رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أحمد عبد المعطي حجازي :قصيدة النثر إضافة إلي لغة الشعر


حوار : جرجس شكري
4/14/2018 1:02:04 PM

حاولت في هذا اللقاء ليس فقط محاورة أحمد عبد المعطي حجازي، لكن التعرف عليه من قريب، الغوص في أعماق الشاعر الذي التقيته في مدينة بلا قلب منذ ما يقرب من ربع قرن، ثم رحت أقرأ مجموعاته الشعرية في طبعة دار العودة، ومقالاته في الأهرام. حجازي الشاعر الذي أثار جدلاً كبيراً ليس فقط لكونه أحد رواد قصيدة التفعيلة والمجددين في الشعر، والذي دافع بضراوة عن موقفه، وكان خصماً للعقاد عملاق الأدب في عز مجده، وقد أثارت حياته في كل مراحلها الجدل، فهو ليس الشاعر الموهوب أحد رواد التجديد، وليس فقط المثقف في برجه العاجي، لكنه الشاعر صاحب الرسالة ليس فقط في أشعاره التي ازدحمت بالشخصيات والمدن والشوارع والأحداث الجارية وقضايا اللحظة الراهنة، بل ومن خلال معاركه العنيفة في مواجهة التطرف الفكري والقوي الظلامية التي هددت العقل المصري وهويته، ففي بداية حياته كانت أشعاره شريكاً وشاهداً علي الوقائع التي شهدها الوطن، وفي العقود الثلاثة الأخيرة تبني من خلال مقالاته قضايا اللحظة الراهنة ودافع بإخلاص عن الهوية الثقافية.
ذهبت للقائه وفي رأسي أسئلة عمرها سنوات طويلة، أريد أن أسأله لماذا توقف عن كتابة الشعر، وكيف؟، كيف غادر مصر كل هذه السنوات، وكيف وهو أحد كبار المجددين في الشعر العربي يقف معارضاً للتجديد الذي طرحته الأجيال التالية، أريد أن أسأله عن هذا التناقض وأشياء أخري عديدة. 

إذن سوف أبدأ من الثقافة التي تراجعت إلي حد الإنهيار منذ سبعينات القرن الماضي وأنت أحد الذين عاصروا وعاشوا مجد هذه الثقافة، فكيف تفسر هذا التراجع، كيف حدث هذا؟
حدث هذا لحدث كبير، لسبب شامل أساسي وجوهري وهو استيلاء الضباط علي السلطة ورفضهم العودة إلي الثكنات ورفضهم تسليم السلطة للمدنيين بعد التأكد من إصلاح النظام الديمقراطي بوضع دستور جديد كان قد تم وضعه بالفعل عام 1954، والتسليم بحق المصريين في تشكيل أحزابهم، لأن الحق في تشكيل الأحزاب لا ينفصل عن الحق في إبداع الثقافة، لأن الثقافة تعبير عن آراء وإبداع، الثقافة تعبير عن أفكار وتاريخ وأحلام، والحزب أيضا تعبيرعن أفكار تتحول إلي برنامج، فحين يُصادر الحق في النشاط السياسي يُصادر الحق في النشاط الفكري والنشاط الثقافي، وهذا ماحدث، وكان له أشكال رأيناها في كثير من المثقفين الذين تعرضوا لأشكال من الإضطهاد والقمع، المسألة الأخري أو السبب الموضعي الذي يتصل بالعمل الثقافي والنشاط الثقافي يتمثل في وزارة الثقافة التي كنا في حاجة إلي إنشائها دون شك، لكن المشكلة أن السلطة ظنت أنها بديل عن النشاط الثقافي الحر مع العلم أن النشاط الثقافي الحر هو الأساس، والوزارة من المفترض أنها تكمل هذا النشاط وتقدم ما تعجز عنه هذه الجماعات كما فعلنا من قبل حين أنشأنا الأوبرا والفرقة القومية ودار الكتب والحكومة تولت هذه المؤسسات و كانت هناك انجازات ثقافية قامت بها الحكومة قبل إنشاء الوزارة لتكمل وتتمم عمل المجتمع المدني فبدون مشاركة المجتمع المدني يتحول النشاط الثقافي إلي عمل وظيفي ويحل الموظفون محل المثقفين وهذا ما حدث، في الفترة الأولي فوجدنا في العقدين الأول والثاني أي الخمسينات والستينات، وذلك علي الرغم من أنه كان لدينا كبار المثقفين مازالوا يعملون، كان لدينا طه حسين لا يزال يعمل وحتي العقاد ظل نشيطا حتي 1964 وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وعبد الوهاب وأم كلثوم يوسف وهبي وكبار الممثلين، وبعد رحيل هؤلاء ظهر فساد هذه السياسة، كما أن هذا الجيل السابق كان وراءه جيل آخر تشكل وتربي في أحضانه، مثل عبد الرحمن الشرقاوي، يوسف إدريس، صلاح عبد الصبور وهؤلاء الممثلون الذين شكلوا فرقة المسرح الحر عام 1956 والمخرجون السينمائيون الذين قدموا أعمالاً بديعة مثل الأرض، باب الحديد، الناصر صلاح الدين، و لابد أن أنوه أن هناك أعمالاً لم تكن موجودة من قبل إنشاء وزارة الثقافة وظهرت في تلك الفترة والفضل يعود لثروت عكاشة، مثل الفرقة السيمفونية، وإنشاء أكاديمية الفنون، فهذه الأعمال لا يستطيع أحد إنكارها.
وصمت حجازي طويلاً وخفت صوته وقال لي بمرارة: لكن أنظر الآن ماذا حدث أنظر النتيجة، عندما جاء كمال الدين حسين إلي وزارة التربية والتعليم منع استخدام الموديل الحي في النحت في كليات الفنون الجميلة، كيف يمكن للنحات أن يقدم تمثالاً لرجل أو لسيدة دون هذا النموذج الحي لا يمكن، كيف يمكن لطبيب أن يتعلم الطب بدون تشريح، والتشريح أيضا للنحات علم وضرورة ولابد منه.
وفي نهاية اللقاء قالي لي وأنا أصافحه شاكراً علي هذه المقابلة الثرية والملهمة قال لي: أريد التأكيد علي موقفي فيما يتعلق بوزارة الثقافة، وكرر اشادته بالوزير الأول الذي أنشأها ثروت عكاشه و الإضافات الأساسية وخاصة الفرق التي لم يكن له وجود من قبل، واستدرك قائلاً: لكن هناك عمل أساسي في وزارة الثقافة وهو قصور الثقافة لأن الثقافة المصرية كانت مزدهرة جداً في الفنون الأدبية، وفيما يتصل بالنشر والمسرح والسينما لكن هذه الفنون لم تكن تصل بسهولة ويسر إلي عامة الناس، أولا بسبب الأمية، وتمركز النشاط الثقافي في العاصمة لذلك كانت قصور الثقافة مسألة أساسية ولا تزال، وأهم ما ينبغي علي وزارة الثقافة أن تقوم به هو رعاية الفنون الرفيعة والأعمال التي لا يستطيع أن ينهض بها الأفراد بالإضافة إلي رعاية قصور الثقافة، أما ما بينهما مثل الإنتاج الثقافي الممتثل في النشر العادي والمجلات الأدبية والسينما والمسرح التجاري فيمكن أن تقوم به جهات مستقلة، وبالإضافة إلي ضرورة رعاية الدولة للمسرح القومي، وقال لي: أنا هنا أتحدث عن فرق عديدة لا فرقة واحدة فلا بد أن تكون هناك مسارح قومية في المنصورة وطنطا وأسيوط وسوهاج والمحافظات الأخري. وصمت وكأنه تذكر شيئاً وقال: عندما تجد الدولة أعمالاً مسرحية نظيفة عليها أن ترعاها لا أن تستولي عليها كما حدث من قبل، وهذا ما أدي إلي الحال المتردي للمسرح.
