رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

لا شيء يتلاشي .. كل شيء يتحول


للفنان : أحمد عسقلاني

للفنان : أحمد عسقلاني

مني عبد الكريم
11/17/2018 11:23:25 AM

»لا شيء يتلاشي.. كل شيء يتحول»‬.. تحيلك تلك العبارة لمزيد من الأسئلة تبدأ من الداخل وتتحرك رويدا رويدا إلي الخارج أو العكس، بكل تلك الحوادث التي مرت بنا وآثارها علي الحاضر .. بالذاكرة وتحولاتها ومنتجها بتاريخنا الشخصي.. أما حين يتعلق الأمر بالفن فإن مزيدا من الأفكار تتولد حين نفكر في مسارات التحول، خاصة فيما يتعلق بالعمل الفني المعاصر الذي يتم إنتاجه في اللحظة الآنية وعلاقته بما سبقه سواء كان ذلك له علاقته بالتاريخ الفردي لمنتجه أو بالتاريخ المجتمعي والسياسي ثم تاريخ الفن ذاته، قبل إعادة تفسير كل المعطيات وتحويلها وتشكيلها في طرح فني متطور هو في ذاته يشبه أحيانا الكائن الحي الذي لا يكف عن النمو.
ربما جاء اختيار قصر الأمير محمد علي بالمنيل لاستضافة معرض »‬لا شيء يتلاشي.. كل شيء يتحول» مثيرا للاهتمام علي أكثر من صعيد.. فلم يكن مجرد مكان تاريخي لاستضافة حدث فني معاصر بمشاركة أكثر من 30 فنان من مختلف الأجيال، بل الأهم هو ربط كل فنان للعمل الذي قدمه بالمحيط الذي احتضن العمل، لينتج ذلك عدد لا نهائي من الأفكار والرؤي.. طارحا مزيجا من الأسئلة حول علاقة الفنان بعمله، وعلاقة العمل بالمحيط، وعلاقة ذلك بالمتلقي، وغير ذلك.
تقول نادين عبد الغفار منسقة المعرض: إن المعرض يأتي في محاولة لاكتشاف أفكار حول حيثيات الأماكن والفضاءات والمواد الملموسة والتاريخ، حيث يأخذنا المعرض إلي التفكير في الفروقات بين مفهوم الفعل الافتراضي للتلاشي ومفهوم التحول. مضيفة: إن تنوع أساليب التعبير وتعددها في الفن المصري المعاصر يتيح لنا المجال لتشريح وتفكيك مفاهيم الزمان والمكان.
يأتي هذا المعرض كثاني المعارض التي تنظمها شركة أرت دي إيجيبت في محاولة لربط الفنون المعاصرة بالأماكن التاريخية المختلفة في مصر. وكانت الشركة  قد نظمت في العام الماضي معرض »‬الضوء الخالد» الذي أقيم في المتحف المصري مثيرا حالة كبيرة من الجدل خاصة وأن الجمهور لم يتمكن من مشاهدة العرض داخل المتحف الذي لم يستمر سوي بضع ساعات، إضافة إلي أن المعروضات لم يكن لها علاقة حقيقة بالمحيط التاريخي للمتحف، علي عكس التجربة الحالية. إذ يتيح المعرض هذا العام فرصة التمتع بمشاهدة أعمال فنية معاصرة داخل قصر المنيل الذي يضم عددا من المباني الرائعة وحديقة خلابة ويقع في جزيرة الروضة. وقد شيده الأمير محمد علي ابن الخديوي توفيق وشقيق الخديوي عباس حلمي الثاني، ففي عام 1902 اشتري الأمير أرض بلغت مساحتها 61,711 متر مربع، وكانت في هذا الوقت حديقة غناء تتضمن سكن النبيل الفرنسي دوق دامون وفيليكيير. وقد صمم الأمير بنفسه التصميمات المعمارية للقصر وأشرف علي كل تفصيله من تفاصيل البناء والديكور وتنفيذ الحدائق بنفسه، ليكتمل البناء بحلول عام 1937، ليعكس شخصية الأمير وحبه للفن. ويضم هذا المتحف المفتوح مجموعة فريدة من نوعها من القطع الأثرية الفارسية، والعثمانية، والمملوكية، وأحجار الروكوكو، والقطع المعمارية المذهلة.
