وطلب منى أن آكل معه من هذه البطاطا الساخنة اللذيذة (بنار الفرن) كما يقولون، وأنا رفضت، ثم أخذت بعد ذلك قطعة صغيرة عندما شعرت بغضبه. كان يحب أن أقتسم معه جميع الأشياء التى يحبها، وغضبه سببه أنه يقدس المشاركة، كان يريدنى أن أعيش نفس الحالة التى يعيشها، ولكن كانت لدىَّ رغبات أخرى، وربما أُفضّل أشياء أو طعاماً عن طعام آخر».

وتضيف: «‬مرة أخرى ناقشنى مثلاً فى شراء الصينى وأوانى الطهى والثلاجة وغيرها، وغضب منى لأننى لم آخذ رأيه فى تلك الأشياء، رغم أننى اشتريتها قبل أن نلتقى، مثل جميع البنات، وحاولت إقناعه عبثاً بأنها موجودة فى بيتنا منذ سنوات طويلة، وصعب تركها أو بيعها مرة أخرى، خصوصاً وأننى البنت الوحيدة فى البيت، وسألته: لمن أتركها؟ كنتُ أشعر أحياناً أنه يُقحم نفسه فى كل شىء، ولكنى بعد ذلك أصبحت لا أغضب منه، واعتدنا أن يطرح كل منا وجهة نظره، وعلى الآخر أن يتقبل ما يشاء».



كارنيه نقابة الزراعيين


بطاقة التأمين الصحى الخاصة به فى الثقافة الجماهيرية

تذكر صفاء جيداً يوم جاء لخطبتها فى البيت، كانت أمها رافضة الموضوع تماماً، كيف ترتبط برجل لا يعمل، وليس لديه دخل ثابت؟ كانت صفاء مُدرّسة، وعندها راتب ثابت، وتحدت الجميع، بحسب حكايتها، ووافق أبوها بعد إصرارها البالغ، مع أنه، يا للغرابة، تقدم لخطبتها شخص كامل (جاهز من مجاميعه) فى نفس اليوم، وأخبرتها أمها أنه مهندس وعنده شقة، وسيدفع مهراً جيداً، وقد جاء قبل مجدى بساعات، ولكن صفاء رفضته. تقول: «‬كان يريد الزواج من أجل الزواج، ورفضتُ كثيرين لهذا السبب، كنتُ دائماً أقول لهم: أريد أن أتزوج رجلاً لا يفكر فى الزواج إلا عندما يرانى ويعرفنى، وكانوا يضحكون على أفكارى الخائبة، ويضحكون أكثر إذا بالغت فى قولى، وقلتُ أريد رجلاً لن يتزوج غيرى إذا رفضت الارتباط به. وقد كان، وجاء مجدى وقال لى هذه الجملة، كأنه سمعها منى عندما قلتها لهم: أنا لن أتزوج غيرك، ولم أفكر فى الزواج إلا عندما عرفتك، وقلت لأبى بقوة وشجاعة كبيرة أمام الجميع: بابا فيه شاب متقدم لى، وهو مش بيشتغل، ومعندوش دخل ثابت، وهو شاعر، وأنا موافقة».

يومها ضحك أبوها، وصمت لحظة، ثم سألها: «‬انتى موافقة؟» فأجابت: «‬أيوه».

فقال: «‬خلاص وأنا كمان»!
وقد كان، أقاموا حفلة صغيرة فوق سطوح بيتهم فى المطرية، وحضر جميع الأصدقاء، والأهل، وكانت ليلة جميلة.



أطلق على صفاء اسم «توتة» بعد الزواج

بحسب علاء خالد فإن «‬مجدى الجابرى منذ ديوانه (أغسطس)، وهناك غموض صوفى فى شعره، لا يُفسَّر إلا بأنه أحد تعقيدات الذات المثقفة التى تسعى لفك رموزها والإحاطة بالكون عبر تجربة إنسانية كبيرة، وهى سمة المناخ الذى كان سائداً فى مصر منذ الستينيات. حاول مجدى أن يوفق بين انحيازه للناس بالمفهوم الكبير الإنسانى، الذين ارتبطت حياته بهم، وفردانيته، كشاعر، كمـتأمل، كبرجوازى. أصبح البحث فى الوجود، فى الموت، فى أصل الإنسان، والتفتيش فى الخبايا الإنسانية للمدينة الكبيرة، هو ما يطمح إليه شعر العامية وقتها، بعد حضور نموذج فذ مثل صلاح جاهين، أدخل للعامية المصرية إحساس القصيدة، ومعها أدخل الهموم الوجودية للمثقف الحديث، وبدون أن يستدعى نموذج وأفكار طبقة معينة فى شعره، وإنما خلق آخر عابراً للطبقات»، وكلام علاء وقراءاتى لقصائده دفعتنى إلى سؤالها.. حكاياتك عنه تقول إنه كان شخصاً فى الحياة وآخر فى الكتابة، بسيط كإنسان، ولديه طموح غير محدود فى الشعر، فهل هناك تناقض ما؟ تجيب: «‬لا. مجدى الجابرى كان شخصاً متسقاً مع ذاته. شخصاً هادئاً وناعماً ومتسامحاً جداً، ومحباً للحياة والناس، وأنت تتحدث معه، تشعر أنكَ أمام ملاك أو رجل صوفى، زاهد، ليس لديه أطماع، أو أحقاد، متسامح لأقصى درجات التسامح، لديه أخلاق حميدة مدهشة، وعندما يتحدث فى أى موضوع، تشعر أنك أمام رجل موسوعى، عالم مخضرم، عليم ببواطن الأمور، صاحب نبوءات»، وتضيف: «‬لن تصدقنى إذا قلت لكَ، أنه تنبأ مبكراً بما يحدث الآن فى المنطقة العربية، وتوقع قيام ثورات، وسقوط رؤساء من قبل أن يحدث ذلك لأنه توفى عام 99، ومنذ يومين كنتُ فى زيارة إلى عمتى، فى حى المطرية، حيث تعيش هناك إلى الآن، وقالت لأولادها، وأولادى: لقد تنبأ مجدى الجابرى منذ سنين طويلة بما يحدث الآن، وكأنه نبى. مجدى الشاعر هو مجدى الإنسان، وليست لديه ازدواجية البعض، وكان لا يغضب من أحد مهما فعل، ولا يغير من نجاح أحد، وكان متسامحاً لدرجة مذهلة».



مجدى وصفاء فى أحد مصايف الإسكندرية

فى بداية زواجهما سكنا فى سنهور القبلية بالفيوم، كان عند مجدى وأسرته بيت جميل هناك، استقرا فيه لمدة أسبوع واحد فقط، وبسبب انقطاع المياه المتواصل، والكهرباء، أغلقا البيت وعادا إلى القاهرة، إلى حجرتها فى بيت أبيها وسريرها الصغير، كان من الصعب أن ينتقلا إلى محافظة أخرى، لأن امتحانات الملاحق كانت على الأبواب، وظلت صفاء فى مدرستها بمنطقة مسطرد، وهكذا عاشا عاماً كاملاً فى هذه الحجرة بالمطرية وسط أسرتها: «‬كانت من أروع السنوات التى عشناها، فقد أصبح أخاً وصديقاً للجميع»، بعدها قام الاثنان ببناء شقة صغيرة مساحتها 42 متراً تقريباً، عبارة عن حجرة وصالة ومطبخ وحمام، فوق السطح، وعاشا فيها لمدة 8 سنوات تقريباً من عام 89 حتى عام 95، فى هذه الفترة كانت أحلامه أن يكتب شعراً مختلفاً عن السابق، وجميلاً، وهو كان يعشق أشعار صلاح جاهين، وسيد حجاب تحديداً فى شعر العامية، وكانت لديه تجاربه الفصيحة، والأجندة التى وجدناها فى كراكيب شقة «‬أرض اللواء» وتضم قصائد غير منشورة له، كان يؤجل النظر فيها إلى حين، لكنه كان دائم الحديث عنها.



