رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في الذكري الثالثة لرحيله : إدوار الخراط .. غنائية السرد


د. رضا عطية
12/14/2018 12:52:10 PM

تمر هذه الأيام الذكري الثالثة لرحيل إدوار الخراط (1926- 2015) الذي يتجاوز  كونه أحد أعمدة الرواية العربية الجديدة إلي اعتباره مبدعًا شاملاً، متشجر المواهب، موسوعي المعارف، جمع إلي جانب كتابة الإبداع السردي رواية وقصة وكتابات سير، الجهد النقدي الذي شمل نقد السرد والشعر والفنون التشكيلية. ورغم انتمائه لجيل كُتَّاب الرواية الستينية الذي مثَّل تيارًا طليعًا وموجة ثالثة بعد جيلي المؤسسين الأُوَل كمحمد حسين هيكل وجورجي زيدان والمطورين كنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم- إلا أنّه يسبق رفاقه الستينيين بكتاباته الأولي- لاسيما القصصية- في حداثة عمره في بدايات الأربعينيات من القرن الماضي، تلك التي لم يبادر بنشرها إلا في أواخر الخمسينيات كمجموعة »حيطان عالية»‬.

ينتمي سرد إدوار الخراط إلي عالم شديد الخصوصية، تتراوح وتتنوع أفضيته المكانية بين الحضر والريف، السهول والصحاري،  المدن والقري، شمال مصر، وجنوبها، الصعيد، إلا أنّ مدينة الإسكندرية تحتل مساحة بارزة من فضاءات المكان عند الخراط تتجاوز كينونتها المكانية فيقول عنها إدوار الخراط: »‬الإسكندرية عندي هي نفسها الفعل الروائي،  بمعني ما، هي قوة فاعلة، وليست مادة للعمل ولا مكانًا له»، فالإسكندرية هي الموضوع الذي يسكن الذات، كذا، فقد يمسي المكان، الإسكندرية، لدي الذات، هو ظلها وشطرها الآخر، هو المنطلق والقِبلة، تصير الإسكندرية كالرحم للذات التي ترتبط بها ارتباطًا مشيميًّا أو كالمعشوقة التي تنجذب إليها الذات في نزق جارف وتتعلق بها في تلذذ شبقي،  كما في رواية »‬ترابها زعفران» حيث يبتدئ السرد من عهد الأربعينيات من القرن الماضي باجترار ذكريات الطفل »‬ميخائيل» في الإسكندرية ثم صباه وحداثته، واللافت في عنوان الرواية »‬ترابها زعفران» أنّها تُمثِّل شطرًا آخر من القول الفلكلوري »‬إسكندرية مارية، وترابها زعفران» وكأنّ الشطر الأول (إسكندرية مارية) الغائب عن التصريح المباشر هو حاضر في الوعي وقار في اللاوعي ويظلل العنوان »‬ترابها زعفران» ويحتويه. كما يحتل الأقباط، مسيحيو مصر، مساحة لافتة من سرد الخراط لدرجة أنّهم يمثلون أحيانًا كل الشخصيات والأصوات في بعض نصوصه.
يتسم سرد الخراط بدرجة عالية من الغنائية التي تبدو جلية في ذاتية الحكاية التي غالبًا ما تنبني علي قضية ذاتية لصوتها البطل، البطل الذي يغني مواجده ومكابداته، آلامه وأحلامه، سردًا يتدفق في لغة شعرية. سرد يطغي عليه صوت هذا البطل الذي يكون متنًا للحكاية والعالم بمثابة خلفية. فيأتي أغلب أبطال سرد إدوار الخراط من نوعية البطل الإشكالي الذي يجابه أقدارًا معاندة ورياحًا مضادة عاتية، ذوات في مهب اللامواتاة.
علاقة الذات بالآخر لاسيما المرأة- في سرد إدوار الخراط- علاقة قلقة، متذبذبة، نقصٌ يبحث عن اكتمال، احتياجٌ ينشد إشباعًا، ذات رُبما تبحث عن نفسها في آخَرها هذا. غير أنّ هذا الآخر يمثل تحديًّا غامضًا للذات، جحيمًا يُفاقم أرق الذات الوجودي ويُشعِل هواجسها وتوتراتها وهو ما يُحمِّل سرد الخراط بطاقات نفسية، فتسعي حركات السرد لاستبطان أعماق شخوصه واجتراح تردداتهم النفسية واستكناه انفعالاتهم الشعورية، ولكن تبقي هالة من الغموض تُغلِّف الآخر وتُعقِّد علاقة الذات به.
