رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

في الذكري الثانية والخمسين: نكسة ١٩٦٧ أجهضت حلم القضاء علي إسرائيل


انتصار محمد
6/8/2019 11:42:29 AM

كانت حرب يونيو 1967 قصيرة الأمد إذ دامت ستة أيام فقط، ولكنها غيرت خريطة الشرق الأوسط، فقد هُزمت ثلاثة جيوش عربية (مصر- سوريا- الأردن) أي دول المواجهة، وعلاوة علي ذلك جيش التحريرالفلسطيني.
تعتبر الهزيمة في 1967 هزيمة سياسية بالمقام الأول، ترتبت عليها هزيمة عسكرية بكل أبعادها، فقبل حرب يونيو1967 كانت القضية الفلسطينية هي محور النزاع بين مصر وإسرائيل وهي المحرك الأول للسياسة المصرية تجاه إسرائيل، لذا اعتبرت هذه الحرب نقطة تحول رئيسية في العلاقات المصرية الإسرائيلية، حيث أفاق العرب بعد ستة أيام ليجدوا أجزاء هائلة من أراضيهم تحت أقدام الاحتلال الإسرائيلي، وبذلك لم تعد القضية الفلسطينية وحدها هي محور الصراع العربي الإسرائيلي الرئيسي، وإنما برزت معها قضية الأراضي العربية المحتلة في عدوان يونيه 1967.
لا مجال هنا لشرح عدوان 1967 وجوانبه المختلفة، وإنما ينصب حديثي علي مدي تأثير العدوان علي الفلسطينيين، وهل أدي هذا العدوان إلي إطالة الطريق أمام تحرير فلسطين بحيث أصبحت المشكلة هي أولا تحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل من دول المواجهة كنتيجة للعدوان ويلي ذلك الأرض السليبة (فلسطين) أم أنه أثر بطريقة أو بأخري في مدي التكتل والتجمع الذي انخرطت تحت لوائه جميع الدول العربية وخاصة دول المواجهة بعد النكسة.
ما بعد هزيمة 67
لم يعد خافيا علي أحد أن حرب 1967 كان مخططا لها، فلم تبدأ المشكلة الفلسطينية مع تلك الحرب وإنما بدأت منذ وضع المشروع الكبير أو ما يسمي إسرائيل الكبري، وعلي أثر حرب 1967 تمكنت إسرائيل من تغيير جميع خطوط الهدنة التي حددتها اتفاقية رودس بينها وبين مصر والأردن ولبنان وسوريا في 1949، فأكملت إسرائيل احتلال فلسطين بالمفهوم الدولي المحدد لهذا الاسم منذ عهد الانتداب البريطاني، حيث احتلت الضفة الغربية للأردن، وقطاع غزة، بالإضافة لاحتلالها سيناء بمصر وهضبة الجولان بسوريا، إلي جانب احتلالها مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيت حنين- القدس، ومصادرتها للملفات والأوراق.
أدت نتائج حرب 1967 وما حققته إسرائيل من مكاسب إلي إعادة النظر في السياسة العربية عامة تجاه إسرائيل، والقضية الفلسطينية خاصة، مع ضرورة اتخاذ موقف حاسم موحد تجاه الدول (الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، ألمانيا الغربية) التي وقفت بجانب إسرائيل في الحرب ضد العرب.
خلقت الهزيمة عدة حقائق في المنطقة العربية كان من بينها تصاعد التنافس الأمريكي – السوفيتي بدرجة لم يشهدها الشرق الأوسط من قبل، ثم إبراز فلسطين مرة أخري علي مسرح المعارك وظهور المقاومة الفلسطينية في أجلي مظاهرها في صورة العمل الفدائي والتي قررت خوض معركة التحرير والكفاح المسلح الفلسطيني  بعيدا عن قيود الوصاية الرسمية العربية، ذلك الكفاح الذي حافظ علي استمرار منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي إلي وضع الشعب الفلسطيني لأول مرة في مكانه الطبيعي من الصراع المسلح ضد العدو الصهيوني، رغم كل المؤامرات والمحاولات التي استهدفت تصفيته.
