رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

حكاية 4 قطع فتحت باب السجن لمسئول كبير تلاعب لإرسالها إلي اليابان


إيهاب الحضري
3/10/2018 12:03:46 PM

عبر سنوات طويلة مضت، احتفظ الملك الشاب بقدرته علي إثارة الجدل، وفي كل معرض يضم بعض مقتنياته كانت المعارك الكلامية تتصاعد، بين مُعارضين تناقصوا تدريجيا، ومؤيدين كانت كلمتهم هي العليا غالبا، لوجودهم في مراكز صُنع القرار، وبعد أعوام من الصمت عادت الآراء المعارضة للظهور، وتزايدت حدتها نظرا لأنها المرة الأولي في التاريخ، التي تشهد خروج كل هذا العدد من مجموعة توت عنخ آمون، الأكثر فرادة بين آثارنا.
في العدد الماضي استعرضنا آراء أربعة وزراء آثار، من بينهم من انتقل إلي خندق المعترضين رغم تأييده لفكرة المعارض، حيث بدا الدكتور ممدوح الدماطي منزعجا من سفر 166 قطعة مرة واحدة، كما تحفظ علي التوقيت الذي يواكب الافتتاح الجزئي للمتحف المصري الكبير، والاحتفال بمئوية اكتشاف مقبرة الملك توت بعد 4 سنوات. وفي هذا العدد نحاور الأثري الكبير محمد صالح، الذي أثار انقطاعه عن لجنة المعارض الخارجية علامات استفهام عديدة، واعتبر البعض ذلك نوعا من الرفض لما حدث، ونكشف مفاجآت عديدة تمتد لسنوات ماضية، لكنها تصب في نسق واحد، وهو أن معيار تفرد القطع الأثرية ليس ثابتا، بل تحكمه اعتبارات قد تكون شخصية، لا تستند إلي أساس ثابت غير قابل للتغير، وهو ما يمنح أهمية استثنائية لمقترح إعداد قائمة ثابتة للآثار الممنوعة من السفر، تضمن الحفاظ علي ثروتنا الفريدة من مغامرات تتم تحت إغراء بريق العوائد المادية، ورغم رفض كل من تحدثنا معهم للمقترح، وتأكيدهم استحالة تنفيذه، إلا أن الوقائع التي نستند إليها تدعم الفكرة، حتي لا نفاجأ ذات معرض بأن قناع الملك توت قد خرج في رحلة إجبارية إلي خارج الوطن.

وبالعودة إلي المعرض الأخير يبدو أن الحفاظ علي الآثار من خطر الترحال الطويل، لم يكن هو المعيار الأساسي لمنظميه، بل كانت هناك معايير أخري تعتمد علي اعتبارات ترويجية، ويبدو ذلك بوضوح في المسار الغريب الذي سوف تسلكه الـ 166 قطعة، خلال رحلتها بين عشر مدن، فبعد أن ينتهي معرض لوس أنجلوس ستنتقل إلي باريس ثم لندن، قبل أن تعود إلي واشنطن، وتنتقل إلي سيدني ثم سيول، وتعود من جديد إلي الولايات المتحدة للمشاركة في معرضين بفلاديلفيا وشيكاغو، تسافر بعدهما إلي اليابان لختام الجولة بمعرضين في طوكيو وأوساكا، من أكتوبر 2023 حتي نوفمبر من العام التالي. ونترك الفرصة لهواة الجغرافيا، كي يقوموا باحتساب آلاف الكيلومترات وساعات الطيران  التي كان يمكن اختصارها من »تغريبة»‬ القطع، لو تم ترتيب معارض أمريكا بالتتابع!
استبعاد وانقطاع
فوجيء الدكتور محمد صالح مدير المتحف المصري الأسبق بقرار تشكيل اللجنة الدائمة للآثار المصرية يصدر خاليا من اسمه، اكتفي بالإعراب عن دهشته من استبعاده، بعدها انقطع عن حضور لجنة المعارض الخارجية منذ شهور، وربط البعض ذلك بمعرض الفرعون الذهبي، مما أعطي انطباعا بأن لديه اعتراضات ما، لكن الأمر يزداد إثارة إذا ما علمنا أن الدكتور صالح من بين من أقروا خروج المعرض، واجهته بالتساؤلات فرد بعبارة مختزلة وحاسمة:»‬اعتذرت لأسباب شخصية»، العبارة السابقة عادة ما تكون مخرجا دبلوماسيا يُجنب صاحبه الخوض في تفاصيل لا يرغب في ذكرها، أعلق فيؤكد أن ما ذكره سبب حقيقي وليس ردا دبلوماسيا.