دعني أقل لك أنه قبل يوليو 1952 كانت وزارة المعارف تدعم هذه الفرق بمبلغ مالي كل عام وفقاً لما تقدمه من عروض مسرحية مع شرط الاستمرار. وحول هذه الحقبة التي بدأت في الخمسينات هناك نقطتان.. الأولي أن ثمة ازدهارا حدث في هذين العقدين لا يمكن إنكاره والنقطة الثانية أن مجموعة كبيرة من المثقفين كانوا مع هذه التجربة بقوة وأنت واحد منهم بل وكتبت عدداً من القصائد في عبد الناصر حتي وإن اعتذرت عنها بعد ذلك أو أوضحت الدوافع... هذا الازدهار الكبير هل كان زائفاً؟
لم يكن زائفاً، لكنه كان علي أساس خاطئ وأنا هنا لا أتكلم عن النوايا ولا أقصد أن هناك رغبة في أن يكون هذا الإزدهار زائفا ولكن كانت هناك رغبة في تقليص مساحة الحرية الممنوحة للناس فيما يتصل بالتعبير الفكري والثقافي أو في التعبير السياسي، وأن تضع السلطة يدها علي كل شيء لأنه لا يمكن أن تكون الدولة مبدعة ولايمكن أن تحكم وحدها وتستغني عن الناس ففي الدساتير الأمة مصدر السلطات. وكانت النتيجة أن الناس تعلقوا بالشعارات المرفوعة مثل تحرير البلد من الاحتلال الأجنبي وتأميم قناة السويس، فهناك أشياء أعطت المصريين بل والشعوب المحيطة بمصر إشارات بأن هناك ثورة تتحقق، تنمية اقتصادية، تصنيع، كل هذا كان أملاً وأعطي الناس الحق في أن يحيطوا السلطة بولائهم وأن يتعلقوا بها وهذا ماحدث بالفعل، لكن السلطة نفسها فوجئت " وهنا يضحك حجازي بسخرية العارف ويقول لي: "لا أدري إن كانت فوجئت أم كانت علي دراية بأن كل ما صنعته بدون ديمقراطية معرض للإنهيار و"هذا ماحدث في عام 1967 " وبعد ذلك تبين للناس أن كل شيء كان قصراً من الرمال كان أوهاماً لأنه ما لم يقم علي حق فهو باطل.
وهل هذا ما حدث لك مع عبد الناصر علي سبيل المثال؟
طبعاً لأنه مع احترامي لنوايا الرئيس جمال عبد الناصر، لكن نظامه أفسد كل شيء وضيّع علينا القليل الذي حققناه قبل 1952، فقد كان لدينا دستور يتظاهر المصريون من أجله في الشارع وهو دستور 1923، كانت عندنا أحزاب سياسية كان من الممكن أن ندعمها ونصحح ما فيها عن طريق حريات أكثر وليس عن طريق مصادرة الحق في تشكيل الأحزاب فمن المؤكد أن اليسار المصري كان من الممكن أن يكون عاملاً لتصحيح مسار الحياة السياسية في مصر كذلك الأحزاب الديمقراطية والليبرالية.
لكن تم قمعها بل وحلها بعد أليس كذلك؟
نعم، كان بالإمكان عن طريق الديمقراطية أن نكمل ما بدأنا وأن نصحح ما كان فيه من خطأ وأما منع الناس من الحركة ومن الكلام ومن التعبير، والاستيلاء علي كل شيء ووضع كل شيء تحت سيطرة الدولة حوّل كل شيء إلي أجهزة دعاية للحاكم وفقط وكانت النتيجة أننا واجهنا ما واجهناه عام 1967 ومن ضمن ما خسرناه الثقافة!
 هل هذا التراجع وإحكام المؤسسة الثقافية الرسمية قبضتها علي كل شيء، علي الثقافة كبوق دعاية بكل مفرداتها وتعطيل العمل بالديمقراطية، هل كانت هذه من العوامل الأساسية في أن يصبح إعمال العقل من المحرمات في المجتمع المصري بدءا من سبعينات القرن الماضي؟
 نعم الذي حدث أن السلطة أدارت ظهرها للديمقريطية وتحولت إلي الاستبداد وهذه السلطة التي جاءت بدعم من الإخوان المسلمين كان لابد أن تدخل في صراع معهم لأن هؤلاء هم أيضاً يريدون السلطة! فكان لابد أن يقع ما حدث عام 1954 من الصدام العنيف بين السلطة والإخوان المسلمين والمحاكمات، هؤلاء الإخوان الذين تخلي عنهم المصريون واضطروا إلي اللجوء إلي المملكة السعودية وإلي البلاد التي خلعت عليهم حمايتها، هؤلاء بعد 1967 تحولوا إلي شهداء لأن المصريين لم يجدوا بعد الهزيمة التي وقعت ما يلجأون إليه إلا الدين، وعندما لجأوا إلي الدين نظروا إلي الإخوان علي أنهم ضحايا النظام الذي انهزم وبالتالي انفتح المجال بعد سنوات قليلة لعودة الإخوان وهذا ماحدث بعد وفاة عبد الناصر حيث دخل السادات بدوره في صراع مع الناصريين واليسار ولم يجد أمامه سوي الإخوان ليتحالف معهم وهكذا الأمور سارت! فالإخوان أيضاً لديهم شروط ومن أهمها أن يترك لهم المجال للحركة وقد تُرك المجال للحركة، ليس هذا فقط بل بل أصبحوا أداة قمع في التسعينات، بل ووصلت الأمور إلي أن يخلعوا حمايتهم علي الجماعات التي حملت السلاح ولجأت إلي الإرهاب والعنف وكلها خارجة من معطفهم مثل القاعدة والجهاد والجماعة الاسلامية وعمر عبد الرحمن وغيرهم، كل هؤلاء خرجوا من معطف الإخوان المسلمين ومعطف سيد قطب الذي هو خارج من معطف الإخوان المسلمين والذي يلعب دوراً ضمن حركتهم، وكانت النتيجة اغتيال السادات! ثم استمرت هذه الموجة ولا تزال حتي الآن كما نراها في سيناء.
إذن الأزمة سياسية واجتماعية قبل أن تكون ثقافية؟
سياسية بمعني أنها أزمة شاملة، عامة اجتماعية وثقافية فحين نجد في إطار هذه الأزمة كل ما حققته المرأة المصرية خلال القرن الماضي تراجع ولم يعد لدينا الآن سوي اللجوء إلي الرمز، نستطيع الآن أن نقول أن البرلمان به تسعين نائبة والحكومة بها حوالي ست وزيرات واحتلت المرأة مكانها في القضاء، كل هذا عظيم لكن أنظر إلي عامة الشعب ستجد التراجع واضحاً وشاملاً، إذن هناك أزمة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية وهذا كله يفرض علينا التفكير في مشروع قومي للنهضة لاستعادة النهضة التي كانت.