يحمل مى فى «سبوعها» عام 1998

ما الذى كانت تعنيه بالنسبة له فكرة الأبوة؟ تقول: «‬مجدى كان عكسى تماماً، أنا كنتُ رافضة إنجاب طفل لمدة خمس سنوات على الأقل، حتى نستطيع أن نربيه كما نحلم، خصوصاً وأن الدخل كان ضعيفاً، وكانت هناك بعض الديون بعد البناء، يجب تسديدها، كنت مقتنعة بأن ظروف الحياة لا تسمح بوجود طفل، وإذا حدث وجاء فبالتأكيد سيصبح عبئاً علينا، ونحن نعيش بالكاد فى هذه العلبة الصغيرة جداً، كانت إمكانياتنا بسيطة، يادوب عايشين، وحرام أن نظلم طفلاً معنا فى ظل هذه الظروف، خاصة أننى كنتُ أعمل مُدرّسة، وأعطى دروساً، وأذهب إلى الندوات، وأقرأ وأكتب».
هذه الشقة الصغيرة، مع ذلك، كانت تشهد ندوة أسبوعية، كل يوم جمعة، كانت ندوة مغلقة على مجموعة من الأصدقاء، شحاتة العريان، مجاهد الطيب، محمد بهنسى، مصطفى عباس، ومجدى وصفاء طبعاً، ولكن كل شهر كانا يقيمان ندوة موسعة «‬سوبر» يحضرها كثير من الأصدقاء، يناقشان فيها بعض القضايا، أو أحد الكتب الصادرة لبعض الأصدقاء. ناقشا على سبيل المثال، وكما تقول، كتاب لسناء المصرى، وديوان لإيمان مرسال، ومجموعة قصص لمنتصر القفاش، وغيرها، وأحياناً كانا يناقشان مسودات أيضاً.

وفى عام 1990، قبل غزو العراق للكويت بقليل (حرب الخليج الأولى) كان قد صدر لمجدى ديوانه الأول «‬أغسطس» وصدر لها ديوان قصص «‬تلك القاهرة تغرينى بسيقانها العارية» طبعة محدودة، 500 نسخة، عن سلسلة «‬إصدارات مصرية»، وكان يشرف عليها عبد العزيز جمال الدين، وفى ظل الرغبة فى اللمعان أدبياً، كانت فكرة الأمومة غائبة بالكامل عندها، أما هو فأصبح يفكر فيها بشدة، وبشكل ملح، تعلق صفاء: «‬ولا أعرف لماذا حتى الآن؟! كان بداخله هاجس قوى يدفعه دفعاً للإنجاب، هاجس غامض وغريب، تزامن مع معاناته من كثرة التدخين، وقد نصحة الطبيب فى إحدى المرات بالتقليل، كان مدخناً شرهاً، لا يترك السيجارة من يده، كان يدخن 100 سيجارة فى اليوم، وأحياناً أكثر».

وُلدت الابنة الأولى هاميس يوم عيد ميلاد أمها صفاء فى 27 ديسمبر 1992، وكان سعيداً للغاية بشكل لا يُصدق، لدرجة أنه بعد ولادتها بساعات، وبعد عودة صفاء من المستشفى إلى البيت، أحضر تورتة كبيرة، واحتفلا مع الأسرة، بعيد ميلاد الأم، وعيد ميلاد المولودة الصغيرة، التى تبلغ من العمر ساعات. تعود صفاء للحكى: «‬عشنا سعداء بالمولودة الجميلة، وفى عام 97 جاءت مى، ولقد سمَّاها (مى) على اسم مى زيادة، وقد فوجئت بهذا الاسم الجميل ولم أعترض عليه».



فرحته بطفلته هاميس لم تستمر طويلًا

تتذكر صفاء بعض المصاعب التى واجهاها معاً وكيف تغلبا عليها.

أولها أنه كان لا يعمل، وهى تخرج من البيت بانتظام، بما أنها تعمل، وفى ظل جلوسه فى البيت، أصبح ذلك يسبب له إحراجاً أمام أهلها، رغم أن صفاء لم تكن تبالى بذلك، إذ أنها كانت مقتنعة بما فعلته، كان الزواج به قرارها وكان عليها أن تتحمل نتيجة اختيارها. تحكى: «‬بعد فترة عرض عليه الصديق محمود الحلوانى أن يقوم بفتح كشك لبيع الكتب القديمة فى بهتيم، وقال له الحلوانى إن هذا الكشك ملك لأخيه وهو مغلق الآن، وبالفعل افتتحناه ووضعنا به بعض الكتب القديمة، وبعض قصص الأطفال، وقام والد محمود بشراء بعض الحلوى، ووضعها على الأرفف مساهمة منه، ولكن الوضع لم يستمر طويلاً، خاصة وأن الكتب نفدت، ولم يكن هناك بديل لها».

وثانيها أن مجدى عمل مصححاً ومحرراً لـ«‬الديسك» فى مجلة «‬الإذاعة والتليفزيون» بصحبة الشاعر ياسر الزيات، ولكنه لم يستمر طويلاً فى ذلك العمل بسبب موضوع نُشر بالمجلة. تقول: «‬لا أتذكر الموضوع بالضبط، ولكن ما يؤلمنى هو أنه تمت التضحية بمجدى الجابرى». بعدها بقليل عمل فى الهيئة العامة لقصور الثقافة (تعيين القوى العاملة) بناء على خطاب ترشيح حصل عليه من الهيئة فى عهد حسين مهران، ثم حصل على تفرغ دراسى لمدة عامين، بعد التحاقه بمعهد الفنون الشعبية، ثم عمل فى «‬أطلس الفولكلور» مع الدكتور صلاح الراوى.
العقبة الثالثة، وهى الأهم والخطيرة، كانت عام 95 عندما تركا بيتهما فى المطرية وأجَّرا شقة فى منطقة «‬أرض اللواء» بالجيزة.

كان إيجارها 100 جنيه فى الشهر أكبر من مرتب أحدهما، وكان عليهما أن يعيشا بمرتب، ويدفعان المرتب الآخر إيجاراً، وهكذا وجدا نفسيهما أمام أزمة مالية كبيرة: «‬لكننا تغلبنا عليها عندما حصلتُ على تفرغ من وزارة الثقافة لمدة عام واحد فقط، بعد أن أصبحت هناك طفلتان تحتاجان إلى رعاية وغذاء، لكن مع الأسف عندما تقدمت، مجدداً، للحصول على تفرغ لمدة عام آخر رفضوا طلبى، وتقدم مجدى الجابرى هو وصديقه مسعود شومان بدورهما للحصول على تفرغ ورفضوا طلبهما أيضاً».

حزن مجدى لذلك كثيراً، لأنه كان يريد أن يستريح من عبء العمل فى الأطلس، ويتخلص من عهدة المكتبة التى أُسندت إليه عنوة، وعلى غير إرادته، كان لا يحب فكرة الموظف العادى، ولا الوظيفة الروتينية، وبالتالى دخل فى نوبة اكتئاب حادة، إذ كان شعوره بالظلم فادحاً، كان يشعر بأنه يحرث فى البحر، ولا يجد التقدير المناسب، وتفاقم إحساسه بالحزن بعد أن تقدم إلى جائزة الدولة التشجيعية، ولم يحصل عليها، لم يرغب فى شهرة من وراء هذه الجائزة، وإنما الحصول على المال كى يساهم فى مصاريف البيت ويخفف عن زوجته الكاتبة بعض الأعباء، خاصة فى وجود طفلتين فى احتياج إلى أمهما. تقول: «‬كان كل شىء يتداعى، توقفت عن الدروس الخصوصية، بسبب بُعد المسافة بين البيت فى أرض اللواء عن طلاب المطرية الذين لا أعرف غيرهم، ووجود طفلتين تحتاجان إلى رعاية أكثر من ذى قبل».



إلى اليسار مع زملائه فى معهد التعاون الزراعى بعين شمس

ما المواقف الإنسانية التى ميزته؟ تقول: «‬دون غرور أو فضح للخاص.. مجدى الجابرى كان شخصية فريدة من نوعها، اعتقد البعض أنه ضعيف، أو سلبى، أو ربما عديم الشخصية، أو متساهل زيادة عن اللزوم، أو متسامح بشكل مبالَغ فيه مع أشخاص لا يستحقون، أشخاص استغلوا طيبته وكرم خُلقه، لكن هذا كان معدنه فعلاً، مجدى كان يفضل الآخرين على نفسه، حتى بالقليل الذى كان يملكه، وكان يحب الجميع على اختلافهم، وطريقة تفكيرهم، ولم يفكر يوماً أن يهين أحداً حتى لو غضب منه، أو تعمد الآخر إغضابه، ولن أبالغ حين أقول إنه كان ملاكاً له أجنحة يرفرف بها على الآخرين، لأنه كان كذلك بالفعل، وكل من اقتربوا منه كثيراً لمسوا ذلك بعمق. كان يحجز الغضب فى خزان بداخله، وبالتالى كان الخزان يمتلئ ويفور ويضغط عليه، ويسبب له غصة كبيرة، ولكنه كان قادراً على النسيان والتسامح وتجاوز الأذى وتفريغ الغضب، وبالتالى كان يعود إلى طبيعته الهادئة ويمضى حياته كما اعتادها».
تتذكر صفاء كثيراً من المواقف الطريفة سواء كانت طرفاً فيها أو سمعتها منه. مرة ذهب مع مجموعة من أصدقائه إلى الفيوم، وسهروا عنده فى البيت هناك، وكل منهم قرأ قصيدة، وكل منهم عقَّب بشكل سخيف على قصيدة الآخر، وفى آخر الليل كل اثنين تعاركا مع بعضهما، كانت ليلة عصيبة بالنسبة لمجدى، الذى بذل مجهودات خارقة حتى يفض تلك المعارك الثنائية التى بدت كأنها ستستمر للأبد، لكن الموقف الصعب تحول إلى موقف ضاحك وهو يحكيه لها.



