رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في مؤتمر دولي بآداب القاهرة قناة السويس جسر لنقل الحداثة لآسيا


تمثال لديليسبس .. شاهد علي المشروع

تمثال لديليسبس .. شاهد علي المشروع

مني نور
11/17/2018 11:16:28 AM

أكد د. سارجه موسي (جامعة السوربون) علي ضرورة فهم الأحداث التي توالت علي قناة السويس في سياق صحوة الروح الوطنية المصرية، وطالب بكتابة مشتركة للتاريخ تأخذ في الاعتبار تنوع الأصوات وتعددها.
جاء ذلك في ختام أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر، الذي نظمه قسم اللغة الفرنسية،  بآداب القاهرة، برئاسة د. رانيا فتحي، وارتكزت مناقشاته حول محور: "قناة السويس: رؤي أدبية وثقافية".
ثمة أوراق بحثية متميزة تناولت هذا الحدث بتصور مختلف، وعن التخييل التليفزيوني والأدبي في (رجل السويس) القناة: وجه الأسطورة وظلال مهمش، تحدثت د. داليا السجيني، فأوضحت أن قناة السويس تحتل مكانة محورية في تاريخ فرنسا، ومع غزارة انتاجها السينمائي والتليفزيوني، إلا أنه لايضم سوي مسلسل قصير يستلهم أحداثه من قصة حياة ديليسيبس: "رجل السويس"، انتاج فرنسي، ألماني مشترك عام 1983، اخراج (كريستيان چاك) وقبل ثلاثة أشهر من عرضه بفرنسا مايو 1984، قام جاسبار - هوي، بنشر روايته الأولي (رجل السويس0 تتبع السيرة التليفزيونية والسيرة الروائية مسيرة ديليسيبس منذ وصوله إلي الاسكندرية عام 1832، نائبا لقنصل فرنسا، وحتي عشية افتتاح القناة نوفمبر 1869.
وعن (بورسعيد في المتخيل السينمائي)، أشارت د. سلمي مبارك إلي أنه لدراسة متخيل بورسعيد في السينما، سنتوقف عند موضوع السفر الذي يحيلنا إلي نواة صلبة تأسست عليها المدينة، وإلي بنية عميقة في المتخيل الذي تولده. بورسعيد في السينما هي مكان عبور ينتج موضوعات وأشكالا سردية مرتبطة بحركة الانتقال والسفر: تجارة، هجرة، حروب، سياحة.. لقد تشكلت التمثلات السينمائية لبورسعيد عبر الزمن من خلال علاقة هذه المدينة بتاريخ قناة السويس الساخن في أفلام مثل: "حب ودموع" عام 1955، "بورسعيد" عام 1957، "شاطيء الأسرار" عام 1958، "الباب المفتوح" عام 1963، "ليلة القبض علي فاطمة" عام 1984، :القبطان" عام 1997.
ومن خلال هذا الإنتاج السينمائي، نستطيع بلورة أربعة وجوه للمدينة تشاركت في رسم المتخيل الخاص بها: المدينة المصيف، المدينة المرفأ، وجه المدينة المدني، ووجهها الذي شلته الحروب.
أما د. دانييل لانسون (جامعة جروبنل)، فقدم ورقة عن حفر قناة السويس: اعادة رسم جغرافيا البرزخ المقدسة (1855/1870) شرح فيها أن ديليسيبس أدرك منذ البداية، ضرورة الحصول علي تأييد كل السلطات الدينية في بلد ذي أغلبية مسلمة. فكان مدخله إلي الخديوي، وإلي الوزير العثماني، التأكيد علي دور القناة في تسهيل طرق الحج واختصاره، وهي الفكرة ذاتها التي أستند إليها رفاعة الطهطاوي في دفاعه عن القناة، وأهتم ديلسيبس- أيضا- بترميم بعض الأماكن المقدسة مثل قبر جبل مريم، وبناء المساجد، وتشجيع اقامة الشعائر وتولي رجال الدين القضاء، وحرص علي دعوة كبار رجال الدين الإسلامي في الاحتفالات الرسمية، وتمكن بالفعل من الحصول علي مباركة المسلمين والمسيحيين، وحتي علي فتاوي مؤيدة لمشروع القناة كانت تلقي ضمن خطب المساجد، ودعمت شركة القناة مجيء الارساليات الكاثوليكية واستقرارها في مدن القناة، أهمية هذا المشهد تتلخص في ظهور نظام عالمي يستند   إلي شكل من أشكال الجغرافية المقدسة للبرزخ، يتلاقي عندها تاريخ المقدس وروح الكاثوليكية مع فضاء اسلامي جديد.