في رواية »‬رامة والتنين» (1980) تمسي علاقة الذات »‬ميخائيل» بالآخر »‬رامة» فيضًا من الأسئلة الإشكالية المتمددة بلا حسم، فيصف السارد محاولة اقتراب »‬ميخائيل» من أنثاه، الآخر، »‬رامة»:
كانت وديعة كطفلة، تحت غطائها. وكان يحس دفء جسمها يملأ لحظته كلها. ولم يكن يعرف، عندئذ، قيمة الكنز الذي بين يديه. رصيد من الحب والدفء ضيعه إلي الأبد. كان يبحث، رغمًا عنه، عن صدق موهوم. كان مدفوعًا به إلي الخلف دائمًا بقوة يقاومها وتستنفده. وكان ما يزال مبهورًا في صدمة كشف لا يُصدَّق. يصارع نفسه. ألن يتعلَّم أبدًا كيف يطلق نفسه من إسارها؟ ليس من صدق أبدًا إلا هذا الصدق الوحشيّ العاري الأول، صدق صدمة الالتقاء الذي لا يقاوم بين جسدين- أكثر بكثير من جسدين- في تجاذب يكتسح كل انفصال، تلاحم انفجار نواة الكون نفسه، ارتطام الأفلاك بقوة قانون لا يُقهر، التفاف العناق والالتصاق الحميم الذي لا ينفصم، وقبلة الاعتصار والشوق الذي لا تحده حدود.
إن الآخر- هنا- المرأة، »‬رامة» يمثل الهبة والفقد، المتعة والألم، الصدق والوهم في آن، جماعًا من المتقابلات والأسئلة الحائرة التي تتفجر في الذات، الذات التي تنشطر وتتمزق في صراع نفسي محتدم. الذات عند إدوار الخراط تبدو وكأنّها تفتش عن حالة الطبيعة الأولي للإنسان، الطور البدائي والوحشي له، لذا تصير علاقة الذات بآخرها، الرجل بالمرأة، ميخائيل ورامة والتقاؤهما الجسدي أكثر بكثير من اتصال جسدي،  فالجسد- في سرد الخراط- أكبر بكثير من جسدانيته، وكأنّه، الجسد، هو الكون بالنسبة للذات، وكأنّ تلاقي الذوات عبر الاتصال الجسدي هو بمثابة عملية خلق جديد للكون. وكأنّ رؤية العالم- كما في سرد الخراط- تتبني منظور الحداثة العالية ورؤي مابعد الحداثة التي تَحوَّل معها مفهوم الهوية من الجمعية إلي الذاتية، ومع الطرح بذاتية الهوية كان الإعلاء من شأن الجسد كمجال تحقق للهوية.
وكما هو بادٍ من المقطع السابق، فإنّ الغالب علي الخطابات السردية- لدي الخراط- هو استخدام الضمير السردي الثالث، الضمير الغائب، هذا الضمير الذي يُتيح للسارد التقافز بين الأزمنة والتجوال بحرية في الأمكنة، ويُموضع السارد في وضعية (الرؤية- من الخلف) بما يُمكِّنه من امتلاك رؤية بانورامية لفضاءات السرد ومجري أحداثه وتحولات علاقاته، وما يحمله أصوات النص من رؤي وأيدولوجيات.
كان لإدوار الخراط إسهام قصصي متنوع كما في مجموعات مثل: »‬حيطان عالية» (1959)، »‬ساعات الكبرياء» (1972)، »‬اختناقات العشق والصباح» (1983)، »‬أمواج الليالي»  (1991)، »‬إسكندريتي»  (1994).
يُبرز عنوان المجموعة القصصية الأولي للخراط »‬حيطان عالية» ثورة الأدب التي تساوقت مع تأسيس مشروع النهضة المصرية ودعوات لما يمكن أن يُسمي بتمصير لغة الكتابة وحقنها بمفردات من الاستخدام العامي للغة كما بدا في دعوات سلامة موسي في ثلاثينيات القرن العشرين التي انحازت بشكل كبير لجعل العامية لغةً للكتابة، وهو ما بدا في استخدمات المبدعين المجددة في لغة كتابتهم كما في عنونة يوسف إدريس لمجموعته القصصية الأولي »‬أرخص ليالي»  متجاوزًا القاعدة النحوية السائدة بحذف ياء المنقوص كما في كلمة »‬ليالي»  ما مثَّل نوعًا من الجسارة الإبداعية في انتهاك تابوهات الإلزام اللغوي وخلخلة جموده، وهو ما تنامي مع الأيدولوجية الثقافية التي بدأت تسود- لاسيما بعد ثورة يوليو 1952- بمناصرة الثقافة الشعبية بما يتيح للأدب والإبداع تثوير خطاباته وتمثيل الواقع ومحاكاته والاقتراب من مستوي الأداء اللغوي السائد.