كارنيه اتحاد الكتاب

مرة أخرى كان يسهر عند بعض الأصدقاء فى شبرا الخيمة، وبعد السهرة، ذهب إلى محطة الأتوبيس فى المظلات، وفتش جيوبه ولم يجد فيها ولا مليم، فسار من هناك حتى منزلهم فى «‬أم المصريين»، ووصل إلى البيت قرب آذان الفجر، بعد أن تم توقيفه فى كمين فى منتصف السكة، وسأله ضابط «‬رايح فين؟ وجى منين؟ وماشى بالليل ليه؟»، ولأنه كان صادقاً قال إنه قادم من المظلات، وبدت المسافة ضخمة للغاية بالنسبة للضابط، فعاد ليسأله: «‬وليه مشيت المسافة دى كلها؟! ولسه هتمشى كل ده؟!»، ولم يستطع مجدى أن يستمر فى سرد الحقائق أكثر من هذا، بسبب إحراجه البالغ، فالأتوبيس فى ذلك الوقت كان بقرش صاغ، وخجل أن يستقله، ويخبر المحصل أنه لا يملك ثمن التذكرة، وهكذا قرر المشى كل هذه المسافة، حوالى 6 ساعات كاملة.

لم يكن عملُ مجدى فى مجال الأطلس بالهيئة العامة لقصور الثقافة بعيداً عن الإبداع، عكس صفاء المُدرّسة، كان زملاؤها بعيدين عن الكتابة، أما زملاؤه فقد صاروا أصدقاء له لأنهم أدباء، وتقول إن كتابة الشعر الفصيح والمسرحية تمثل مرحلة انتقالية مهمة فى حياته، خاصة أثناء فترة الدراسة، ولكن كتابة العامية عنده كان لها بُعد فلسفى. تعلق: «‬كان يكتبها وكأنه يفكر بالفصحى لا العامية، حتى قامت حرب الخليج، وكتب ديوانه (عيل بيصطاد الحواديت) بقصائده البسيطة، ويعتبر هذا أول ديوان نثر بالعامية المصرية، ومجدى يعتبر رائد شعر نثر العامية، وكان يكتب اليومى والمعاش، ويتمنى أن يصل شعره إلى رجل الشارع البسيط».



مع أحد الزملاء فى معهد التعاون الزراعى

من هم أقرب أصدقائه له؟ وماذا عنت له الصداقة؟ تقول: «‬بالنسبة للطيبة والمحبة القلبية كان الشاعر محمود الحلوانى، الأقرب لهذه المنطقة، أما فى التفكير والفلسفة والنقد والقصيدة بمفهومها المختلف كان (الشاعر) شحاتة العريان، وبالنسبة للعمل فى الأطلس والمعهد كان الشاعر مسعود شومان، وفى الصحافة وخفة الظل وابن البلد كان الشاعر يسرى حسان، وهناك أصدقاء كثيرون جداً، اكتسبهم من ندوات ومناطق مختلفة».
جاءت اللحظة الصعبة على الجميع، لحظة معرفة مجدى بالمرض الخبيث. بدأت الحكاية فى شهر رمضان عام 1998، اشترى «سمك جاهز»، وكان معه صديقه مسعود شومان، وبعد الإفطار غادر مسعود، وكذلك ذهب مجدى إلى العمل فى قاعة منف بالعجوزة، وعندما عاد كان منهكاً، ويسعل بشدة ويتقيأ، وعندما سألته صفاء: «‬مالك؟» قال لها بوهن: «‬يظهر إن السمك مسموم»، فضحكت بمزيج من التعجب والخوف، وحاولت أن تطمئنه وربما أرادت طمأنة نفسها قائلة: «‬كلنا أكلنا من السمك، أنا وانت والبنات ومسعود، ومحصلناش حاجة، ممكن يكون عندك برد»، وظل على هذا الحال لمدة أيام، عندما يأكل يكح بشدة، حتى يتقيأ كل ما فى جوفه، وذهب إلى الطبيب فى مستشفى «‬أم المصريين»، وظلوا يحللون بصاقه شهراً كاملاً،  وحولوه إلى معهد الأورام بعد النتيجة الإيجابية، وفى المعهد أجريت له تحاليل جديدة، أثبتت إصابته بورم فى الرئة حجمه (1 سم) وقال الأطباء إنه لا بد من جرعة (كيماوى) وفى هذا اليوم ذهب معه كثيرون، مسعود شومان، ويسرى حسان، ومحمود الحلوانى، وشحاتة العريان، وغيرهم، تقول صفاء: «‬وقع المفاجأة على الجميع كان صعباً ومؤذياً، ولكنهم وقفوا معه جميعاً موقفاً بطولياً، ولن أنسى لهم ذلك أبداً».

تتذكر صفاء بألم الأيام الأخيرة. فى البداية كان مجدى يقاوم بكل شجاعة، وكان يتعامل مع الموضوع باعتباره نزهة مع المرض، أو تجربة مع الخطر، وخاصة الجسد، ولكنه حزن بشدة عندما بدأ المرض يزحف على باقى الجسد، وانتشر فى المخ والكبد وأماكن أخرى، هنا استسلم بشكل كامل وفقد الأمل فى الشفاء، ولم يكمل جرعة الكيماوى المقررة له، وتوفى بعد شهرين من دخوله المعهد.
أسألها: «‬ما وصيته لك؟»، وتجيب: «‬لم يوصنى بشىء محدد، ولكنه قال لى كلمة واحدة، قبل أن يدخل فى مرحلة غيبوبة استمرت يومين، قال لى: أنتِ حرة».
 

أبرز أعضائها أحمد الشهاوى وشحاتة العريان

اكتشاف: حركة ٨٣ فى الشعر العامى والفصيح

فى ثلاث ورقات كان هناك حلم لم يكتمل، حلم جماعة أدبية وُلدت عام 83، ولم يُجهد أعضاؤها أنفسهم فى اختيار اسم آخر لها، واكتفوا بعام التكوين كأبرز إشارة إليها «‬حركة ٨٣ فى الشعر العامى والفصيح»، وقد تكونت، بحسب ما دونه مجدى الجابرى، فى أجندته فى ٢٣ أكتوبر ١٩٨٣، وليس معروفاً متى تبخَّر الحلم، لكن يبدو أن الجماعة ماتت سريعاً، كما أن الحال تفرقت بالشعراء خلال الأعوام التالية واختلفت درجات قربهم من مجدى الجابرى.


تحت عنوان «‬ندوة 1»، ذكر الجابرى الأعضاء المؤسسين، وهم إبراهيم عبدالفتاح، شحاتة العريان، مجدى الجابرى، مجدى السعيد، أحمد إسماعيل، سيد مجاهد، أحمد الشهاوى، أسامة شهاب، حسن محمد رياض، وقد حضر فى هذا اليوم، يوم التأسيس، 23 أكتوبر 83، إبراهيم عبدالفتاح، أحمد اسماعيل، شحاتة العريان، مجدى الجابرى، وضيفان هما «‬علاء – بهجت».
موضوع الندوة الأولى كان «‬الغموض فى القصيدة الحديثة»، ومكتوب بالنص أنه:
«‬تمت مناقشة مقال للشاعر وليد منير نشر فى مجلة إبداع حول هذه النقطة أو القضية المثارة فى الأوساط الأدبية وقد خرجنا من هذه المناقشة بعدة نقاط نوجزها فيما يلى:
* القصيدة الحديثة مغامرة.. وإبحار فى مجهول.
* الصورة الشعرية كائن ذو كينونته الخاصة وعالمه المتفرد وليست أداة للشرح.. بل تساهم فى البنية العامة للقصيدة.
* القصيدة مخطط مرن ينبثق من العاطفة الضبابية فى نفس الشاعر وتُصاغ فى الأصوات والصور.
* القصيدة لا بد أن يكون لها منظوران هما:
١- الإرضاء الشعورى والكيانى «‬رأى إليوت»
٢- الحضور الاجتماعى.
* القصيدة تكون  بلا معنى (رأى بيركسون).
وفى هذه النقطة تم الاتفاق على ضرورة أن يبتعد معنى القصيدة عن المباشرة والسقوط»، وفى مجمل هذا التصور لم تبتعد الجماعة عن أفكار السبعينيين تماماً، ولا عن التصورات السائدة وقتها للشعر.