أدَّت حرب 1967 إلي توحيد الشعب الفلسطيني علي جانبي حدود الضفة خاصة بعد فتح الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل، وقد تجسدت هذه الوحدة في إحياء الصلات من جديد بين العائلات الفلسطينية المشتتة.
خسارة دول المواجهة
بعد قرار وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل بادر عبد الناصر بإعلان تنحيه عن السلطة يوم التاسع من يونيو 1967، لكنه عدل عن قرار التنحي تحت ضغط مصري واسع، لتشهد السنوات التالية من حكمه جهداً كبيراً من أجل بناء القوات المسلحة وتحقيق تكاتف عربي كبير لمواجهة العدوان الصهيوني.
خسرت دول المواجهة العربية الكثير، ولكن أمام تصميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر علي تعويض تلك الخسارة الفادحة نادي بوضع استراتيجية جديدة عندما قال »لقد خسرنا  معركة ولم نخسر الحرب ومعني ذلك أنه لا استسلام وأن الحرب ما زالت مستمرة ولن تتوقف، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»‬.
ثم شرح الرئيس عبد الناصر أمام مجلس الوزراء أنه »‬علينا أن نساهم جميعا ونتحرك بسرعة في كافة الجبهات بهدف إزالة آثار العدوان» ولذلك خطا خطوات سريعة نحو إعادة بناء الجيش ومعالجة الوضع الاقتصادي وتحقيق التضامن العربي والتأييد الكامل للقضية الفلسطينية وهذا واضح من الخطاب الذي ألقاه في افتتاح المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكي العربي في الثالث والعشرين من يوليو 1968، الذي قال فيه أن مصر ملتزمة التزاماً كاملاً بتقديم كل مساعدة للعمل الفدائي الفلسطيني، وأن النضال الفلسطيني كان يعد علامة تحول كبيرة في الموقف العربي كله، وهذه العلامة لا نشعر بها نحن فقط ولكن شعر بها العالم أجمع، أن الشعب الفلسطيني خرج ليأخذ قضيته ويدافع عن حقوقه بنفسه.
 وبهذه المناسبة بادرت مصر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وتولت السفارة الإسبانية رعاية المصالح الأمريكية في مصر، وذلك لاتهام الأخيرة والأردن باشتراك هذه الدول مع إسرائيل في العدوان الجوي علي العرب مع إسرائيل.
 وعندما اتخذت مصر قرارها بقطع العلاقات بادرت الدول العربية الأخري مثل موريتانيا والصومال بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وكذلك منع تصدير البترول إلي بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا الغربية أيضا، وأغلقت سوريا خطوط الأنابيب المارة في أراضيها، وعطّلت لبنان العمل في موانيها البترولية.
التضامن العربي
تحققت فكرة التضامن العربي لدول المواجهة تجاه العدوان الإسرائيلي، جاء ذلك عندما شاركوا في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بالكويت في السابع عشر من يونيو 1967 بناء علي دعوة من العراق، للاتفاق علي اتخاذ سياسة موحدة لقلب نتائج المعركة مع إسرائيل ولدعم استخدام البترول كسلاح في معركة التحرير.
تجلي أيضًا التضامن العربي في التقارب المصري الأردني وتقدير عبد الناصر لموقف الملك حسين ودخوله الحرب مع مصر وما كلفه ذلك من فقدان الضفة الغربية، لذلك وجَّه الرئيس المصري خطاباً للملك حسين في الثاني والعشرين من يونيو 1967 ذكر فيه أن مصر علي استعداد لربط مصيرها وأقدارها ربطاً كاملاً ونهائياً بقضية شعب الأردن.
