رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

مؤتمر أدباء مصر.. حسنات كثيرة، بعض من الرتابة


المكرمون مع حلمي النمنم ود. أحمد عواض وعبد الفتاح حلمى

المكرمون مع حلمي النمنم ود. أحمد عواض وعبد الفتاح حلمى

سعد القرش
12/23/2017 11:25:59 AM

غبت أكثر من عشر سنين عن حضور مؤتمر أدباء مصر، كان اسمه »مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم»‬، ثم رأي بعضهم أن هذا تصنيف غير عادل، ويتسم باستعلاء يمثله ثقل القاهرة، فأطلقوا عليه »‬مؤتمر أدباء مصر»، هكذا تركته قبل عشرة أعوام أو يزيد، ثم عدت إليه هذا الأسبوع وقد أصبح »‬المؤتمر العام لأدباء مصر». ولكن التسميات المختلفة لم تغير شيئا في بنية كيان لا يزال يراوح مكانه، يراوح نفسه ولو عقد في منتجع شرم الشيخ. غابت وجوه أحبة، وحضرت وجوه جديدة، وبقيت مقولات وقضايا قديمة يعاد تدويرها، وكأن مصر لم تشهد ثورة شعبية في 25 يناير 2011، رفعت سقف الآمال إلي سماوات علا، وسرعان ما ارتطمت بانتكاسات وخيبات أمل، وما تلاها من إحباطات تعد بما تعد به في القادم، إذا الشعب يوما أراد.
يسرى حسان كلمته فى اختتام المؤتمر، فلاحقه من لاحقه ليعرف ماذا سيعلن؟ ورواغ حسان، ثم أعلن فى حفل الختام استقالته مكتفيا بدورة واحدة، لكى يعطى فرصا لتداول سلطة أمانة المهرجان، أملا فى أن يكون ذلك تقليدا على مستويات أعلى فى الدولة. وكان توريث السلطة لجمال مبارك يتم بخطى واثقة ومدروسة لها عرابون منهم على الدين هلال، ثم هبت ريح الثورة ونسفت كل هذه الأوهام، فقط.
لمؤتمر أدباء مصر حسنات كثيرة، أولها الإجماع فى كل دوراته على رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، وتفاعل بيانه الختامى وتوصياته مع الشأن العربى العام، وفى دورته الأخيرة رفض القرار الأمريكى الذى يعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى وأكد أن القدس عاصمة فلسطين الأبدية، معترفا بحق الشعب الفلسطينى فى الكفاح والمقاومة من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني، وضرورة إعادة تقييم العلاقات المصرية الأمريكية على كافة المستويات والأصعدة، كما أكد على مصرية جزيرتى تيران وصنافير. ومن توصياته القديمة المتجددة الانتصار للديمقراطية، ودعم الحريات العامة، والمطالبة بحرية كل صاحب فكر ورأى أضير بسببهما بشكل تعسفى يخالف القانون والأعراف الأدبية والأخلاقية.
من هذه الحسنات أيضا تكريم رموز الإبداع والفكر إلى جانب المجيدين من الأجيال التالية. أسعدنى هذا العام تكريم فريدة النقاش رئيسة المؤتمر، أول رئيسة لهذا المؤتمر. هى ليست فحسب عضو المكتب السياسى لحزب التجمع الذى أسهمت فى تأسيسيه عام 1976، ولا أول امرأة تتولى رئاسة تحرير صحيفة حزبية أسبوعية، «الأهالي»، وإنما هى الناقدة «الملتزمة»، لقب خلا حاليا من الدلالة، ولكن فريدة النقاش عندى هى السيدة الأنيقة التى عرفتها فى نهاية عام 1987، وكانت رئيسة تحرير مجلة «أدب ونقد». كنت طالبا فى الجامعة، واقترح عليّ رجاء النقاش أن أذهب إليها وأعطيها قصصا قصيرة، ولم ينس أن ينبهنى إلى أن المسؤول عن إجازة القصص هو محمد روميش «صعب جدا، ولا يعجبه العجب»، ونشرت أولى قصصى فى فبراير 1988، والأهم من النشر أن أكتسب صداقة الاثنين فريدة وروميش، وفى فترة لاحقة حلمى سالم.