وحيث إنه لا يمكن فصل تاريخ المكان عن الحدث، كان السؤال الملح هو كيف يمكن التعامل مع التاريخ الذي يحمل جوهر تلك التحولات التي تؤكد استمرارية كل شيء مع اختلاف مظهرها.. في قراءة مختلفة للتاريخ يقول الفنان شادي النشوقاتي في محاضرة شيقة أقيمت بالتوازي مع المعرض: إنه يمكن قراءة التاريخ علي أكثر من وجه وكل منهم يفسره بطريقة مختلفة أولها ككيان سردي، ثم باعتباره كيان عضوي له خلايا تنقسم وتحتفظ بعضويتها وكذا باستمراريتها، ثم هناك التفسير المعماري للتاريخ وهو تفسير غير تقليدي، بمعني أن نراه كمبني ندخل إلي بنائه ونتأمل مناطق ارتكازه التي تعتبر أكبر مناطق مهمة للتاريخ، ثم التفكير فيما يجعله متماسك، حيث تتيح لنا معرفة مناطق القوة والضعف في التاريخ إمكانية قراءته ومن ثم إعادة بنائه وتفسيره، بل وأحيانا هدمه وبناؤه مجددا، فالتعامل مع المناطق الأساسية في الهيكل وتغييرها يجعله بناء ثاني، هناك أيضا فكرة التعامل مع التاريخ كجسم إنساني، حيث يقوم الجسم علي فكرة وجود كيان شمولي واحد مع تعدد الأجهزة التي يضمها لكنها في النهاية تعمل معا في تناغم لصالح كيان واحد.
يضيف شادي أنه أعتبر أن هذا القصر هو تاريخ بديل عن فكرة الجسم، فحين عرف أن تاريخ القصر مهجن بمعني أن القصر تم تجميعه من مناطق مختلفة كان هذا ملهما للغاية، فالقصر هنا هو الجسم الذي تم تجميعه بمنتهي الاتقان.قدم شادي عمل يحمل اسم المستعمرة (أصوات قطرات الدموع السبعة )، ومشروع المستعمرة هو مشروع فني بحثي بدأ عام 2003 يقدم في عدد من الأجزاء المتسلسلة.. ويعتبر هذا العمل الذي عرض مؤخرا »‬أصوات قطرات الدموع السبعة» هو استكمال للمنطقة الأخيرة من المشروع الأول، حيث يبدأ من أسطورة نشأة العالم القديم كنقطة بداية جديدة، في البحث عن المفهوم الكوزمولوجي للكون: نظريات خلق العالم وعلاقتها بمفهوم الجسد وعمليات التجسد »‬عمليات التقمص والتحول والميلاد الجديد للجسد في الأساطير القديمة» ويفترض رؤية قد تتساءل عن إمكانية فهم مغاير لعملية الخلق نفسها كمراحل معقدة من استخدام لمنهج التباديل والتوافيق الحسابي والأنظمة البنائية لعلوم الطبيعة.
في القاعة المواجهة للنشوقاتي عرض محمد منيصير كذا مشروعه الفني والمعروف أن منيصير يتمتع بحالة من الخصوصية، حيث يقوده بحثه الدؤوب في الشكل إلي تجليات بصرية، قدم منيصير عمله القاموس من أوراق قماش تم تحضيرها لتشبه المخطوط القديم باستخدام مواد عضوية، في محاولة لفهم الروح ينطلق منيصير من عناصر الكون الأربعة التراب والنار والهواء والماء لاستخلاص ثلاثة عناصر أخري تتمثل في الطاقة والطبيعة والمصدر، يتطور المشروع الفني ليصبح أكثر تفاعلا إذ يقوم منيصير بتجربة تعتمد علي قلب المتلقي للوحات علي الوجه الآخر،يقوم المتلقي باختيار ثلاثة أعمال وترتيبهم بشكل ما تعكس أفكار محددة في اللحظة الحالية، ولا تتوقف التجربة عند هذه المرحلة إذ ينوي منيصير الاستفادة من نتائج هذا العرض التفاعلي في معرضه القادم.
وتتنوع الأعمال المعروضة بصورة مذهلة، حيث يوظف الفنانون كل المساحات والأشياء المحيطة بما في ذلك الأسرة والمخلفات والفاتارين الأثرية ففي عملها »‬ نهاية سعيدة» توظف الفنانة نادين اتش التراكيب الصوتية والإسقاط الضوئي كي تعرض الأجواء الخاصة للحياة الملكية كمساحات للسعي وراء السلطة والمال من خلال الاستعانة بسرير أحد الحجرات، فتصبح الملاءات قصر المنيل المصنوعة من القطن حاملة لعدة قصص تاريخية، وهنا يتحول القطن لجسر بين الماضي والحاضر فيرتبط بتاريخ مصر المنسي والمعاد تذكره من جديد.. أما هدي لطفي ففي أحد عمليها »‬مخلفات» تؤكد علي مفهوم الاستمرار والتحول إذ قدمت تراكيب من مراتب ومقاعد وجرائد قديمة، وهو عمل عفوي ارتجالي ظهر في إحدي حجرات القصر نتيجة الأعمال التي يقوم بها عمال النظافة .. وتكديسهم للأشياء المهملة قبل تخزينها بعيدا عن الأنظار.. فمن خلال استخدام الإضاءة الخاصة يجد هذا التركيب المجمع حياة جديدة كتعبير فني وتعليق علي »‬حالة الأشياء». في نفس الغرفة عرضت الفنانة فريدة الجزار أعمالها داخل فاترينات أثرية، حيث تختبر الفنانة فيها شكل العمارة الحالية التي تمتد علي أطراف المدينة، إنها تستلهم أعمالها من البنية التحتية للمدينة، توثق تطورها المعماري وكيف يعكس ذلك الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن الذي يعيشه الناس.