وتأكد ذلك التقارب في حضور الملك حسين إلي القاهرة وهو في طريقه إلي نيويورك لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة باعتباره ممثلا للجانب العربي للتشاور مع عبد الناصر الذي أخبره أن مصر لن تخرج من هذه المحنة إلا مع الأردن، وأن مصيرها مصير الأردن، وكان جمال عبد الناصر مقدراً لظروف الملك حسين لذلك سمح له بالتفاوض مع الولايات المتحدة إلي المدي الذي يريده بشرط عدم إبرام اتفاقية صلح منفرد مع إسرائيل لأن في ذلك تصفية للقضية الفلسطينية، وأن يبقي علاقاته كاملة مع الولايات المتحدة، ولأن مصر ستفتح باب الحل السلمي أمام الملك حسين بالنسبة للضفة الغربية ويستطيع الملك حسين أن يلتزم لأمريكا بإنهاء حالة الحرب رسمياً مع إسرائيل كما يمكنه أن يبرم مع الولايات المتحدة اتفاقاً للدفاع المشترك وكان عبد الناصر يدرك تماما صعوبة موقف الملك حسين لأنه إذا طلب أسلحة من السوفييت فإن أمريكا ستقوم بدفع إسرائيل ضده كما أن إعادة التسلح بسلاح جديد وتغييره من غربي إلي شرقي يحتاج إلي وقت طويل، علي أية حال لم يتوقع عبد الناصر وصول كل من الأردن وأمريكا إلي اتفاق سياسي بالرغم من علاقة الصداقة القديمة وهذا ما حدث بالفعل، بالإضافة إلي شعوره بالألم بسبب الإرهاب الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية علي يد الاحتلال الإسرائيلي.
وأثناء وجود الملك حسين في نيويورك اجتمع بالرئيس الأمريكي جونسون الذي كان مشحوناً بموقف عدائي تجاه الجمهورية العربية المتحدة لكن لم يسفر الاجتماع سوي عن وعود غامضة بالنسبة للضفة الغربية، واجتمع خلال شهر يوليو وبالتحديد في الحادي عشر من هذا الشهر عام 1967، عدد من الرؤساء والملوك العرب بالقاهرة بدون ترتيبات مسبقة، حيث حضر كل من الرئيس الجزائري هواري بومدين والملك حسين وكان  بقصر القبة، وبدأ الملك حسين في سرد الأخطاء العربية والتي عزاها إلي عدم وجود موقف عربي موحد مما يؤكد علي أنه لا أمل في الوصول إلي أي حل عن طريق الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولمس أثناء وجوده في نيويورك مدي الخلافات بين الوفود العربية، ثم تحدث عبد الناصر قائلاً إنه قرر المناضلة وعدم الاستسلام وأنه سوف يتحمل أي ضغوط من أجل إعادة بناء القوات المسلحة وبالنسبة للضفة الغربية كان الأمر مختلفًا فالتكدس السكاني يجعل الأمور أسوأ مما هي عليه بالنسبة إلي سيناء لذلك نصح الملك حسين بمعاودة التباحث مع الولايات المتحدة مرة أخري بالرغم من عدم تعاون الرئيس الأمريكي جونسون، لعله ينجح في إنقاذ الضفة الغربية.
بعد ذلك انضم إلي هذا الاجتماع كل من الرئيس الأتاسي (سوريا) والرئيس عبد الرحمن عارف (العراق) والرئيس السوداني إسماعيل الأزهري، وغادر الملك حسين القاهرة بينما ظل الرئيس الجزائري بومدين، وعقد الرؤساء الخمسة؛ عبد الناصر والأتاسي وعارف وبومدين والأزهري اجتماعهم الأول في صباح الخميس الثالث عشر من يوليو 1967، وقد أشار الرئيس الأتاسي إلي أنه من الضروري القيام باتصال مشترك مع الاتحاد السوفيتي للحصول علي معونات عسكرية أكثر فاعلية، حيث وجد أن انفراد سوريا بالطلب لم يكن له صدي ورأي ضرورة الكفاح المسلح ووجود قيادة عسكرية وسياسية موحدة، وبهذه المناسبة أبدت سوريا استعدادها للوحدة مع مصر لكن أبدي عبد الناصر رفضه لتحقيق تلك الرغبة لأنه كان يسعي إلي تحرير الأراضي العربية المحتلة قبل أي شيء آخر. وانتهي اجتماع القاهرة علي أساس أن يجتمع وزراء الخارجية العرب في الخرطوم بشكل شامل وموسع في الشهر التالي.
