رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

تراب القمر .. حكايات إنسانية بامتياز


مني عبد الكريم
9/22/2018 11:06:58 AM

قد يبدو اسم  »تراب القمر»‬ ملهما للغاية ..  إلا أن للحقيقة وجه آخر ..ندركه حين نقترب من وجه الأرض.. إذا إنه مستوحي من اسم منطقة »‬وادي القمر» التي تقع في غرب الإسكندرية .. ويقال إن تلك المنطقة كانت جميلة للغاية .. مفروشة بحقول القمح ويطل عليها وجه القمر ليلا لتترك انطباعا شاعريا .. إلا أن هذا الوادي الساحر ومع الأسف أصابته اللعنة فتحول لوادي الجحيم يلتهم أبناءه ويأكل أرواحهم فيصيبهم بالعجز إذ أصبحت المنطقة محاطة بمجموعة من المصانع أشرسها مصنع للأسمنت.. تلك الغيلان الضخمة التي تلتهم المدينة.
»‬تراب القمر» هو العنوان الذي اختاره الفنان محمد مهدي ليقدم من خلاله معرضه الفوتوغرافي الفردي بممر كوداك بوسط البلد.. حيث قضي ما يقرب من عامين يوثق لحياة الأفراد في تلك المنطقة .. وهو المشروع الذي فاز من خلاله بمنحة آفاق  .. يقول مهدي: فكرنا كثيرا في العنوان ثم بمزيد من البحث عرفت أن تراب القمر كان يلتصق بأزياء رواد الفضاء ويصعب التخلص منه. وأنا كذلك في كل مرة لدي عودتي لمنزلي بعد قضاء عدة ساعات في منطقة »‬وادي القمر» كان بإمكاني رؤية ما علق بملابسي وجسدي من الأتربة المنبعثة من المصنع، وأسأل نفسي كيف هي حياة من يقطن بالمنطقة.
من خلال عدسة مهدي تدفقت الحكايات .. إذ كان الهدف هو سماع أصوات احتبست كثيرا . تقول علا : »‬أنا بداري الشروخ اللي في الحيطة بلزق وورق حائط عشان عاوزه أشوف بيتي جميل » .. علا التي يقع منزلها علي بعد عشر دقائق من المصنع تتعرض لهزات عنيفة تترك شروخا في الحائط توازي شروخا أخري في روحها .. إذ لا يمر نصف ساعة حتي تغطي الأتربة البيوت فيضطر البعض لتغطية كل منافذ الهواء بالمشمع منعا لتسلل الأتربة الرفيعة السوداء، فليست مبالغة عندما تتحدث علا: »‬احنا بناكل ونتنفس تراب».
قصة علا هي واحدة من قصص حياة ستين ألف مواطن يعيشون بتلك المنطقة معظمهم يعاني من أمراض الحساسية والصدر والتحجر الرئوي وأمراض الجلد والعيون.. فأمل الصغيرة أصابها مرض صدري بعد الانتقال للمنطقة بستة أشهر.. أما الشاب عبد الرحمن فيعيش منتظر الموت بعد أن أصابه تليف رئوي.. إذ يضطر للنوم معظم الوقت لأنه يستخدم فقط 20% من رئته.. يقول مهدي: عرفت أن حوالي خمسين في المائة منهم مصابون بأمراض الجهاز التنفسي أبرزها الربو، وأتذكر عندما قال لي أحد الأطفال »‬أنا بقف حارس مرمي لأني مقدرش أجري و ألعب كرة»، بعد أن تبخرت طموحاته في أن يلعب الكرة مثل أقرانه، ويحول استخدامه لجهاز تنفس صناعي دون بذله لمجهود كبير.
وتبدو الجدران الأسمنتية العارية في ممر كودك ملائمة تماما للحدث .. الجدران رمادية قاتمة ليست مستوية علي الإطلاق .. تحتضن 23 صورة بالأبيض والأسود هي بالطبع ليس كل ما صوره مهدي ولكنها كفيلة بالتعرف علي مأساة سكان تلك المنطقة ، يقول مهدي: قمت بتوثيق هذا العمل كشاهد علي حياتهم الإنسانية مسلطا الضوء، علي هذه الأجساد التي تصنع ذكرياتها، من الألم.. من الفقد، الحب، والأحلام بين شقوق جدران منازلهم الأسمنتية. هذه هي أغنيتهم الصماء التي يقدمونها فقط ليتم سماعهم أو الاعتراف بوجودهم. يكافح أهالي »‬وادي القمر» للحصول علي حقهم في أن يكونوا، فقط.. بشرا.
بعض الصور جاءت عفوية تلقائية .. إلا أن مجموعة من الصور التي قدمها مهدي تذكرنا باستديو العائلات إذ قام بالتقاط صور عائلية للأسرة كلها علي غرار الاستديوهات فوق أسطح المنازل لتبدو المصانع هي خلفية الكادر بديلا عن الطبيعة .. يخبرني مهدي: كان الأهالي يستخدمون تلك الأسطح للترفيه عن أنفسهم يتناولون طعامهم هناك .. والأطفال يطيرون الطائرات .. الآن أصبح من الصعب جدا ممارسة تلك الطقوس في ظل وجود عوادم المصانع.
ويهدف مهدي لأن تكون الصور هي صوت أهالي المنطقة الذي من خلاله يستمر الحوار مع المهتمين بالتلوث البيئي والتغيير المناخي وكافه أطراف المجتمع، وأن تتكاتف جهود المعنيين والمهتمين في مساعدتهم، ولذا قرر أن تعود كافة عائدات بيع اللوحات لمساعدة الأهالي في شراء بعض الأدوية وأجهزة التنفس وغيرها من المساعدات التي يمكن أن توفرها تلك العوائد.
وتنتمي تلك المجموعة إلي ما يعرف بالقصص المصورة التي يتعايش فيها المصور مع قضية أو موضوع وتكون الصور بديلا عن الكلمات، حيث يقول مهدي: الصور تقترب من فكرة مشروع، فلدي شغف لاكتشاف الناس والتعبير عن حياتهم خاصة المجتمعات المدفونة.
 جاء مشروع »‬تراب القمر» بدعم من منحة آفاق بالشراكة مع مؤسسة ماجنوم للتصوير، ومؤسسة برينس كلاوس. وقد حرص مهدي علي دعوة أهالي »‬وادي القمر» لحضور الافتتاح إذ إنهم شركاء في الحدث، كما قام بتصميم مقطوعة موسيقية يسمعها رواد المعرض، يقول مهدي: في البداية أعددت شريط صوت مؤلف من أصوات الأهالي نفسهم وهم يحكون حكايتهم ، إلا أنني قررت تأجيل الفكرة للمعرض القادم الذي سيتضمن عرض فيلم أعمل عليه حاليا عن المنطقة إضافة إلي عرض عمل مركب.