لم أشهد الافتتاح؛ فالرحلة إلى شرم الشيخ استغرقت إحدى عشرة ساعة، تلاها إزعاج الإقامة فى المدينة الشبابية، بناء باذخ ذو طابع فندقي، ولكن الغرف مزودة بميكروفونات مركزية تنقل إليك مناقشات موظفى الاستقبال، وتعليمات لهذا الموظف أو ذاك، فى أى وقت يقتحمك مكبر الصوت، هابطا من سقف الأخ الأكبر، ولو بعد منتصف الليل، ولا تسأل عن ذنبك فى أن تسمع من يعلن لائما «الأستاذ محمد حشمت. فاتت نص ساعة على الشيفت بتاعك. صح النوم».
فى الافتتاح تم تكريم اسم محمد أبو المجد، الشاعر الذى اختطفه الموت فى حادث سير عبثي، وهو فى قمة تألقه الإبداعي، بعد تحرره من أعباء الوظيفة، واحتماله فى صمت جليل أثقال مرض أرهف جملته الشعرية، ربما كان يشعر بالنهاية فلجأ إلى توثيق أحواله، وقبل الرحيل بدقائق كتب:
لا أنام..
إنما تنضم أجفانى لأراك.
وأصدر المؤتمر لأبو المجد مختارات شعرية حملت عنوان جملته الشعرية الأخيرة، وكتبت مقدمة المختارات مهيا محمد أبو المجد. وكرم المؤتمر أيضا اسم الشاعر الراحل طاهر البرنبالي، والناقد د. حسين حمودة، وخمسة شعراء: سامح محجوب والسعيد قنديل ورمضان عبد العليم وحازم المرسى ومحمد جمال الدين، وكاتبة الأطفال عفت بركات، والكاتب المسرحى حسين صبرة، والإعلامى القاص د. شوقى السباعي.
وأصدر المؤتمر كتابيْ «الشعر الشفاهى فى جنوب سيناء» جمع: سلام مدخل وإعداد حازم المرسي، و«بيت الأجواد.. مختارات من شعر البادية المصرية» الذى أعد مادته العلمية: قدورة العجنى وقدم له: أشرف أبو جليل، إضافة إلى  أبحاث المؤتمر، واشرف على لجنة الأبحاث: عبد الحافظ بخيت.
بلغ المؤتمر دورته الثانية والثلاثين (15 ـ 18 ديسمبر 2017)، ولكن اتخاذه هذا العام عنوان »‬التأسيس الاجتماعي للأدب» ربما يوحي بأن انعقاده السنوي هو الغاية، وأن استيفاء الشكل أهم من المحتوي، وبدلا من تفاعل المؤتمر مع الهموم العامة والقضايا الثقافية فإنه جنح إلي شيء من الأمان، واختار محورا يمكن أن يكون عنوانا لأي من دوراته الأولي قبل ثلاثين عاما، أو لدورته الأربعين حين يبلغ سن النبوة، وينظر إلي تاريخه ببعض من الغضب اللازم لإعادة النظر. لو كان لمنصف أن يختار عنوانا لمؤتمر يعقد هنا والآن لكان »‬لماذا تفشل الثورات؟»، »‬السلطة الثقافية في أزمنة الردة الثورية»، »‬العلاقات الخفية بين الاستبداد والإرهاب»، »‬الثورات الشعبية في مصر عبر العصور» مع الاحتفاء باسم الدكتور حسين نصار مؤلف كتاب »‬الثورات الشعبية في مصر الإسلامية»، وهو أكثر صلة باللحظة المصرية المرتبكة من الدكتور طه حسين شخصية هذه الدورة. ولكن المؤتمر أو أي نشاط عمومي، حين يكون »‬فرضا» سنويا لا اختيارا حرا وقت الضرورة، يصير عبئا، جثة عزيز لا بد من إكرامه.
