رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

صوفية النحت في أعمال أمجد التهامي


مني عبد الكريم
12/23/2017 11:21:45 AM

في معرضه »أحلام الحرية»‬ يحرر أمجد التهامي الكتلة من ثقلها ويحلق بها في آفاق الروح، فتتشكل تلك الأفكار التي تشغل حيزا من عالمه الداخلي في شكل منحوتات انسيابية تحلق دون أجنحة،حتي ليحاول من خلال تلك المنحوتات أن يستكشف عوالم ما وراء الطبيعية ويفتح أبواب المعرفة في الروح ويتساءل عن تلك اللحظة التي يدخل إلي عالم الأحلام،وعن البوابة التي نعبر من خلالها.. وغيرها من الأسئلة الفلسفية.
علي باب المعرض الذي أقيم مؤخرا بجاليري أوبونتو بالزمالك استقبلتني منحوتته البرونزية التي مالت إلي اللون الأخضر نسبيا وأطلق عليها اسم »‬أحلام الحرية» وهو الاسم الذي اختاره عنوانا للمعرض ككل..  بالنسبة لي كان العمل »‬مناجاة»، ليذكرني بالصوفي المحلق في سموات الروح.. ينظر إلي السماء فاردا يديه متضرعا  حتي ليفنيه الوجد.
»‬ هذه القطعة هي بداية الإلهام».. بهذه العبارة بدأ الفنان أمجد التهامي حديثه معي مضيفا : كنت جالسا علي شاطئ البحر بالأسكندرية مسترخيا ومتأملا في السماء وشعرت بإرهاصات البدايات وكانت هذه هي نقطة الانطلاق.
منحوتات التهامي تقدم الجسم البشري بمنحنياته وتموجاته بشكل خاص لتعكس مكنون ذاته، وقد قدم الفنان حالات مختلفة تنوعت بن الإنسان المنطوي علي ذاته المتحرر في الرقص، إلا أن كلا منهما وجهان لعملة واحدة المتمثلة في رحلة الإنسان علي الأرض ووقوعه في دائرة الحيرة بين الجسد والعقل والروح وبين المعلوم وغير المعلوم والمرئي واللامرئي،  إضافة إلي توظيفه لشكل الرأس التي تعتبر مفردة مهمة للغاية وظفها في العديد من الأعمال منذ البداية حتي الآن.. ومن قطعة لأخري يزداد اليقين أن تلك المنحوتات ما هي إلا وسيلة يفرغ  بها التهامي كل تلك الأفكار التي تثقل روحه وتشده إلي الأرض عله يخرج من حيز الجسد ويحلق..  
يعلق الفنان قائلا : كانت تلك المنحوتات محاولات لطرح أسئلة دون رغبة في الحصول علي إجابات شافية.. فالبحث الدائم في الشكل يمنحني إجابات حتي لو إجابات شفافة غير واضحة.
وعلي الرغم من أن “أحلام الحرية” هو المعرض الفردي الرابع للفنان أمجد التهامي إلا أنه يصف معارضه الفردية بأنها رحلة بحثية متصلة لابد من التعامل معهما باعتبارهما محطات في رحلة فلسفية واحدة..ففي معرضه الأول “الرأس البيضاء بين النور والظل” استخدم الفنان خامة الجبس، كرمز دلالي علي أن الإنسان يولد أبيض مستندا إلي تقديم تنويعات نحتية لمفردة الرأس.. وبين الظل والنور تتراوح رحلة الإنسان علي الأرض بين الخير والشر. أما في المعرض الثاني “دوائر”،استخدم التهامي لدائن الفايبر الملونة لرغبته في توظيف اللون وعالج من خلالها موضوع الدائرة وهو موضوع مرتبط ارتباطا وثيقا بالفكر الصوفي وكذلك بالأفكار الفلسفية لما تحمله الدائرة من دلالات عدة، حيث يقول الفنان إن حياتنا ما هي إلا مجموعة من الدوائر المتداخلة المادية وغير المادية.. دوائر الحياة والزمن والحرية والإنسان.
في آخر معرضين “طريق العودة”،و” أحلام الحرية” تحول الفنان إلي خامة البرونز،وهي خامة عنيدة تحتاج صبر ومجهود كل تصل لتلك الدرجة من النعومة والإنسيابية التي يحرص الفنان عليها حتي لتبدو أعماله مصقولة كالرخام، بالنسبة له خروج قطعة دون أن يكون راضيا عنها تماما علي الصعيدين الوجداني والفكري هو أمر مرفوض تماما حتي لو اضطر لهدم القطعة عدة مرات.
ويفضل التهامي البرونز علي الرغم من الخطوات العديدة التي يمر بها حتي يطوعها بما يرضي وجدانه الإبداعي ورؤيته الفلسفية، أما ذلك السطح الأملس والانسيابية المطلقة فهي تساعده في الوصول إلي إحساس روحاني، خاصة مع انعكاسات الضوء علي السطح.. ويبدأ أمجد عادة تشكيل العمل من خامة الطين،  فالتشكيل بمادة من الطبيعة يمنحه طاقة الحياة التي تنير طاقات بداخله آخري بدخله.
جدير بالذكر أن الفنان أمجد التهامي مواليد القاهرة ١٩٦٨، وهو نحات ومدرس بكلية التربية الفنية.. بدأ التهامي رحلته الفنية عام ١٩٩٠ أي قبل إتمامه لدراسته في كلية التربية الفنية بعامين، وبجانب إسهاماته ومشاركاته في المعارض الفنية تمكن أيضًا أمجد التهامي من الحصول علي درجتي الماجيستير و الدكتوراه.