 من يتبني هذا المشروع؟
المثقفون، المثقفون الذين يستطيعون أن يبدأوا عملاً يتحول إلي نشاط سياسي إلي حين يتبناه من يستطيع أن يحوله إلي برنامج سياسي حيث يطرح هذا البرنامج علي المصريين لنبدأ التنفيذ ولا نبدأ عن طريق الحكومة فقط بل وعن طريق العمل الشعبي.
 من وجهة نظر الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كيف يبدأ هذا المشروع إذا حاولت أنت أن تبدأ؟
يبدأ هذا المشروع بإطلاق حرية التعبير التي يمكن أن تفتح المجال لآراء لا تستند إلي شيء ولا تعبر عن مصالح خاصة لكن هذا لا يصح أبداً معه مصادرة الرأي ولكن لإصلاح الأخطاء أو العيوب التي تنتج عن فتح مجال الحرية بالحرية أي إعطاء الآخرين الحق في أن يصححوا مايرونه محتاجاً للتصحيحح، انما هذه القوانين التي يوافق عليها البرلمان ويسميها ازدراء أديان، نحن حين نجد الذين يتسببون فيما نحن فيه يستندون إلي تفسيرات خاصة للنصوص الدينية ويستخدمون الدين ويتاجرون به في هذه الحالة أنت لا تستطيع أن تتحدث في السياسة إلا إذا تناولت هذ الجانب، أنت لا تستطيع أن تتحدث في الفكر إلا إذا تناولت هذا الجانب خصوصا بعد ما رأيناه، المصريون الآن لم تعد لديهم سوي هذه الثقافة التي تلقونها من رجال الدين، الذين نشكو منهم ونطالبهم بتجديد الخطاب الديني وهم لا يلتفتون إلينا فأنت مضطر لتناول هذا، وإذا تناولت هذا اتهمت بأنك تريد أن تفرض علي الدين ما لايمكن أن يحتمله وأن هذا ازدراء كما نجد في عدد من القضايا التي رفعت ضد عدد من المفكرين ليس فقط في هذه القضايا وفي الإجراءت في تحريض اللأميين الجهلاء علي المثقفين لقتلهم كما حئدث مع فرج فودة ونصر حامد أبوزيد أيضاً؟ نعم الإغتيال المعنوي والتكفير بل والقضاء الذي انحاز للتكفير ضد الثقافة.
الرحلة إلي باريس
كيف غادرت مصر إلي باريس في السبعينات؟
غادرت عام 1974 بعد أن فُصلت من العمل الصحفي في مؤسسة روزاليوسف عام 1973 أنا وعشرات من الصحفيين والكتاب المصريين لأننا كنا قد وقعنا بيانا كتبه توفيق الحكيم يطالب فيه السادات أو السلطة بالحسم ولا يترك الأمر لا حرب ولا سلام بالإضافة إلي نشاطنا في نقابة الصحفيين الذي أزعج السلطة، فُصلت و كان راتبي حوالي ثمانين جنيها فهبط إلي 13 جنيها أي معاش هذا استمر من يناير إلي آخر سبتمبر ثم أعادنا السادات إلي العمل ولم نكن ندري لماذا ولكن عرفنا بعد أسبوع السبب، لأنه قرر أن يدخل الحرب في 6 أكتوبر ولم يكن مناسبا أن يدخل الحرب وهؤلاء الكتاب ممنوعون من العمل والكتابة وبينهم أسماء كبيرة، فبعد وقف إطلاق النار أصبحت مقالاتي عرضة للإيقاف »مثل وقف إطلاق النار»‬ أيامها كان عبد الرحمن الشرقاوي رئيس مجلس إدارة روزاليوسف وكان صديقاً ليوسف السباعي الذي أصبح وزيراً للثقافة التي أصبح اسمها الثقافة والإرشاد القومي وأيضاً علاقته بالرئيس السادات.
في هذه اللحظة فكر حجازي أن يقترح علي المؤسسة أن يسافر إلي فرنسا شهرين أو ثلاثة ويكتب من هناك للمجلة ويحصل علي مرتبه ويزور المتاحف ويطلع علي الموسيقي والمسرح ويحقق الحلم الذي كان يراوده طيلة أيام شبابه وهو يقرأ طه حسين وتوفيق الحكيم والطهطاوي ومندور.
وقال لي: سافرت إلي فرنسا عام 1974 وفي ذهني أن أظل ثلاثة أشهر ولكن حدث ما يلي: أولاً: قامت مظاهرات في حلوان للعمال وهذه المظاهرات قُمعت بشدة فأصدرنا أنا وبعض المصريين المقيمين في باريس بياناً نشرته صحيفة الليموند الفرنسية الأكثر شهرة وهذا أدي إلي توتر العلاقة بيني وبين السلطة في مصر فغّيرت روزا اليوسف موقفها مني، وبدا الموقف صعباً.. ثم حدث في يونيو أن الكاتب المغربي الطاهر بن جلون ولا أدري كيف عرف أنني موجود في باريس حيث اتصل بي والتقينا ثم كتب مقالة في ليموند بعنوان »‬باريس بعيون حجازي» و هذه المقالة نبهت جمال الدين بن شيخ وعدد من الأساتذة الذين يعملون في جامعة باريس 8 قسم الدراسات العربية، وهذه الجامعة ظهرت بعد ثورة الطلبة في عام 1968 لأن الأساتذة والطلاب الذين شاركوا فيها وهم مئات الآف طالبوا بأن يتم تغيير أسلوب الدراسة بحيث ألا تكون فقط إلقاء أو فرضاً من الأساتذه إنما حوار بين الأساتذة والطلاب، المهم أنه كان من ضمن أقسامها قسم الدراسات العربية وكان الأساتذة هناك قرأوا ما كتبه بن جلون فاتصلوا بي كي ألتقي بالطلبة من خلال محاضرة والتقيت بهم واستمر اللقاء أربع ساعات، في نهايته تقدم لي رئيس القسم جمال الدين بن شيخ واقترح أن أعطي دروساً في الجامعة بدءا من العام الدراسي 74، 75، فقبلت ففي الوقت الذي أصبحت فيه علاقتي متوترة مع روزاليوسف انفتح المجال للعمل في باريس وهكذا بدلاً من أن تكون الزيارة ثلاثة أشهر استمرت سبعة عشر عاماً، وعندما أصبحت مدرساً في الجامعة استضفت لويس عوض والشاعر عبد الوهاب البياتي وعددا من الكتاب.
و خلال هذه الأعوام لم تعد للقاهرة؟
لم أعد إلي القاهرة لمدة سبع سنوات من 1974 وحتي 1981، سنة 81 كان نقيب الصحفيين »‬ لم يتذكر اسمه وغادر المكتب إلي مكتب آخر ليسأل عن اسم نقيب الصحفيين الذي كان السبب في عودته إلي القاهرة » وهو صلاح جلال، ففي تلك الفترة غادر عدد كبير من المثقفين ذهبوا إلي العراق وليبيا وفي فرنسا كنت أنا وغالي شكري ومحمود أمين العالم وجورج البهجوري وطاهر عبد الحكيم وعبد السلام زكي مبارك وميشيل كامل، وكان هناك من كان يطالب بفصلنا من النقابة والصحف ولكن هذا النقيب اعترض وخاطب السادات في هذا، فقال له السادات نعمل ايه بيشتموا مصر، فقال له هذا غير صحيح، هم لا يشتمون مصر، والآن هم في الخارج لماذا لا ندعوهم للعودة فأعطاه السادات الحق في أن يخاطب الكتاب بل ويذهب إليهم بنفسه ويطلب منهم العودة إلي مصر علي أساس أن لهم الحق في العودة إلي العمل و الكتابة والتعبير عن رأيهم بالصورة التي تسمح بنشرما يمكن أن يكون لهم من رأي سلبي في السياسة.