وبالفعل شهد أول أغسطس عقد مؤتمر وزراء الخارجية العرب بالخرطوم في جو مشحون بالانفعالات والغضب والرغبة في الثأر من الهزيمة وكان من الصعب أن يخرج وزراء الخارجية في هذا الجو بخطة عمل، كما كانت هناك خلافات في مواقف دول المواجهة فيما يتعلق بكيفية الخروج من الأزمة حيث رفضت الحكومة السورية الاشتراك في مؤتمر القمة لخلافاتها في ذلك الوقت مع الأردن بشأن اقتراح إقامة وحدة عربية عسكرية وتقرر رفع هذا الموضوع إلي مؤتمر القمة العربي.
علي أية حال فقد أسفر اجتماع وزراء الخارجية العرب عن عدة قرارات من بينها دعم التضامن العربي وتسخيره في المعركة ضد إسرائيل، وسحب الأرصدة العربية من البنوك الأمريكية والبريطانية ثم تصفية القواعد الأجنبية من البلاد العربية، وأخيراً ضرورة عقد مؤتمر قمة عربي بالخرطوم أواخر هذا الشهر.
مؤتمر القمة بالخرطوم
بناءً علي ما تم الاتفاق عليه في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالخرطوم قامت الحكومة السودانية بتوجيه الدعوة للملوك والرؤساء العرب لحضور مؤتمر القمة العربية الرابع بالخرطوم في الفترة الممتدة من التاسع والعشرين من أغسطس حتي الأول من سبتمبر 1967.
يعد مؤتمر الخرطوم أول مواجهة عربية لعبد الناصر بعد الهزيمة، وقد استقبل الشعب السوداني الرئيس المصري استقبالاً شعبياً لم تشهد الخرطوم له مثيلاً مما كان له أثر بالغ في نفس عبد الناصر، كما حضر كل من الملك فيصل (المملكة العربية السعودية) والملك حسين (الأردن) وعبد الرحمن عارف (العراق)، والأمير صباح السالم الصباح (الكويت)، وشارل حلو (لبنان) وعبد الله السلال (اليمن) والأمير حسن الرضا ولي عهد ليبيا وأحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ووزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقة نائباً عن الرئيس هواري بومدين ومحمد بن هيمة رئيس وزراء المغرب مندوبا عن الملك الحسن والباهي الأدهم رئيس وزراء تونس مندوبا عن الرئيس بورقيبة، ولم تحضر سوريا رغم وجود إبراهيم ماخوس نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية سوريا في الخرطوم ومتابعته أحداث المؤتمر من فندقه مقر إقامته.
وعندما أثير موضوع الدعم وأنصبة الدول البترولية أيد عبد الناصر استمرار ضخ البترول، فقد رأي أن وقفه يتم في حالة إتمام الاستعداد العسكري وطالما أن بناء القوات المسلحة يحتاج إلي وقت طويل فلابد من الضخ، كما اتضح أن الدول البترولية لديها احتياطي يكفي ثلاثة أشهر فقط.
ثم استطرد الرئيس المصري »‬أمام العرب طريقين، إما أن يستسلموا وبذلك ينتهي كل شئ وإما أن يقرروا المقاومة مدركين أنها كانت الطريق الأصعب، لابد لنا أن نبني قواتنا المسلحة حتي نستطيع أن ندفع العدوان عنا، ولابد من وضع خطة لذلك»، وهذا يعني تبني عبد الناصر فكرة الحرب.
وأوضح جمال عبد الناصر أيضًا: »‬إن مصر إلي جانب خسائرها الفادحة في الرجال والعتاد، والحاجة الضرورية إلي إعادة بناء قواتها المسلحة، إلا أنها خسرت حوالي 230 مليون دولار سنوياً بسبب إغلاق قناة السويس»، وكانت الخزينة المصرية خاوية من العملة الأجنبية ولا تكفي العملة لشراء الموارد الغذائية.