أما الندوة الثانية فقد حضرها، حسب الأوراق، إبراهيم عبدالفتاح، مجدى السعيد، أحمد الشهاوى، مجدى الجابرى، سيد مجاهد، شحاتة العريان، وأحمد إسماعيل، وشادية الصباحى، وكان موضوعها «‬متابعة للموضوع السابق مع فتح باب الاستماع لبعض الأعمال الشخصية»، ثم الانتقال منه الى تمهيد لموضوع الندوة السابقة وهو «‬موضوع الغرض.. شعر جيل السبعينيات»، كما تمت مناقشة الشكل العام للجمعية والاتفاق مبدئياً على تكوين مكتبة خاصة بها وصندوق، فضلاً عن ضرورة أن يحضر كل عضو تصوره عن الشكل الأمثل للجمعية أو الحركة بعد البحث والتمحيص.

شعبان يوسف: رائد الموجة الرابعة

عندما صدر ديوان «‬كلمة سلام» عام 1955 للشاعر الشاب صلاح جاهين، وكان قد بلغ الخامسة والعشرين،  أقام الدنيا ولم يقعدها، وهناك إشارة فى صدر الديوان إلى أنه يمثل «‬قصائد شعبية»، وقدّم له الشاعر الأيديولوجى والملتزم محمد كمال عبد الحليم، وأفصح عن أن هذا الشاعر كان يكتب قصائده لمقاومة الإنجليز عام 1946، وأثار الديوان حفيظة الأذواق التى كانت قد استراحت لسفينتى العملاقين بيرم التونسى وبديع خيرى، وحولهما محمد عبد المنعم «‬أبو بثينة»، وحسين شفيق المصرى وغيرهما.

تلك العواصف سرعان ما تغيرت أمام الموهبتين الطبيعيتين (فؤاد حداد وصلاح جاهين)، واللتين كانتا تطوراً ضرورياً، وكأنهما لزوم ما يلزم دون أى افتعال، وكتب آنذاك نقاد وكتّاب من أطياف فكرية وسياسية مختلفة ومتباينة، بل متناقضة، واكتشف كل من هؤلاء مساحته التى تعبّر عنه، فتحى غانم وأحمد بهاء الدين وحسن فؤاد وغيرهم، واتفق جميعهم على أن هذه الكتابة استطاعت أن تتجاوز كتابة بيرم التونسى وبديع خيرى، رغم عظمة ما قدمه هذان العظيمان، لأن هذه الكتابة رغم أنها تحمل همّاً سياسياً واجتماعياً، وتكمن فى تضاعيفها أبعاد تشبه الرسائل الموجهة، إلا أن موهبة «‬جاهين» على وجه الخصوص فى ذلك الوقت، قفزت بيُسر على فكرة الأدوار السياسية والاجتماعية والفكرية التى كانت تُعدّ سلفاً للشعر، ودخلت الكتابة إلى مساحات جمالية وبنائية غير مطروقة من قبل، وسرعان ما تحولت الدفة لصالح الشاعرين، حتى أشبعا أذواق الناس بالتجربة الشعرية الجديدة، وكانت تجربة «‬جاهين/ حداد» تمثّل الموجة الثانية بعد تجارب «‬بيرم/ بديع» العميقة، والتى شغلت ما يقرب من أربعة عقود، منذ أن نشر بيرم قصيدته «‬المجلس البلدى» عام 1917 فى جريدة «‬الأهالى» السكندرية.

إذن كانت القرينة الأساسية التى منحت «‬جاهين/ حداد» فضل وإمكانية ومساحة الريادة، تكمن فى تلك الأبعاد الفنية والجمالية والتركيبية واللغوية والبنائية، قبل المعانى والأهداف والرسائل المبثوثة داخل النصوص، وللأسف كان النقاد مشغولين بمتابعة صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى وغيرهما، «‬شعراء الفصحى»، دون الشعراء الذين كتبوا باللهجة الدارجة، وأطلقوا على هذا النوع من الكتابة «‬شعر العامية» ظلماً وعدواناً، وهذه التسمية المقيتة، هى التى جعلت النظرة إلى هذا الشعر، نظرة شبه متدنية وجارحة، وكأن من يكتبونه أقل قيمة من شعراء «‬الفصحى»، ممن يكتبون بلغة «‬القرآن»، والسلف العربى الصالح.



فى الإسكندرية

وانتبه الناقد سيد خميس فى مطلع عقد الستينيات لهذا المنزلق، فأسس داراً للنشر، وسمَّاها «‬دار ابن عروس»، وخصّص إصداراتها للشعراء الشباب، الذين قدّموا طفرة جديدة فى التجربة الشعرية، واستطاعوا أن يخطفوا الأبصار والانتباه إلى مشاريعهم الوليدة، وكان أبرز هؤلاء عبد الرحمن الأبنودى، وسيد حجاب، ونشرت دار ابن عروس ديوان «‬الأرض والعيال» للأبنودى عام 1964، بدراسة نقدية رصينة ورائدة لسيد خميس، وكذلك نشرت ديوان «‬صيّاد وجنيّة» لسيد حجاب عام 1966، بكلمة نقدية للشاعر العراقى عبد الوهاب البياتى. كانت كلمة دالة تكشف نظرة خاصة حول من أُطلق عليهم «‬شعراء العامية»، كتب البياتى: «‬سيد حجاب من شعراء الطليعة القلائل الذين كتبوا بلغة الشعب البسيطة، واستطاعوا أن يخترقوا جدار الصوت، لينفذوا إلى جوهر الأشياء الصغيرة المتلألئة...»، ورغم هذا المديح المريح، إلا أن البياتى يصرّ على أن لغة حجاب، هى اللغة البسيطة التى يستخدمها الشعب، ويجعلها تختلف عن اللغة النخبوية والأرستقراطية التى يستخدمها هو ورفاقه من شعراء «‬الفصحى»!
طالت المقدمة قليلاً قبل أن أصل إلى مجدى الجابرى، والذى نشر ديوانه المختلف «‬أغسطس» عام 1990، ليلعب الدور ذاته الذى لعبته دواوين جاهين وحداد وحجاب والأبنودى ومجدى نجيب سابقاً، فإذا كان حداد وجاهين، رائدى الموجة الثانية، وحجاب والأبنودى ونجيب شغلا الموجة الثالثة، فمجدى الجابرى يمثّل «‬رأس الحربة» فى تجربة الجيل الرابع، تلك الحربة التى مثلها الشعراء يسرى حسان ومسعود شومان ومحمود الحلوانى ومحمد عبد المعطى وغيرهم، على اعتبار أن تجربة مجدى ورفاقه، تجربة تمثّل تطوراً نوعياً للأجيال الثلاثة الماضية، وتعاقباً جيلياً ملحوظاً، لما حواه ديوانه الأول «‬أغسطس» من تشكيلات جمالية حادة وواضحة وحاسمة.
القصائد محاولة جريئة فى تجاوز الحالة الغنائية الرقيقة والناعمة التى كانت تسود سابقاً، تلك المحاولة لا تكمن فى المعانى، والأفكار، والعاطفة، بقدر ما تكمن فى الصدمة التى تحدثها القصائد، مع ملاحظة أن «‬سرسوباً» شعرياً خفيفاً كاد يتسلل إلى القصائد من تجربة سيد حجاب، فشعر سيد حجاب كان هو المرشح ليترك ظلّه بقوة على الأجيال التى خلفته، فنجد أنه يبدأ ديوانه ذاكراً البحر، والصيادين، وندهة الأب التى كانت تمد أطيافها بغزارة فى قصائد سيد حجاب، يقول مجدى فى «‬قصيدة للبحر»:

(دمى ماهوش ضدّى..
ومش معايا
...
حدّ التوتر مش مسافة..
بين شعر صدر الموج
وبين نهود البحر
...
ضعف المحار حين ما اترمى ع الشط..
يدخّلنى : أبيض حليب.
والّا رغاوى الهياج؟ّ
...
فاتحت وش الصيادين،
حُفر الوشوش مليانة ملح،
شوكة بساريه،
شاش بكارة،
كف فاضى ضلّ هلب.
...
«البحر متعافى والموج حدّاف
الشط رمله إبر
مغروزة فى كتافى ...
آهين وآه يابا
الميه دى ديابة
بتحوم حوالينى..).
وبعيداً عن ذلك الأثر المعجمى الخفيف لسيد حجاب، والذى سعى الشاعر الجابرى للجدل معه، لا تكراره، ولا الخضوع لهيمنته، رغم أن طيف سيد حجاب كثيف ومتسلل فى تجارب كثيرة من شعراء الحقبة الرابعة وما قبلها، إلا أن موهبة الجابرى «‬الواعية»، جعلت من ذلك الطيف، ضيفاً فقط، مجرد ضيف فى بيته المؤسس على أعمدة جمالية قوية، ومتينة، وذات عمق يخصّه، من ثم أصبح ذلك الطيف يطلّ برقة، وبعذوبة، ودون ذلك، كان صاحب البيت له كل الصلاحيات الخاصة فى ترتيب وتركيب لغته وبنائها وإرسال جميع المعانى التى جاءت ناعمة ومستوعبة، بعيداً عما سبقها فى الحلقات الشعرية السابقة.

