رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

المسافر الأبدي ببيت السناري:ليلة في حب علاء الديب


منصورة عز الدين
2/10/2018 11:52:49 AM

بمناسبة ذكري ميلاد الروائي الكبير الراحل علاء الديب المتزامن مع إطلاق عدد مجلة بانيبال المخصص للاحتفاء به، عقد صالون »قنديل أم هاشم»‬ ببيت السناري ندوة عن الديب أدارها الكاتب والصحفي سيد محمود وشارك فيها محررا المجلة مارجريت أوبانك وصمويل شمعون، إلي جانب بعض من الكتاب المشاركين في ملف »‬بانيبال» عن صاحب »‬زهر الليمون»، وهم: الروائي والشاعر علاء خالد، الروائي إبراهيم فرغلي، الروائي والشاعر يوسف رخا وكاتبة هذه السطور.

في البداية تحدث سيد محمود عن أن الندوة مخصصة للاحتفال  بعيد ميلاد علاء الديب وبصدور العدد الستين من مجلة بانيبال وكذلك الذكري العشرين لتأسيس المجلة. وأضاف محمود بأن المناسبات الثلاث مناسبة واحدة لأن شمعون وأوبانك قررا »‬أن يكون الاحتفال بعيد ميلاد بانيبال عدد خاص يكرس للديب ويتضمن شهادات الأصدقاء الأعزاء الموجودين إلي جواري في المنصة. يمثل علاء الديب لكل الموجودين في القاعة قيمة كبيرة جدا، فقد حرصوا علي الحضورلأن لديهم ذكريات ومواقف دالة علي كرم علاء الديب ومشاعره الفياضة. أجمل شيء في هذه اللحظة أننا نجتمع حول قيمة كبري، هي قيمة علاء الديب في حياتنا جميعاً، نحن الذين اقتربنا منه وأدركنا كرمه الإنساني».
ثم بدأ الكاتب صمويل شمعون كلامه بذكر أن العدد الأول من بانيبال صدر في فبراير 1998، وأنه واجه هو ومارجريت صعوبات كبيرة من أجل الاستمرار في إصدار المجلة المخصصة لتقديم الأدب العربي بالإنجليزية.وأنه منذ مدة طويلة أراد أن يكون العدد الستين منها عدداً مميزاً ويدعو للفخر، لذا اقترح علي مارجريت  أن يخصص ملف العدد لعلاء الديب وإبداعه.
وواصل شمعون أن الديب كان كريماً جداًمع الاخرين في عالم عربي معظم الأدباء فيه لا يهتمون سوي بأنفسهم. وذكر أنه تعرف علي كتابة صاحب »‬المسافر الأبدي» أثناء صباه وتأثر به، وكتب قصة علي منوال قصته الطويلة »‬القاهرة». لكل هذا أخبر مارجريت أن أدب الديب يمثل عصارة الأدب العربي.
من جانبها، قالت أوبانك: »‬لي الشرف أن أكون هنا الليلة للاحتفاء بذكري علاء الديب. عندما قرر صمويل تقديم كتابة علاء الديب لأول مرة بالإنجليزية، اندهشت لأن أصدقاءنا من الأكاديميين المتخصصين في الأدب العربي لم يكونوا علي دراية كافية بإبداعه ولأن أحداً لم يفكر من قبل في ترجمته بالإنجليزية، ربما لأن أعماله بها تتعامل مع مادة قاتمة في فترة صعبة بعد هزيمة 67، لكنني لم أندهش عندما وقع المترجمون الذين ترجموا لنا مقاطع من أعماله لعدد بانيبال وقعوا في غرامه،وأتمني أن تهتم دور النشر بإصدار كتب كاملة له بالإنجليزية بالتعاون مع هؤلاء المترجمين».
أما علاء خالد فاختار قراءة جزء من نص كتبه عن الديب جاء فيه: »‬بوفاة علاء الديب يختفي أحد أعمدة جيل الآباء المؤسسين في الثقافة المصرية (....) كان وجود علاء الديب عازلا بين عالمين. بمجرد الجلوس معه حتي يظهر هذا المثقف المتصوف ويسحبك معه إلي تلك الغرفة التي لا تصلها ضوضاء العالم وصراعاته غير المجدية حتي لو كان الحوار يدور عن ضوضاء هذا العالم وصراعاته غير المجدية، ولكنه يراها من جانب الرائي الذي يعلم تماما نهاية ومآل هذه الصراعات. صفة التأسيس ليست ارتباطا فقط بالسن، أو الجيل أو سبق وضع الطوبة الأولي في النصب التذكاري لهذا البناء، أو بالمكانة الأدبية، بل بالروح الذكية التي كان يتحرك بها ويفرضها. تلك الروح المتسعة متعددة الجوانب والإضاءات، المثابرة بل والمصرة علي الوصول لأهدافها عبر هذا الطريق الأبوي الصعب».