>>>
وعن مديح الحداثة ومقاومتها عند انشاء القناة، جاءت ورقة د. هيلين بروينير (جامعة ستراسبورج)، لتقول أن السنوات العشر الخاصة بحفر قناة السويس تعتبر فصلا أساسيا لايمكن تجاهله في تاريخ تمثيلات قناة السويس، فلقد أثرت تلك الفترة بالعديد من الصور والنصوص التي ساهمت في تطور الأدب، خاصة أدب الرحلات، وتقاليده حتي قبل أن يتم افتتاح هذا الممر الهائل، وكانت النصوص والصور تعبيرا عن حالة الغليان الناجمة عن أعمال الحفر، وتشهد عملية انشاء القناة بالتقلبات الجغرافية الهائلة التي حدثت والتي تمثل إلي حد كبير بعداً دعائيا يهدف إلي اقناع الرأي العام بنجاح العمل الجبار، ولقد ساهم هذا العمل -أيضا- في تكوين فضاء شرقي جديد يثبت وجوده لصالح مصر.
وفي هذا الموقع الفارغ الخالي من السحر والشغف، اصطدم الخيال الاستشراقي بايديولوجية الحداثة، مما تسبب في الأغلب في نوع من الاحباط، فمنطقة القناة لم تقدم لا الشرق ولا الحداثة بشكل كامل.
وخصت د. هبة الصباغ المؤتمر بورقة بعنوان (تمجيد الذات والدعاية للقناة في خطب ديليسيبس)، أشارت فيها إلي أنه لمواجهة الدائر في الصحافة الفرنسية والإنجليزية ضد اتمام أعمال الحفر، لجأ ديليسيبس لطرق مختلفة لانجاح مشروعه، والدفاع عنه، فأنشأ جريدة بعنوان (برزخ السويس، جريدة وحدة البحرين)، وهي جريدة نصف شهرية، صدرت في باريس 1856/1871، وكانت بمثابة أداة يجيب بها علي اعتراضات أعداء المشروع، كما هاجم- من خلالها- خصومه في الفترة ما بين 1863/1866، وبالتوازي مع صدور هذه الجريدة، قام بعمل عدة مؤتمرات تناول فيها كل تطورات أعمال الحفر مثل مؤتمر شارع لابيه (السلام عام 1864) ومؤتمر آخر في عام 1865 لدعم مشروع القناة.
وأكد جيل جوتييه (معهد العالم العربي) في مداخلة بعنوان (قناة السويس بين النهضة والامبريالية) أن المجهودات المبذولة من قبل أسرة محمد علي والمجتمع المصري الناشيء أدت إلي نجاح وإلي إخفاق في آن واحد، يكمن النجاح في ظهور الدولة المصرية، والأمة المصرية رغم كل العراقيل في حين يتمثل الاخفاق في عدم قدرة مصر الافلات من الشراهة الأوروبية المتضخمة، الأمر الذي انتهي بفقدان البلاد استقلالها لعدة قرون.
والمفارقة هنا أن القناة رغم أنها كانت نابعة عن الارادة المصرية، ومهداة إلي العالم كرمز لنهضة أقدم دولة في العالم، أصبحت أهم سبب في تخلي البلاد عن استقلالها ومنبت كل الضغائن.
وعن السويس في مختلف المخيلات: القناة ورأس المال ومجازات الاستعمار أوضح د. وليد الخشاب (جامعة يورك بكندا)، أن قناة السويس، ومنطقة القناة بأسرها شكلت أرضا خصبة ازدهرت فيها مجازات عديدة تتعلق بتاريخ العالم وتاريخ الرأسمالية تحديدا منذ القرن ال 19. وركز د. الخشاب علي أربعة مجالات مجازية مرتبطة بالقناة، وبالخطابات التبريرية أو الناقدة للاستعمار، أولاها تأنيث القناة وتحويلها إلي موضوع جنسي، يتجلي هذا المجال مثلا في عبارة (بروسير آنفنتان) عن القناة بوصفها »فراش الزوجية»‬. ان الحقل البلاغي الذي يؤنث أفريقيا أو مصر أو الشرق، يعمل في اطار الخطاب الاستشراقي عمل الجناح الثقافي والرمزي للسياسات الاستعمارية، وهي تشير إلي تمثلها الاستعمار الغربي بوصفه ذكرا، وإلي تصورها المضمر لتراتبية بين المذكر والمؤنت، توازي التراتبية، بين المهيمن والخاضع.
