رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

سر غياب الأدب العربي عن قائمة البي بي سي

مؤامرة غربية أم إهمال عربي ؟


جمال المراغي
7/7/2018 12:42:48 PM

لا داعي للغضب ـ إن كان هناك من سيغضب بالفعل ـ فليست تلك القائمة الأولي ولن تكون الأخيرة التي يتواري فيها العرب أدبا وثقافة، ولن أتهم هيئة الإذاعة البريطانية »البي بي سي»‬ بالتحيز والعنصرية وهي علي كل حال ليست ذات ريح طيبة لدينا في الوطن العربي، بل وعلي نطاق واسع حول العالم، لكن القسم الثقافي المسئول عن هذه القائمة أكد في نهاية التغطية الأولي عقب الإعلان عنها أنها مجرد بداية ودعوا كل مهتم لمشاركتهم في الفكرة.
في واحدة من الخدمات التي يحاول القسم الثقافي بالبي بي سي تقديمها لمتابعيه حول العالم ويتطلب جهدا بحثيا وتنظيميا، طرحت فكرة »‬100 قصة غيرت شكل العالم» ودعت من توصلت إليهم من نقاد وبلغ عددهم 108 من جميع أنحاء العالم لاختيار أكثر خمس قصص مؤثرة ـ من وجهة نظرهم ـ من أي لون أدبي، رواية، قصص قصيرة، نص مسرحي وغيره.
ثم تم حصر ما اختاره النقاد، وترتيبها بحسب عدد مرات تكرار كل عمل ومرتبته لديهم من الأولي للخامسة، فتحصل الأولي علي خمس نقاط ثم الثانية أربع وهكذا حتي الخامسة التي تنال نقطة واحدة، وعند التساوي يكون الاحتكام لعدد مرات اختيار الكتاب كمركز أول ثم أفضلية النقاد المرتبين حسب خبراتهم ومكانتهم العلمية، وبهذا المزج بين العاملين الفكري والرقمي جاءت ملحمة »‬الأوديسة» اليونانية لهوميروس أولا بمجموع 73 نقطة، ثم رواية »‬كوخ العم توم» الأمريكية لهيريت ستو ثانية رغم أنها كانت الاختيار الأول لناقد واحد ولكنها جمعت 52 نقطة.
وتحل الروايتان الإنجليزيتان »‬فرانكشتين» لماري شيلي و »‬1984» لجورج أورويل ثالثة ورابعة بـ 49 نقطة و45 نقطة علي الترتيب، وتليهما في المرتبة الخامسة رواية »‬الأشياء تتداعي» للنيجيرية لتشينوا أتشيبي بمجموع 43 نقطة، ومن السادس إلي العاشر، »‬ألف ليلة وليلة» مجهولة النسب، رواية »‬دون كيشوت» الأسبانية لسرفانتس، مسرحية »‬هاملت» الأنجليزية لشكسبير، رواية »‬مائة عام من العزلة» الكولومبية لماركيز وملحمة »‬الإلياذة» اليونانية لهوميروس.
كتب الروايات المئة كُتاب من 24 دولة منها 27 إنجليزية، 17 أمريكية، 7 يونانية كتبت جميعها قبل ميلاد المسيح، 6 فرنسية، 5 روسية ومثلها صينية، و4 ألمانية، وثلاثة إيطالية وأخري هندية، 2 كولومبية، ورواية واحدة لكاتب من نيجيريا، أسبانيا، اليابان، أستراليا، البرازيل، أوغندا، زيمبابوي، إيرلندا، المكسيك، مصر، الأرجنتين، الدنمارك، النمسا وباكستان، إضافة إلي 6 مجهولة النسب وكتاب عربي لا ينتمي لدولة بعينها.
ولغويا كتبت هذه المؤلفات باثنتي عشر، لغة أصلية، 55 منها بالإنجليزية، 7 باليونانية، 6 بالفرنسية ومثلها بالإسبانية، 5 بكل من الصينية والروسية والألمانية، 4 بالأردية، 3 بالإيطالية، 2 بالعربية وواحدة بكل من الدنماركية واليابانية، وقاريا فإن لأوروبا نصيب الأسد 56 مؤلفا، ثم أمريكا الشمالية 18، فآسيا 10 و4 لكل من أمريكا الجنوبية وأفريقيا.
نعود إلي التقرير الذي أكد علي أن النقاد الذين اختاروا القصص الأدبية من 35 دولة مختلفة ولكن من بين 108 نقاد هناك 34 إنجليزيا و32 أمريكيا وأكثر من ثلثيهم أوروبيون، وربما لهذا جاءت الغلبة إنجليزية أمريكية أوروبية جغرافيا ولغويا بينما تواري العديد من الثقافات واللغات، وكان أكثر الكُتاب ظهورا في القائمة كل من شكسبير وفرجينيا وولف وفرانز كافكا بثلاثة كتب لكل منهم.
