رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أكاديمي وسياسي ندهته الحكايات

حسن أوريد: أملأ فراغات التاريخ بالخيال


حوار : أسامة فاروق
5/12/2018 12:54:49 PM

من أب صحراوي وأم أمازيغية ولد حسن أوريد عام 1962. اختير ليكون ضمن مجموعة من التلاميذ الذين سيدرسون في مدرسة القصر الملكي، مع ولي عهد المغرب آنذاك الملك محمد السادس.
حصل أوريد علي الليسانس في القانون العام ودبلوم الدراسات العليا ودكتوراة في العلوم السياسية عن أطروحته »الخطاب الاحتجاجي للحركات الإسلامية والأمازيغية في المغرب»‬ . تقلد منصب مكلف بالدراسات في وزارة الخارجية، ومستشار سياسي بسفارة المغرب بواشنطن، ثم منصب مدرس بالمدرسة الوطنية للإدارة وكلية العلوم السياسية بالرباط. وحين تولي العاهل المغربي الملك محمد السادس الحكم في يوليو 1999، عينه في منصب أنشئ لأول مرة في المغرب وهو»‬ الناطق الرسمي باسم القصر الملكي»، قبل أن يعين في يونيو 2005 واليا لجهة مكناس، ثم مؤرخا للمملكة.

لكننا لا نحاور هنا السياسي والمتحدث باسم القصر، نفضل أن نتحدث مع الأكاديمي الذي ندهته الحكايات، نقترب من الكاتب الأكاديمي صاحب »‬الإسلام والغرب والعولمة»، »‬ومرآة الغرب المنكسرة»، »‬والفكر السياسي في إيران»، و»‬مأزق الإسلام السياسي» بعد ثورات الربيع العربي، و »‬تلك الأحداث» »‬ورواء مكة».والروائي، الذي قدم روايات »‬الحديث والشجن » التي حظيت باهتمام كبير من جمهور القراء في المغرب، »‬وصبوة في خريف العمر»، »‬والأجمة»، »‬وسيرة حمار»، »‬والموريسكي» التي كتبت بالفرنسية قبل أن تتم ترجمتها للعربية، وصدرت مؤخرا طبعتها المصرية عن الهيئة العامة للكتاب، ومؤخرا صدر له أيضا »‬ربيع قرطبة» عن  المركز الثقافي العربي.
والشاعر الذي قدم داووين »‬يوميات مصطاف»، و»‬فيروز المحيط»، »‬ و زفرة الموريسكي » و »‬صرخة تينهينان».  
لكنه - السياسي- علي أي حال لا يتركنا لحالنا فمن الصعب تجاهل من اقترب من السلطة لهذا الحد، هو شخصيا يري السياسة »‬جزء من حياتي» ويقول ردا علي سؤالي حول الإنتاج الأدبي في ظل حالة القرب تلك:السياسة هنا لا تعني بالضرورة الانغمار في قوالب معينة، ولكن الاهتمام بالشأن العام، وطبعا هذا جزء من مساري، ومن الطبيعي أن ينطبع الأدب بمسار الكاتب. لا يمكن أن تنفصل الكتابة الأدبية عن التجربة الشخصية ، يفسر: في الموريسكي مثلا، حللت حالة الانحباس التي كان يعرفها المغرب، ووظفت شخصيات روائية للإحالة علي ظواهر سياسية، بل شخصيات معاصرة، ورأي البعض في عملي الأخير »‬ربيع قرطبة» جزء من تجربتي ومساري. ولا يمكن أن أنفي ذلك».