وثاني المجالات، صرحية القناة، فقد ركز كل من فن النحت والكاريكاتير علي الطابع الهائل لعملية الحفر، حيث وصف حفر القناة في الكتابات الغربية بأنه مشروع فرعوني، وعلي الجانب المصري بأنه مشروع ملحمي (عند الرافعي وهيكل).
أما ثالثا فهو عن الطابع الحدودي للقناة أي خضوع القناة للسيطرة الامبريالية، وهذا يقتضي أن تقع علي حدود مصر، أما المجال الرابع فهو عن القناة بوصفها وسيطا لنقل البضائع والأفكار، في أدبيات القرن ال 19، انتشرت استعارة القناة كـ (موصل)، ناقل للحداثة أو للتنوير الأوروبي إلي أفريقيا وآسيا، ووجدت هذه الاستعارة صدي في مشروع اقامة تمثال لامرأة عند المدخل الجنوبي للقناة، وضع (أوجست بارتولدي) تصور هذا التمثال تحت عنوان (مصر تحمل النور إلي آسيا).
وفي ورقتها التي حملت عنوان السخرة في المخيلة الأدبية من السجال البلاغي إلي التصوير الفني وجهت د. مي فاروق اهتمامها إلي تفكيك تروس الحرب الكلامية التي اشتدت أوزارها تشي بازدواجية الخطاب. ونري كيف أن التعاطف مع المأساة الانسانية ترددت أصداؤه في الفنون والآداب التي جعلت من السخرة ذكري خالدة في ذاكرة التاريخ في تصورها الروايات والمذكرات والمسرح والغناء ولوحات الرسم والأفلام، ويشهد علي ذلك نصان  أدبيان من الأدب الفرنسي في القرن ال 19 أحدهما »‬الفلاح» ادموند أبو (1869)، وثانيهما (ذكريات رئيس موقع في القناة) إركان ساتريان، تضمنا وصف الآلام التي تحملها المصريون الذين حفروا بفؤوسهم القناة حيث تلهب ظهورهم السياط، صورة تضفي علي الفلاح بطولة لاتتردد في اضافتها علي الصور التي يحفظها التراث الفني المصري، لوحة عبدالهادي الجزار وهي بعنوان حفر قناة السويس.
>>>
وقدمت د. هناء سيف النصر، صوراً لعروض فنية من فن الكاريكاتير ومقطوعات لأغاني عاصرت فترة تأميم القناة، وجاءت مشاركتها بعنوان (قناة السويس وحرب 1956 في الأغاني الوطنية والكاريكاتير السياسي:  مكانة وتأثير نوعين من الممارسات الثقافية الخاصة)، لافتة إلي أنه رغم أن الغناء والكاريكاتير من أسهما في مصر بعد ثورة 1952، في ترسيخ فكرها ومبادئها، واستعان بهما النظام الناصري في تعزيز صورته والترويج لأفكاره الاشتراكية، التحررية وكان للكاريكاتير دور مماثل بتأييده وموالاته للثورة، وتعتبر مجلتا روزاليوسف وصباح الخير، خير مثال علي ذلك.
قدمت الباحثة بعض نماذج الغناء الوطني والكاريكاتير السياسي في الفترة من 1956 إلي 1958، لابراز دورهما في اللعبة السياسية، منفردين أو مجتمعين (كما في حالة الشاعر والرسام صلاح جاهين).
وجاءت مشاركة الدكتور محمد عفيفي، بمحاضرة بعنوان (فكرة التأميم وأصولها التاريخية)، أوضح فيها أن الفيلم الروائي (ناصر 56) رسخ لدي المشاهد فكرة أن تأميم شركة قناة السويس طرأت فجأة في ذهن جمال عبدالناصر قبل 26 يوليو بقليل، وأن هذا القرار، كان قرارا فرديا، في حين أن شواهد تاريخية كثيرة تثبت أن هذا القرار جاء تجسيدا للأحلام التي تبنتها الحركة الوطنية عبر عشرات السنوات.