أسأل عن تفاصيل النقاش حول المعرض المثير للجدل، فبدأ بالحديث عن التفاصيل المادية، أكد أن هناك من رأي أن مبلغ الخمسة ملايين دولار عن كل مدينة مناسب، خاصة مع وجود نسب من التذاكر ومبيعات الكتالوجات والبازارات، لكنه شخصيا كان يفضل لو زاد المبلغ بعيدا عن النسب المذكورة، ويوضح:»‬طلبت زيادة المبلغ فعادة لا أوافق علي النسب، لأننا لا نملك آلية لمتابعتها والتأكد من دقتها، فلا يوجد محاسبون من عندنا للقيام بهذه المتابعة، غير أنني وجدت أن هناك اتجاها قويا لتنظيم المعرض بهدف الدعاية لمصر».
وعندما يتطرق للحديث عن القطع المشاركة يؤكد:»‬الشركة طلبت قطعا كثيرة رفضناها، لكنني لا أتذكرها الآن»، ويضيف: »‬بقالي شهور ما بحضرش اجتماعات اللجنة لإني زهقت.. لأسباب شخصية». أعقب من جديد بأن هناك من ربط انقطاعه باعتراضات علي قرار اللجنة بخصوص المعرض، فيُقسم مؤكدا عدم وجود ارتباط بين الأمرين.
بدوره يعد الدكتور صالح واحدا من مؤيدي المعارض، لكن بمحددات تمنع خروج بعض القطع، ويروي أنه عام 2004 كان يقوم بالتدريس في إحدي الجامعات الألمانية، واصطحب الطلبة إلي معرض للآثار المصرية بمدينة بازل السويسرية، يصمت لثوانٍ قبل أن يقول: »‬ اتخضيت»!! ويواصل:»‬كان بيلمع، فقد كان به الكثير من الآثار الذهبية، وتابوتي يويا وتويا»، يبدو معترضا علي كم القطع الذهبية، بالإضافة إلي اقتناعه بضوابط أخري ومن بينها عدم سفر القطع الثقيلة، لكن حديثه عن الذهب يعيدنا إلي مرحلة زمنية أقرب، حيث يشير إلي أنه خلال دراسة معرض توت عنخ آمون طلبت الشركة المنظمة خروج معرض آخر للحلي الذهبية، لكن دون مقابل مُسبق، علي أن يتم تقسيم الأرباح، اعترض الدكتور صالح أمام اللجنة، وأكد لهم أن الاتفاق في هذه الحالة سيكون غير قانوني، ويضيف:»‬كنت أعلم ذلك لأن النيابة الإدارية استدعتني أكثر من مرة خلال رئاسة أحمد قدري لهيئة الآثار، بسبب معرض اتفق هو عليه عن المرأة في مصر القديمة، بمدينة ميونيخ، وكان فيلدونج مدير المعرض قد أقنعه بالحصول علي المقابل من الأرباح، وبعدها أكد أنه لم يربح شيئا!»، ورغم أن القرار كان لرئيس الهيئة إلا أن النيابة الإدارية سألت صالح عن مبررات موافقته مع غيره من الفنيين. ذكر الأثري الكبير كل ذلك أمام لجنة المعارض خلال مناقشة طلب معرض الحُلي، وعند عرض الطلب علي مجلس إدارة المجلس الأعلي للآثار، اعترضت سمية بنيامين رئيس قطاع تمويل الآثار للسبب نفسه، فتم رفض المعرض.
حديث الدكتور صالح عن ضوابط خروج القطع الأثرية قادني لطرح فكرة إعداد قائمة للآثار الممنوعة من السفر، لكنه تحفظ عليها، أبدو مندهشا فيواصل: »‬هذا أمر صعب.. فلا يمكن مثلا أن تقول بلاش سفر مقتنيات توت عنخ آمون إطلاقا». يبدو متمسكا بوجهة نظره، رغم أن بعضها تعرض للضرر في معارض خارجية، هو نفسه يتذكر واقعة شهدها أحد المعارض ببرلين في السبعينيات، تعرض خلالها أحد تماثيل مجموعة الملك توت للكسر »‬ غلطة عبيطة» حسب تعبيره! يروي قائلا: »‬تم وضع تمثال للإلهة سرقت في الفاترينة، وهو من مقصورة الأواني الكانوبية التي تضمها المجموعة، وخلال وضع الفاترينة الزجاجية العليا كانت أقصر من تمثال العقرب الموجود برأس التمثال، فتعرض للكسر، وقتها تم ترميمه وتعلمنا أن نكون أكثر حذرا».