وكما سيتضح بعد ذلك فتلك العلاقة الوثيقة بين الكاتب والسياسي انطبعت علي إنتاجه كله، سواء في الأدب أو في غيره، بل إن بداية التفكير في الكتابة أصلا كان بسبب السياسة،  فالمرحلة الحاسمة التي صرفته للكتابة الأدبية، والكتابة باللغة العربية، هي الفترة التي تلت حرب الخليج الثانية أو عاصفة الصحراء ، كنت حينها دبلوماسيا في واشنطن، ودأبت علي الكتابة في الصباح الباكر قبل الالتحاق بالسفارة. كتبت خلال تلك الفترة عملين، عملي الأول وهو »‬الحديث والشجن»، وهو عبارة عن سيرة ذاتية ذهنية، لشخص كان اشتراكيا بل قوميا، وتحول ليكتشف بُعده الأمازيغي، ونشرتها حينما لم يعد لي ارتباط بوزارة الخارجية سنة 1999، ولقيت الرواية استحسانا، وكان من المفترض أن تنال جائزة أطلس، وأُبْلغت بالأمر، وسُحبت الجائزة مني  لأني  عُينت بعد الإبلاغ غير الرسمي بشهور ناطقا رسميا باسم القصر، وخُشي أن يُؤوَّل منحي الجائزة بحكم المنصب. كتبت في ذات الفترة رواية علي منوال »‬مزرعة الحيوانات» لجورج أوريل وبأسلوب قديم يقتدي بأسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة، علي لسان الحيوانات، وهي الأجمة، ولم تصدر إلا سنة 2014.
كان من الصعب أيضا الابتعاد عن السياسة في حوار مع شخص درس حركات الإسلام السياسي، ودورها في المنطقة العربية، كان من المهم معرفة رأيه في تلك الحركات الآن، بعد كل ما جري في المنطقة.. أسأله ويقول: لا أنطلق في دراسة حالة معقدة، وهي الإسلام السياسي، من الزمن السياسي، بل من الزمن التاريخ، وأنطلق من فرضية أن توظيف الدين في السياسية يفضي إلي مأزق، ولا يمكن رفع المأزق إلا بتغير خطاب وسلوك من كانوا يتكلمون باسم الخطاب الديني، أو بالفصل بينهما، وهو المسار الذي يعتمل في كل من المغرب وتونس وكذا بمصر. وعلي كل حال، لا يمكن الزعم بأن  الخطاب السياسي من مرجعية دينية، حافظ علي البريق الذي كان له. تبين للكثيرين أن أصحاب الخطاب الديني، هم أصحاب دنيا، ولا عيب في ذلك، ولكن شريطة أن ينأوا عن توظيف الدين، لأن ذلك يسيء للدين .
يضيف: »‬كل الحركات المهدوية التي تنطلق مما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، كانت وبالا علي التجربة الإنسانية، سواء أكانت شيوعية أو فاشية، ولا يمكن للحركات الإسلامية أن تكون استثناء، ولذلك يببغي الانطلاق من الإنسان كما هو، تحركه غرائز ومصالح وطموحات، وينبغي ضبط الزيغ حين يكون بالقانون، وليس بالوعظ. في تونس أقدمت حركة النهضة علي خطوة جبارة في الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي. هناك منحي عام، ولو هو يسير وئيدا، لخروج الدين من مجال السياسة».
- لكن رغم إسهاماتك في المجال الفكري وانشغالك بالعمل السياسي، قررت خوض غمار الأدب، ما الذي يقدمه الأدب وتعجز عنه المجالات الأخري؟
ساحة الأدب أوسع وأرحب، وتمنح مجالا أخصب مما قد تمنحه الكتابة الأكاديمية والصحفية. للكتابة الأكاديمية  ضوابطها، وللكتابة الصحفية محاذيرها. قلت ما أريد قوله  مثلا في رواية »‬سيرة حمار»، التي لا تتجاوز بالكاد مئة صفحة، مما لا يستطيعه بحث أكاديمي، ولا تستطيعه كتابة صحفية من دون مجازفة. الكتابة الأدبية، وبالأخص الرواية، هي العشيقة، والكتابة العلمية الأكاديمية، هي الزوجة. تربطني بالأولي علاقة عشق، وشغف، وصدود ووصل، أما الثانية فهي علاقة واجب واحترام. عليّ أن أفي بالتزام مهني وأخلاقي، تجاه نفسي، فأنا أستاذ للعلوم السياسية، وهذه الصفة تحتم علي التفكير في القضايا التي أدْرس وأدَرِّس، والكتابة عنها، ولا أكتب عنها، إلا بعد بحث ونقاش و اختمار.