وبالفعل جاء صلاح جلال إلي باريس والتقي حجازي وطلب منه دعوة البقية واجتمع الجميع في بيته مع محمود أمين العالم و غالي شكري والجميع وارتفع صوت حجازي وهو يحكي لي وقال: وأنا قلت للنقيب هذه شقتي اعطتني اياها الجامعة عن طريق بلدية باريس وهذه سيارتي في الخارج، وأنا أعمل أستاذاً في جامعة باريس ولكني مستعد أن أتنازل عن كل هذا في سبيل العودة إلي مصر وأن يكون لي الحق في كتابة رأيي فيما يحدث لأن عملي كاتب وشاعر ولا أستطيع أن أعيش طوال عمري خارج مصر إلا إذا منعت من العودة فقال لي: لك الحق في هذا ورفض بعض الزملاء العودة مثل محمود العالم، ورجعت بالفعل وانتظرني النقيب في المطار، عدت في أواخر يوليو في نهاية العام الدراسي، وكنت قد أخبرته أنني سأعود بعد انتهاء الدراسة في جامعة باريس ومر أغسطس وكان الرئيس السادات في أمريكا، وبعد عودتي ذهب النقيب معي إلي روزاليوسف وأعادوني للعمل ولكني طلبت أجازة سنة حتي أنهي اجراءات وجودي في باريس، وبعد أيام أرسلت روزاليوسف لي رسالة مفادها أن الرئيس أنور السادات حدد لي موعداً للقائه في استراحته في المعمورة حتي ألتقي به في يوم3 سبتمبر، وفي نفس الوقت أرسلت لي رئاسة الجمهورية أرسلت نفس الرسالة وذلك دون طلب مني بالطبع، وكان الرئيس قد سأل النقيب أين الكتاب فقال له أحمد عبد المعطي حجازي عاد، وكان الموعد الساعة 12 ظهراً وتأخرت السيارة التي أرسلتها رئاسة الجمهورية في الطريق وكانت زوجتي قد أصرت أن تأتي معي خوفا عليّ، وكان من المفترض أن تنتظرني في الاستراحة حتي ينتهي اللقاء، ووصلنا متأخرين والسائق دخل علي مقر الرئيس مباشرة وأخبروه بأن زوجتي معي فأمر بدخولنا معا، وانتظرني مع زوجته عند الباب وسلّم علينا باحترام شديد وكانوا قد وضعوا كرسيين وترابيزه في الجنينة للقاء، واصطحبت السيدة حرم الرئيس زوجتي إلي داخل الاستراحة واستمر الحديث حوالي مائة دقيقة من الثانية عشرة والثلث حتي الثانية ظهراً وأثناء اللقاء جاء وزير الداخلية ونائب الرئيس وقتذاك حسني مبارك وانتظروا حتي انتهاء اللقاء ثم ذهبت.
ماذا قال لك السادات؟
- أنت بتشتم مصر يا أحمد
- لا مستحيل أنا أدافع عن الديمقراطية وأنا أدافع عن مصر.
- فعلاً يا أحمد أنت تدافع عن مصر.
وحكي حجازي عن واقعة بيت السفير العراقي حين دعا مجموعة من الكتاب والمثقفين العرب بمناسبة استضافة اليونسكو لمجموعة فرق من الخليج وسفير إحدي دول الخليج قال كلمة غير لائقة علي مصر نكتة تقريباً تحكي عن الرؤساء الذين ركبوا طائرة وكل واحد يطلع ايده يعرف هو فين، فمثلاً الدنيا برد تبقي لندن وهكذا حتي وصلوا إلي مصر ولما أخرج أحدهم يده سرقت ساعته. فغرف أنه في مصر، فقال له حجازي من موقعه: أخرس يا كلب وحين التفت ليعرف مصدرالصوت كررها مرة أخري، وطلب معطفه حتي يغادر المكان.
و أخبرني حجازي بإنفعال شديد وكأنه عاد إلي باريس مرة أخري: وحاول الجميع اثنائي عن المغادرة وقال لي أن السفير توسل قائلاً: أبوس الكندره »‬الحذاء » حتي لا تذهب، هذه الواقعة وصلت للسادات وكتبها بعدذلك أحمد بهاء الدين في الأهرام.
وهدأ حجازي قليلاً وواصل حديثه قائلاً: خلي بالك الرئيس السادات من قرية جنب بلدنا اسمها ميت أبو الكوم وأنا من تلا، وقعد يكلمني عن أمي وقال لي ازي ام أحمد يا أحمد لأن، زوجة الرئيس عملت جمعية اسمها الوفاء والأمل وكرموا أمي لأنه كان لي ثلاثة أخوة جندوا في آن واحد.
فقلت له وأحدهم استشهد، فرد حجازي لم يستشهد أحد، فقلت ولكنك كتبت قصيدة بعنوان »‬ يا هواي عليك يا محمد »‬ بمناسبة استشهاده.
فقال: اعتقدت أنه مات ولم يعد أثناء الانسحاب.
وقال لي السادات أيضا: أنت قتلت صلاح عبد الصبور  يا أحمد، يا سيادة الرئيس لا، فتمتم هو أينما تكونوا أدركم الموت ولو كنت في بروج مشيدة فما حدث نصيب وأنت عارف أنه في ناس قالت أنه كان سهران عند حجازي وفي ناس كانوا بيتكلموا عن علاقته بالسلطة ويصمت قليلاً، كان بالضبط يوم 13 أغسطس.
ثم تحدث الرئيس السادات معي عن الديمقراطية وعما يمكن أن تفعله الديمقراطية ودور المثقفين وأنا عملت ايه وقال لي أنا عارف أنك مجدد في الشعر وأنا كمان لي محاولات في الشعر!
ثم سألني وأنت عاوز تعمل أيه للديمقراطية يا أحمد في مصر فقلت له أنا يا سيادة الرئيس لما رجعت، رجعت علي روزاليوسف وكل اللي أقدر أعمله أني أرجع أكتب فقال لي ربنا يوفقك يا ابني سلام، سلام وذهبت. و بعدها بيومين قبض في الخامس من سبتمبر علي مجموعة كبيرة من أصحاب الرأي فقررت الرحيل مرة أخري يوم 9 سبتمبر، عدت إلي باريس مرة أخري وفي يوم 6 أكتوبر مات السادات واستمررت في باريس.
وهنا أتوقف وأقول أن عوامل كثيرة بل قل قدرية كانت تعمل لعودة حجازي مرة أخري إلي باريس، عاد عام 81 عدة أشهر مات فيها صلاح عبد الصبور في بيته وعلي الرغم من تبرئته إلا أن البعض نسب إليه هذه التهمة، ثم التقي السادات فحدثت حملة القبض علي عشرات المثقفين والسياسيين.... »‬عاد حجازي وقتاً قصيرا حدثت به أحداث كثيرة »‬... منها موت صلاح عبدالصبور وإغتيال السادات، وكأن الأقدار تدفعه للخروج من مصر مرة أخري.