وفي بداية كلمته أعلن يوسف رخا أن من الصعب جداً أن يتحدث أحدنا »‬عن شخص دخل في تكوينه بدرجة كبيرة، لكن أريد أن أقول إنه بغض النظر عن العلاقة الشخصية أو عن الأدب نفسه، أعتقد أن علاء الديب كان يطرح نموذجاً للبحث عن سياق إنساني، سياق مختلف أو متجاوز. من المهم أن نتذكرة كإنسان أيضاً وليس فقط ككاتب. كإنسان كان الديب من نوع يكاد يكون انقرض، نوع نفتقده بشدة، وأظن أنه لولا وجود علاء الديب في حياتي، لم أكن لأواصل الكتابة أو أستمر في هذا الطريق، وأثق من أنه قام بالدور نفسه مع آخرين. كان مستغنيا ومتواضعاً وكريماً».
وقرأ إبراهيم فرغلي مقطعاً من شهادته المنشور ترجمتها في بانيبال، ومما ورد فيها: »‬حين يذكر اسم علاء الديب أتذكر فورا أنه »‬القارئ» الذي تفتح وعينا علي قراءاته المهمة لأبرز كتب الفترة التي تألقت فيها زاويته الأسبوعية في مجلة صباح الخير »‬عصير الكتب» والتي استمرت ربما لعقدين كاملين. كان قارئا نموذجيا من حيث اختيار الكتاب ثم تقديمه بأسلوبه الجميل الرشيق والتوقف عند أبرز ما يثيره خلال هذه الزاوية التي لا تزيد عن صفحة واحدة في المجلة المرموقة.
أحببت الديب ككاتب أيضا، لأسلوبه الخاص، الجمل القصيرة المحملة بالشحنة الأدبية والشجن، خصوصا في روايته الذائعة »‬زهر الليمون». الأسلوب نفسه وسم ثلاثيته الجميلة التي تتكون من الروايات: »‬أطفال بلا دموع ، »‬قمر علي المستنقع ، »‬عيون البنفسج».
لكنه بالنسبة إليّ كان مختلفا عن جيله الذي وسمت أعمال أغلب رموزه مسحة من التجريبية أو الخيال أضافت إلي المنهج الواقعي السردي المصري إضافات مختلفة، لكن الديب التزم بالواقعية، بشكل كبير. وتفسيري الوحيد ربما يعود لانخراطه في العمل السياسي، يميناً ويساراً، كما أشار في مذكراته »‬وقفة قبل المنحدر»، وتأثره بفكرة العمل السياسي في التغيير والتي ربما تكون انسحبت علي الأدب بشكل ماب.
وختم فرغلي كلامه بالتأكيد علي أن »‬من الدروس المهمة التي يمكن استلهامها من علاء الديب هي استقلاله واستغنائه ككاتب».
وفي النهاية تحدثتُ عن علاقتي بعلاء الديب كقارئة، وكيف كنت ألاحظ نظرة مجايليه له باعتباره الضمير والأستاذ الذي ساعدهم وقدمهم في زاويته الأسبوعية. وذكرت أن من بين ما يلفت نظري في كتابة علاء الديب تلك الرقة في التعامل مع العالم، والاهتمام بوصف الطبيعة، والأشجار، والتعامل كأن كل شيء في هذا العالم له روح، حتي الجمادات نفسها.
أيضاً فكرة أن الأبطال معظمهم انكسروا في لحظة ما، هُزِموا بسبب ضغوط الحياة أو فساد الواقع حولهم، لكنهم قاوموا مع ذلك، حتي لو تمثلت مقاومتهم في التمسك بالنبل في مواجهة قبح العالم. وكيف كنت أظن في البداية أن تكرار شخصية المثقف المهزوم في كتابات علاء الديب يرجع فقط إلي هزيمة 67، خاصةً أنه أعلن بنفسه أكثر من مرة أن النكسة كرسته مثلما كسرت شخصياته، لكن حين قرأت أعماله المكتوبة قبل 67 مثل: »‬الشيخة» و»القاهرة»، ففوجئت بأن الهزيمة الشخصية لأبطاله لا تعود فقط لأسباب سياسية، بل ربما يكون السبب فلسفيا بالأساس، كأن هناك رؤية فلسفية ما مفادها أن الإنسان بطبيعته وتعريفه محكوم بالخسارة، أو ربما يكون السبب أن الأدب الجيد هو،بشكل ما، صوت المهزومين والخاسرين وليس صوت المنتصرين.