وبدأ د. عفيفي سرد التاريخ منذ القرن ال 19، أي منذ أجبر الخديوي اسماعيل تحت وطأة أزمة الديون إلي بيع حصة مصر من أسهم قناة السويس، هذه اللحظة الفارقة في التاريخ المصري، لأن العقل الجمعي المصري، أصبح يستشعر أن القناة التي حفرت في وسط أراضيه لايملك منها شيئا، وسيتصاعد هذا الشعور بالمهانة مع تنامي دعوة (مصر للمصريين) خلال الثورة العرابية، وما ترتب عليها من أحداث، فمنذ ذلك الوقت أصبح السؤال الذي يتردد لدي المصريين: متي تعود القناة لمصر؟
وربما يتضح ذلك جليا في ذروة صعود الحركة الوطنية في مطلع القرن العشرين علي يد الحزب الوطني، والمطالبة باستقلال مصر. وتعتبر حادثة محاولة مد امتياز قناة  السويس في عام 1910 خير دليل علي ذلك، ويري البعض أن هذا المشروع بمد الامتياز حتي عام 2008 كان به غبنا شديدا لمصر، خاصة بما يقترحه من شروط جديدة، وكاد المشروع أن يمر سريعا، لكن الحركة الوطنية وبصفة خاصة الحزب الوطني وزعيمه (محمد فريد) شنوا حربا شعواء علي هذا المشروع،واعتبروه خيانة لآمال وأحلام المصريين، وتركزت الحملة في السخرية من تساهل الحكومة المصرية في مشروع مد الامتياز، مع علم الحكومة أن القناة كانت السبب في ضياع استقلال مصر.
ترتب علي ذلك حملة مساجلات في الصحافة المصرية بعضها يؤيد المشروع لنفعه المالي السريع لمصر، والبعض يرفضه لأسباب وطنية. واضطرت السلطات البريطانية والحكومة المصرية أمام ضغط الرأى العام، طرح المشروع على «الجمعية العمومية» برلمان ذلك الزمان، وتم احالة المشروع إلى لجنة فرعية مختصة لدراسته، وقدمت اللجنة تقريرها الذى انتهى إلى رفض المشروع، وكان رفضها مد امتياز القناة فى الواقع، حافزا بعد ذلك للحركة الوطنية المصرية فى المطالبة بعودة القناة لمصر.
تظهر تجليات ذلك الحلم بوضوح بعد ثورة 1919، ونحو القومية المصرية والمتغيرات الكبرى على الساحة الدولية، فمع نجاح الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، تنتقل الأفكار الشيوعية إلى حيز التنفيذ فى مصر، وكانت أهم هذه المحاولات تأسيس الحزب الاشتراكى فى مصر عام 1921، هذا الحزب الذى نص برنامجه وضمن بنوده (جعل القناة ملكا للأمة)، ومن الواضح أن فكرة التأميم أصبحت بعد ذلك فكرة محورية لدى الحركة الوطنية المصرية، ومع صعود النازية فى المانيا، وظهور غيوم الحرب العالمية الثانية لجأت بريطانيا إلى محاولة تنظيم أوضاعها فى مصر، لاسيما مع حاجتها إلى قناة السويس فى حالة اندلاع الحرب، فدخلت فى مفاوضات مع مصر أسفرت عن معاهدة 1936.
>>>
وتميز المؤتمر بورقة عن صور المقاومة فى تاريخ القناة عند جمال الغيطانى وعبدالرحمن الابنودى استعرضتها د. رانيا فتحى فقالت: ان قناة السويس مثلت مصدر إلهام للغرب الذى انبرى فى وصف احتفاليات الافتتاح، وأمجاد ديليسيبس، أما بالنسبة للشرق فلقد ارتبطت بتاريخ الحروب التى اندلعت على ضفتيها.
فقد سلط الأدب المصرى الضوء على مساحة المواجهة التى نتجت عن هذا الممر المائى الذى سرعان ما تحول إلى سد منيع يفصل بين عالمين متناحرين.
وأوضحت أنه على المستوى الجغرافى تقارب الشرق والغرب بفضل القناة، أما على المستوى السياسى والايديولوجى، فقد اتسعت الهوة بينهما وهو ما عبر عنه الأدب بقوة، اذ تمحورت العديد من نصوصه حول تواريخ مفصلية فى تاريخ الصراع بين الشرق والغرب ارتبطت بالقناة: التأميم، نكسة 67، حتى نصر اكتوبر 73، فضلا عن بعض الأحداث الأخرى كحروب الاستنزاف وحركات النضال والمقاومة.
طغت هذه المحطات التاريخية على النصوص الأدبية بوصفها مكونا أصيلا من مكونات الذاكرة الجمعية والمخيلة الإبداعية، وشكلت عنصرا أساسيا فى كتابة الذات وصياغة علاقتها بالتاريخ، بل فى تحديد ملامح هوية أدبية تستلهم مفردات تراث المقاومة.