- تكتب بعدة لغات.. وكتبت »‬الموريسكي» بالفرنسية، ما الذي يحدد اختيارك، وكيف رأيت كتابة الأدب بلغة غير العربية؟ بصيغة أخري ما مفهومك للغة وكيف تتعامل معها؟
أتقن لغات عدة، وأشتغل بها، ومنها الفرنسية والإنجليزية، وأدرّس بهما، هذا فضلا عن تحدثي  بلغتي الأم الأمازيغية. هناك توزيع  في المهام. لا يمكن أن أشعر وأطلق العنان لجوانبي الوجدانية والتعبير عنها إلا باللغة العربية. وإلي حد ما باللغة الأمازيغية فيما يخص الشعر، وهو ما فعلته بناء علي تحد رفعه نشطاء أمازيغ عابوا علي أني أكتب بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ولا أكتب بالأمازيغية، لغة أمي. وقد أصدرت ديوانا شعريا بالأمازيغية.
اللغة بالفرنسية تمنحني مجالا أوسع في التفكير لدقتها وتوافر المصطلح، وخلوها من الطابوهات. أكتب بها ما يرتبط بالعلوم السياسية.
لكن عموما، يمكن القول، بأني من فصيلة في طور الانقراض، من مغاربيين يتقنون العربية والفرنسية علي السواء. الوضع الحالي موزع بين مفرنسين، بل فرانكوفونيين، لهم توجهات سياسية وفكرية معينة، ومعربين، وأحيانا تنتفي الجسور بينهما.
كتابة عمل أدبي وهو هنا المورسيكي باللغة الفرنسية كان مجازفة. وفعلت لأني بالنظر إلي الموضوع، وهو الموريسكي، أردته حديثا للإسبان، واعتبرت، عن خطأ، أنه يمكن نقله بسهولة من الفرنسية إلي الإسبانية. إلا أن الصدر الذي احتضن عملي هو القاريء باللغة العربية. لقي صدي جيدا في العالم العربي. آخر الطبعات، وهي الخامسة، و في حلة أنيقة تلك التي أخرجتها الهيئة العامة للكتاب.  وأنا سعيد بذلك، وأعتبره احتفاء بعملي.
ما يحدد لغة الكتابة الأدبية، هو كذلك الجمهور. الموريسكي بالفرنسية لا يعني كبير أمر للقاريء الفرنسي. هو يعني الشيء الكثير بالنسبة للإسباني، وللعالم العربي.
معرفتي للغات أجنبية، وارتباطي بلغة أجدادي الأمازيغية، لا يعني التضحية باللغة العربية. أرتبط بعلاقة وجدانية بل وجودية مع اللغة العربية.
- متي قررت استدعاء القضية الموريسكية؟
هي المصادفات. لم يكن واردا في ذهني بالمرة أن أكتب عن المورسكييين. دأبت حين أنزل مراكش أن ألتقي أدبيا مغربيا مهووسا بالتراث، وهو الأمر الذي كان وراء علاقة صداقة بينه وبين الأديب الراحل جمال الغيطاني، وهو جعفر الكنسوسي. حدثني بداية سنة 2001 عن مخطوط لشهاب الدين أفوقاي، »‬ناصر الدين عن القوم الكافرين»، و أمدني بنسخة منه،  وكان النص آخر ما انتهي إلينا باللغة العربية من لدن الأندلسيين، أو آل الأندلس، وهو اللقب الذي كانوا يطلقونه علي أنفسهم. مصطلح الموريسكي مصطلح قدحي أطلقة المسيحيون علي المسلمين، وهو مركب من كلمتي Moros - »‬hico أي العرب الصغار، أو الحقراء. وقد سبق لي مرة أن قدمت صديقا، انتقل إلي عفو الله، بالقول إنه من الموريسكيين، فرد بغضب، أنا أندلسي، وإن تشأ اسباني مسلم.
استحثني جعفر الكنسوي أن أكتب من وحي نص شهاب الدين أفوقاي، ولم أفعل حينها، لأني كنت مشغولا بالمهام التي كنت مطوقا بها، وعدت إلي نص أفوقاي وقد تحللت من المسؤولية. وكان علي أن أقرأ كثيرا لأن نص أفوقاي تتخلله بياضات، وبخاصة أني أردت أن أقف وقفة دقيقة علي تجربة المورسكيين بالأندلس و أفوقاي مقتضب في الموضوع، ولا يتوسع في تجربتهم  بالمغرب، لأن الغاية عنده كان السجال الديني ما بين الديانات التوحيدية الثلاثة. فهو كان فقيها، وبدرجة ثانية سياسيا، ولم يكن أديبا. بل حتي كلمة أفوقاي، هو تحريف اسباني للفقيه، ونطقت بعدها بنطق أمازيغي، فأفوقاي هو الفقيه.