كما أصيبت حركة السياحة بكساد في نشاطها أدي إلي إصابة دخلها بضرر بالغ يقدر بأكثر من 110 ملايين دولار سنويا، وأدي احتلال سيناء كذلك إلي فقدان الاستفادة من حقول البترول و الذي يقدر الدخل السنوي منها بما قيمته 90 مليون دولار، كما أصيبت مصافي النفط في السويس بأضرار بالغة أدت إلي توقع زيادة الاستيراد من النفط المكرر، وأعلن الملك حسين إنه يحتاج حوالي 40 مليون جنيه سنويًا لإدارة شئون الدولة بعد حرب 1967.
هكذا استطاع كل من الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين أثناء عقد مؤتمر الخرطوم أن يقدما صورة حقيقية وصادقة للوضع، وأن يؤكدا علي أن العرب يجب عليهم أن يسعوا إلي إيجاد الحل السياسي، وخاصة أن الملك حسين كان قد أعلن أن نصف بلاده قد تهدم، وأن بلاده لن تلبث أن تنهار، وأن ظروفه تجعله علي استعداد للتقدم بطلب إلي إسرائيل ليعرض عليها إنهاء حالة الحرب، مضيفا: »‬إن سبب هذه الكارثة راجع إلي ضعف الزعماء العرب وعدم إحساسهم بالمسئولية».
تأثير النكسة علي الاقتصاد
يتضح مما سبق مدي التأثير الشديد الذي تركته حرب 1967 علي الاقتصاد المصري والأردني، وهذا يفسر مدي حاجة هذا الاقتصاد الملّحة إلي المساعدات العربية للتعويض عن بعض أضرار الحرب، ومما يذكر أن المؤتمر حدد قيمة مساهمة الدول العربية بمبلغ 135 مليون جنيه إسترليني، وقد أبدي الملك فيصل استعداده لدفع خمسين مليون جنيه إسترليني، بينما ساهمت الكويت بـ 55 مليون جنيه ثم قررت ليبيا دفع الثلاثين مليون الباقية، وكان محدداً للأردن 15 مليون جنيه إسترليني من هذه النسبة وتم رفعها إلي 40 مليون جنيه بناء علي طلب شخصي من عبد الناصر وخُصِم من نصيب الجمهورية العربية المتحدة تقديراً منها لموقف الملك حسين في حرب 1967، وبذلك صار نصيب مصر 95 مليون جنيه والأردن 40 مليون.
وخلال المؤتمر تقدم أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بمذكرة تضمنت ما يلي: لا صلح، ولا تعايش مع إسرائيل، ورفض المفاوضات مع إسرائيل، وعدم الاعتراف بالاحتلال السابق (احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1948)، وعدم الموافقة علي أي تسوية فيها مساس بالقضية الفلسطينية، وما يؤدي إلي تصفيتها، عدم التخلي عن قطاع غزة، والضفة الغربية، ومنطقة الحمة، في نطاق الاتصالات الدولية، في هيئة الأمم المتحدة وخارجها، لا تنفرد أي دولة عربية بقبول أي حلول لقضية فلسطين، والتركيز الدائم المستمر، علي الصعيدَين: العربي والدولي، علي أن قضية فلسطين، وإن تكن قضية عربية مصيرية، إلا أن شعبها هو صاحب الحق الأول في وطنه الذي يقرر مصيره.
كما اقترح أحمد الشقيري علي المؤتمر إصدار قرارات، تطالب بالوفاء بالالتزامات المالية تجاه المنظمة وجيش التحرير الفلسطيني، وتمكّنت المنظمة من تحمّل مسئوليتها عن تنظيم الشعب الفلسطيني، وتعزيز جيش التحرير الفلسطيني، واستكمال سلطتها عليه، وإنشاء معسكرات لتدريب الفلسطينيين في الدول العربية، بالتعاون مع المنظمة، وتمكين هذه الأخيرة من استيفاء ضريبة التحرير من الفلسطينيين. كانت النتيجة أن المؤتمر لم يقرر سوي الثلاث »‬لاءات» الأولي فقط.