ففى القصيدة التى أهداها إلى «‬مجدى الجابرى وإبراهيم أصلان»، وهى قصيدة «‬أوراق ضد الزمن»، سنلاحظ مبدئياً أن الإهداء ذاته جرىء فى منحيين، الأول فى أنه يهديها لنفسه، أما الثانى فهو أنه قرن نفسه بالعظيم إبراهيم أصلان، فضلاً عن العنوان الذى يفصح عن حالة تمرد ومشاكسة، أما المتن، فيتجاوز التمرد والاحتجاج والمشاكسة، ويقف على أبواب ثورة فى «‬الشكل، والجماليات، والبناء»:
(ورقة «‬1»
آه ياخليفة رقصتى.. باش الوتر
إن يوم نزلت البارد الواسع..
فقوللّى.
...
حملك/ بدن شفاف
العضم/ ودهب
...
-مرحب.
كريم قاصد....
خلّى مداسك
دحنا يزيدنا الشرف
.... قيدى الكانون....
واشوى لنا كوزين دره
مرحب
( الناس لبعضيها/ بيوت
والحدايات/ بيت الـ...
- شايك.
مرحب.
...........
شعر البنات خايف
لـ يقصقصه البرق المفاجئ
- ما تلتجيش لصدر نضاّح بالدبول
(  على طرف منديل السما واقف...
نويت أقفز
- كفى ماهوش سكة لقا
( الشمس/ بقعة دم من جرح اللمون.
كان العرق/ منديل
ف إيد البنت ف الكوشة).
بالطبع لا مجال للغوص عميقاً فى طموحات مجدى الجابرى، لكننا سنشعر وسندرك المساحة الحرّة التجريبية التى كان يتحرك فيها، وتطورت فيما بعد حتى ديوانه «‬الحياة مش بروفة»، وبالتأكيد ألهمت العمليات الفنية التى أنجزها الجابرى فى قصائده، رفاقه فى تلك الموجة الرابعة التى تحتاج لدرس عميق ما يزال مفقوداً وغائباً، ومن ثم أستطيع أن أقول إن تجربته فى ملابساتها، تشبه تجربة الشاعر على قنديل الذى رحل فى عمر مبكر للغاية، ولكنه كان قد قدّم، على المستوى التقنى، تجارب لا نهاية لإدراك جمالياتها المفرطة، وتظل تجربتا الشاعرين «‬قنديل/ الجابرى» بمثابة فتوحات شعرية واسعة وعميقة وخاصة للغاية.

قصائد العامية



فلسفة جنين حان وقت ولادته - مارس 1983

مسافر ع الضنا... والرحلة إجبارى

تباريح الأسى لحنى.. وموالى

وصوت القطر بيمزق فى وجدانى

بيصرخ فى زمان اللحظة..

بيروى فى ودن الحلم

والسكة.. بدايتها أنانية

وراكب إنت فى سبنسة تتخفى..

فى وش الأب

وتأشيرة عشان أركب..

فى قطر الذل عنوانه
ودخانه.. أمانى بتحلموا بيها

..بتمضيها.. بقسوة عشت تخفيها

ورا زيف الحنان والغش

وحان وقت السفر.. وارحل

ينبتة زرعتها بإيدى

يا حتة لحمة من جسمى

بتتفلسف.. بلاش تكفر

وفلسفتك بإيه هتفيد

كمان ساعة تكون راكب مع الركاب

فى قطر الرحلة يا كبدى

تكون فى الدنيا عكازى

وإيد بتشد فوق إيدى

وتاه وسط الزحام.. وصوته راح يضحك

.. وبيشارك فى نصب الزفة ع السكة
وزغرودة وغنيوة تبكى دم
وكام خرقة تكون تابوت لحرية
وفى الصالة اللى مليانة..
    بكام مليون  شبح راكب على عجلة..
    تدور بالعكس
وقع قرص الدفا..
    ومات شعاع الشمس..

وجف الدفء والمعنى

فى بحر اتجمدت فيه الحياة

بقى تلج..

وصارت شمس أحلامهم

بتشرق من سما الننى

تغيب فى الرمش

برغم أن الخطا ع الدرب تتكسر

ورغم الطعم فى بق الحياة بقى مر

لازم أنسى دفا بيتى لازم أرحل

ولازم يا زمان الراحة تنسانى

ولازم يا مكان الراحة تنسانى

بلاش تبكى يا بيت الضل والمأمن

على ساكن صبح مطرود

هامش

يا قطر الذل اسمعنى

أنا قطعت تأشيرتى

مانش يا قاسى هاسمعلك

مانش هاركب

عشان ما اقطعش تأشيرة ركوب
فى القطر لغيرى إذا ما دارت العجلة..
وجه يومها علىّ الدور
علشان ألبس قناع الأب
وادارى القسوة خلف الوش
وأزيد ركاب فى رحلة قسوة تعدادهم
بتأشيرة



أمنيات شاب مصرى 1 - سبتمبر 1983

ألف نخلة جوه قلبى

فاس محبة لكل زارع

والعرق ده طعمه سكر

فوق جبين ابن المصانع

والصبايا لونها أسمر

واخدة م الأرض الملامح

اسلبونى كل عمرى

بس سيبوا لى الجوارح

لاجل أحس بأرضى لمَّا

تزرع الإخلاص ويطرح

فى النفوس إصرار وهمة
فى المكان ميت ألف مطرح

يتسع لولاد بلدنا

الغنى ويَّا الفقير

نرفع الحب رايتنا

يحتكم فينا الضمير
نفسى أكون شمعة تنور

مش لنفسى بل لغيرى

نفسى.. نفسى.. يا ريتنى أقدر

لاجل ما يرتاح ضميرى

نفسى ألقى الكل واحد

والسفينة شراعها عمرى

قالوا مين ده اللى بيحلم

قلت إنى شاب مصرى



أمنيات شاب مصرى 2

لـو كــل رافــــع علـم        خلا الضمير سارى

راح يبقى طرح الألم         مفعـــول أمــل سارى

لو كـل ماســك  قلم         خلا مداده شـعور

الانتمـــاء هيــــــعم           يفرد  جناحه نور


لو نبـــتدى نطـــــهر          كل القلوب م الشـر

شمس الخلود تظهر          يكتب شعاعها مصر


لو نبـتدى نــزرع                فى قلوبنا بذرة حب

نلقى الأمل فرع                بارك ثماره الرب


أنا هبتدى بنفسى             ياريت تكون زيى

أصلى أنا مصرى                 من حبــــها زيى

كل اللى بتمناه                  تبقى الديانة مصر

لو قبطى أو مسلم              كله فروع من أصل


الحصاد - يوليو 1983

يا بنى يا فجر مريض

            الليل ابوك مظلوم

دا حنا خدم وعبيد
            فى الدنيا مالنا لزوم

ساعة ما جيت يا ابنى

            نفضت لك حضنى

وفرشت لك قلبى

            بالضى وبحبى

والشمس صحيتها

          من بدرى من بيتها

قالت لى إيه مالك
            قلت لها عقبالك

قاللى الزمن إنك
            يا ليل زمانك راح

راح المرض عنك
            بنور هنا وصباح

ضحك الغبى قلبى

            وصدق القولة

سلم وشاورلى

            وعملنا هليلة

وبدرت بذرة فجر

            وقعدت استنى

ورويتها مية عمر

            والعمر اتمنى

كان الزفاف أملى

            يوم الحصاد كان عيد

وحصدت من هبلى    

            انت يافجر مريض



سيف الشاطر - أغسطس 1983

كنت باشوفه

كان بينازع فوق الفرش.. الضعف.. الموت

كنت باشوفه

يونس غصب عنه عايش داخل بطن الحوت

لكن راسم سكة بكرة فوق الكف

رغم انه ع الكف التانى شايل روحه


كنت باشوفه

بيصحى الشمس اللى مقرفص فى عينيها الضى

من عهد الفرعون الطيب إخناتون


كنت باشوفه

فاتح حضن الحلم اللى بقاله ييجى مليون عام

مسكوك ع الخوف


كنت باشوفه

كانت بذرة بكرة بيزرعها فى جليد اليأس
الممنوع م الشوف
كان يتمنى تطرح قمره تعانق شمس فى صبح وليل
كان يتمنى يطلع م القمقم بكره شايل سيفه


زى ما قالت ستى اللى مكلبش فى ديل فستانها القرن الماضى

إن الشاطر مزق قلب الصمت.. الغول

بعد ما كان السيف هيصدى

لكن مات الشاطر بدرى

قبل ما تطرح بذرة بكرة

وبقيت كل جهودك ذكرى يا سيزيف

لكن فوق الصخرة اتحفرت آخر كلمة

 

نفسى فى بكرة

فيه  الشمس بتحضن قمره

فيه الحب بيقتل غول.