وكيف كانت العودة النهائية؟
تولي الرئيس مبارك السلطة وبدأت محاولات تحسين الأحوال مع العرب وأقيم أول ملتقي ثقافي عربي في مصر بعدعودة العلاقات عام 1983 ودعيت لحضوره وأتيت وألقيت أشعاري وعدت مرة أخري وأصبح لي الحق في العودة حين أبلغني إبراهيم نافع برغبته في أن أعمل للأهرام أي أن أكتب من باريس وقبلها طلب مكرم محمد أحمد الذي كان في زيارة إلي باريس أن أكتب أيضا ً للمصور وكتبت بالفعل وممن تدخلوا أيضا لعودتي لطفي الخولي ووافقت وبدأت الكتابة للأهرام أظن عام 1987 ولم أعد نهائيا إلا في آخر العام الدراسي 1989 يوليو وقررت أن أبقي.
- وبعد شهور تولي حجازي رئاسة تحرير مجلة إبداع مع مجموعة جديدة من رؤساء التحرير مثل غالي شكري للقاهرة الذي كان خارج مصر أيضا، وجابر عصفور لمجلة فصول.
حول الشعر
لاحظت وأنا أقرأ تواريخ المجموعات الشعرية: مدينة بلا قلب  ثم  أوراس عام 1959، لم يبق إلا الاعتراف، مرثية للعمرالجميل، 1965 ثم تباعدت المسافات فاحتجت ثماني سنوات لكتابة كائنات مملكة الليل 1978، ثم أكثر من عشر سنوات لكتابة أشجار الأسمنت 1989، ثم أكثر من عشرين عاما للمجموعة الأخيرة طلل الوقت لقد توقفت كثيراًعن كتابة الشعر وشاعر في مكانة حجازي أساله.
 كيف يتوقف الشاعر عن كتابة الشعر وماذا يفعل، كيف توقفت، هل كان للسفر دور؟
- بشكل عام أنا مقل.
أنا لست ضد الاقلال بل ما دفعني للسؤال هو أن التوقف بدأ منذ أن غادرت مصر فهل هناك علاقة؟
لابد أن ألاحظ أولاً أن شعري مرتبط إلي حد كبير بالحياة في الواقع المصري تماما وخروجي من هذا الواقع كان له تأثير ويبدو في شعري الذي كتبته في فرنسا ففي السبعينات والثمانينات اهتمامي بإحياء تقاليد القصيدة القديمة أي الطلليات والخمريات والطرديات، هذا له علاقة بعملي في الجامعة، فحين أصبحت مدرساً للشعر في الجامعة لم تعد قراءتي القديمة كافية وأصبح علي أن أعيد قراءة الشعر العربي من جديد وأنا أقوم بتدريسه فلم أكن فقط أقوم بتدريس النصوص وأتحدث في تاريخ الشعروفي بعض السنوات ادرس العروض، وهذا أدي بي إلي أن أعمل في النصوص وهذا أوحي لي بكتابة ما حدث في الكتب الأخيرة.
- لكن تأثير الخروج من مصر كان واضحاً علي الشعر سواء في فترات التوقف أو اختلاف الأسلوب.
نعم بالإضافة إلي الانتظام في العمل في التدريس وحرصي علي أن أؤديه كما يجب كان يستهلك الكثير من وقتي، وعندما يكون الإنسان مثلي مضطرا أن يعيش في بلد آخر مع أسرته وأن يكون مسئولاً عن كل شيء وأن يفقد العون الذي يحصل عليه في وطنه لابد أن يؤثر هذا في عمله ولكن في المقابل مقابل الإقلال، أظن النتائج التي وصلت إليها في القصائد التي كتبتها في فرنسا تعوض عن الاقلال، هذا الذي كنت أرضي نفسي به.
- لكن بعد عودتك إلي القاهرة منذ 1989 وحتي 2018 لم يصدر لك سوي مجموعتين، أشجار الأسمنت 1989، وطلل الوقت 2011؟
بعد عودتي كان السبب الرئيسي هو المقال الأسبوعي الذي أكتبه وهذا مالم يحدث من قبل، وهذا هو الفرق فحين كنت أعمل في روزاليوسف كنت أؤدي واجبي عن طريق رئاستي للقسم الثقافي كنت أدير القسم، أكتب بروازا صغيرا أو تعليقا علي عرض مسرحي أو فيلم أو كتاب، أما أن أحل محل توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود فهذه مسئولية والأمر يختلف، وكنت في البداية أكتب الصفحة كاملة كل أسبوع، هذا أيضاً له تأثير سلبي علي كتابتي للشعر فأصبحت مقلاً.
 هذا السؤال كان ضروريا أن أطرحه علي حجازي لأن البعض يتداوله ويفسره كما يحلو له لكنني أري أن إجابته صائبة ودقيقة ومقنعة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا من شاعر ومثقف كبير حريص علي أداء واجبه وحريص علي أن يحمي نفسه من الاعتماد علي السلطة فقط الاعتماد علي عمله ككاتب وقناعته بأن المثقف صاحب رسالة نحو المجتمع.
يقول حجازي: كنت حريصاً علي الاعتماد علي الكتابة واكتساب ثقة القارئ وباستمرار كان دخلي محدوداً وكان لابد أن أعتمد عليه وحده، أنا مثلا كنت مرشحا لمدة خمس مرات لجائزة النيل ودائما كان هناك من يظهر لكي يمنع الجائزة. أريد أن أقول بإختصار هذا ما أستطعت أن أقدمه ولكن أستطيع أن أكون فخوراً بما كتبت في الأهرام، لأن منذ الكلمة الأولي التي كتبتها في الأهرام وأنا أدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعن المواطنة والتاريخ المصري وأدافع عن الأخوة الإنسانية وأنا أواجه كل هذه الأخطار الداهمة قبل أن ينطق أحد، أحيانا كنت أواجه وحدي.
هل تقصد أن البعض تهرب من قضايا اللحظة الراهنة؟
إما أنه يتجنب هذه القضية ضمن قضايا أخري يتجنبها، وإما أنه مهتم بقضايا تشغله أكثر مما تشغله هذه القضية أو أنه لا يملك الرؤية التي يستطيع بها أن يري علاقة قضية اللغة بقضايا السياسة أو قضية الثقافة عامة بقضايا السياسة وربما لا يملك المعرفة التي تؤهله لمعرفة القرن التاسع عشر بالقرن العشرين أو بما قبله، هذه مسائل تحتاج إلي ثقافة واسعة من ناحية وأيضاً متعمقة من ناحية أخري وقبل كل شيء إلي إخلاص وإدراك أننا في حاجة إلي اجتهادات، نحن لا نعيش الآن ظروفاً طبيعية تطمئننا علي ما نحن فيه وتجعلنا نواصل حياتنا دون أن نفتش حولنا في هذه الأزمات والمشكلات التي تحيط بنا ونكتشف أن بعضها مرتبط ببعض وأننا لا نستطيع أن نحل مشكلة إذا عزلناها عن غيرها. أو كل هذه الأسباب مجتمعة.