وهنا أكد الرئيس جمال عبد الناصر علي عدم الاستعداد للدخول في حرب عسكرية دون سلاح، وفي تلك الحالة يكون من الأفضل النضال سياسياً، فاحتدم الموقف، خاصة بعد رفض منظمة التحرير الفلسطينية أي حل سلمي للقضية الفلسطينية، معلنة بأن إزالة آثار العدوان لن تتم إلا بالقتال والكفاح المسلح، ومع ذلك لم يقرر المؤتمر سوي البند الأول من مذكرة الشقيري وهو »‬اللاءات الثلاثة»، ورفض اقتراح المنظمة الخاص بألا تنفرد أي دولة عربية بقبول أي تسوية للقضية الفلسطينية. حينئذ انسحبت منظمة التحرير الفلسطينية، رغم محاولات الوفود العربية إقناعها بعدم الانسحاب.
يتضح هنا مدي الاختلاف في وجهات النظر بين دول المواجهة ومنظمة التحرير الفلسطينية، فالقضية لم تعد قاصرة علي شعب فلسطيني فقد أرضه، بل ودول عربية أخري فقدت أيضًا أجزاء من أراضيها.
قرارات ونتائج
انتهي مؤتمر الخرطوم بعدة قرارات كان أبرزها:
>تأكيد وحدة الصف العربي، حيث أكد ملوك ورؤساء الدول العربية والممثلون التزامهم بميثاق التضامن العربي الذي أصدره مؤتمر القمة الثالث بالدار البيضاء عام 1965 وتطبيقه.
>إزالة آثار العدوان وتضافر جميع الجهود علي الصعيدين الدولي والدبلوماسي لإزالته، وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية المعتدية من الأراضي العربية المحتلة بعد عدوان يونيو 1967، وذلك في نطاق المبادئ الأساسية التي تلتزم بها الدول العربية، لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في وطنه.
>استئناف ضخ البترول لدول الغرب ومنح الدعم السنوي للجمهورية العربية المتحدة والأردن.
كما قرر المؤتمر أيضا العمل علي اتخاذ الخطوات اللازمة لدعم الإمداد العسكري من أجل مواجهة كافة الاحتمالات وضرورة تصفية القواعد الأجنبية في الدول العربية.
ترتب علي مؤتمر الخرطوم عدة نتائج جاء في مقدمتها توحيد الجهود العربية بهدف واحد هو إزالة آثار العدوان، وإدراكهم الفعلي لحجم قدراتهم العسكرية في مواجهة الصراع العربي الإسرائيلي، ثم انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، وبداية عهد جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات الفدائية التي تطالب بالكفاح المسلح الفلسطيني، فبينما كان خيار دول المواجهة والدول العربية باستثناء سوريا هو العمل السياسي لاسترداد الأراضي المحتلة والقضية الفلسطينية، كان الكفاح المسلح هو خيار الشعب الفلسطيني، وبالتالي رأي قادة المقاومة أن حرب العصابات هي المناسبة ضد العدو الإسرائيلي.
المنظمات الفدائية وقرار مجلس الأمن
صاحب نمو العمل الفدائي بعد حرب يونيو 1967 نشاط حركة المقاومة الفلسطينية وظهور حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) ونشاطها الفدائي المسلح، نشوء عدة منظمات جديدة منها (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) بزعامة جورج حبش، ومنظمة طلائع حرب التحرير الشعبية (قوات الصاعقة) التي انبثقت عن حزب البعث الاشتراكي الحاكم في سوريا، و(جبهة النضال الشعبي) الفلسطيني بقيادة بهجت أبو غريبة، وكانت قد ظهرت أعداد أخري من المنظمات ومنها (الجبهة الشعبية الديمقراطية) و(الجبهة الشعبية للقيادة العامة) و(الجبهة العربية لتحرير فلسطين)، وقد سعت كل هذه المنظمات الفدائية الفلسطينية - مستفيدة من الفراغ السياسي الناشئ عن النكسة - إلي تعزيز حضورها علي خطوط المواجهة مع إسرائيل ولاسيما في الأردن، ورغم أن تلك المنظمات متفقة علي أهداف النضال التحرري للشعب الفلسطيني لكنها اختلفت من حيث اتجاهاتها السياسية وأساليب الكفاح، مما أدي إلي إضعافها وفشل الوصول إلي الأهداف المرجوة وعلي رأسها تحرير فلسطين.