كنت ساعتها لسه صغير

قد الفجر الطالع لسه

قلت ساعتها

هوه أبويا يا ناس اتجنن

يبدر بذرة بكرة فى تلج

وبيرويها بمية دمع.


كنت ساعتها لسه فى ليل الملح.. وليل الشمع

وعروسه بتخرمها أمى فى وشى

وبتحرقها وبتقوللى بص فى نورها

وترقينى سبع مرات

وبتفرك فى الكعب رمادها.. وترسم بصباعها

فوق الرسغ وفوق القورة ليَّا مقص.


كنت ساعتها:

لسه باشوف الشمس بعيدة

من خرم الغربال الضيق

كنت فى بيتى الواسع جداً

ساكن جنبى فى نفس الدور اللى مافيش غيره

سكينه وكراسة فاضية وقلم مبرى

كانت أمى بتهمس لى فى ودنى.. وبتقوللى

الدنيا يابنى كوكتيل.. أو بانوراما

وسمعت كلامها..

نمت وكل الناس بتدور حواليه فى ليل وشموع

أصل أنا كنت يا إخناتون

ويا سيزيف

كل حصاد القمر فى جرنى يا دوب أسبوع



سفينة أمل بدون شراع - مايو 1983

1

بريشة الأسى.. ولون السواد

.. وفكرة غريبة

فكرة لحد من صناعة لا شىء

زماننا رسمنا

ومن غير معالم ومن غير حدود

خطوط سيريالية بدون انتهاء

... بدون انتماء

وميت ألف لوحة لمعنى الضياع

.. وصورة سفينة ناقصها الشراع

ورحلة غريب

ما بين كل أهله..

بيشعر بإنه... سفير العدم

يسافر فى دمعة ندم ع اللى راح

ويرجع فى دمعة أسف ع اللى جاى

وينسى ملامحه فى وسط الجراح.

2

فى لحظة بداية..

ياريتها ما جات

فى يوم ما افتكرنا.. رجعنا نسينا..

حقيقة زماننا

نسينا اللى فات

وكان غصب عنّا نوينا السفر

.. ولكن لفين..

زماننا اللى يعرف

وسلمنا قشة لريح الاغتراب

ورحلة طويلة..
وكام ألف ميل
ووسط الطريق.. تركنا الدليل

فقهقه زماننا بصوت انتصار
.. صنعت اللا شىء..
زرعت السراب..

واجنى يا إنسى لبسنا دموعنا ستين ألف توب
.. وجبنا الدروب
لنرصد ثمار الزمان.. السراب

وصوت انتهائنا بيدبح بلابل رافضة النواح
.. ويعلن ممالك فى وسط الخراب
فى وسط الجراح

بتحكمها بومة وكلب وغراب.

3

وبرضه يا صحبى تقوللى انتظر
تقول ع الغمامة سحابة أمل
وضلمة نفوسنا بشاير قمر

(ويوم) وليل الخطيئة هيولد المنى

فاكرنى يا صحبى هصدق غبى

انسى يا صحبى وقوم يللا ضيع

وسلم سفينتك لموج القدر.

4

وجانى الجواب

وتهمة بإنى فقدت العيون..
ونور البصيرة..
وبعت الضمير ما بين السطور
.. ولكن يا صحبى حروفى حقيقة

شافتها حروفك فهربت وطارت..
ومن غير رجوع
نصيحة يا صحبى يا غاوى خداع
يا لابس لا شىء.. وعايش فى حلم
ده صدق المشاعر فى معنى الألم
لما يا صحبى تبيع الخداع

تبقى ساعتها تمسك قلم.



٣ مشاهد من مسرحية تستحق أن توصف بالغباء

مشهد غبى ١

فى حين كانت سما الدنيا بتفردع البشر جناحات
وحين كان الآوان أحضان
رأيت الليل بينفض م النهار إيده
ويدلق فى صدور الناس سموم الخوف من المجهول..
وم المعروف

وفوق السكة مطروح النهار منزوع عيون الشوف
وكان يومها وليد الحلم فوق باب الزمن مصلوب..
كما حسدوه
وغنوة لبكرة مصرورة فى منديله أمل مكبوت
وكانت ع الطريق أشلاء

بتتعكز على أنات بينخر فى كيانها الموت
وكان الصوت.. كما خنجر
بيطعنىِّ.. يقطعنى..
يبعتر دمعتى منى..
يقسمها لكام مليون خلية حس جوايه
وكانت أمى حبلانه بكلمة لأ

ومستنيه يوم تيجى يا عيد الطلق
ولف الخيط على البكرة
خنقنى صوت أمانى ذَلَّها المنديل
تنادينى..
- تقوللى سَلِّم الدفة
- معدشى للطريق ده دليل

- ده موج انت ما هوش قده..

- تعوم ضده

- معادتش هناك مرسى - معادتش هناك ألوان

- زمان كروهات

- طريق كروهات

- يموتوا الناس إذا حسوا

- إذا شافوا..

- إذا حاولوا يكونوا لسان..

وأنا لسايه ضد الموجة أصارعها.. تصارعنى

ينتصر الضياع يمه

يا أمى ابنك الإنسان

وأنا يمه من الدوامة بابعت لك..
تأشير السفر ليك.. طريقها شفت بعنيه
زمانها لسه فى التكوين..
بلاش يمَّه

ولساكى تقولى لأ

- أموت لكنى متخلاش عن المبدأ

- أموت لكنى مبعشى ضمير
ده أصله الموت ماهوش يمه..

فى إن النفس يطلع ميرجعشى

ماهوش يمه فى سكة قبر

ده أنا يمه رأيت الموت.. بيتدارى

فى وش الموجة فى الأنَّة وفى المنديل

هامش

زمان ياريته ما يرجع

        وإن شاءت وعاد ثانى ياريتنى يومها أكون ابنك

        .. أكون إنسان



مشهد غبى٢

إحنا دموع الكون

لسانه بنسافر
فى خط سير كافر
واحنا فى رحلتنا
وقلوبنا دفتنا
ولد التمنى مد

خنق التمنى جزر
لسه بنبكى القوت
رغم اننا كالدود
ساكنين رحم وتابوت
لسه بنسكن خوف
لسه بنبكى الشوف

والبوم فى ليل الحس
ساكن قلوبنا عش
فارد جناحه موت
لابس زماننا وش
لسه قناديلنا
(لو) ضيها والزيت
ديننا (إذا) و (ياريت)
أما شعورنا يموت
إن قاد شموع بكره
إن عاز يكون فكره

أسفى على بكره
إن جه كما امبارح
يسخر من الإحساس
من صوت ضمير الهمس
لما بيقتل خوف
غارس شجر ذله
هنموت إذا كلنا
أو نمنا فى ضله
* ملحوظة: المشهد الثالث لم يكتبه الجابرى



سؤال - سبتمبر 1983

واتأخر ضى الشمس اللى مسافر من عهد ما كان الكون بيحس
 عن وقت رضاعة البذرة.. الطفل.. الخط الفاصل بين الطلق وبين النعش
والأرض ماعادت يمه بيضحك فى جوفها الخير
ولا عادت مية قلتنا ننفع فى السكة سبيل
وسافرت فى دمك واخد السكة قياسة

وسافرتى فى دمك واخدة السكة برضه قياسة
ولبسنا توب القلب اللى اتمرد على سجن العقل وسجانه غرقان فى سكوت
وسافرنا سؤال فوق كل وشوش الناس اللى لابسين العقل تابوت
ليه الدودة فى بطن السمكة
ليه السمكة فى بطن الحوت

***

واتمخض أول نص من المشوار
عن لوحة بيقولوا راسمها فنان مغمور
مضمون اللوحة إن الأرض بتطرح نور
بيقول البذرة فيها را ح تطرح لو رعيناها
الخيط الأول للتفسير

ومسكت اللوحة لقيتها شوية انفعالات
مش ممكن من غير الشمس
راح تطرح ولا ذرة حل
لوحة رواها.. كل العالم .. بدموع وآهات