هذا دور صعب وضروري أن تقوم به، ولكنه كان علي حساب الشعر؟
صحيح أنني لن أذكر إلا بشعري أنا قدمت إلي الآن ما أذكر به وأتمني أن أوفق لإضافة شيء ولو قليل في المستقبل.
- أنا لم أسأل هذا السؤال اعتراضاً علي الاقلال فالشعر ليس بعدد المجموعات الشعرية، لقد سألت لتوضيح الأمر.
وهنا قاطعني وتغيرت ملامحه وقال: لو كان عندي الوقت لكي أتفرغ لكتابة الشعر لقدمت أكثر بكثير وأيضاً بنفس القيمة.
- قرأت أعمال أحمد عبد المعطي حجازي منذ فترة مبكرة في طبعة دار العودة ومازلت أذكر شعوري بالفرحة أثناء القراءة وعندي علاقة مستمرة لم تنقطع، وحين عدت للقراءة مرة أخري لاحظت الكم الهائل من الأسماء الذي ورد في النصوص وأيضا الأماكن والبلاد والأحداث فهناك أسماء توفيق الحكيم وطه حسين ونجب محفوظ وجورج البهجوري وعبد الرحمن منيف وعدلي رزق الله ولوممبا بالإضافة إلي جمال عبد الناصرالذي جاء اسمه مرات وغيرهم وأسماء رمزية مثل صبي فلسطيني، توقفت كثيراً أمام هذه الظاهرة؟
دائما أعتقد أن الواقع الذي نعيشه بتفاصيله هو مصدر الإبداع وأنه لا ينبغي للشعر أن يصبح وصفا أو تقريراً أو ثرثرة نثرية وأيضا لا يصح أن نتعمد صناعة قطيعة مع الواقع، بل بالعكس علينا أن نذكر مكاننا في هذا الواقع ونسميه بأسمائه، ولا أظن أن هناك من سيقرأ شعري دون أن يستحضر المناخ الذي كتبت فيه هذه القصائد بتفاصيل هذا المناخ بأسماء الناس والأماكن، كنت أحب أن أسمي فقط البشر لكن الشوارع والمقاهي والمطاعم فهذه الحيوات التي عشتها.
- وأيضاً الأحداث والدول العربية فهناك بغداد والجزائر وبيروت ودمشق فهل كان طغيان السياسة في ذلك الوقت له تأثير علي الكتابة فازدحمت القصائد بالأسماء والأحداث؟
 ليس طغيان السياسة وإنما الأحلام التي راودتنا في الخمسينات والستينات وبالذات حلم الوحدة العربية وأنا كنت متحمساً للعروبة والوحدة العربية.
هذا كان واضحاً في القصائد.
 وهذا مما راجعته أيضا لقد كنت مبالغاً جداً في حلم الوحدة العربية، هذه من الأفكار والشعارات التي راجعتها حيث كان عندي فهم للوحدة العربية مغزاه أن مصر لا تختلف عن أي بلد عربي بما فيها شبه الجزيرة العربية نفسها وبالطبع كان هذا وهماً وأن حقيقة الأمر أن العروبة ليس إلا ثقافة وهذه الثقافة جامعة لكن لكل بلد عربي تاريخه وأيضاً ثقافته وأكثر من هذا لغته ليس فقط العامية بل فصحاه فلكل بلد عربي لغته،ولذلك كنت حريصا في مقالاتي الأخيرة عن اللغة والشعر أن أبين أن مصر صنعت اللغة العربية من جديد، فخلال القرنين الماضيين اللغة العربية الفصحي تدين لمصر قبل أي بلد آخر، لأن اللغة العربية تكاد تكون ميتة في القرون السابقة علي القرن التاسع عشر، حين كنا محتاجين للغة عربية ننقل إليها ما تعلمناه من أوربا كما فعل الطهطاوي وسواه، فكان لزاما علينا أن نحيي اللغة العربية ومن هنا كانت حركة الإحياء والبعث التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، فالأشكال التي لم يعرفها الأدب العربي وضعها المصريون وثبتوها، فإذا كان المسرح شارك فيه غير المصريين، لكن المسرح باعتباره عملاً أدبياً يعود إلي توفيق الحكيم ومن قبل شوقي أيضاً، الرواية أيضاً، فلا القصة ولا المقالة الصحفية لم تكن موجودة في الأدب العربي ومن هنا أقول أن مصر أحيت اللغة العربية بل وخلقتها من جديد.
- أنت من رواد التجديد في الشعر العربي ودافعت عن هذه القضية في معارك سوف يذكرها التاريخ، لكنك وقفت في مواجهة التجديد تحت عنوان قصيدة النثر. علي الرغم من أنك وقفت في مواجهة العقاد وقلت له هذا ايقاعنا وهذا زماننا، أليس أيضاً هذا إيقاع وزمان قصيدة النثر؟
هذه هي المسألة، فالخلاف حول معني الإيقاع هناك من يعتقد أن الإيقاع موجود في اللغة وليس مرتبطاً بالوزن وأن اللغة / النص يمكن أن يكون له أيقاعه اعتماداً علي أصوات اللغة دون أن يلتزم الوزن وهذه قصيدة النثر وهذا ما لا أعتقده أنا، مع علمي أن للغه إيقاعتها فاللغة قبل كل شيء أصوات فلها إيقاعاتها ولكن الوزن إضافة يحول الإيقاع الذي هو غير مُدرك الذي هو موجود في النص النثري إلي إيقاع مدرك ومنضبط ومن المكن أن يتابعه القارئ أو المستمع كما يفعل الشاعر أي يكون هناك اتفاق تلقي مشترك أو احساس مشترك بالوزن، وهذا يستفيد به الشعر، لا شك أننا نعرف أن الشعر هو لغة مختلفة عن النثر، واختلاف الشعر عن النثر يتمثل في مسألتين الأولي المجاز فلغة الشعر لغة مجازية وليست تقريرية أو كما يقال حقيقية، والمسألة الأخري الشعر موزون إيقاع بمعني أنه وزن منضبط هذا الإدراك لا أزال وفيا له، وأستطيع أن أقرأ قصيدة النثر الجيدة وأتذوقها وأشهد بجودتها، ولكن لابد أن أميز بينها وبين القصيدة الموزونة، هذا ما أصنعه صحيح وهذا أفصح عنه و أعبر عنه وأقول لماذا؟ لا بأس من أنه يبقي في قصيدة فأنا لا أعترض علي وجود قصيدة النثر ولكن أعترض علي أن تكون قصيدة النثر طوراً يحل
محل القصيدة الموزونة، وأيضاً أعترض علي اعتبار أن الوزن زائدا وأن القصيدة يمكن أن تستغني عنه لأنني اعتقد أن الوزن إضافة أيضاً، أداة أخري تجعل اللغة شعرية لأنك في الشعر تصنع لغة أخري.
- نعم من المجاز ومن التخيل وليس فقط من الوزن أليس كذلك؟
- نعم وتستخرجها من لغة الاتصال وتميز بينها وبين لغة الاتصال، فمن ضمن الأدوات التي تميز بها لغة الشعر عن لغة الاتصال ولغة النثر الوزن.