يشير إلي اعتراضه التام علي خروج العربات الحربية، لأنها تحتاج إلي فك لنقلها ثم إعادة تركيبها، وأي خطأ يمكن أن يسبب مشكلة، لكنها خرجت ذات معرض في غفلة من الزمن! لا يقتصر رفضه علي المعارض الخارجية، فقد تبنّي موقفا رافضا لنقل إحدي العجلات الخمس الموجودة بالمتحف المصري إلي الأقصر، ويمتد رفضه إلي القناع الذهبي، ويشير إلي أنه سبق أن شارك في معرض بانجلترا، لكن اعتراضات ثارت بعد ذلك ومنعته من المشاركة في معرض بالولايات المتحدة، رغم أنها كانت رغبة الرئيس السادات.
ورغم عدم رفضه للمعرض الأخير إلا أنه يتحفظ علي طول الفترة، خاصة أنها تواكب الافتتاح الجزئي للمتحف المصري الكبير.
 4 قطع حائرة بين مجلسي إدارة!
يظل الحديث عن القطع التي يمكن أن تشارك في أي معرض أمرا نسبيا، ويكفي أن نشير إلي أن أربعا من القطع المشاركة في المعرض الأخير، كانت محورا لعملية تلاعب في معرض سابق، حيث حاول رئيس قطاع بوزارة الآثار تمرير خروجها رغم رفض لجنة المعارض ومجلس الإدارة، فبعد رفض اللجنة لخروج هذه القطع وأخري غيرها، أضافها المسئول إلي التقرير المُعد للعرض علي مجلس الإدارة، وخلال اجتماعه فوجيء أعضاء المجلس بها فرفضوا من جديد سفرها مع القطع المشاركة في المعرض، الذي كان مقررا أن تستضيفه اليابان، لكن يبدو أن رئيس القطاع كان مصمما علي خروج القطع لسبب ما، وعند صياغة »‬مسودة» اجتماع مجلس الإدارة تمهيدا لتوقيعه من الوزير، أعاد كتابة أسماء القطع، لكن وزير الآثار السابق اكتشف وجودها فتعجب، مما دفع المسئول لتبرير ذلك بأنه لم ينتبه! شعر الوزير أن الأمر مريب، فقرر إلغاء المعرض بأكمله، وأبلغ الرقابة الإدارية بما حدث، وبدأت تتبع رئيس القطاع حتي سقط في قضية رشوة بواقعة أخري، وحكم القضاء بإدانته.
لن أركز علي محاولات التلاعب في القصة السابقة، لأن القيام بها لا يتكرر كثيرا، ويمكن كشفه إذا كان المسئول عن قطاع الآثار يقظا لما يقوم بالتوقيع عليه، غير أن الأهم من وجهة نظري، هو رفض لجنة المعارض الخارجية ومجلس الإدارة مشاركة تمثال الكا والشارات الملكية والسرير الذهبي والمقصورة الذهبية في معرض اليابان، بوصفها قطعا متفردة لا يجوز خروجها من مصر، وهو ما جعل رئيس القطاع يُضطر إلي التلاعب وإضافتها أكثر من مرة لسبب ما، وخاطر بكل شيء ليحقق هدفه، لكن في المعرض الأخير مضت الأمور بكل سلاسة، مما يؤكد أن قرارات الموافقة علي سفر القطع أو منعها متروك للآراء والاتجاهات الشخصية، التي قد تجعل من قطعة ما متفردة في مجلس إدارة عادية في مجلس آخر! وهو ما يؤكد علي ضرورة وضع قائمة ثابتة بالآثار الممنوعة من السفر، لكي لا يصبح الأمر خاضعا للرغبات المتغيرة.
العجلة الحربية تنضم لمعرض أمريكا
أكد المؤيدون لمعرض الفرعون الذهبي أن القطع المسافرة عادية، ورغم ذلك خرج الدكتور مصطفي وزيري ليؤكد أن القطع رئيسية في المجموعة ومتفردة، وأن من بينها 60 قطعة لم تسافر من قبل، بطبيعة الحال سيكون هناك تبرير جاهز، بأن أمين عام المجلس الأعلي للآثار ذكر ذلك في »‬برومو» المعرض من قبيل الدعاية، عموما نترك الحكم علي هذه الجزئية للقاريء، ونتجاوزها إلي سؤال مهم: هل ستبقي المجموعة علي حالها أم سيتم إضافة قطع جديدة لها خلال رحلتها في المدن التسعة التالية؟ السؤال لا يعتمد علي طرح فرضيات لإثارة المزيد من الجدل، فهناك واقعة سابقة نعتمد عليها.