وأكدت أنه انطلاقا من هذا الواقع الأدبى، يسعى البحث لدراسة تمثيلات القناة فى نصوص جمال الغيطانى وعبدالرحمن الأبنودى، اللذين أنخرطا بقوة فى حركة النضال المصرية، عاش الأديبان فى مدن القناة ما بين 1967 و 1973، وانضما لصفوف المقاومة الشعبية فقدما شهادة حية عن زمن الحرب، وعن مفهوم الكتابة.
وتوقفت د. رانيا عند كتاب (المصريون والحرب)، الذى يقدم فيه جمال الغيطانى شهادة حية حول مدن  القناة عشية انتصار اكتوبر 1973 ويقول على مدار صفحات هذا العمل المهم، تطالعنا وجوه المصريين الذين التقى بهم الغيطانى أثناء عمله مراسلا حربيا خلال تلك الفترة، تطالعنا وجوه واضحة المعالم تكاد تنبض حيوية، وهى تسعى بكل ما أوتيت من قوة العشق بترميم حطام مدن تتعرض للقصف اليومى، ووجوه تحاول أن تغزل بنية تواصل واستمرارية لمقاومة عدو تربص على الضفة الأخرى للقناة. يقدم الغيطانى شهادته بمزيج من الحب والفخر بهؤلاء الصاعدين، الصانعين للحياة فى مواجهة موت محدق، وذلك فى لغة شديدة الرهافة تتغنى بالمصرية والانسانية وعشق القناة ومدنها.
ومن جانبها اهتمت د. ايناس الصيرفى بالتناول السردى لهذا الحدث فقدمت ورقة بعنوان (الصياغة السردية لمحاولة الهيمنة الغربية فى (حرير وحديد، من جبل لبنان إلى قناة السويس) لفواز الطرابلسى)، فقالت: يسرد فواز الطرابلسى فى روايته (حرير وحديد من جبل لبنان إلى قناة السويس) التى صدرت عام 2012، وتم ترجمتها إلى الفرنسية عام 2017 تفاصيل السباق الاستعمارى المحموم الذى قامت به الامبراطورية الفرنسية والامبراطورية الانجليزية، وكانتا تعتبر لبنان ومصر مسرحا له. يتناول النص حقبة تاريخية فاصلة فى تاريخ السيطرة الغربية على  الشرق، ويطرح بشكل حر مستوحى من مفهوم «التاريخ الكلى» ممارسات تلك القوى التى عملت على تنفيذ مشروع قناة السويس فى مصر، ذلك المشروع الذى وصفه البعض بأنه «أكبر عملية سلب فى تاريخ مصر (الرافعى)- من ناحية، واذكاء الحرب الأهلية التى ستستمر لعقود فى جبل لبنان من ناحية أخرى. ان الرواية التى يستخدم فيها المؤلف تقنيات سردية متنوعة تعتبر سيرة روائية، ورواية وثائقية فى آن واحد. ويظهر هذا التنوع جليا على مستوى الاطار المكانى، حيث نرى مجالات متعددة للهيمنة بين لبنان ومصر، مرورا بفرنسا والجزائر وتركيا، حيث يتم التخطيط لعملية وضع اليد، وتحاك الخطط، أما الإطار الزمنى فسيطرت عليه التعددية التى تفرضها المقابلة القائمة بين تلك الأماكن جميعها.
وعن صورة قناة السويس فى رواية (سيمافور الاسكندرية) لروبية سوليه، تتناول د. نجلاء فرغلى تعارض وجهات النظر إلى إعادة كتابة التاريخ. فقالت: ان رواية الكاتب الفرنسى روبير سوليه (سيمافور الاسكندرية) تعيدنا إلى زمن حفر قناة السويس، حيث يقوم الراوى ماكسيم توتا بسرد قصة حفر القناة والجدال والمنازعات التى أثيرت حول هذا المشروع فى ذلك الوقت، فيتذكر الراوى مرحلة طفولته، ويصف لنا الاضطرابات التى مرت بها مصر بسبب المطامع الاستعمارية بين فرنسا وبريطانيا، ثم ينتقل الراوى إلى سرد فترة شبابه عندما أصبح صحفيا فى مجلة (سيمافور الاسكندرية) الاسبوعية، ويتذكر أحداث أدت إلى الاحتلال البريطانى لمصر.