- إذن من ضمن الأدوات وليس كل الأدوات؟
- نعم ولا شك في هذا وأنا لم أقل هذا الكلام وفي تعاملي مع قصيدة النثرأعلنت موقفي من قصيدة النثر وأطلقت عليها القصيدة الخرساء بمعني أنها ليست للغناء والإلقاء والانشاد أي ليست لغة صائتة ولكن في الوقت الذي أعلنت فيه هذا الرأي أقرأ قصيدة النثر وأعبر عن أعجابي، ولو أن المعركة بيني وبين من يكتبون قصيدة النثر لا تكون حادة أستطيع أن أكتب عن قصيدة النثر أو عما أحبه منها.
- ولماذا لا تكتب؟
- يمكن أن أفعل وعندما كنت رئيساً لتحرير مجلة إبداع كنت أنشر قصيدة النثر
أعلم هذا وأنا واحد منهم نشرت لي مجموعة من القصائد.
وأيضاً كنت أنشر القصيدة الموزونة، وينبغي علي أن أوضح هذه المسألة، أنا لست ضد قصيدة النثر ولكن ضد أن تحل محل القصيدة الموزونة وضد أيضاً أن يعتبر الوزن زائدا أو إضافة أو يمكن الاستغناء عنه أو قديما كما يقول البعض.
- وأنا من شعراء قصيدة النثر وقناعتي الشخصية تجعلني أوافقك تماما في أنه لا يمكن أن تحل قصيدة النثر محل قصيدة التفعيلة كما لا يمكن أن تحل التفعيلة محل عمود الشعر. فأنا أقرأ المتنبي أكثر من كل شعراء قصيدة النثر ولو سئلت عن أفضل شاعر في القرن العشرين لأخترت أحمد شوقي، ربما خلافي أو عدم قناعتي علي فكرة أن الوزن ضرورة، ومرتبط بعروض الخليل ويمكن الاستغناء عنه وأنت قلت أنه ضمن الأدوات وليس كلها.
طبعا
ولا أظن أنني في حاجة أن أسألك عن معايير قصيدة النثر الجيدة لأنك قلت هذا؟
لا سوف أقول لك معايير قصيدة النثر الجيدة أولاً هي هذه اللغة الجديدة التي أشهد أنها إضافة للغة الشعر، فما هي هذه اللغة الجديدة، هذه اللغة الجديدة تتمثل قبل كل شيء في الافصاح عن المفارقات وعما يخطر للإنسان من اختلاط الأشياء بعضها ببعض دون أن يعبر عن ذلك لأنها خواطر أكثر مما هي أفكار، الإنسان في اللغة التي يستخدمها يستخدم لغة منطقية حتي الشعر لكني أعلم تمام العلم أن هذه اللغة المنطقية لا يلتزم بها الإنسان وهو يفكر أو عندما يحلم وعندما يفكر وعندما يكلم نفسه، قصيدة النثر تفصح عن هذا الذي نحلم أو نحدث به أنفسنا أونراه مختلطا دون أن نستغرب أونندهش، هذه المفارقات أنا أعتبر أنها مكسب، قصيدة النثر عندما تضع يدها علي هذه اللغة هي مكسب بشرط ألا يكون مفتعلا وأن يبدو كأنه هو اللغة الطبيعية التي يفكر بها الشاعر لأنه بهذا نصدقه وعندما نصدقه نتأثر وننفعل.
لوقدر لك أنت تكمل سلسلة مقالاتك عن أحفاد شوقي هل يكون من بينهم شعراء قصيدة النثر؟
نعم بالطبع لأنهم موجودون وأستطيع أن أقول ما قلته لك الآن عن قصيدة النثر
- وهذا ما دفعني أن أسألك
- هل من المكن أن تراجع تجربة مجلة شعر اللبنانية مرة أخري أي يوسف الخال أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا والآخرين.؟
طبعا... أنا دائما أراجع نفسي وأحاسب نفسي وأحيانا يصيبني الأرق بسبب محاسبة النفس وايضاً أدعو الآخرين لمحاسبة النفس، لكن المشكلة الأساسية فيما قلت أن موضوع مجلة شعر لم يكن فقط شعريا أو ثقافيا له علاقة بقصيدة النثر بل بالسياسة لأن الذين كانوا يعملون في مجلة شعر كان لهم موقف مختلف عن موقفنا كانوا بيدافعوا هم ومجلة حوار، كان لهم موقف من الغرب كان يمكن أن يختلط أو يعتبر موقفا متهاونا من القضايا العربية وقتذاك مثل القضية الفلسطينية، الصراع الذي كان بين النظام المصري، نظام عبد الناصر والأمريكان وهذا لعب دورا في الموقف الذي اتخذناه وقتذاك، فعلي سبيل المثال مجلة حوار كانت النسخة العربية من المجلات التي تنفق عليها المخابرات الأمريكية. لأن المؤسسة التي كانت تدعم هذه المجلة هي التي احتضنت المثقفين الأوربيين الذين أخذوا موقفاً من الأحزاب الشيوعية، وعلي هذا كانت المخابرات الأمريكية تساعدهم، وهذا كان يؤدي بنا إلي أن نبتعد، توفيق صايغ جاء إلي مصر وزارنا في روزاليوسف لمناقشتنا وأنا قلت له هذا الكلام، قدمت له الأسباب التي تبرر عدم نشر أعمالنا أو المشاركة في مجلة حوار، وفي تلك الفترة كان هناك معسكران مجلة الآداب التي تبننا وأيضا حوار وشعر، وكان يرأس تحرير مجلة الآداب سهيل إدريس وهو وجه مهم من وجوه الإتجاه العروبي.
ما ذكرته ينطبق أكثر علي مجلة حوار وليس مجلة شعر؟
كنت أري في تلك المرحلة الستينات وفي بدايتها بالتحديد أن الذين يصدرون »‬حوار» ليسوا منفصلين عن الذين يصدرون مجلة شعر وقد تكون هناك خلافات في التفكير بين الفريقين ولكن كان هناك شيء يجمعهما وهو الموقف من الشعارات التي كنا نرفعها آنذاك، و أنا أتحدث الآن عن الوحدة العربية وغيرها من الأفكار التي كان سائدة في تلك المرحلة، علي الرغم من أنني الآن أعترف أن فكرتي عن الوحدة العربية كانت حماسية وتحتاج إلي مراجعة في ضوء النتائج التي ترتبت علي هذه الشعارات، وفي ضوء ما تكشف عنه الواقع، كنت أعتقد أن الشعوب العربية فيما بينها تشكل أمة واحدة ولكن أن تبين لي أن هذه الفكرة غير دقيقة ولا بد أن نعترف أن المصريين يختلفون عن السوريين وعن المغاربة وعن السعوديين وأن كل بلد له تاريخه وله ثقافته الخاصة المستقلة مع وجود ثقافة جامعة، وهذه الثقافة الجامعة هي العروبة في نظري، وتحت هذه الثقافة الجامعة ثقافات وطنية متعددة، ونعود إلي مجلة شعر فأنني كنت أري أن هؤلاء يرفضون العروبة تماما وكذلك من يصدرون مجلة حوار
- هل تتذكر اللحظات الأولي في هذه المدينة التي هي بلا قلب.. الآن ماذا تقول عنها وكيف تراها؟
 طبعاً قبل كل شيء كانت المغامرة لأنني جئت وأنا لا أملك أي شيء كنت قد حصلت علي دبلوم مدرسة المعلمين ولكنه لم يعد له أي قيمة لأن الأمن اعترض علي تعييني وبالتالي لا أستطيع الاعتماد علي هذه الشهادة! كان هناك شيء واحد أستطيع أن أستخدمه في تقديم نفسي وهو الشعر لأنه قبل أن أنهي الدراسة بشهور قليلة في مارس 1955 نشرت قصيدتي الأولي في مجلة الرسالة وقبلها أشعار لم تنشر وهذا كله كان معي حين جئت إلي القاهرة، فهذه المغامرة أولا أن أكون مقتنعا بأني شاعر أني موهوب، وكان لدي ما أستطيع أن أقوله لأنه في اعتراف بشاعريتي وهذا الاعتراف ظهر في نشر هذه القصيدة والقصائد التالية، ومن ناحية أخري قدرتي علي أن أغامر، وجئت في أكتوبر أو نوفمبر 1955 كي ألقي بنفسي في هذا الخضم وأنا لا أملك إلا قروشا قليلة، نمت علي السطوح وقضيت أياما بلا طعام إلي أن وجدت عملاً بدار الهلال مصحح، اشتغلت نصف شهر في عام 56 وعندما علمت أن هناك نفس الوظيفة في روزا اليوسف بأجر أقل انتقلت إلي هناك لأني وجدت لا علاقة لي بدار الهلال، لكن في روزا صلاح جاهين، وأحمد بهاء الدين.
