رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

سنوات التيه:البحث عن مرافئ السلام


الكتاب : سنوات التيه المؤلف : محمد سليم شوشة الناشر : دار المحروسة

الكتاب : سنوات التيه المؤلف : محمد سليم شوشة الناشر : دار المحروسة

محمود عبدالله تهامي
6/8/2019 11:37:36 AM

»سنوات التيه»‬ للروائي الناقد محمد سليم شوشة، تقتحم عالم الأزمة السورية بمنظور إنساني، بالغ الحساسية والدقة، فهي تضع القارئ وسط الأزمة وكأنها تهمس، مبتعدة عن الجعجعة وضجيج الشعارات،تصور ما آلت إليه الأمور، وتكشف النتيجة الحتمية لحرب طاحنة طالت الإنسان قبل أن تصل للأرض والحجارة.
في السنوات القادمة سوف تمتلك المكتبة الأدبية علي اتساع لغاتها نصوصا أدبية تختلف من حيث الكم والكيف عن مأساة الحرب في سوريا، ويشارك بدور أساسي الكتاب السوريون في تلك الأعمال، فمؤشر قرب انتهاء الحرب وعودة كثير من اللاجئين إلي سوريا سوف تعطي مساحة أوسع للرؤية وللكشف عن حقيقة الصراع، فالإنسان السوري الذي يملك إرثًا حضاريا وثقافيا ضخمًا، يجعله يقف مذهولا أمام هول الخراب والدمار الذي لاقته سوريا.
"ماهر جميل عبد الفتاح بطل الرواية الصادرة مؤخرا عن دار المحروسة،لاجئ سوري، هرب من ويلات الحرب إلي الأردن، ومن هناك إلي مصر، يحمل معاناة شعب بأكمله، أزمة أجيال تعيش زمن التفتت وضياع الأحلام والأوطان، وقد ابتعد سليم شوشة خلال روايته عن دوامة التحليلات السياسية، والرؤي الأيدلوجية الموجهة، لينحاز بشكل مباشر وصريح إلي تأزم مصير الإنسان، الذي يعاني الفقد والخسارة علي كل المستويات، فهو يفقد أسرته يعيش مغتربًا وبعيدا عن أمه وأخته وحبيبته، فقد علي الحدود أمواله التي حصلها من مشاركاته في الحرب مع كتائب متطرفة، فقد قبر أبيه الذي ظل يحمل ألم فراقه، فقد وطنه وأرضه، ووجد نفسه مجرد جسد تعبث به الأمواج، يده تقبض علي الهواء، وحيله قليلة وقاصرة، وتترصده الذكريات فتثير بداخله الكثير من الشكاوي والمتاعب، متي يتخلص من تلك الذاكرة السيئة التي تطارده وتخلق بداخله أزمات مشتعلة تبعده دائما عن حالة السلام والطمأنينة التي لا يزال يبحث عنها؟
إن النص يظل يتحرك مشغولا بفكرة العذاب، الذي يطارد اللاجئ السوري ماهر، وأمنياته في الخلاص، فيصنع عدة مشانق بشقته التي استأجرها بعدما طردته زوجته المصرية التي تكبره سنًا، ولا يمتلك شجاعة الإقدام علي الموت، ويظل ماهر منشغلا بفكرة الموت، في نفس الوقت يتمني أن يجيئه الموت دون أن يذهب إليه، وتتنازعه حالات شديدة الإنسانية عندما يفكر في الموت، ويختار الحياة مرغمًا.
نحن لسنا أمام كاتب يؤلف رواية عن لاجئ سوري، إنما نحن أمام شاب يعثر علي أوراق دونها لاجئ، تضم جزءا كبيرًا من معاناته في اللجوء، والبعد عن أرض الوطن، الذي يبقي دائما حاضرا بتضاريسه وجغرافيته، فنجد جبال سوريا ومدنها وعملتها وطعامها وحتي توابلها، وتفاصيل حياته المتعلقة بسوريا،  فالشاب الذي وقع علي هذه الأوراق حافظ علي ترتيبها ومتنها دون تدخل منه حتي لا يفسد تناسقها، ويجد المتلقي نفسه بالفعل أمام أوراق سوري يكتب الخطابات لأمه، ويسرد تفاصيل حياته في مصر وتنقله ما بين منطقة فيصل وجسر السويس والشيخ زايد والغردقة وحلايب وجبال علبة.