وفي ضوء نتائج عدوان يونيو 1967 كانت قد ظهرت علي الساحة العربية معطيات جديدة من أبرزها: تزايد العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ظهور محاولات صهيونية هدفها تصفية القضية الفلسطينية والقبول العربي لقرار مجلس الأمن 242 الصادر في الثاني والعشرين من نوفمبر 1967 والذي وافقت عليه مصر والأردن في حين رفضته سوريا وشجبت أي تسوية سلمية مع إسرائيل  باعتبارها خيانة للحقوق الفلسطينية، كما رفضه كل من العراق والجزائر والسودان ومنظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني بأكمله، وذلك لعدة أسباب من بينها أن القرار يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة، وإنهاء حالة الحرب بين الدول العربية وإسرائيل، ويترتب علي ذلك فتح الممرات العربية المائية للملاحة الإسرائيلية والتزام الدول العربية بإنهاء المقاطعة العربية لإسرائيل بما في ذلك إلغاء جميع التشريعات العربية الخاصة بتنظيم المقاطعة العربية لإسرائيل، كما يترتب عليه إنهاء حالة الحرب والسماح بالتبادل الاقتصادي الإسرائيلي وفتح الباب لغزو المنتجات الإسرائيلية للأسواق العربية.
ويتضمن قرار 242 أيضا إقامة حدود آمنة متفق عليها مع إسرائيل، ومعني ذلك  التزام الدول العربية بالمحافظة علي أمن إسرائيل وفي مقدمة ذلك ضرب العمل الفدائي وإيقاف الثورة الفلسطينية والحيلولة دون وصول الشعبين الفلسطيني والعربي إلي تحقيق الهدف وهو تحرير فلسطين والقضاء علي الخطر الصهيوني.
أعلنت حركة فتح والمنظمات الفلسطينية رفضها التام للقرار واعتبرت أن الشعب الفلسطيني غير ملزم بما يصدر عن منظمة التحرير الفلسطينية من قرارات تتنكر لحقوقه، وأنذرت أي جهة عربية تحاول فرض وصايتها علي الشعب الفلسطيني بقبولها لقرار تجاهل إرادته ونضاله، وأعلنت رفضها شعار »‬إزالة آثار العدوان» الذي رفعته القمة العربية بالخرطوم واستبدلته بشعار »‬القضاء علي أداة العدوان».
وهكذا يتبين أنه بموجب قرار 242 برزت قضية الأراضي العربية المحتلة علي حساب القضية الفلسطينية التي تراجعت في المقام الثاني، وحل شعار »‬إزالة أثار العدوان» محل شعار »‬إزالة الكيان الإسرائيلي»، وقد اعترف جمال عبد الناصر قائلا: »‬لقد قبلنا قرار مجلس الأمن الصادر بتاريخ الثاني والعشرين من نوفمبر 1967 لأنه كان كافيا لمواجهة إزالة آثار العدوان».
ولكنه في الجانب المقابل للمقاومة الفلسطينية فقد أعلن أن »‬مصر تقدر موقف منظماتها من رفض قرار مجلس الأمن رقم 242 لأن هذا القرار ليس كافيا بالنسبة لمشكلة فلسطين وهي أصل المشكلة» وعندما أشار جمال عبد الناصر إلي منظمات المقاومة الأساسية ذكرها بالاسم ثم عاد وأشار إلي منظمة فتح، مشيدا بوعيها السياسي في مخاطبة الرأي العام.
وعلي كل حال؛ لقد اعتبر قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 بداية لقبول مبدأ الحل السلمي مع إسرائيل، وهذا معناه الاعتراف بها كدولة، وإجهاض ما كانت تهدف إليه دول المواجهة وفلسطين من تحرير الأراضي الفلسطينية تحريراً كاملاً وإزالة ما سمي بدولة إسرائيل.