***

وسافرت فى دمك واخد السكة يمه قياسة
وسافرتى فى دمى واخدة السكة برضه قياسة
وسافرنا برضه يمه سؤال
ليه الدودة فى بطن السمكة
ليه السمكة فى بطن الحوت
ليه الضى اتأخر عنَّا

واتمحض آخر نص من المشوار
عن واحد م القرن الفانى ساكن كهف العلم المتطلسم بالتفكير
من عهد الشيخ اللى اسمه تاريخ
وكتب رده فوق ورقة مليانة شروخ
كان الرد كسوف وخسوف وطلاسم لابسة توب المصطلحات
لما سألناه عن تفسير
ليه الدودة فى بطن السمكة..
ليه السمكة فى بطن الحوت
سابنى وسابك..
وشغل نفسه فى التأريخ

***

لكن قبل سقوط الورقة الباقية
قبل المية ما تتمرد يمه على قرص الساقية
نزل الراكب ضهر الرخ
كان شاعر سافر لمَّا شاف على جسر الكون
غول الشرخ
واتنفس يمه سؤالنا الشاعر
تمتم وكلامه فى سره بيفسر فى سؤالنا الساير
وإن الشمس أكيد راح تطلع.. لو طهرنا الليل م الخوف
لو غذينا الحوت بالحب

مش ممكن راح ياكل سمكة عادمة الشوف
والسمكة لو كان لها قلب
مش ممكن راح تاكل دودة خانتها ظروف


قصائد الفصحى

ضدان لا يأتلفان - 21 سبتمبر 1983

والفجر برأس الليلْ

فكرٌ شفوىٌ صِرفْ

أشعلت الأرجيل الأزلىّْ

ألقيتُ الكلمات الموروثة حرفاً تلو الحرفْ

ألقيتُ الحرفَ الرابضة فوق السطر اللامعلوم

قرباناً للزمن الليلىّ اللونْ..

    الأسفلتىِّ الملمح والسيماء

أحرقتُ رؤوس الاجدادْ

أمسيتُ دماراً لا يرضى قوتاً غير الشعر.. النثر.. العلم.. الحكمة

ودعوتُ زمانى للسمرِ
«‬اشهق.. اسحب نفساً
         ولنضحك يا زمن سوياً

  وعلى من مات الـ.....»
يا هذا اللائم فِعلى.. صَهْ
اخفضْ من صَوتِك كى لا يسمعْ

كُنْ لى أُذناً

وسأهمسُ  كلَّ السِّرْ:

        «‬مازلت صغيراً يا ولدى    

          لو قست العمرَ الإنسانىّ

          بالأعمار الزمنية

سيقهقه فى ليل الجرح الناجم عن إحساسٍ بالنقصْ

عملاقُ اللاَ عُمر

يا صاح
كى أكسب بعض الجولاتْ
قَد صِرتُ لبعض البعض من العمر المحسوب

بوتقة صُهرت فيها الأفكار الإنسانية
كى أسبُك منها تمثالاُ أو أيقونة
لأعلقها فوق الصدر الزمنى - هذا الجاهل كلَّ الأشياء

    إلا المادة والملموس
كى يصفح عنى بعض الوقت
أو يركلنى - من بعد البصق على وجهى -
فأزوى فى كهف الذاكرة قليلاً
لأُدبِّر شركا آخر غير الشعر.. النثر.. العلم .. الحكمة

فقديماً قالوا فى الأسفار:
- (يا عائم ضد الموج العالىّ لا تركب آخر موجة عقل
فالشط الآمن لا يصل إليه إلا المعتوه
كن معتوهاً.. تنجو
        تصل
ولتشرب جُل خمور الزمن الثمل

فالبيت الآمن فى هذا الجانب
    هو بيت البغى فلتحيا ثملاً بعض العُمر
إن كنت تريد العيش بهذا البيت
إن كنت تريد العيش
إن كنت
إن.........»

يا بيت البغى قُل لى..
ولتصدقنى القول
أين المزلاجُ، المترنِّح خلف الباب

فلتفتح لى إنى أعلنتُ خُضوعى للزمن المالك

إنى أشعلتُ الأرجيل الأزلىّ

ألقيتُ الكلمات الموروثة حرفاً تلو الحرف

ألقيتُ الحرف الرابض فوق السطر اللا معلوم

إنى أحرقتُ رؤوس الأجداد

    قربانا لـ.......

- صه.. يا هذا
إنى أغلقتُ الباب الأوحد دونك
فلترجع من حيث أتيت
وسألت لماذا؟

ردَّت رأسٌ من جوف النار تموت هناك

- يا خاسر كل الأشياء

إن الإنسان.. والبيت الزمنىّ

ضدان لا يأتلفان



ولادة - 30 سبتمبر 1983

مولودٌ قبل نهاية آخر شوط بثوينات

والقابلةُ.. فى تصميم حاد

    أن تكتب فوق الورقة اسما 

    أن تستر كُلَّ القادم فى اسم..
يرفض اسمى أن يسطر
يرفض جسدى أن يستر

يكبر صوتى.. يعلو.. أصرخ

    تتركنى فى (الغربال) وترحل

...

فى الوقت (المستقطع) من زمن القهر..

            أرحَل
مُمتطياً مَتن رغيف الرمق الجاف
فأجده خريفىَّ القسمات
بتبَّخر منى ماء الجذر

وتُفتح كلُّ ثغور الأوراق العلوية والسفلية..
            قسراً
تتبَّخر أحلام الصوت... البيت.. العيش.. الماء
أزدردُ الملح
أتبعثره - عند ظهور القمر الأعمى فى خارطة العالم والأشياء -
أشلاء تنفر من أشلاء

يصرخ نبتٌ.. طفلٌ
     -«‬إن الكون يباب»
يُفرخ بيض الرُّخ بصدر الأرض
    قارىء كف..
    قارئ مندَل

يُعلن كاهن بيت الرخ
    - «‬أن الصبح وليد الليل»
أُعلن:
    (أن الصبار المُر
    لا يطرح قِشدة)
تتخفَّى الشمس بثوب «‬القرش»

وتخرج خِلسة
يُحشر ثمة حلم.. ملح بين الضرس وبين الناب
أزهو تيهاً
أشعلُ فى الجهر لُفافة تبغ..
        وأدخنها
ألقى الباقى منها.. وعود ثقاب
فى وجه الرُّخ الليلى الملمح..
    الأسفلتى القسمات

يَفترُّ الثغر اللا محدود

    عن لقطة استخفاف:

«‬أتقايض
كسرةُ خبز.. عتبةُ بيت.. شربةُ ماء
ومقابل هذا
أسحق هذا الحلم - الملح.. الرابض بين الضرس وبين الناب»

أأبى

تسقط من شجرة عمرى ورقة

فأعود وأشعل فى السر لُفافة تبغ

أسحبُ حزناً

ألقيهافى وجه الوجه الرابض فى المرآة

وأعدُّ العمر المنقضى

         ببقايا لُفافات التبغ المنثورة

         عبر الحارات الحُبلى

          بالطفل الضيف.



عُذراً يا بلهاء - أكتوبر 1983

1

عُذراً.. عُذراً.. يا بلهاء
    إنى أخلفتُ الموعد عن عمدٍ

            لا نسيان
ما جدوى تكرار الكلمة
ما جدوى تكرار الحركة
ما جدوى الماء
    فزمان العالم جدب
        لا ينبت فيه الإنسان

2

من بين الخصلات المُرساة فوق شواطئ نهر العُمر
كم سافرتُ بالعين وبالإحساس وبالفكرْ
لكنى أرجع دوماً مهزوماً
فالمنظر نفس المنظر يتكرر
والمنطق دوما مقلوب

3

عاصرتُ الريح الحُبلى بالتدمير
    مذ كانت فى مهد الكون
    نسمة صيف
عاصرتُ الجرح النازف عُمراً عُمراً
    مُذ كان النصل..
        حبَّة قمح
عاصرتُ الدمع الآكل عين الأم

   

مُذ كان الطفل جنيناً
    لم يبلغ بعد.. عُمر الطرح
فعرفتُ بأن الثقب الكائن بالباب الموصد..
            سُد
لحظة أدرك أن المفتاح..
        لم يُصنع بعد


تداعيات الأمس البعيد - 27 يناير 1983

غافلتُ العُمر المشدود بقرص الساقية الدائر..

        عكس الحلم
من قمقم موتى - الأول - أخرجت الرأس..
ثم انسابت باقى الأعضاء وراحت تتنفس..
        صعداء البعث
أرضاً غير الأرض
    وطأت قدمايا
كانت نصفين..     

    جُبت
لم ألق قارات.. بلدان.. مُدنا..
    وتحسستُ بطون النصفين خجلاً
فدُهشت
لا يوجد ما ينبئ عن حَملٍ أسود
لا توجد أى بشارات عن مولد آخر موت
وسألت الواقف فى منتصف المعبر
لم يبد جواباً غير الإيماءة نحوى وتصاعد ممتطياً متن الريح

...