ومن الكتب التي تضمنتها القائمة »‬الكوميديا الإلهية» لدانتي، »‬روميو وجولييت» لشكسبير، سلسلة »‬هاري بوتر» لكيه جيه رولينج، »‬جين إير» لشارلوت برونتي، »‬الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي،  »‬الحرب والسلام» لتوليستوي، »‬أليس في بلاد العجائب» للويس كارل، »‬البؤساء» لفيكتور هوجو، »‬شجرة عيد الميلاد» لتشارلز ديكينز، »‬أولاندو» لفرجينيا وولف، »‬روبنسون كروز» لدانيال ديفو، »‬مغامرات توم سوير» لمارك توين، وغيرها.
اختار العديد من النقاد الذين هم بالأساس أكاديميون، الملاحم اليونانية القديمة مثل الأوديسة، الإلياذة، أوديب ملكا وأنتيجون، كذلك أعمال شكسبير المسرحية وكافكا الفلسفية، وغيرها كالكوميديا الإلهية لدانتي أليجري، إلا أن ظهور بعض الكتب جاء غريبا والبعض الآخر يثير تساؤلات عدة حول وجودها دون غيرها، وإن كان الأمر عامة يخضع لفكر النقاد ورؤيتهم.
ولهذا فإن سر الدهشة والإجابة علي التساؤلات عند النقاد، فظهور رواية »‬توبا تك سينغ» الباكستانية لسعادت حسن مينتو يعود للناقدة »‬أمينة ياكين» الإنجليزية ذات الأصول الباكستانية التي كانت خيارها الأول، وكذلك ديوان »‬أغنية لولينو» للشاعر الأوغندي »‬أوكوت بيتيك» الذي اختاره اثنان من النقاد الأوغنديين وهما »‬سوزان كيجولي» و »‬دومنيكا ديبيو» كاختيار ثالث ورابع علي الترتيب.
كما ظهر جليا اهتمام الناقد والمترجم الإنجليزي »‬أليكس رويل» بالشعر العربي والإسلامي، بل عشقه له، لهذا كان من بين اختياراته »‬المعلقات» لامريء القيس و »‬الأرائك» لحافظ شيرازي، ولكن ديوان »‬الخمريات» لأبي نواس أخذ طريقه للقائمة لأنه اختياره الأول واحتل المرتبة الرابعة والتسعين، بينما يعود ظهور عمل عربي آخر وهو »‬أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ في المرتبة السادسة والسبعين، والذي ترجم إنجليزيا باسم »‬أبناء الجبلاوي» لاختيار الناقدة المصرية الوحيدة »‬ماري تريز عبد المسيح» له كخيار أول، في الوقت الذي وضعت فيه البي بي سي ماري علي رأس قائمة النقاد.
يضعنا غياب الأدب العربي أو تواريه في قائمة القصص المؤثرة أو التي غيرت شكل العالم التي أعلنت عنها البي بي سي أمام حقيقتين أو وجهتين، إحداهما تتعلق بغياب العرب بالأساس عن قائمة نقادها، وهنا تبرز مجددا دعوة الهيئة البريطانية وأن قائمتها مجرد بداية، وأن بابها مفتوح لمن يرغب في المشاركة برأيه ورؤيته، فهل هناك من سيهتم بالأمر ويحرك ساكنا؟، بل هل هناك من يدرك أهمية التفاعل مع الآخر وأن نجعله طوعيا يتخلي عن تحيزه.
لكن هل من المنتظر أن يشارك نقادنا العرب (إن حدث ذلك) من أجل التحيز للأدب العربي؟، وهل نحن في حاجة للتحيز؟، ففي قراءة للقائمة، ملحمة »‬الماهابهاراتا» الهندية اختارها الثنائي الإنجليزي »‬راشيل دوير» و »‬كاميلا شميز» والفرنسي »‬ألاين فيالا»، كما اختار رواية »‬قصة جنجي» الصينية ثلاثة من النقاد الأمريكان، ومثلها أعمال فرنسية وألمانية وروسية، وحتي النقاد الفرنسين والألمان المعروف عنهم اعتزازهم بلغتهم الأم لم ينحازوا لأدب بلادهم وكتابها في اختياراتهم.
تأخدنا هذه النتيجة للوجه الثاني، وإلي مزيج من الفشل والإهمال جعل أدبنا وثقافتنا لا تصل للآخر، ننتظر دائما اهتمامهم وجهدهم إلي جانب بعض الاجتهادات الفردية دون عمل جماعي يذهب بنا إلي فضاء فسيح بدلا من المساحة الضيقة التي يتصارع عليها المعنيون بالنشر وتسويق الكتب في الوطن العربي.
مازالت الثقافات الأخري تمد يدها تطلب التفاعل والتبادل، ولا تطلب إلا الاهتمام ووضع خطط محددة ومنضبطة، وبعضها يعرض تحمل الأعباء المادية كاملة، ولكنهم لم يجدوا بعد إلا الإهمال والتخاذل، بل وغياب الوعي، لم يتبق الكثير من الوقت، بعدها لن نجد هذه الأيادي، وسيصبح الأمر شبه مستحيل، وننتظر من الآخرين بعض التعاطف دون جدوي.