وقدمت د. شاهندة عزت صورة مدن القناة فى ثلاث سير ذاتية مصرية،وقالت أن ذلك الحدث احتل مكانة فى الكتابات التاريخية وأدب الشهادة والسير الذاتية منذ فكرة حفر القناة مرورا بالعديد من الأحداث المتعلقة بها مثل أعمال الحفر الضخمة، والسخرة، ومعاناة الفلاح المصرى، واحتفالية افتتاحها، والصراعات السياسية والاقتصادية الناتجة عن الديون اهتمت د. شاهندة بدراسة ثلاث سير ذاتية لثلاثة كتاب وهم سمير أمين الذى يعتبر بورسعيد هى المدينة التى تكونت فيها أفكاره السياسية حيث يقول «فى أيام الأحد والخميس كان جدى يأخذنى للتمشى طويلا بطول أرصفة الميناء أو عبر المصرية إلى بورفؤاد... كنا نتحدث بلا انقطاع وكان بهذه الطريقة يعلمنى الأشياء (مثل كيفية تحرك السفن) وكذلك السياسة، كما كتب أيضا: «وكانت هذه الفرصة لوالدى للانتقال إلى طاولة بعض الأصدقاء أو العكس لمناقشة الشئون العامة والسياسية. وكانت هذه فرصة لى لتتبع الحديث باللغة العربية السليمة، وبعدها كان والدى يلخص لى بالعربية ما قيل من معلومات قد تهمنى».
كما يحكى المؤرخ د. رؤوف عباس- أيضا ذكرياته فى مدينة بورسعيد مستخدما فى كتاباته ضمير الغائب (ولد صاحبنا فى الرابع والعشرين من أغسطس 1939، أحد مساكن عمال السكة الحديد ببورسعيد، وتقع بالقرب من كوبرى الرسوة الذى يعبر عنده الخط الحديدى ترعة الإسماعيلية عند طرفها الشمالى فى الطريق إلى مدخل محطة بورسعيد.
أما بالنسبة  لسيرة الكاتب نجيب أمين فيتحدث من خلالها عن مدينة السويس وعن حياة الطبقة المتوسطة.
>>>
وفى ختام الجلسات استعرض د. خالد أبوالليل قرار تأميم القناة فى الوجدان الشعبى المصرى فقال «دى كانت سنة 56، عبدالناصر الله يرحمه أمم قناة السويس لأن اللى ماسكينها كانوا أجانب. قال: اللى يمسكها مصريين. وهو ده عبدالناصر كان عايز كل حاجة فى إيد المصريين. ولما مسكها المصريين ماعجبش طبعا الاستعمار، لأنهم أصلا كانوا مستعمرينا. راحت جاية اسرائيل وفرنسا وانجلترا». هذه شهادة الحاجة أم هيثم، واحدة من المصريات اللائى عاصرن قرار تأميم قناة السويس، وعاصرت الأحداث السياسية والاجتماعية المترتبة عليها، بالرغم من أميتها، وبأنها واحدة من المصريات المهمشات التى كانت تعيش فى فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر، فإن ذاكرتها لاتزال تحفل بالكثير من الآراء والتفاصيل، فى بحثنا نحاول اعادة صياغة تاريخ التأميم من وجهة نظر اجتماعية، فرغم مرور ما يقرب من ستين عاما على قرار التأميم غير أن هذا الحدث بكل تفاصيله لايزال حاضرا فى ذاكرة المصريين، ولقد تعددت الآراء حول الموقف الشعبى عن قرار التأميم، ما بين مقدر له، واعتباره قرارا تاريخيا مهما أفاد مصر، وأنه عودة للسيادة المصرية على أراضيها، وهناك من يرى أنه قرار الهدف منه التلميع السياسى لعبدالناصر، حيث كانت القناة قد أوشكت على أن تؤول للمصريين بحسب المعاهدات الدولية، فلم يكن هناك داع لاستعداء الغرب ، وأوضح د. خالد أن التاريخ الرسمى قد أغفل تفاصيل كبيرة حول هذه الحقبة التاريخية، وأن الاعتماد على ذاكرة المسنين ممن عايشوا أحداث قرار التأميم سيعيد بناء وتاريخ تلك الحقبة.
ولفت د. أبوالليل إلى أنه قبل عام 2011، كانت الشريحة المقصودة بالسؤال تتخوف من الادلاء بشهاداتها فى هذا الأمر، ولكن بعد 2011 أصبح لدى هذه الفئات العمرية الرغبة فى الحديث.