إن كل عمل من الأعمال العديدة المعروضة يحتاج لقراءة خاصة، إذ قدم كثير من الفنانين أعمالا خارج القوالب المعروفة بحيث أصبح توظيف الصوت والصورة القادمة من الماضي أمر مالوفا، فمثلا من خلال عدة زيارات إلي قصر المنيل استنتج مجدي مصطفي أنه لابد من أن هناك غرف مفقودة أو حمام بخاري رخامي للأمير، كانت الغرفة موجودة لكنها كانت مغلقة خلال عملية الترميم، بإيحاء من هذه الغرفة أنشأ مصطفي تركيبا خاصا بالموقع من عناصر الصوت والضوء المختلفة .. حيث قام بتسجيل صوتي لسيناريو افتراضي لبعض عمليات التحول الطبيعي بمعني ضغط الماء داخل الفراغات المختلفة وتدفق البخار والتكثيف واهتزاز الأنابيب المعدنية ثم تصميم هذا المجال من الأصوات المختارة ليعيد هذه العناصر إلي الحياة،أما عمل محمد عبد الكريم »‬الناجي الوحيد من الأحداث » فهو أيضا عمل مؤلف من شريط صوتي وأزياء، وهو قائم علي الدراما الإذاعية والعناصر والرسوم التوضيحية التي تعرض الصراع حول تاريخ المنيل في القرن التاسع عشر.. تعرض الدراما الإذاعية قصة مختلفة عن الهاربين وتستكشف أولئك الذين لم يتقبلوا مشروع محمد علي باشا للتحديث والتطوير.
لقد احتاج الأمر من الفنانين أكثر من مجرد زيارات عابرة إذ يغوص كل منهم في تاريخ القصر يستمع إلي الأصوات القادمة من الماضي وينسج قطعة إضافية تعيد تفسير نقطة ما من تاريخ المكان، فالفنانة نهال وهبي قامت بزيارة المكان أكثر من أربع مرات في كل مرة تكتشف شيئا جديدا، يقوم عمل وهبي علي ثلاثة تركيبات منفصلة، كل منها يفسر فكرة أو عنصرًا فريدًا من نوعه في القصر. يتكون التركيب الأول وهو التركيب العثماني، من الورود المحفوظة والمستوحاة من عملية التحنيط المصري القديم في إشارة إلي مصر القديمة وبداية تاريخ الفن المصري. أما التركيب الثاني »‬أنيما ميا» فهو مستوحي من مجموعة الفراشات المحنطة و المعروضة ضمن المجموعة الخاصة للأمير محمد علي توفيق، حيث يعبّر العمل الفني، من خلال رمز الفراشة عن مفهوم التغيير والنمو والتحول كما هو مشار اليه في الأساطير اليونانية القديمة. وتعبّر الفراشة أيضًا عن أرواح الموتي.وأخيرا التركيب الثالث الذي قدمته الفنانة بعنوان »‬كتاب الذكريات» وهو مجموعة مختارة من الأشعار والكتابات الموجودة علي جدران القصر، يحتوي هذا العمل علي هذه الكتابات متداخلة مع رسومات مستوحاة من عناصر تصميم القصر. وكي تتمكن نهال من فك الخطوط وقراءة ما ورائها استعانت بخبير خطوط متخصص .
لكل مكان روحه الخاصة التي تؤثر بالتأكيد في كل ما يقترب منها، إن روح المكان هنا أعطت الكثير للفنان والزائر فالأماكن تكتسب ضوءا جديدا من وجود الفنانين بها، الأمر الذي تحدث عنه الفنان محمد عبلة الذي قدم في هذا المعرض تجربة »‬نوستاجيا» حيث يقول الفنان : بدأت من سنوات بعيدة في جمع الصور الفوتوغرافية القديمة وخصوصا مرحلة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، في رأيي مصر كانت في ذروة نهضتها ويقظتها في تلك الفترة .. وفي عام 2006 بدأت في مشروع نوستالجيا الذي كنت أحتفي به بهذا العالم وكأن أشخاص ذلك الزمن هم أبطال لوحاتي، واليوم أشعر بسعادة خاصة لعرض هذه الأعمال في قصر محمد علي الذي أراه حضن كبير يحتوي الأعمال.