الأرض النصفان صارت كُلاً واحد
وانهار المعبر
ففهمتُ القصد
ورجعتُ لأبحث عن قُمقُم موتى الأول
فوجدتُ القُمقُم لكن..
قد استأجره عمرٌ آخر.


نقوشٌ على وجه الأهرام - فبراير 1984

1

قد نجهلُ كُنية شىء ما
لكن..
حين نقامر بالإحساس أو التفكير..
نتوحد فيه
جزءٌ منه هو الإحساس بطعم شُواء وُزع فى غيبة..
        ميزان العدل
«‬كم اشتم الفقراء روائح أشياء لم يدروا نكهتها»

جزءٌ منه هو الإصغاء لصوت الغربان.. الريح الأمشيرية
.. حين تجلجل فى فلوات الأذن الموسيقية
«‬كم عفَّر وجه المتسول أمشير اللامساواة»
من وقتٍ كان الحائط للمتسول خيمة أمن
وتمدد ظل الحائط فى طرقات النفس المنكسرة
(وتزأبق)

مكارٌ هذا الحائط لا تفضِ إليه بخوفك
«‬هذا السر المنفضح»
لا مكمن للسر.. الصدر
مرآة للمكنونات كلُّ عيون الخوف
فلتسرق - يا متسول شيئاً من مقتنيات الاجداد
    من بيت العدل
أو اقضى العُمر المتبقى فى غزل رداء الاستسلام
«‬قالو فى أسفار العهد الغابر
    فى مخطوطات التاريخ:
    قد يطرح سيفٌ ظلاً
    قد يبنى مُدناً
    قد يعزف لحناً لمساواة».

2

أى مغترباً فى ذات الموت
زمن الجلباب الأوحد فوق الجسد
وعمامات الرأس المتسخة
(واللبدات) المهترئة
والقلب الأبيض..
تحت أساسات عمارات السادة.. دِيس
«‬إن تملك ما يشرى.. تَسُد
دُفِن بأعمدة الإسفاف اليومى
وجرائد تعلن عن إتمام زفاف فى صالات.. الرقص
.. الجنس.. الفترينات الحُبلى بالعصر الرنَّان

الأحصنة العربية حين تصير أداة للكسب السهل
«‬بِعت الخامات لقاتل جَدَّك
منها كرسى الحكم الفكرى
                     صُنِع».

3

عذراء من عدة آلاف أو أكثر من سنوات الميزان
جاء زمان الهتك
    يا أهرام الجد الأبله
«‬إن ارتبت بمن توهبه التركة
    بددها.. هذا أولى».
- أو لم تسمع صوت الجد
- بلى
     «‬أيهدهد طفلاً عربياً.. جندى تترى     
       أيصون الهكسوس كلام الله».


المسرحية

                 بدون عنوان

المكان: خشبة مسرح قبل رفع الستارة

الزمان: قبل العرض بدقائق

مشهد (١)

الممثل وحيدا على خشبة المسرح فى مواجهة الجمهور، أمام الستارة المغلقة، والإضاءة تحاصر الممثل وتتعقبه فى تحركاته وباقى المسرح مظلم.

الممثل: مساء الخير

اسمحولى أعرفكم بنفسى.. أنا الممثل «‬س».. بعد الاختبارات اللى أجرتها اللجنة المكونة من المؤلف والمخرج والشاعر كاتب الأغانى والملحن ومهندسين الديكور والإضاءة والأدباء والإكسسوارات وعدد من الصحفيين وقع الاختيار علىّ من بين ٩٣ وجه جديد عشان أمثل الدور اللى هتشوفوه.. بعد دقايق من دلوقتى، ولأن مسرحنا مسرح شعرى تجريبى.

(لاحظوا أنه بقى من حقى أنى أقول «‬مسرحنا» وأعتبر نفسى أنا اللى منضم حديثا.. واحد من الأعضاء المسئولين عن هذا المسرح العريق، يعنى لى ما للفرقة وعلىّ ما عليها).

باقول لأن مسرحنا مسرح شعرى تجريبى فمن حق أى عضو فى العرض أنه يعمل اللى عايزه طالما ما هيخِّلش بالخطوط العريضة اللى اتفقنا عليها وعشان كده استخدمت أنا الحق ده فى انى أدردش معاكم - انتوا اللى ما اتاخدش رأيكم فى اللى اتفقنا عليه - فى أحاسيسى وانطباعاتى عن المسرحية ورأيكم فيها اللى بيه يمكن اقدر اقرب أدائى للدور بتاعى من استجاباتكم، يعنى على سبيل المثال اعرف إيه اللى يضحكم وإيه اللى يبكيكم، مش علشان اعمله بالظبط، لكن علشان اتحرر أكثر من كونى على خشبة مسرح وبامثل وانتوا عليكم انكم تستقبلوا وبس وانتوا مرتاحين ع الكراسى الجلد، ويمكن جايين صدفة، أو غصب عنكم أو حتى بمزاجكم، بس أكيد فيه بينا شَعره زى وتر لازم يتشد بنعومة وقوة، لكن بحذر، علشان لما المسه جوايا، يرن جواكم، أو لما تشدوه جواكم أحس به جوايا فأشده يرن. وإلا لا هيبقى لا مسرح ولا شعرى. يمكن تجريبى صحيح بس التجريب بالشكل ده هيبقى تخريب فى معمل مقفول عليه حُرَّاس جوايا وجواكو وجوَّا بقية أعضاء الفرقة.

اتفقنا

(واحد من الجمهور يتحدث وهو فى مكانه)

متفرج: لأ. لسه.

    اسمح لى، كلامك وجيه، لكن فيه حاجتين عايز أناقشك فيهم.

الممثل: اتفضل، ممكن تطلع هنا جنبى، وتتكلم براحتك.
متفرج: لأ طبعا. ما هى دى الحاجة الأولى اللى عايز أناقشها.. المكان يا صاحبى، المكان المختلف له كلام مختلف.
الممثل: ازاى؟ هل تقصد إنى مكانى على خشبة المسرح ممثل يعنى، بيفرض حدود، تختلف عن الحدود اللى بيفرضها مكانك كمتفرج.
متفرج: ده بالتأكيد، لكن مش مسألة الدور بس؟ فيه كمان الشخصية المرسومة فى خطوطها العريضة، يلزمك تملاها تفاصيل، يعنى نعمل لها لحم ودم، واللحم والدم ده ليه زمان ومكان بيكون فيه، وبياخد تاريخ شخصى فى تكوينه من يوم ما اتولدت لحد النهاردة، من أول مانزلت من بطن أمك، كان ليل.. نهار.. ضهر.. عصر، كان فيه أصوات حواليك، نوعها،  درجتها، والدماء اللى كانت موجودة، نزلت فى بيت ولا فى مستشفى ولا فى طريق ولا فى غيط ولا على مينا أو مركب، كان فيه حمار ينهق ولا أب راجع من الشُغْل وبيسب ويلعن، فيروز بتغنى ولا حنفية بتنقَّط ولاَّ مكنه كهربا بتزمجر ولا عيال بيفرقعو بمب، كان الشباك مفتوح ولاَّ موارب، ولا مقفول شيشه وقزازه ولا مفيش شباك خالص، والشباك بحديد ولا بسلك.

(متفرج آخر يشترك فى الحوار من مكانه أيضاً)
متفرج ٢: كان براد الشاى ع النار، وباسمى الوردة «‬....» حبيبتى العمران بالوحدة وباليأس، وباسمى سرير العرق الطازة مدق وخير على مدخل جسم حبيبتى قعدت، عيّل متشوش حسه، ومشبوك فى الطيارة الورق اللى معدِّية الناحية التانية، ديل جلابيته، رفيت الحبل، اختلط اليانسون الفاير بتراب حوش المدرسة المبلول ف يناير بعصير القصب المكبوب ع البدلة السمنى فى عيد الكحك، اتسك الشباك، وخش يعصر شوقه لشفايف تانية يكون شوكها أقل وورقها أدبل والمتزاحمين تحت ريحتها عرايا تماماً م الخوف والقسوة ومن شُبهة ترقيع الوردة بالحزن الخافت على يوم بيعدِّى وف الروح شوق للشاى بيعلِّى الطيارة الورق اللى بتصغر ويبلل فرش سرير الوحدة وهدوم النايمين الطايفين على موج يأس، ف يناير أقسى الأعصاب العريانة فى روح حبيبين فاجأتهم رغبة ف فصل الجسدين، فقامو صبُّوا الشاى المغلى ف روحهم، واتغّطو بتنضيف الشقة ولم الغسيل المنشور.