ثم كانت الذكري الأربعمائة  لترحيل المورسيكين سنة 2009، وانتهزتها فرصة للتعريف بهذا الفصل المريع في تاريخ الضفتين.
- نجحت في الحفاظ علي الحس الروائي دون الوقوع في فخ الدرس التاريخي.. ماهي الرواية التاريخية في نظرك؟
أتمني ذلك. لو كان العمل تاريخيا صرفا لكان مملا. حاولت أن أدمج قضايا تاريخية في تقنية السرد، أو الاسترجاع. وملأت الفراغ بالخيال، ولكن من دون أن يكون مجافيا للواقع، أي أن يكون ممكنا أو ما يسمي في القواعد الثلاثة للمسرح la vraisemblance
نعم سأُسِر لك بشيء، شخصية  كل من هنتاتي والفتي دوجا، هي استيحاء لواقع عشته، ولم يكن للتاريخ أن يسعفني في شيء، من ذلك.
الرواية التاريخية رواية وليست تاريخا، والرواية الاجتماعية رواية وليست علم اجتماع، والرواية النفسية رواية وليست علم نفس. والمعيار الأساسي في الرواية هو المتعة. وإذا أخفقنا في ذلك خُنا العقد الضمني مع القاريء.
 فالعمل الفني يستدعي المتعة أولا والفائدة ثانية، في حين أن العمل التاريخي يقوم علي الفائدة، ولا ضير إن لم تتحقق المتعة.
- هل تأمل التوسع في الكتابة عن القضية الموريسكية؟ هل ستكتب عنها مجددا؟
هناك عدة جوانب للقضية الموريسكية. هناك الجانب الإنساني والتاريخي. ولكلٌ أن يخوض في ذلك. هناك كذلك ما قد يحيل إليه وضع المُغربين، أو الذين اجتثوا من أرضهم، أو الذي يعيشون توزعا هوياتيا، ويصبح الموريسكي والحالة هذه  مصطلحا لمن يعيش الاغتراب والمثاقفة. ولعل هذا الجانب هو ما حدا بالأمريكي من أصل مغربي أنور مجيد  أن يكتب عملا رائعا، أسماه »‬كلنا موريسكيون»  We are all Moors.
وهناك جانب ذاتي، لجمعيات وأسر تتحدر من أصول موريسكية، وهو جانب أتفهمه، ولكني لست جزءا منه. وتختلف رُؤي هؤلاء، من الذين يشتغلون علي الذاكرة، ومن الذين يطالبون بتعويض، وبتقديم اعتذار، بل بإعادة الإلحاق والحصول علي الجنسية الاسبانية. ليس لدي ما أقوله في هذا الجانب. ليست لي شرعية للخوض فيه.
- كيف تري القراءات النقدية التي تري أنك تميل إلي الإسقاطات السياسية في أعمالك الأدبية؟
لا عيب في ذلك شريطة أن لا تكون فجة.  نحن ننطلق من الذاتية كي نعانق الكونية من دون أن  تطفح الذاتية أو تشطح بنا. ما كتبته عن البلاط في العهد السعدي، حين حل به أفوقاي ليس شطحات أو اختلاقا، بل هو مبني علي دراسة تاريخية دقيقة. هناك توظيف لأحداث، ولكن ليس هناك اختلاق البتة.
- تكتب الشعر والرواية.. ما الذي يحدد اختيارك الهوي أم القضية، هل هناك موضوعات معينة تصلح لها الرواية ولا ينفع معها الشعر، والعكس؟
لنقل بأنني هاو فيما يخص نظم الشعر. ترددت طويلا قبل أن أخرج ديواني الأول »‬فيروز المحيط»، واعتبرته اجتراء. علي كل حال، أفضل أن أُقرأ وفق الضوابط النقدية الصارمة كروائي، أما الشعر، فلا ينبغي إخضاعي للضوابط الدقيقة في تقييم الشعر.