لا شك أن كثير من الأعمال ذابت تماما في المحيط وكأنها ولدت من رحم القصر منذ عشرات الأعوام، إذ يبدو أعمال كثير من الفنانين وكأنها جزء أصيل من المكان ومنهم الفنان حازم المستكاوي والفنان خالد حافظ والفنانة ملك ياقوت والفنانة ياسمين المليجي التي شعرت لوهلة أن أعمالها بالفعل هي بقايا حديقة القصر.
ربما كان من الصعب تأمل كل الأعمال في مرة واحدة، عن نفسي قمت بزيارة المعرض ثلاث مرات، إذ زرته في اليوم الأول خلال العرض التمهيدي الذي سبق الافتتاح الرسمي، في المرة الثانية ذهبت كزائر عادي وهنا أقف كثيرا عند أداء القائمين علي المكان في التعاطي مع الحدث، حيث تم منع الزوار من مشاهدة الأعمال الفنية الموجودة بالحدائق وكذا بعدد من الغرف بدعوي أنها مغلقة للترميم، وهو ما عرض عدد من الفنانين للظلم، فما هو الدافع من وراء عرض أعمال فنية في غرف مغلقة لا يراها الجمهور، إذ كان من الأحري فتح تلك الغرف خلال فترة المعرض، أو البحث عن حلول بديلة عن منع الزوار من مشاهدة الأعمال الفنية، ثانيا لم تكن هناك علامات إرشادية كافية ولم أتمكن من الحصول علي خريطة آنذاك، وهو ما تسبب بلا شك في تفويت الكثير من القاعات والأعمال الفنية.
لكن علي الجانب الأخر يأتي هذا المعرض كتجربة متميزة كما ذكرت آنفا من بينها الأعمال التي تم تقديمها خصيصا للمعرض، كما طرح المعرض تجربة يمكن الاستفادة منها في زيادة دور القطاع الخاص في ضخ دماء جديدة في المشهد الثقافي، وطرح آليات لإمكانية التشبيك والتعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص بما يعود بالنفع علي الجانبين، إذ يذكر البيان الصحفي الصادر عن الشرة المنظمة: إن الهدف هذا المعرض هو خلق سوق جديدة للفن المصري، وتسليط الضوء علي غموض وثراء المشهد الثقافي المصري، كما يطمح أن يلفت الانتباه إلي المبادرات الخاصة بإصلاح متحف قصر المنيل. وبالتزامن مع هذا، نجحت الشركة المنظمة في مساعدة وزارة الآثار في الحصول علي رعاية خاصة من جهات مانحة من القطاع الخاص لكفالة العديد من المشاريع الحيوية في متحف قصر المنيل.
كذلك حرص المنظمون علي الاستفادة من الحدث بأكثر من طريقة، فطوال فترة المعرض تم تخصيص يوم السبت لتنظيم لقاءات فنية بمشاركة نخبة من أساتذة الفن لإتاحة الفرصة للطلاب المصريين للتعرف علي المشهد الفني العالمي. حيث تم الاحتفاء بالفنان الرائد الراحل حامد عبدالله إبن المنيل واحد عظماء التشكيليين المصريين وذلك من خلال محاضرة فنية ونقدية حاضر فيها الباحث الفني البريطاني مراد مونتَزامي متحدثاً عن كتابه حول مسيرة الفنان الكبير وأهم النقاط التي جذبته نحو هذه الشخصية المتفردة.
جدير بالذكر أنه يُشارك بالمعرض نخبة من أهم تشكيلي مصر المعاصرين وهم »‬آدم حنين، عصمت داوستاشي، خالد حافظ، حازم المستكاوي، أحمد فريد، سعيد بدر، محمد عبلة، هدي لطفي، نهال وهبي، أحمد قرعلي، ضياء الدين داوود، أحمد عسقلاني، ماهر داوود، محمد منيصير، علياء كامل، إسلام شبانة، مروان الجمال، فريدة الجزار، ملك ياقوت، مجدي مصطفي، شادي النشوقاتي، ياسمين المليجي، ساركيس طوسونيان، نادين، محمد عبدالكريم، ماجد ميخائيل، غادة أمير، أحمد بدري».