تفرض الانهزامية سطوتها علي النص، فهي بدورها مهيمنة بالكامل علي كاتب تلك الأوراق، ذلك الشاب الذي يعاني جيوش لا حصر لها تحارب في بلده وتهدمها بينما لا يملك أن يفعل شيئا، يعاني من سخرية قادة كتائب أبي الهيجاء الذي حارب معها لمدة قبل أن يتمكن من الفرار، يصفونه بالدعلج »‬القنفذ»، وأيضا من زوجته المصرية مديحه التي طردته في منتصف الليل في الشارع، وهو لا يملك إلا أن يسرق أموالها التي تحصلها من دروسها الخصوصية.
تتضح الذاتية بشكل كبير، فهو نص مكتوب بضمير المتكلم، الذي يجعل أشخاصا وأدوارا أخري تتضاءل مقابل أن تتعاظم الذات، وتجد فرصتها الحقيقية في البوح الكامل والتعبير الصادق عن مكنونها، إن ماهر إثر معاناته يدخل في دوامة من التأملات والتداعيات الحرة، التي تظهر حالة صادقة من مشاعر إنسان يتوجع، هذه التأملات تعطي صورة واضحة وملموسة لحياة "ماهر" الذي يسجن نفسه داخل شقة بمنطقة فيصل،يقضي أوقاته في صنع المشانق، وتعذبه الذكريات، ليخرج بتصورات صادقة عن حالة الحرب، فهو يؤمن أن كل من شم رائحة الجثث في سوريا مات أيضا حتي وإن ظل أمام الناس حيا.
يحب ماهر السينما، وحلم أن يكون مخرجًا،تمني لو أن هناك وطنًا حقيقيا ينعم بالأمن ليدرس الإخراج ويتفوق علي مخرجين عرب أمثال مصطفي العقاد ويوسف شاهين، لكن الأزمة عندما تشتد عليه فتخلط عليه الواقع بالأحلام بالخيالات، نجده يتحول إلي مخرج يصرخ »‬أكشن» لكن هذا الصوت الذي هو علامة واضحة علي بدء أداء الممثلين لأدوارهم أثناء التصوير، يتشكل بصورة مغايرة داخل النص، ليكون علامة علي بدء الحرب، فيستجيب الجنود لإشارته، ويجد نفسه في دوامة حقيقية، يري هولا تتحرك فيه الجيوش من كل مكان، تُهزم قواته وتضعه في المواجهة عاريًا وخاليًا من أي حماية، كان الموت يتسرب إليه مسرعًا ولم يجد شيئا أصدق من أن يوقف تلك الحرب المبيدة بكلمة »‬استوب» لتتوقف الحرب فعلا.
ولكن: هل تتوقف الحرب علي كلمتين »‬اكشن- استوب»؟ ربما تكون الحقيقة متمثلة في هاتين الكلمتين، لأن بلادا أقوي تمتلك المال وتحركه في سبيل استمرار تلك الحرب، ويمكنها أن توقفها أيضا، في الحقيقة "ماهر" يبحث حقا عن المخرج الحقيقي، الذي يستطيع أن يصرخ »‬استوب» فتتوقف كل الصراعات الدامية التي لطخت صورة الإنسان منذ بقائه علي الأرض، تلك الصفة التي يري بطل الرواية وبحسب تصوراته أن الإنسان اكتسبها من الحيوانات الدموية التي انقرضت مبكرا.
اتسمت الرواية بحالة كبيرة من التدفق أو ما يمكن تسميته بالعفوية المتزنة والمدروسة، فالنص يمتلك من القدرات ما يجعل المتلقي يعيش حالة إنسانية مليئة بالتفاصيل والتأملات الفلسفية التي تفرضها وقائع الأمور، هذا التدفق الواضح ارتكز فيه المؤلف علي أربع نقاط ثبات، هذه النقاط مكنته من سرد حكايته بشكل يتجدد دائما، قابل للتمدد، وقابل لمزيد من الحكايات، يمكننا وصف المشهد الأولي الذي يصور من خلاله شخص يقف وحيدا بائسًا يصنع المشانق من سلك معدني في شقة بمنطقة فيصل، من هنا يتدفق الحكي فنعرف ليلي أمه، وجميل أباه، وبشري أخته، وقصته مع كتائب أبي الهيجاء، وهروبه من سوريا، وزواجه من مديحه، وعمله في مقهي بلح، وورشة عامر الخراط.