- قلت إن جائزة سحبت منك بعد توليك منصبا سياسيا، هذا وجه آخر للسياسة في حياتك ربما، علي أي حال كيف تنظر لمسألة الجوائز؟ لماذا أنت بعيد عنها؟
أنا خارج منها لاحتمالين، الاحتمال الأول، هو أني لا أستحقها. ولا يمكن أن أؤاخذ جهات ما علي أنها لم تمنحني جائزة، فلها معاييرها، وليس لي أن أجادلها في ذلك أو أؤاخذها. الجانب الثاني، أكثر موضوعية، وهو أنك لكي تحصل علي جائزة، عليك أن تتقدم بترشيح، ولم أتقدم بترشيح. فلا يمكن أن ألوم أحدا لأني لم أترشح للجائزة، أو أشكك في قيمتها أو أعضائها. ولم أتقدم لاعتبارات موضوعية كذلك، منها أن رواية »‬الموريسكي» كُتبت بالفرنسية فمن العسير أن أتقدم بها للمؤسسات الداعمة للكتابة بالعربية، ورواية »‬سيرة حمار» ولو أنها كتبت بالعربية، ولقيت استحسانا، فهي تمتح من نفَس أمازيغي، وقد لا يستحبها من ينطلق من مرجعية عربية أحادية، أو صفاء عرقي، أو نظرة أحادية أو أيديولوجية قومية.
الجائزة مهمة في مسار الكاتب، ولكنها ليست هي الأهم. الأهم هي العلاقة ما بين الكاتب والقراء. الجائزة الكبري، هو الوشيجة  بين القراء والكاتب.الجائزة وسيلة، وليست غاية، وإذا تحولت إلي غاية، ساءت للأدب.
وعلي كل، أنا سعيد أنّي حصلت علي جائزة بوشيكن من اتحاد كتاب روسيا لسنة 2015، علي أعمالي. لم أرشح نفسي لها، وإنما رشحت لها.
- الأكاديمي أم المؤرخ أم السياسي أم الروائي أين تجد نفسك الآن؟
الأكاديمي واجب مهني. والتاريخ هواية، والأدب عشق. كتابتي الأدبية هي المرشحة للصمود لعوامل تعرية الزمن. ستصمد روايتي »‬ سيرة حمار» التي كتبتها في ثمانية أيام، علي رسالة الدكتوراه حول الحركات الاحتجاجية بالمغرب التي أخذت مني أربع سنوات من البحث المضني. أكتب الرواية بمتعة. وأكتب البحث بجهد. وطبيعي أن أميل إلي الأدب.
- بوصفك مؤرخا للمملكة كيف تقيم الحركة الثقافية في المغرب الآن؟
أولا، أريد أن أصحح معلومة. لم أعد مؤرخا للمملكة. ليست لدي وظيفة رسمية في الدولة المغربية. الوضع الثقافي في المغرب، شأنه شأن الوضع الاجتماعي العام، يمر بفترة انتقالية، أسميها بالمراهقة، انفصل المجتمع المغربي عن الطفولة، وما تستوجبه من وصاية وحنو، ولكنه لم يبلغ بعد سن الرشد وما يستتبع ذلك من استقلالية ومسئولية.
هناك جرأة في الطرح، تواكبها ضحالة أحيانا. هناك تشظي ما بين المغربين والمفرنسين. هناك توزع بين العالمي، وشيوع الخطابات الهوياتية والتي قد تنبي علي الكراهية وشيطنة الآخر. هو وضع انتقالي، قد يكون طبيعيا، لكن شريطة ألا يدوم. وعامل الزمن هو وحده كفيل بعملية الفرز.  ولكن ذلك لا يعفي من ماهدين، من رموز تبعث الطمأنينة وتشيع الأمل، سواء أكان نخبا سياسية أو ثقافية. فالمجتمعات، كما يقول السياسي الفرنسي باريس Barrès، محتاجة، في فترات الانتقال، إلي ما من يطمئنها ويبعث فيها الأمل. ومثلما كان يقول سعد ونوس، نحن محكوم علينا بالأمل، واليوم أكثر من أمس.