»‬المؤتمر العام لأدباء مصر» ليس مؤتمرا عاما لأدباء مصر، ولا يمثل جمعية عمومية للأدباء والنقاد، فالكثير من الأدباء لا ينتمون إلي الأندية الثقافية أو اتحاد الكتاب، وهكذا يظل العنوان الأكثر دقة »‬مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم»؛ فأغلب الحضور أعضاء في أندية الأدب التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة، وهناك آخرون تختارهم الأمانة العامة للمؤتمر، وهي مكونة من »‬أدباء» ترشحهم أندية الأدب في عموم البلاد، ويتم اختيارهم اختيارا ديمقراطيا في أسوأ تمثيلات للديمقراطية التي لا يمكن الاعتراض عليها، علي السوءات والديمقراطية معا، إذ يتساوي في التصويت كاتب متحقق له إنجازات واضحة وتراكم في تخصصه، مع عضو آخر صدر له »‬كتاب» أو اثنان، ولو صدرت في طبعة »‬إقليمية» محدودة، ولكنها »‬كتب» بحكم أرقام الإيداع بدار الكتب. ومما يترتب علي حادث السير الديمقراطي السنوي هذا تكريم من يحار الحضور في تذكّر أعمالهم، ممن تسبق أسماءهم في صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي ألقاب »‬الشاعر والأديب والناقد»، وبمنطق الدوْر والالتزام بنتائج التصويت »‬الديمقراطي» يتولون مهام قيادية في المؤتمر.
حين يكون »‬المؤتمر العام لأدباء مصر» ملتقي حقيقيا للأدباء، سيمتلك شجاعة تأجيل انعقاده سنتين أو ثلاثا؛ إذا لم تكن هناك حاجة لإهدار ما ينفق عليه، وفي الوقت نفسه يمكن أن يعقد مرتين في السنة إذا دعت الضرورة، وقد مرت مصر بضرورات تبيح كل شيء، من دون أن يدعو المؤتمر ـ مجرد دعوة ـ إلي عقد دورة استثنائية؛ جمعية عمومية غير عادية، وذلك لسببين.. أولهما أن مؤتمرا استثنائيا سيكون مقدمة لطرح افتراض تأجيل انعقاده السنوي التقليدي إلا إذا وجدت قضية ملحة توجب هذا الانعقاد، وتوفير نفقات السفر والإقامة. أما السبب الثاني لعدم الانعقاد الاستثنائي فهو تبعية المؤتمر تنظيميا لوزارة الثقافة، وليس لرابطة ثقافية أو اتحاد الكتاب أو أي جهة تتمتع ببعض الاستقلالية، ولكن هذا الاحتضان الاحتوائي الرسمي لا يقيد المجتمعين، ولا يلزمهم بخط أحمر لبيان أو توصية، في منتدي سنوي يشعر فيه المثقفون بقوة رمزية كافية لإصابة أي بنيان هش بالاهتزاز والتصدع، وقد جري هذا مرة غير قابلة للتكرار في دار الأوبرا في أكتوبر 2003، حين رفض صنع الله إبراهيم جائزة ملتقي القاهرة للرواية أمام المئات من المثقفين العرب والأجانب. كما حدث في العام التالي (2004)، في مؤتمر الأدباء بمدينة الأقصر، وقد أخفي أمينه العام الشاعر
يسرى حسان كلمته فى اختتام المؤتمر، فلاحقه من لاحقه ليعرف ماذا سيعلن؟ ورواغ حسان، ثم أعلن فى حفل الختام استقالته مكتفيا بدورة واحدة، لكى يعطى فرصا لتداول سلطة أمانة المهرجان، أملا فى أن يكون ذلك تقليدا على مستويات أعلى فى الدولة. وكان توريث السلطة لجمال مبارك يتم بخطى واثقة ومدروسة لها عرابون منهم على الدين هلال، ثم هبت ريح الثورة ونسفت كل هذه الأوهام، فقط.