تعاين قصة »‬حيطان عالية» معاناة البطل، هذا الموظف البسيط الذي يعمل بأحد مخازن القطن، برسم عذاباته التي تحاصره كـ»‬حيطان عالية»:
وهو إنما يطلب من حبه القديم أن تتهدم فيه أسرار هذه الوحدة، ويمضه شعوره أن لا جدوي هناك، فامرأته صامتة وغريبة، أجنبية. وهو وحيد أبدًا. وهو يهم أحيانًا أن يهتف بها أن يزعق فيها، لكي تكلمه، لكي تقترب منه، لكي تمد إليه يدها، تفعل شيئًا، أي شيء، يُشعِره أنه ليس غريبًا، هو، ليس شيئًا، هو، آتيًا، من مكان آخر غير معروف، ليس منفيًا ملقي به في العراء، أنه ليس وحده، وحده، وحده مقضيًّا عليه دون خلاص بهذه الوحدة التي لا تُطاق.
يبدو الخطاب السردي-  هنا- كمرثية للفقد، فقد الذات للآخر، فقد الحب القديم، فقد الأمل في النجاة من حصار الوحدة، تلك الوحدة التي يتفاقم إحساس الذوات بها كحيطان عالية. فالذات تعيش بمنفي، ليصير المكان الواحد »‬البيت» الذي يجمع الزوجين، الحبيبين القديمين، جزرًا منعزلة، محاصرة بالوحدة. ويعمل البناء التركيبي لجمل إدوار الخراط الذي يتسم بالاكتناز ما يُسرِّع من إيقاعات الخطاب، كما يعمل تكرار كلمات بعينها مثل (لكي) و(وحده) لثلاث مرات علي خلق إيقاع موسيقي يرفع من شعرية لغة السرد كما يجسد تلهف الذات لأي فعل من آخرها نحوها، وكذلك يعكس إلحاح الشعور بالوحدة والحصار علي الذات.
أما في قصة »‬الشيخ عيسي» من نفس المجموعة فيعاين السرد أسوار العزلة التي ورثها الشيخ عيسي عن أبيه وما فرضه من أسوار القهر علي ابنه مخلوف الذي ماتت أمه عند ولاته لتكون بمثابة »‬حيطان عالية»:
وكان ابنه مخلوف ينمو بين قريباته العجائز، لا يري أباه إلا لماما. والشيخ كأنه يقهر الطفل برغبته، كأنه ولي يهبط ليهيل له أكوامًا من الحب دائمًا، والزجر والتأديب أحيانًا، ويملأ نفسه بحلوي محبته الخشنة الخام كحلوي المولد، ويلهمه مع ذلك بهيبة الشيخ والأب والمؤدب.
- إلي جهنم هذا الولد. ماذا عساه يفعل الآن؟ ماذا عسي يكون شأنه ونادية بنت عبد الدايم؟ أهناك ما يصل بينهما؟ أهي تقولات القرويين الذين لا تهدأ لهم ثرثرة، كهذا الدجاج الذي ينق في قلة عقله وسفاهته؟
- هذه البنت. طفلة ما تزال. ولكن يالله، يا لهذين النهدين عندما يترجرجان. ويا لهذا العود الناعم. هذه الطفلة قد فارت وقامت أمامه فجأة امرأة مثيرة مشتهاة، شيئًا يتحداه ويدعو فيه الرجل المتملك الذي يمزق، بل يشق ويقضم ويمزع ويعتصر.
يكشف السرد في هذه القصة عن أسوار الحرمان والقهر واليتم التي حاصرت الابن مخلوف، في مقابل أسوار الترهيب والمنع حتي ما كان يمنحه الشيخ عيسي لابنه مخلوف من حب يبدو محاطًا بأسوار خشنة من الزجر والتأديب.
يعمل التفات ضمائر السرد من الغائب، الضمير الثالث إلي المتكلم، الضمير الأول، علي رصد تحولات الشيخ عيسي إزاء ابنه مخلوف بعد تردد شائعات علاقته بالطفلة »‬نادية» بنت عبد الدايم التي دخلت طور البلوغ والأنوثة، واشتهاء الأب الشيخ لها بما يؤسس لجدران عزلة عاتية بين البنت »‬نادية» والصبي مخلوف، حتي ينال الشيخ عيسي ما رواده بالزواج من البنت التي تعلق بها ابنه مخلوف الذي يقرر الهروب من »‬البلد»، القرية.
يمثل هذا النص نموذجًا وعينة من الأدب الجديد في ذلك الحين من أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين الذي حمل لواء الثقافة البازغة- وقتها- بإدانة أيدولوجية السلطة البطريركية وانتهاك قدسية التسلط الأبوي،  عملاً علي خلخلة الثقافة السائدة التي تجعل من السلطة الأبوية »‬تابو»، غير قابل للانتهاك أو النقد، بالتساوق مع ثقافة ذكورية مترسبة في المجتمع تنظر للمرأة أو الأنثي- حتي في مراحل حداثتها وبلوغها الأولي- كجسد يمارس فيه الرجل رغباته العارمة وساديته العنيفة.