وعندما يلتقي الباحث بمركز الدراسات بالأهرام حسن ثابت، وينتقل إلي فيلته أو قصره بمدينة الشيخ زايد، فهو يفتح تفاصيل جديدة، ويعطي المتلقي قدرا من الأمل حين يستشعر قرب حل جزء من الأزمة علي يد حسن، ومن هذه النقطة نعرف شجار السوريين مع بعضهم، ومحلاتهم ومشاريعهم الناجحة، واستعادة علاقته بزوجته لتكون بصورة متزنة، ونعرف الجنايني، ومكتبة حسن، وقراءة روايات نجيب محفوظ، ومشاهدة أفلام فؤاد المهندس ودريد لحام، وكأن المتلقي أمام دفقه جديدة من الأحداث والحكايات.
وتأتي النقطة الثالثة، التي تبرز مدي تحولات الحكاية وتنوعها وتطور الأحداث فيها بشكل متنامي، وذلك عندما يعرف فايز السعودي وأصحابه ويقرر أن يسافر معهم إلي الغردقة وحلايب وجبال علبة والمحميات الطبيعية لصيد الحيوانات النادرة، ليجد نفسه في الصحراء، أمام موجة جديدة من التأملات الرائعة حول مصير الإنسان ومصير الأوطان.
وتختتم الرواية أحداثها بالتحول الأخير الذي يتركه الكاتب في يد المتلقي، ليشركه في مساحة التفكير والتأليف أيضا، فهو عن طريق المصادفة يذهب مع الأستاذ محمد ليأتي ببعض اللوازم، وأثناء غيابه تلقي الشرطة القبض علي الشباب ليواجه درسًا قاسيًا، وكأنه يبدأ حياة جديدة، يتجدد لديه الحزن، ويتساءل عن النجاة من هذا المصير المفزع، ساعتها يتلقي رسالة من زوجته تخبره أنها وضعت طفلا، وتنتظر عودته ليختار للولد اسمًا، فتناوش ذاكرته مجددا نداءات السائقين:"اللي رايح السلام".
وهو طوال النص يبحث عن ذلك السلام، وكأن الطفل هذا قد يخلق له مدينة السلام التي يبحث عنها وينشغل بها، هذه المدينة التي تنجح في لملمة تفتته وتمزقه بين البلدان.
إن كانت الأوراق الأخيرة من مذكرات الشاب السوري تحمل بشارة أمل في إمكانية تكوين أسرة عقب ولادة الزوجة، فإن الرواية تحفل بالأشياء الناقصة التي لا تكتمل، فمن يضمن أن يحقق له الطفل السلام الداخلي قبل كل شيء؟! فالأب جميل قضم من التفاحة وتركها في سترته ومات قبل أن يكملها، حتي المشانق الأربعة التي صنعها في شقته لم تمارس دورها في إزهاق حياة إنسان، والحرب في سوريا  لم تنته بعد، ورسائل الأم التي لم تصل، حتي مذكراته لم تكتمل، لقد فقدها علي طريق الغردقة البحر الأحمر، ونحن لا نملك أي معلومات عن الطريقة التي فقد بها حقيبته، التي تلازمه في كل مكان، فهل سقطت منه سهوا، أم واجه لصوصًا، هل قابل الموت الذي رغب فيه طوال الأشهر التي سبقت تلك اللحظة.
في النهاية يمكننا أن نقول إن سيلم شوشة قد نجح في تقديم حالة إنسانية بليغة عن معاناة لاجئ سوري، يحمل هموم وطنه،وتمزق الأجيال الشابة التي تفتحت عيونها علي مراحل سيئة ومتأزمة في حياة الوطن، شاهدوا فيها كيف يفقد الإنسان طموحه وأحلامه بمنتهي البساطة.