في عام 2004 خرج معرض »‬توت عنخ آمون والعصر الذهبي» إلي مدينة بازل السويسرية، »‬إنه المعرض نفسه الذي جعل الدكتور صالح يشعر بالانزعاج»،  كان يضم أكثر من 140 قطعة من بينها نحو ثلاثين من آثار الفرعون الصغير، ثم انتقل إلي ألمانيا، بعدها تقدم منظمه بطلب لتعديل القطع وتمت الموافقة عليه، لتنضم العجلة الحربية التي تخص الملك توت في أمريكا، خرجت من الأقصر لتظهر في المحطة الثالثة من رحلة المعرض، رغم أنها واحدة من بين اثنتين فقط تخصان هذا الملك، ورغم كل التحفظات علي خروج العربات الحربية، التي ساقها الدكتور محمد صالح في بداية الموضوع. واستكملت العجلة الرحلة بعد ذلك مع بقية المقتنيات إلي اليابان، ولم تعد إلا بعد ثورة يناير، عندما كان الدكتور محمد إبراهيم يتولي وزارة الآثار، وأبدت اليابان رغبتها في استضافة المعرض نفسه من جديد، وتحفظت مديرة متحف الأقصر علي خروج العجلة الحربية، لكن لجنة المعارض وافقت، وجري تعديل وزاري جاء بالدكتور ممدوح الدماطي فقرر منع سفر العجلة.
القصة السابقة توضح أن القطع قابلة للزيادة في أي مرحلة، كما أنها تصب في نفس السياق الذي يثير القلق، وهو أن الموافقة والرفض يخضعان للقناعات الشخصية، فقد وافقت لجنة علي خروج العربة في عهد وزير آثار، وجاء وزير آخر ليمنع ذلك، ومن جديد نتساءل: إذا كان خروج المعارض قد أصبح من المسلمات، ألا يستدعي الأمر إعداد قائمة بالآثار الممنوعة من السفر؟ علي الأقل لنثبت لأنفسنا أن لدينا ثوابت لا تتغير وفق الظروف والأهواء، وحتي لا نفاجأ ذات يوم بسفر القناع الذهبي أو غيره من جديد؟
تاريخ من الرفض
عندما قلت لوزير آثار أسبق إن قانون حماية الآثار يمنع خروج القطع النادرة والقابلة للتلف، أكد أن النص القانوني لم يمنع ذلك، وكان اعتراضه منطقيا من وجهة نظره، لأن تفسير المادة العاشرة من القانون 117 لسنة 1983 ظل خاضعا لتفسيرين يقفان علي حافتي النقيض لمدة سنوات طويلة، فالمادة تنص علي أنه:»‬ يجوز بقرار من رئيس الجمهورية - تحقيقا للمصلحة العامة - ولمدة محددة عرض بعض الآثار في الخارج، ولا يسري هذا الحكم علي الآثار التي يحددها مجلس إدارة الهيئة سواء لكونها من الآثار الفريدة أو التي يخشي عليها من التلف»، وتم تعديل المادة في القانون 3 لسنة 2010 إلي: »‬يجوز بقرار من رئيس الجمهورية عرض بعض الآثار- غير المتفردة والتي تحددها اللجان المختصة- في الخارج لمدة محددة». رافضو المعارض يركزون علي منع القطع المتفردة في المطلق، وهو ما ذكره بوضوح المستشار رجائي عطية في مقاله الذي نشرته أخبار اليوم في 3 مارس الجاري، حيث أكد أن: »‬التسفير ممنوع منعا باتا ونهائيا بالنسبة للقطع الأثرية المتفردة، أي غير المكررة»، وبطبيعة الحال تتضمن هذه النوعية كل محتويات مجموعة الملك توت، والغالبية العظمي من آثارنا، أما المؤيدون فيعتمدون علي عبارتي »‬ التي يحددها مجلس إدارة الهيئة» و»‬اللجان المختصة»، وهو ما يعني أن المنع ليس مطلقا، بل يخضع كل مرة لتقييم مجلس الإدارة واللجان. وجهة نظر مؤيدي المعارض قد تبدو منطقية، لكن هذا المنطق يتراجع أمام أحكام المحكمة الإدارية العليا، حيث اعتمدت تفسير المعارضين في منع سفر معرضين إلي