لمؤتمر أدباء مصر حسنات كثيرة، أولها الإجماع فى كل دوراته على رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، وتفاعل بيانه الختامى وتوصياته مع الشأن العربى العام، وفى دورته الأخيرة رفض القرار الأمريكى الذى يعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى وأكد أن القدس عاصمة فلسطين الأبدية، معترفا بحق الشعب الفلسطينى فى الكفاح والمقاومة من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني، وضرورة إعادة تقييم العلاقات المصرية الأمريكية على كافة المستويات والأصعدة، كما أكد على مصرية جزيرتى تيران وصنافير. ومن توصياته القديمة المتجددة الانتصار للديمقراطية، ودعم الحريات العامة، والمطالبة بحرية كل صاحب فكر ورأى أضير بسببهما بشكل تعسفى يخالف القانون والأعراف الأدبية والأخلاقية.
من هذه الحسنات أيضا تكريم رموز الإبداع والفكر إلى جانب المجيدين من الأجيال التالية. أسعدنى هذا العام تكريم فريدة النقاش رئيسة المؤتمر، أول رئيسة لهذا المؤتمر. هى ليست فحسب عضو المكتب السياسى لحزب التجمع الذى أسهمت فى تأسيسيه عام 1976، ولا أول امرأة تتولى رئاسة تحرير صحيفة حزبية أسبوعية، «الأهالي»، وإنما هى الناقدة «الملتزمة»، لقب خلا حاليا من الدلالة، ولكن فريدة النقاش عندى هى السيدة الأنيقة التى عرفتها فى نهاية عام 1987، وكانت رئيسة تحرير مجلة «أدب ونقد». كنت طالبا فى الجامعة، واقترح عليّ رجاء النقاش أن أذهب إليها وأعطيها قصصا قصيرة، ولم ينس أن ينبهنى إلى أن المسؤول عن إجازة القصص هو محمد روميش «صعب جدا، ولا يعجبه العجب»، ونشرت أولى قصصى فى فبراير 1988، والأهم من النشر أن أكتسب صداقة الاثنين فريدة وروميش، وفى فترة لاحقة حلمى سالم.
لم أشهد الافتتاح؛ فالرحلة إلى شرم الشيخ استغرقت إحدى عشرة ساعة، تلاها إزعاج الإقامة فى المدينة الشبابية، بناء باذخ ذو طابع فندقي، ولكن الغرف مزودة بميكروفونات مركزية تنقل إليك مناقشات موظفى الاستقبال، وتعليمات لهذا الموظف أو ذاك، فى أى وقت يقتحمك مكبر الصوت، هابطا من سقف الأخ الأكبر، ولو بعد منتصف الليل، ولا تسأل عن ذنبك فى أن تسمع من يعلن لائما «الأستاذ محمد حشمت. فاتت نص ساعة على الشيفت بتاعك. صح النوم».
فى الافتتاح تم تكريم اسم محمد أبو المجد، الشاعر الذى اختطفه الموت فى حادث سير عبثي، وهو فى قمة تألقه الإبداعي، بعد تحرره من أعباء الوظيفة، واحتماله فى صمت جليل أثقال مرض أرهف جملته الشعرية، ربما كان يشعر بالنهاية فلجأ إلى توثيق أحواله، وقبل الرحيل بدقائق كتب:
لا أنام..
إنما تنضم أجفانى لأراك.
وأصدر المؤتمر لأبو المجد مختارات شعرية حملت عنوان جملته الشعرية الأخيرة، وكتبت مقدمة المختارات مهيا محمد أبو المجد. وكرم المؤتمر أيضا اسم الشاعر الراحل طاهر البرنبالي، والناقد د. حسين حمودة، وخمسة شعراء: سامح محجوب والسعيد قنديل ورمضان عبد العليم وحازم المرسى ومحمد جمال الدين، وكاتبة الأطفال عفت بركات، والكاتب المسرحى حسين صبرة، والإعلامى القاص د. شوقى السباعي.
وأصدر المؤتمر كتابيْ «الشعر الشفاهى فى جنوب سيناء» جمع: سلام مدخل وإعداد حازم المرسي، و«بيت الأجواد.. مختارات من شعر البادية المصرية» الذى أعد مادته العلمية: قدورة العجنى وقدم له: أشرف أبو جليل، إضافة إلى  أبحاث المؤتمر، واشرف على لجنة الأبحاث: عبد الحافظ بخيت.