وهل كان صلاح عبد الصبور التحق بروزا اليوسف؟
- أظن أنه سبقني بشهر، لأننا عملنا معا في صباح الخير التي أنشئت عام 1956، وأنا عينت في يوليو في نفس العام وبعد شهرين تركت التصحيح وعملت (کewriter ) أعيد كتابة الموضوعات.
- أي ديسك مان بلغتنا هذه الأيام.
لأن هناك محررين لا يجيدون الكتابة، ولكن بعد أن عرفوا أنني شاعر خلال ثلاث سنوات يرتفع مرتبي من ستة جنيهات إلي 25 جنيها يساوي الآن 6000 جنيه.
في حياتك قرارات مهمة وخطيرة محورية في مستقبلك أن تترك مصر في السبعينات، أن تترك العمل في جامعة باريس وتعود إلي مصر مرة أخري، أن تلتقي الرئيس السادات، أن تترك وظيفتك في دار الهلال في بداية حياتك، لتلتحق بروزاليوسف، أن تدعو صلاح عبدالصبور في تلك الليلة المشئومة، إلي آخره من قرارات ومغامرات، فهل إذا عاد الزمن ستفعل ما فعلت دون تردد؟
طبعاً... لهذه المحطات الرئيسة طبعاً، إذا عاد بي الزمان ووجدت نفسي في الظروف التي كنت فيها في ذلك الوقت سوف أتخذ ذات الموقف وأقرر ذات القرار وأدخل ذات المغامرة لأنه ما ذا فعلت...؟ عندما غادرت دار الهلال كنت مطمئنا أنني سأجد مكانا أفضل ينتظرني في روزاليوسف من نواح أفضل من نواح أخري كما ذكرت، فقد كنت أذهب فقط لأصحح وأحصل علي المرتب ولكن الأمر أختلف في روزاليوسف، وقد صدق حدسي فوجدت الدفء والاعتراف مع هذه الكوكبة من الكتاب، بيئة هي التي كنت أحلم بها غنية كتابا وشعراء أدباء وفنانين، رجال ونساء، مسلمين ومسيحيين ويهود لأنه كان في ذلك الوقت في أواسط الخمسينات كان لايزال الفنان المصري اليهودي يرسم في روزاليوسف، هذا العالم الذي تربينا فيه وكنا نبحث عنه وجدته هناك. وحين أنظر إلي هذه الأيام وما نعيشه الآن، أشعر بالخسارة.
كنت الأقرب إلي صلاح عبد الصبور وما قرأته عند دكتور غالي شكري في كتابه بلاغ إلي الرأي العام، وما كتبه فاروق عبد القادر بعد ذلك عن هذه الواقعة جعلني أفهم أن هذه الليلة لم تكن السبب الرئيسي في موته بل كانت سببا واهياً سبقتها أسباب عميقة وهي أن الشاعر لم يحتمل ما فعلته السلطة ومشاركته هو بحكم كونه مسئولا في هذه السلطة؟
هو لم يحتمل النقد الذي وجه له، وفي النهاية صلاح عبد الصبور اشتغل في الدولة وليس في السلطة، صحيح أن هذه الدولة فيها سلطة صلاح عبد الصبور إن لم يكن له موقف سلبي منها كانت هناك مسافة بينه وبينها، فهو لم يكن يعمل في السلطة وإذا كنا الآن نقول الآن أن هذه السلطة كانت استبداداً وطغيانا فصلاح عبد الصبور عبّر عن هذا الموقف في أشعاره ومسرحياته.
هذا ما أقصده أنه كان يعيش هذا التناقض بين الشاعر والمسئول!
للأسف الشديد أنه كان في تلك الفترة التمييز بين الدولة والسلطة تميزاً نظرياً، فعندما تضع السلطة يدها علي كل مؤسسات الدولة يكون التمييز صعباً، وعندما يجد صلاح عبد الصبور نفسه في معرض الكتاب يهاجم من الشباب الذين يعترضون علي مشاركة إسرائيل في المعرض لابد أن يتألم، ثم أنه لاشك تألم حين تحدث إليه صديقنا وهو صديق مشترك الفنان بهجت عثمان بعنف أو عاتبه بطريقة مؤلمة.
وماذا كان رد فعل صلاح عبد الصبور؟
رفض هذا الكلام، ورد علي بهجت الذي كان يعمل في الكويت في ذلك الوقت وقال له أنت تعمل في الكويت، رد بالمثل بحدة، وحين وجدت أنا أن الأمر يمكن أن يتطور إلي صورة لا نرضاها أقنعت بهجت أن يغادرنا وذهب بالفعل، ولكن تألم صلاح عبد الصبور وحدثت هذه الأحداث المؤسفة والمؤلمة.
وماذا كان تعليق الذين حضروا تلك السهرة وأظن منهم د. جابر عصفور وأمل دنقل؟
دافعوا عن صلاح بقوة طبعاً.
سألته... حين تفكر الآن بينك وبين نفسك ما الشعر؟
صمت حجازي طويلاً ثم قال لي: ما يكتبه الشعراء، واستدرك حين رأي الدهشة علي وجهي وقال أقصد الشعراء الحقيقيين، لأن الشعر ليس مفرداً، ليس واحداً، فإذا كنا نريد أن نجمل الجواب في عبارة واحدة فالشعر هو لغة أخري غير لغة الاتصال والتقرير وغير لغة العلم والبحث والدراسة والتفكير وهو في نظري اللغة الشاملة اللغة تستطيع أن تعبر عن كل شيء وأن تخاطب الإنسان في كل طاقاته وفي كل حواسه، الشعر الذي يخاطب وجدانك وخيالك وذاكرتك وبصرك وسمعك ويخاطب أحلامك، ويخاطب عقلك الباطن كما يخاطب عقلك الظاهر هذا هو الشعر، وصور الشعر متعددة فالشعر إبداع ولايقبل فيه التقليد والمحاكاة ولذلك ننتظر من كل شاعر أن يكون مختلفاً عن الآخرين بل نحن ننتظر في كل قصيدة يكتبها الشاعر ذاته أن تكون مختلفة.