اليابان وأمريكا، عامي 1994 و 1996،  لكن رغم ذلك خرج فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق بتصريح صحفي، عقب يوم واحد من صدور أحد الحكمين ليقول إنه ليس من حق أحد أن يتحدث عن الآثار الفريدة والتي يُخشي عليها من التلف، أو يمنعها من السفر، وأكد أن القرار يرجع في ذلك إلي مجلس إدارة الآثار، ووسط التفسيرين المتناقضين، عادت ثرواتنا الأثرية لتواصل »‬طيرانها» بين مدن العالم، وهو أمر يري المؤيدون أنه بالغ الأهمية، ويعتمدون علي تبريرين أساسيين، هما العائد المادي والدعاية لمصر، ورغم اختلافي معهم إلا أنني أري أن المؤيدين والمعارضين ينطلقون من أرضية وطنية واحدة، وأتحفظ علي القصف المتبادل للاتهامات، لأنه يجعلنا ننسي القضية الأساسية، وننشغل بالخلافات التي تتحول إلي شخصية، تحت وطأة الهجمات والهجمات المضادة. وأبدأ بالتعليق علي المبرر الثاني وهو الدعاية، حيث خلط مسئولو قطاع الآثار علي اختلاف مسمياته عبر الأزمنة بين دورهم في الحفاظ علي ثروتنا، ودور وزارة السياحة، وهو خلط يؤدي إلي تداخل الأدوار ويمنع تحقيق الأهداف بالشكل الأمثل، كما أن هناك بديلا أكثر أمانا يمكن من خلاله تحقيق الدعاية، وهو التفكير في آلية لاستغلال أقسام الآثار المصرية المنتشرة عبر العالم للترويج لمصر، أما البعد المادي فمردود عليه بأن فقدان أي قطعة أثرية أو تلفها، خسارة كفيلة بالتهام أي أرباح يحققها المعرض، والحديث عن ارتفاع معدلات الأمان يُعتبر تفاؤلا مُفرطا، قد ينتهي نهاية مأساوية، شهدتها بعض المعارض بالفعل.
فخلال رحلاتها الخارجية عبر سنوات طويلة تعرضت العديد من القطع الأثرية للتلف، وفي تحقيق نشرته »‬أخبار الأدب» في إبريل 1999 أكد الدكتور علي رضوان أن لديه إثباتات دامغة، تؤكد تلف 24 قطعة في معرض رمسيس الثاني، الذي أقيم بالولايات المتحدة في نهاية الثمانينات، وفي معرض باستراليا تلفت 3 قطع أخري ورفض المنظمون دفع قيمة التأمين، وأكدت الإدارية العليا في حيثيات حكمها بوقف معرض عام 1994 أن قطعا أثرية تعرضت للتلف، في معارض بأمريكا وكندا وأستراليا. وبعد عودة معرض عن آثار الإسكندرية من فرنسا عام 1999، أبلغت وكيلة المتحف اليوناني الروماني نيابة العطارين، باكتشافها كسر تمثال من المجموعة العائدة. ما سبق مجرد نماذج، قد يري البعض أنها أصبحت تاريخا لن يتكرر، لأن إجراءات النقل والتأمين أصبحت أكثر دقة، غير أن الأمر لا يبدو بهذه البساطة، فأخطاء العنصر البشري لا تنتهي، مما يجعل المغامرة بآثارنا النادرة غير مأمونة العواقب.
وسط كل ما سبق يبدو الخلاف بين المؤيدين والمعارضين علي المقابل المادي أمرا هامشيا، لن أنشغل كثيرا بالتقرير الذي نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وقدّرت فيه الأثر الاقتصادي المتوقع أن تحققه المدينة التي تستضيف أولي محطات معرض الملك توت بنحو 352 مليون دولار، لأن الحفاظ علي آثارنا يظل أكثر أهمية من مليارات الدولارات، لهذا تبدو الحاجة مُلحة لوضع آليات جديدة لضبط إيقاع المعارض بعد أن أصبحت أمرا واقعا لا نية للتراجع عنه. علي الأقل لنحمي نفائسنا من خطر الاستسلام أمام بريق العملة الخضراء.. أو غيرها من الألوان!.